تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 25
1اعجابات

الموضوع: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    22

    افتراضي تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    بســـم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العاملين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد
    فهذا بحث مختصر في تحرير مذهب الإمام ابن تيمية في حكم الموالاة العلمية للكفار , والسبب الذي أوجب هذا البحث هو : أن كثيرا من المعاصرين قد اختلفوا في تحرير مذهبه في هذه المسألة , فمنهم من فهم من كلامه أنه يرى أن الموالاة العملية للكفار كفر أكبر , ومنهم من فهم من كلامه أنها ليست كفرا أكبر وإنما هي معصية دون ذلك , وزاد الخلاف بين الفريقين وتوسع , خاصة مع هذه الظروف المعاصرة التي كثر الكلام فيها حوله هذه المسألة , هذا كله مع أن كلام ابن تيمية موجود بين أيدينا , في كتبه ورسائله .
    فالبحث العلمي يتطلب الرجوع إلى كلامه هو نفسه , وجمع متفرقه , والتأمل فيه مع مراعاة أصول فكره وقواعده التي اعتمد عليها , ومنطلقاته , ومن ثم تحصيل رأيه في المسألة , وهذا ما أرجو أن يكون البحث قد حققه .
    وهذا البحث مكون من مسألتين :
    المسألة الأولى : كلامه الذي يدل على عدم التكفير بالموالاة العملية .
    المسألة الثانية : كلامه الذي فهم منه أنه يكفر بالموالاة العملية .

    المسـألة الأولى
    الذي يتحصل من كلام ابن تيمية رحمه الله أنه يرى أن الموالاة العملية للكفار ليست من جنس المكفرات , وأن من والى الكفار بعمله الظاهر فقط ليس كفارا , والذي يدل على صحة هذا من كلامه عدة أمور :

    الأمـر الأول : فتواه في من قاتل مع التتار , فإنه سئل عن حكم من قاتل مع التتار من أهل ماردين ضد المسلمين فلم يحكم عليهم بالكفر , هذا مع أنه يحكم على التتار بالكفر في تلك الفترة من تاريخهم , فهو إذن قد أفتى في قوم قاتلوا مع الكفار , أي أنهم تولوا الكفار بعملهم الظاهر بعدم الكفر , وهذه الفتوى صريحة في كونه لا يكفر من والى الكفار بعمله الظاهر .
    وهذا الأمر يتطلب أن نثبت من كلامه أمرين , وهما :
    1- كونه يحكم على التتار بالكفر .
    2- وكونه لم يكفر من قاتل معهم ضد المسلمين .

    أما بالنسبة للأمر الأول وهو كونه يكفر التتار , فمما يدل عليه من كلامه قوله :"لما ظهرت التتار وأراد بعضهم الدخول في الإسلام , قيل : إن هولاكو أشار عليه بعض من كان معه من الفلاسفة بأن لا يفعل , قال ذاك لسانه عربي ولا تحتاجون إلى شريعته "( ) , فقوله هذا فيه التصريح بأنهم لم يكونوا مسلمين , ومما يدل على ذلك من كلامه أيضا تسميته لهم مشركين وكفار , وفي هذا يقول :" ولذلك لما ظهر المشركون التتار وأهل الكتاب كثر في عبادهم وعلمائهم من صار مع المشركين وأهل الكتاب وارتد عن الإسلام إما باطنا وظاهرا وإما باطنا "( ) .
    وكلام ابن تيمية في تقرير كفر التتار في أول أمرهم كثير .

    وأما بالنسبة للأمر الثاني وهو كونه لم يحكم على من قاتل معهم بالكفر فيدل عليه فتواه في أهل ماردين , وهذا نص السؤال والفتوى :" سئل عن بلد ماردين هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟ , وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ , وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله هل يأثم في ذلك ؟ , وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا ؟ .

    فأجاب الحمد لله دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا , في ماردين أو غيرها , وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة سواء كانوا أهل ماردين أو غيرهم , والمقيم بها إن كان عاجزا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه , وإلا استحبت ولم تجب.
    ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم , ويجب عليهم الامتناع من ذلك بأي طريق أمكنهم , من تغيب أو تعريض أو مصانعة , فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت .
    ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق , بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة فى الكتاب والسنة فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم .
    وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة فيها المعنيان , ليست بمنزلة دار السلم التي تجرى عليها أحكام الإسلام , لكون جندها مسلمين , ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار , بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه , ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه"( )
    فهذه الفتوى لها أهمية بالغة في هذه المسألة , وذلك : أنه سئل فيها ابن تيمية عمن يقاتل مع الكفار ( التتار ) ضد المسلمين هل هو آثم أم لا , فحكم عليه بكونه آثما , ولو كانت عنده من الكفر الأكبر لبين ذلك ووضحه للسائل , فإطلاق لفظ التحريم لا يحقق الحكم بالتكفير لو كان يرى أنها كفر , لأن الكفر أخص من مطلق التحريم .
    وسئل أيضا عن حكم إطلاق النفاق على المعين ممن قاتل معهم , فحكم بعدم حل ذلك .
    فهذه الفتوى إذن مهمة جدا في مسألة الموالاة العملية , والسبب في ذلك هو أنها بحث في نفس صورة المسألة التي هي محل البحث , وهي من والى الكفار ضد المسلمين بماله أو بنفسه فما حكمه , بل هي في أصرح صورها وهي القتال مع الكفار , فابن تيمية يتكلم عن هذه المسألة بعينها فكلامه مباشر فيها ومتجه إليها أصالة , فكلامه هنا ليس عاما في مطلق الموالاة , وليس مأخوذا بالقياس بل بالنص الصريح .
    فكلامه إذن في صورة محددة من صور الموالاة للكفار , وليس في حكم مطلق الموالاة لهم , فيكون هذا الكلام له الأولوية في تصوير قوله في الموالاة العملية , دون غيره من كلامه الآخر المتوجه إلى مطلق الموالاة .
    وسئل أيضا في موطن آخر عن حال التتار , وعن حكم من قاتل معهم , وهذا نص السؤال , وهو نص طويل جاء فيه :" مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْفُقَهَاءُ ......فِي هَؤُلَاءِ التَّتَارِ الَّذِينَ يَقْدَمُونَ إلَى الشَّامِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ , وَتَكَلَّمُوا بِالشَّهَادَتَي ْنِ , وَانْتَسَبُوا إلَى الْإِسْلَامِ , وَلَمْ يَبْقَوْا عَلَى الْكُفْرِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ, فَهَلْ يَجِبُ قِتَالُهُمْ أَمْ لَا ؟ وَمَا الْحُجَّةُ عَلَى قِتَالِهِمْ ؟ وَمَا مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ؟ وَمَا حُكْمُ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِمَّنْ يَفِرُّ إلَيْهِمْ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ : الْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ ؟ وَمَا حُكْمُ مِنْ قَدْ أَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ مُكْرَهًا ؟ وَمَا حُكْمُ مَنْ يَكُونُ مَعَ عَسْكَرِهِمْ مِنْ الْمُنْتَسِبِين َ إلَى الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالْفَقْرِ وَالتَّصَوُّفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ؟ وَمَا يُقَالُ فِيمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَالْمُقَاتِلُو نَ لَهُمْ مُسْلِمُونَ وَكِلَاهُمَا ظَالِمٌ , فَلَا يُقَاتَلُ مَعَ أَحَدِهِمَا .
    وَفِي قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ كَمَا تُقَاتَلُ الْبُغَاةُ الْمُتَأَوِّلُو نَ ؟ وَمَا الْوَاجِبُ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَأَهْلِ الْقِتَالِ وَأَهْلِ الْأَمْوَالِ فِي أَمْرِهِمْ ؟ ........" ( ) .
    وأجاب بكلام طويل جاء فيه " ..........وَأَمَّا الْأَصْلُ الْآخَرُ وَهُوَ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِهِمْ - يعني التتار - . فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ جَازُوا عَلَى الشَّامِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى : عَامَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ وَأَعْطَوْا النَّاسَ الْأَمَانَ وَقَرَءُوهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِدِمَشْقَ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ سَبَوْا مِنْ ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ مَا يُقَالُ إنَّهُ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ وَفَعَلُوا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبِجَبَلِ الصالحية ونابلس وَحِمْصَ وَدَارِيَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ حَتَّى يُقَالَ إنَّهُمْ سَبَوْا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَرِيبًا مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَجَعَلُوا يَفْجُرُونَ بِخِيَارِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا كَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَالْأُمَوِيِّ وَغَيْرِهِ وَجَعَلُوا الْجَامِعَ الَّذِي بالعقيبة دَكًّا .
    وَقَدْ شَاهَدْنَا عَسْكَرَ الْقَوْمِ فَرَأَيْنَا جُمْهُورَهُمْ لَا يُصَلُّونَ وَلَمْ نَرَ فِي عَسْكَرِهِمْ مُؤَذِّنًا وَلَا إمَامًا وَقَدْ أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَذَرَارِيِّهِم ْ وَخَرَّبُوا مِنْ دِيَارِهِمْ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ . وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي دَوْلَتِهِمْ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ . إمَّا زِنْدِيقٌ مُنَافِقٌ لَا يَعْتَقِدُ دِينَ الْإِسْلَامِ فِي الْبَاطِنِ , وَإِمَّا مَنْ هُوَ مِنْ شَرِّ أَهْلِ الْبِدَعِ كَالرَّافِضَةِ والجهمية والاتحادية وَنَحْوِهِمْ , وَأَمَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَفْجَرِ النَّاسِ وَأَفْسَقِهِمْ . وَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ لَا يَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُصَلِّي وَيَصُومُ فَلَيْسَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ إقَامَ الصَّلَاةِ وَلَا إيتَاءَ الزَّكَاةِ . وَهُمْ يُقَاتِلُونَ عَلَى مُلْكِ جنكسخان . فَمَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِمْ جَعَلُوهُ وَلِيًّا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا وَمَنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ جَعَلُوهُ عَدُوًّا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ . وَلَا يُقَاتِلُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يَضَعُونَ الْجِزْيَةَ وَالصَّغَارَ . بَلْ غَايَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ مَنْ أَكَابِرِ أُمَرَائِهِمْ وَوُزَرَائِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ عِنْدَهُمْ كَمَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَا قَالَ أَكْبَرُ مُقَدِّمِيهِمْ الَّذِينَ قَدِمُوا إلَى الشَّامِ وَهُوَ يُخَاطِبُ رُسُلَ الْمُسْلِمِينَ وَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ . فَقَالَ هَذَانِ آيَتَانِ عَظِيمَتَانِ جَاءَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ وجنكسخان . فَهَذَا غَايَةُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ أَكْبَرُ مُقَدِّمِيهِمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَكْرَمِ الْخَلْقِ عَلَيْهِ وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ وَخَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ وَبَيْنَ مَلِكٍ كَافِرٍ مُشْرِكٍ مِنْ أَعْظَمِ الْمُشْرِكِينَ كُفْرًا وَفَسَادًا وَعُدْوَانًا مِنْ جِنْسِ بُخْتِ نَصَّرَ وَأَمْثَالِهِ.... .... "( ) , وأخذ يذكر ما عند التتار من كفر وجهل , ثم قال :" وَغَايَةُ مَا يُوجَدُ مِنْ هَؤُلَاءِ يَكُونُ مُلْحِدًا : نصيريا أَوْ إسْمَاعِيلِيًّا أَوْ رافضيا . وَخِيَارُهُمْ يَكُونُ جهميا اتِّحَادِيًّا أَوْ نَحْوَهُ , فَإِنَّهُ لَا يَنْضَمُّ إلَيْهِمْ طَوْعًا مِنْ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ إلَّا مُنَافِقٌ أَوْ زِنْدِيقٌ أَوْ فَاسِقٌ فَاجِرٌ . وَمَنْ أَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ مُكْرَهًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ عَلَى نِيَّتِهِ"( ) , فنص هنا على أن من دخل مع التتار لا يلزم ألا يكون إلا كافرا , بل قد يكون فاسقا كما هو واضح في صريح كلامه .
    ومن كلامه الخاص في حكم القتال مع التتار قوله :" وَأَيْضًا لَا يُقَاتِلُ مَعَهُمْ - غَيْرُ مُكْرَهٍ - إلَّا فَاسِقٌ أَوْ مُبْتَدِعٌ أَوْ زِنْدِيقٌ "( ) , فهو في هذا النص يذكر أنه لا يقاتل مع التتار إلا أحد هؤلاء الأصناف الثلاثة , فلو كانت موالاة الكفار عنده كفر دائماً لما ذكر الفسق هنا .
    الأمر الثاني مما يـدل من كلام ابن تيمية على عدم التكفير بالموالاة العملية للكفار : موقفه من قصة حاطب رضي الله عنه , فإنه رحمه الله قد تكلم عن هذه القصة في مواطن كثيرة , ويدل مجموع كلامه فيها على أنه يرى أن ما حصل من حاطب ليس كفرا أكبر مع تقريره أنها موالاة للكفار .

    وحتى يتضح كلام ابن تيمية في هذه القصة يقال : إن ابن تيمية أثبت في قصة حاطب أمرين , وهما :
    الأول : أن ما حصل من حاطب يعتبر موالاة وموادةً للكفار .
    والثاني : أن ما حصل منه ليس كفرا .

    أما بالنسبة للأمر الأول وهو أن ما حصل من حاطب يعتبر موالاة للكفار لأجل الدنيا , فمما يدل على ذلك من كلامه قوله :" وَقَدْ تَحْصُلُ لِلرَّجُلِ لرحم أو حاجة , فتكون ذنبا ينقص به إيمانه , ولا يكون به كافرا , كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي , وأنزل الله فيه ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) "( ) , وقال أيضا عن فعل حاطب :"فهذه أمور صدرت عن شهوة وعجلة لا عن شك في الدين , كما صدر عن حاطب التجسس لقريش مع أنها ذنوب ومعاصي يجب على صاحبها أن يتوب , وهي بمنزلة عصيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم"( ) .
    فابن تيمية في هذه النصوص يذكر أن ما حصل من حاطب يعتبر موالاة للكفار وموادة لهم , وأنه يعتبر من التجسس على المسلمين , وذكر أن ما حصل منه ليس شكا في الدين , وإنما حصل عن شهوة وعجلة .

    وأما بالنسبة للأمر الثاني وهو عدم الحكم على فعل حاطب بالكفر , أو القول بأن حاطبا فعل ما هو كفر , وهذا الأمر يثبت من كلامه بطرق منها :
    1- تصريحه بأن حاطبا لم يفعل ما هو كفر , وفي هذا يقول :" وَقَدْ تَحْصُلُ لِلرَّجُلِ لرحم أو حاجة , فتكون ذنبا ينقص به إيمانه , ولا يكون به كافرا , كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة " فهذا نص في أن ما فعله حاطب لم يكن كفرا .
    2- شرحه لحديث أهل بدر وبيانه أنه في كبائر الذنوب , ونفيه أن يكون في ما هو شرك أو في ما هو صغيرة , وفي هذا يقول :" قوله لأهل بدر ونحوهم :" اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" إن حمل على الصغائر أو على المغفرة مع التوبة , لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم , فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر , لما قد علم أن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة , لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر"( ) , فابن تيمية صرح هنا أنه لا يصح حمل هذا الحديث على ما هو كفر , فالذنوب المغفورة في هذا الحديث هي الكبائر , ومن المعلوم أن هذا الحديث قاله النبي صلى الله عليه وسلم جوابا على عمر رضي الله عنه لما حكم على حاطب بالنفاق , فيدل هذا الكلام على أن ما فعله حاطب ليس كفرا عند ابن تيمية , ولهذا حمل الحديث على الكبائر .
    ولهذا صرح أن ذنب حاطب مغفور بذلك العمل العظيم الذي هو شهوده بدرا , فقال :" وكان فيهم حاطب بن أبي بلتعه , وكانت له سيئات معروفة , مثل مكاتبته للمشركين بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم , وإساءته إلى مماليكه , ..... وثبت في الصحيح أنه لما كتب إلى المشركين يخبرهم بمسير النبي إليهم أرسل علي بن أبي طالب والزبير إلى المرأة التي كان معها الكتاب فأتيا بها , فقال :"ما هذا يا حاطب , فقال : والله يا رسول الله ما فعلت ذلك ارتدادا عن ديني , ولا رضيت بالكفر بعد الإسلام , ولكن كنت امرءا ملصقا في قريش لم أكن من أنفسهم , وكان من معك من أصحابك لهم بمكة قرابات يحمون بها أهاليهم , فأحببت إذ فاتنى ذلك أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتى , فقال عمر بن الخطاب : دعني أضرب عنق هذا المنافق , فقال النبي : "إنه قد شهد بدرا وما يدريك أن الله قال اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم" , وفي هذا الحديث بيان إن الله يغفر لهؤلاء السابقين -كأهل بدر والحديبية- من الذنوب العظيمة بفضل سابقتهم وإيمانهم وجهادهم ما لا يجوز لأحد أن يعاقبهم بها كما لم تجب معاقبة حاطب مما كان منه "( )

    3- تصريحه بأن عمر أخطأ في حكمه على حاطب بكونه نافق ,وجعله اجتهاد عمر من الخطأ المغفور , وفي هذا يقول :" والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية كما قد بسط في غير موضع كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث وكان لذلك ما يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه مثل من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته .... أو اعتقد أن من جس للعدو وعلمهم بغزو النبي صلى الله عليه وسلم فهو منافق , كما اعتقد ذلك عمر في حاطب , وقال دعني اضرب عنق هذا المنافق , أو اعتقد أن من غضب لبعض المنافقين غضبة فهو منافق كما اعتقد ذلك أسيد بن حضير في سعد بن عبادة , وقال انك منافق تجادل عن المنافقين"( ) , فقد نص هنا على أن عمر كان مخطأ في حكمه على حاطب بكونه قد نافق مع أنه قرر أن حاطباً قد تجسس على المسلمين , والتسلل نوع من الموالاة , ويؤخذ من هذا أيضاً أن ابن تيمية لا يرى كفر الجاسوس , وهو دليل آخر يؤكد أن قوله في الموالاة العملية .

    المسـألة الـثانـية

    كلام ابن تيمية الذي فُهِم منه أنه يكفر بالموالاة العملية

    فهم بعض من نظر في كلام ابن تيمية أنه يكفر بالموالاة العملية للكفار بناء على فهمه لبعض نصوص ابن تيمية , وسأذكر في هذا الموطن أهم أقوال ابن تيمية التي استدل بها من ينسب إليه القول بالتكفير بالموالاة العملية للكفار .
    وقبل أن نذكر تلك النصوص يحسن بنا أن ننبه على عدة أمور , منها :

    1- أن ابن تيمية لم يفرد مسألة الموالاة ببحث مستقل , وإنما تكلم عليها في مواطن متناثرة من كتبه , وكان بحثه لها من جهات متعددة , فهو تارة يتكلم عن الموالاة من جهة علاقتها بالإيمان وكونها أصلا من أصوله , وتارة من جهة دلالة النصوص التي وردت في الموالاة , وتارة من جهة تحديد المخاطب بتلك النصوص , وتارة يتكلم على نوع معين من أنواع الموالاة .
    وهذه الجهات لا بد من اعتبارها وملاحظتها في فهم كلام ابن تيمية , لأن مقتضى تلك الجهات ليس متحدا , فما يقتضيه الكلام على الموالاة من جهة كونها أصلا من أصول الإيمان لا يلزم أن يكون منطبقا على الكلام في فرد من أفرادها , وهذا الكلام سيأتي له مزيد بسط بعد قليل .

    2- أن نتذكر أن نسبة قول معين لعالم ما يحتاج إلى استقراء لكلامه , وجمع متفرقه , خاصة في مثل حال ابن تيمية , وذلك أن نسبة قول ما إلى عالم معين تعتبر خبرا من الأخبار , والخبر يجب على كل مسلم أن يصدق فيه , بل ويتحراه , نعم قد يتحرى المسلم الصدق في خبره ولكنه لا يبلغه فلا يكون آثما بعدم البلوغ والحمد لله .
    والمقصود هنا التنبيه على هذا الملحظ المهم في نسبة الأقوال إلى العلماء .

    وأما ما يتعلق بالنصوص التي ذكرت عن ابن تيمية في التكفير بالموالاة العملية فهي نصوص كثيرة , ومن تلك النصوص :
    1- قوله :" فَالْمُخَاطَبُو نَ بِالنَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى هَمّ الْمُخَاطَبُونَ بِآيَةِ الرِّدَّةِ .
    وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ قُرُونِ الْأُمَّةِ , وَهُوَ لَمَّا نَهَى عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَوَلَّاهُمْ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَوَلَّاهُمْ وَارْتَدَّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لَا يَضُرُّ الْإِسْلَامَ شَيْئًا "( ) .

    وهذا النص لا يدل على أن ابن تيمية يـكفر بالموالاة العلمية , ويتـبين هذا بالوجوه التالية :
    أ- أن هذا النص ليس فيه دليلا على محل البحث الذي هو أن الموالاة العملية للكفار كفر , وإنما فيه الكلام على تحديد المخاطب بهذا النص , وأنهم المؤمنون , وهذا أمر لا نزاع فيه وليس هو محل البحث , فلا شك أن المؤمنين مخاطبون بالنصوص التي فيها النهي عن موالاة الكفار والنصوص التي فيها الحكم على موالاة الكفار بالكفر , ولكن البحث هنا في تحرير مناط الكفر فقط .

    ب - وفيه أيضا تقرير أن الله حكم على من تولى الكفار بأنه منهم , وهذا أيضا ليس محل البحث , فإن البحث ليس في عموم لفظ الآية وإنما في موطن عمومها , بمعنى هل العموم هنا يشمل كل صور الموالاة أم أن العموم خاص في حال المنافقين , وابن تيمية هنا لم يبين لنا موقفه من هذه المسألة , فكيف نقول إن قوله هذا يدل على أنه يكفر بالموالاة العملية .
    بل من يتأمل كلام ابن تيمية في مواطن أخرى يستطيع أن يقول : إنه يجعل موطن العموم في حال المنافقين فقط , وذلك أنه حكي الاتفاق على أن آية المائدة نزلت بسبب المنافقين , وفي هذا يقول : " والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفى قلبه مرض خاف أن يغلب أهل الإسلام فيوالى الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم للخوف الذي في قلوبهم , لا لاعتقادهم أن محمدا كاذب , واليهود والنصارى صادقون , وأشهر النقول في ذلك( أن عبادة بن الصامت قال : يا رسول الله إن لي موالى من اليهود واني أبرأ إلى الله من ولاية يهود , فقال عبد الله بن أبي لكنى رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية يهود , فنزلت هذه الآية "( ).
    والمقصود هنا أن هذا النص ليس فيه أن ابن تيمية يكفر بالموالاة العملية , وإنما فيه إطلاق أن التولي للكفار كفر , وهذا الإطلاق لا يدل بالضرورة على أنه يكفر بكل صور الموالاة , وهذا له نظائر عند ابن تيمية وغيره من العلماء , ومن تلك النظائر أنه أطلق القول بأن ترك الصلاة كفر , وهذا الإطلاق لا يصح لنا أن نأخذ منه أنه يكفر بكل ترك للصلاة
    وهذان الأمران قد ناقشتهما في موطن آخر , وهو بحث ( تأكيد مناط التكفير بالموالاة - بحث منشور في موقع الألوكة- )

    2- ومن ذلك قوله :" مِنْ أَحْوَالِ الْقَلْبِ وَأَعْمَالِهِ مَا يَكُونُ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ الثَّابِتَةِ فِيهِ بِحَيْثُ إذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مُؤْمِنًا ؛ لَزِمَ ذَلِكَ بِغَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ وَلَا تَعَمُّدٍ لَهُ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ الْوَاجِبَ لَمْ يَحْصُلْ فِي الْقَلْبِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ } . فَأَخْبَرَ أَنَّك لَا تَجِدُ مُؤْمِنًا يُوَادُّ الْمُحَادِّينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّ نَفْسَ الْإِيمَانِ يُنَافِي مُوَادَّتَهُ كَمَا يَنْفِي أَحَدُ الضِّدَّيْنِ الْآخَرَ , فَإِذَا وُجِدَ الْإِيمَانُ انْتَفَى ضِدُّهُ وَهُوَ مُوَالَاةُ أَعْدَاءِ اللَّهِ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يُوَالِي أَعْدَاءَ اللَّهِ بِقَلْبِهِ ؛ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ قَلْبَهُ لَيْسَ فِيهِ الْإِيمَانُ الْوَاجِبُ .
    وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : { تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ } { وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } . فَذَكَرَ " جُمْلَةً شَرْطِيَّةً " تَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ وُجِدَ الْمَشْرُوطُ بِحَرْفِ " لَوْ " الَّتِي تَقْتَضِي مَعَ الشَّرْطِ انْتِفَاءَ الْمَشْرُوطِ فَقَالَ : { وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ } . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ الْمَذْكُورَ يَنْفِي اتِّخَاذَهُمْ أَوْلِيَاءَ وَيُضَادُّهُ وَلَا يَجْتَمِعُ الْإِيمَانُ وَاِتِّخَاذُهُم ْ أَوْلِيَاءَ فِي الْقَلْبِ .
    وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ اتَّخَذَهُمْ أَوْلِيَاءَ ؛ مَا فَعَلَ الْإِيمَانَ الْوَاجِبَ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ . وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى { لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } . فَإِنَّهُ أَخْبَرَ فِي تِلْكَ الْآيَاتِ أَنَّ مُتَوَلِّيَهُمْ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا . وَأَخْبَرَ هُنَا أَنَّ مُتَوَلِّيَهُمْ هُوَ مِنْهُمْ ؛ فَالْقُرْآنُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا "( )
    3- ومن ذلك قوله :" فبين سبحانه وتعالى أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم , فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم "( ) .
    4- ومن ذلك قوله :" فَذَمَّ مَنْ يَتَوَلَّى الْكُفَّارَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَنَا وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي الْإِيمَانَ { بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } { الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا } إلَى قَوْلِهِ : { سَبِيلًا } ...."( ) .

    وهذا الكلام لا يدل على أن ابن تيمية يكفر بالموالاة العلمية للكفار , والكلام على هذه النصوص الثلاثة من وجوه :

    أ*- أن هناك فرقا بين الكلام على حكم الموالاة المطلقة , وبين الكلام على حكم بعض أفرادها , فجنس الولاء والبراء مرتبط بأصل الإيمان فمن لا موالاة عنده للمؤمنين ولا معاداة عنده للكفار فليس معه شيء من الإيمان , وهذا أمر دل عليه العقل والواقع فضلا عن دلالة النصوص عليه , فلا شك في ثبوته , ولا منازعة في حكمه .
    فمن تكلم عن الولاء للكفار على هذه الجهة - أعني على جهة الموالاة المطلقة - فلا بد أن ينفي الإيمان عمن حصلت منه , لأن حصولها على هذه الجهة ينافي أصل الإيمان .
    ومن يتأمل كلام ابن تيمية في هذه النصوص الثلاثة يدرك أنه يتكلم عن موالاة الكفار من هذه الجهة - الموالاة المطلقة - , فكلامه إنما هو في تقرير أن الموالاة المطلقة تنافي أصل الإيمان , وأن الموالاة المطلقة للمسلمين من ضروريات الإيمان , وهذا أمر صحيح , وليس هو محل البحث , إذ محله في الموالاة العملية فقط , فالموالاة العملية ليست هي الموالاة المطلقة , بل هي جزء منها , وحكم الكل لا ينطبق على الجزء , وحكم الجزء لا ينطبق على حكم الكل , وبيان ذلك : أن ترك كل الصلاة كفر أكبر , وهذا الحكم لا ينطبق على الترك الجزئي كما هو معلوم .
    وعلى هذا فلا يصح أن نأخذ من هذه النصوص أن ابن تيمية يكفر بالموالاة العملية للكفار , والسبب في ذلك هو أن ثمة فرقا بين الكلام على الموالاة المطلقة وبين الكلام على نوع واحد منها وهو النوع العملي , فما كان منطبقا على الموالاة باعتبار إطلاقها لا يلزم أن يكون منطبقا على كل فرد منها .
    وهذه - أعني التفريق بين الكلام على الشيء باعتباره مطلقا وبين الكلام على أفراده - أصل مُطبق عند العلماء ومنهم ابن تيمية , وسأضرب عليه مثلين من كلام ابن تيمية نفسه , وهما :
    المثل الأول : ما سبق ذكره في شأن الصلاة .
    والمثل الثاني : ما ذكره ابن تيمية من أن من لم ينكر المنكر بقلبه فليس معه شيء من الإيمان , ومن ذلك قوله :" فمن لم يستحسن الحسن المأمور به ولم يستقبح الشيء المنهي عنه لم يكن معه من الإيمان شيء , كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح :" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" , وكما قال في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ما من نبى بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" رواه مسلم .
    فأضعف الإيمان الإنكار بالقلب , فمن لم يكن في قلبه بغض المنكر الذي يبغضه الله ورسوله لم يكن معه من الإيمان شيء"( ) .

    فابن تيمية يقرر في هذا النص أن من لم ينكر المنكر بقلبه فليس معه شيء من الإيمان , واستدل بالأحاديث المشهورة , وهذا الكلام صحيح , ولكن ليس من لازمه أن من لم ينكر منكرا معينا بقلبه فالإيمان منتفي عنه , فلا يصح أن نقول إن ابن تيمية يكفر من لم ينكر منكرا معينا بقلبه بناءا على هذا النص , لأن كلامه هنا إنما هو في عدم الإنكار المطلق لا في عدم الإنكار المعين ,
    إذن لا بد لنا أن نفرق بين مقامات الكلام في بحث مسألة ما , فإن المسألة المعينة يختلف الكلام عليها باختلاف المقامات .

    5- ومن ذلك ما نسبه الشيخ عبد اللطيف إلى ابن تيمية بقـوله :" قال شيخ الإسلام في اختياراته : من جمز إلى مـعسكر التتر، ولحق بهم، ارتد وحل ماله ودمه "( ) .
    والكلام على هذا النص هو أن يقال : لا شك أنه صريح في الحكم على الموالاة العملية بكونها ردةً , ولكن هذا النص ليس من نص كلام ابن تيمية فيما يظهر , وهذا النص نسبه إلى ابن تيمية الشيخ / عبد اللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ , وذكر أنه في الاختيارات الفقهية , ولم أجد هذا النص بعد البحث في مظانه .

    ولو فرضنا أن النص موجود في الاختيارات الفقهية , فإنه لا بد أن ندرك أن البعلي لا ينقل نص ابن تيمية دائما بل يتصرف فيه كثيرا , وقد سألت بعض المختصين في كلام ابن تيمية فيما ينقله البعلي من اختيارات عن ابن تيمية ( وهو الشيخ /محمد عزير شمس) فذكر أن البعلي لم يلتزم لفظ ابن تيمية , بل ذكر أنه لم يلتزم نقل الاختيارات من كتب ابن تيمية , وإنما نقل قدرا منها من كتب تلاميذه .

    وهذا يوجب التوقف في النص لو وجد أصلا , كيف وهو لم يوجد !.

    ومما يدل على وقوع الخطأ في هذا النقل أن الشيخ عبد اللطيف نفسه نقل عن ابن تيمية فتواه هذه في موطن آخر فلم يذكر الارتداد , وإنما ذكر القتل وهذا نص كلامه :" وقد أفتى شيخ الإسلام، رحمه الله، بقتل من شرب الخمر في نهار رمضان، إذا لم يندفع شره إلا بذلك، وأفتى بحل دم من جمز إلى معسكر التتار، وكثر سوادهم، وأخذ ماله؛ وكل هذا من التعازير، التي يرجع فيها إلى ما يحصل به درء المفسدة، وحصول المصلحة. وأفتى في التعزير بأخذ المال إذا كان فيه مصلحة"( ).

    ومما يدل على خطأ هذا الكلام أن ابن تيمية قد نقلت لها فتاواه في التتر ولم تذكر فيها تلك العبارة , إنما ذكرت عبارات أخرى ليس فيها إثبات الارتداد .
    وهذا كله يدل على أن هذا النص لم يضبط فيه لفظ ابن تيمية رحمه الله , وعليه فلا يصح الاعتماد على مثله .

    6- ومن ذلك قوله فيمن قفز إلى عسكر التتار :" فَمَنْ قَفَزَ عَنْهُمْ إلَى التَّتَارِ كَانَ أَحَقَّ بِالْقِتَالِ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ التَّتَارِ ؛ فَإِنَّ التَّتَارَ فِيهِمْ الْمُكْرَهُ وَغَيْرُ الْمُكْرَهِ , وَقَدْ اسْتَقَرَّتْ السُّنَّةُ بِأَنَّ عُقُوبَةَ الْمُرْتَدِّ أَعْظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ "( ).

    7 - ومن ذلك قوله :" وَكُلُّ مَنْ قَفَزَ إلَيْهِمْ - يعني التتار - مِنْ أُمَرَاءِ الْعَسْكَرِ وَغَيْرُ الْأُمَرَاءِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ وَفِيهِمْ مِنْ الرِّدَّةِ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ بِقَدْرِ مَا ارْتَدَّ عَنْهُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ .
    وَإِذَا كَانَ السَّلَفُ قَدْ سَمَّوْا مَانِعِي الزَّكَاةِ مُرْتَدِّينَ - مَعَ كَوْنِهِمْ يَصُومُونَ . وَيُصَلُّونَ وَلَمْ يَكُونُوا يُقَاتِلُونَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ - فَكَيْفَ بِمَنْ صَارَ مَعَ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَاتِلًا لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ لَوْ اسْتَوْلَى هَؤُلَاءِ الْمُحَارِبُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ الْمُحَادُّونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ الْمُعَادُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى أَرْضِ الشَّامِ وَمِصْرَ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ لَأَفْضَى ذَلِكَ إلَى زَوَالِ دِينِ الْإِسْلَامِ وَدُرُوسِ شَرَائِعِهِ . أَمَّا الطَّائِفَةُ بِالشَّامِ وَمِصْرَ وَنَحْوِهِمَا فَهُمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمُقَاتِلُونَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَهُمْ مِنْ أَحَقِّ النَّاسِ دُخُولًا فِي الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"( ) .

    والكلام على هذين القولين من وجوه :
    1- أن الحكم بالقتل أو بالقتال ليس دليلا على الكفر , فكون ابن تيمية يحكم على من قفز إلى التتر بالقتل أو بالقتال لا يعني أنه يحكم بكفره , لأنه ليس كل مسلم حكم بقتله أو بقتاله يكون كافرا , بل قد يكون ذلك من باب التعزير كما هو معلوم , وهذا ما فهمه الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن كما سبق نقل كلامه.

    2- أن غاية ما يدل عليه كلام ابن تيمية هذا هو أن بعض المسلمين قد ارتد وانحاز إلى التتر , وهذا ليس محل البحث , وإنما محل البحث هو تحرير سبب ارتدادهم , وابن تيمية لم يبن لنا في هذا النص السبب الذي ارتدوا بفعله , وإنما ذكر حوادث للارتداد , ونحن لا ننكر أن بعض المسلمين قد ارتد فذهب إلى معسكر التتر , قد ذكر أصحاب التواريخ أن بعض أمراء من المسلمين قد هرب إلى معسكر التتر , وتزوج بعضهم بنت هولاكو .
    والمقصود هنا أن ابن تيمية لم يذكر في كلامه السابق أن سبب ارتدادهم هو كونهم والوا التتر , فكيف يصح لنا أن نقول إنه إنما حكم بارتداد من ارتد لأنه والى التتر موالاة علمية , فأين ما يدل على هذا من كلام ابن تيمية؟! .

    3- أن النص الثاني فيه تقييد الردة بكونها عن بعض شرائع الإسلام , وهذا التقييد لا يلزم منه الحكم بالكفر الأكبر .
    فتحصل لنا مما سبق أن من نسب القول بأن الموالاة العلمية للكفار كفر أكبر إلى ابن تيمية ليس مصيباً , وأن ما اعتمد عليه من كلام ابن تيمية لا يدل على ما ذكر .
    والله أعلم , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    2

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته احسنت اخي الحبيب كلام متين وجميل وان اعظم ما يحتجون به من كلام شيخ الاسلام هو الكلام الاخير في حكم من قفز الى التتار لكن توضيحك لهذه المسالة في غاية الاقناع فجزاك الله خيرا.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    33

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    جزاك الله خيراً أخي سلطان ، ونفع بعلمك .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    2,370

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    برك الله فيك

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    90

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
    ألقيت نظرة عابرة سريعة
    فبدا لي و الله أعلم أنه بحث طيب
    و عسى أن أعود لأقرأه بتمعن

    جزاك الله خيرا
    و نفع بك

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المشاركات
    99

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    شكرا لك ... بارك الله فيك ...

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    الدولة
    مصر - محافظة الشرقية - مدينة الإبراهيمية
    المشاركات
    1,610

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    جزاك الله خيرًا على جهدك الطيب
    ونأمل في مزيد تحرير!

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المشاركات
    1,276

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    بما أسميته تحريرات قول ابن تيمية

    1- عدم التكفير بالموالاة العملية
    2- كون ابن تيمية يعذر المشرك بالجهل
    3- عدم تكفير أعيان الرافضة مع قيام الحجة

    ضربت كلام ابن تيمية بعضه ببعض و جعلته مرجئاً و الإرجاء ليس عند ابن تيمية ، و أتمنى أن تأتي بآرائك أنت و لا تنشغل بتحرير مذهب ابن تيمية إن كان هذا هو التحرير

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    22

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    أحيي أخي صاحب النقب , وأريد أن أقف مع ما ذكر عدة وقفات :

    الأولى : أنه أطلق القول بأني أضرب كلام ابن تيمية بعضه ببعض , ولم يبين لنا ذلك , ولم يضرب ولو مثلا واحدة , حتى يظهر للإخوة القراء المعنى الذي يريده , وأخي يعلم أن الناس لا يقبلون الكلام المهمل المجرد من الأدلة التي تدل على صحته , فأتمنى من أخي الكريم أن يبين كيف أني ضربت كلام ابن تيمية بعضه ببعض .


    الثانية : ذكر الأخ صاحب النقب أني أخرجت ابن تيمية مرجئا بنسبة الأقوال التي نسبتها إليه , ولم يبين لنا وجه الارتباط بين الإرجاء وبين ما نسبته إلى ابن تيمية , وأنا أريد منه أن بين لنا خصائص مذهب المرجئة في المكفرات في نقاط محددة , ثم يبين لنا كيف أن العذر بالجهل أو عدم التكفير بالموالاة العلمية يستلزم الإرجاء , حتى يمكن للإخوة القراء أن يفهموا القول ويقبلوه .

    الثالثة : ذكر أني لم أذكر قولي إنما ذكرت قول ابن تيمية فقط , وهذا أمر غريب ؛ لأن من يقرأ البحوث التي حررت فيها قول ابن تيمية يدرك من أول وهلة أني متبني لما نسبته إلى ابن تيمية , فأنا في الحقيقة ذكرت في تلك البحوث رأيين هما : 1- رأي الخاص في المسألة , 2- قولي بأن هذا القول هو قول ابن تيمية , أليس هذا قولا لي ؟ّ!
    ثم يقال على فرض أني لم أذكر رأيي في المسالة فما الذي يهمك منه ؟!! , أخي المطلوب في هذا العصر ظهور أقوال الأئمة المحققين في العلم الذين يعتبر قولهم دون غيرهم من الناس

    الرابعة : ذكر أني أقول بأن الرافضة لا يكفرون إذا قامت عليهم الحجة , وهذا غير صحيح , وإنما الصحيح إني أقول إن الرافضة يعذرون بالجهل , وأقول إن هذا هو قول ابن تيمية , فهو لم يذكر حقيقة القول الذي قررته عن ابن تيمية , ويمكن للإخوة أن يرجعوا للبحث ويتحققوا بأنفسهم
    وفق الله الجميع في هذا الشهر الكريم لفعل الخيرات .

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    74

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    أخي الفاضل سلطان
    فقهني الله وإياك في دين الله
    هذا البحث العلمي !!
    يحتاج له بحث أين مصادرك وعزوك للكتب
    ظهر لي من نتاج بحثك أن الكفر في الموالاة لا يكون الا بالاعتقاد ونسبته لشيخ الاسلام
    وهذا من عدم فهمك لكلام ابن تيمية
    خذ على سبيل المثال مافهمته انت من قول شيخ الاسلام
    فَإِنَّهُ لَا يَنْضَمُّ إلَيْهِمْ طَوْعًا مِنْ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ إلَّا مُنَافِقٌ أَوْ زِنْدِيقٌ أَوْ فَاسِقٌ فَاجِرٌ . وَمَنْ أَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ مُكْرَهًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ عَلَى نِيَّتِهِ"( ) , قلت فنص هنا على أن من دخل مع التتار لا يلزم ألا يكون إلا كافرا , بل قد يكون فاسقا كما هو واضح في صريح
    شيخ الاسلام يتكلم عن حالهم قبل دخولهم مع التتر لا عن حالهم بعد الدخول
    ومنها(وسئل أيضا عن حكم إطلاق النفاق على المعين ممن قاتل معهم , فحكم بعدم حل ذلك )
    هو يتكلم على المعين والحكم على المعين له شروط و موانع
    وغيرها كثير
    أقول أن الموالاة على صور منها ماهو كفر ومنه ماهودون الكفر
    وفق الله الجميع

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المشاركات
    1,276

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    الأخ سلطان حياك الله

    الثانية : أردت أن المرجئة من أصولهم ألا يكفرون بالعمل سواء جا في الشرع أنه كفر أو لا ، فهم يسمون من أشرك بالعمل مسلماً ، و من كفر بالعمل مسلماً هذا الذي أردته

    الثالثة : أنا أردت أن الطالب ينشغل بتحرير القول الذي يتوصل لصحته و لا ينشغل بتحرير أقوال الأشخاص ، أما إن كنت تعتبر أن قول ابن تيمية هو الصحيح في مسألة ما ثم حررته بأدلته فالحمد لله

    الرابعة : لعل مما سبب الإشكال أن من نقل بحثك في المنتدى كتب العنوان هكذا ( تحرير موقف ابن تيمية في حكم الرافضة يثبت عدم تكفيره لأعيانهم ) بإطلاق أما إن كان المراد حال الجهل فالحمد لله ، مع أنهم في هذا العصر مشركين فعادت المسألة لمسألة هل يعذر بالجهل في الشرك الأكبر

    أما ألأولى : فلا أريد أنك تعمدت ضرب كلام ابن تيمية بعضه ببعض

    و لكن بالنظر إلى رقم 6 و 7 من الأقوال الدالة على أنه يكفر بالموالاة العملية فهي صحيحة و هو جعل العلة الإنضمام لجيش التتار ضد المسلمين في القتال و هذه موالاة عملية مكفره و لا تتعارض مع أن بعض الموالاة العملية غير مكفرة

    فهو قال إن قتال من قفز إليهم أولى من قتالهم و العلة أنه مرتد أغلظ من الكافر الأصلي ، فهو صرح بردته كما ذكرت

    و قال حكمه حكمهم ، و أنت قلت إنه يكفر التتار ، فبهذا يكون حكم من قفز إليهم حكمهم في الكفر

    وفق الله الجميع

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    22

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    خي صاحب النقب حياك الله :
    1- ما زال سؤالي قائما : ما وجه العلاقة بين من لم يكفر بالموالاة العملية أو عذر بالجهل في مسائل الشرك وبين قول المرجئة , فهل من عذر بالجهل يقول إنه لا يمكن لأحد أن يَكفُر بالعمل الظاهر أو حتى يلزمه هذا القول ؟! , فالاعذار بالجهل لا يعني إلا أن من فعل ما هو كفر وهو جاهل لا يصح أن يحكم بكفره فقط , كما بينته في أصل البحث , اتمنى الأيضاح .
    2- النصوص التي رأيت أني ضربت بعضها ببعض , هي في الحقيقة منسجمة مع بعضها البعض فيما ذكرته في البحث وليس فيها تضارب لمن تأمله .
    3- أخي أصبح كثير من القراء لا يقبلب القول إلا إذا نسبته إلى عالم معتبر, ولو ذكرت قولا لك واستدللت عليه بما يثبت صحته ولم نتسبه لأحد لا قبل منك , فما على المرء من ضير إن هو حرر القول ثم حرر نسبته إلى إمام معتبر .

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المشاركات
    1,276

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    حسناً بارك الله فيك
    1- لأن هناك نصوص تدل على كفر متولي الكفار فكون التولي يخصص بأعمال القلب دون أعمال الجوارح ، فيه ترك للتكفير بالعمل مثل المرجئة ، حتى الذين يقولون أن الولاء و البراء ليس من معنى لا إله إلا الله و إنما من لوازمها يقولون قد يلزم من الموالاة العملية الكفر في بعض الصور ، أما العذر بالجهل في الشرك فلأن الحجة في التوحيد قائمة بالفطرة فإنك إذا عذرت المشرك و سميته مسلماً شابهت المرجئة الذين يسمون المشركين مسلمين ، حتى و إن خالفتهم في العلة ، فكأنه إرجاء للعمل عن مسمى الإيمان ، بخلاف الكفر فإن الحجة فيه لا تقوم إلا بالرسالة و انظر فتوى اللجنة الدائمة فيمن يعتبر المشركين مسلمين هل يكفرون فقالوا لا لأنهم متأولين ، فاعتبروهم متأولين ، و معلوم أن التأويل خطأ و هو غير الإجتهاد الذي قد يصيب و قد يخطئ
    2- بالنسبة للنصوص 6 و 7 في حالة من يكفر بالموالاة العملية و الكلام في أهل ماردين ينسجم باعتبار أن بعض الموالاة العملية كفر و بعضها ليس بكفر ، و إذا دققت ستجد أن كلامه في أهل ماردين في إعانة غير مباشرة مثل حاطب ، أما كلامه فيمن قفز فهو مباشر مثل العباس رضي الله عنه الذي جعل الرسول صلى الله عليه و سلم حكمه حكم الكفار الذين خرج معهم ، و لهذا قال حكمه حكمهم و لم يقلها في أهل ماردين
    3- لا بأس

    أسأل الله لي و لك التوفيق و إن كانت المشاركة الأولى فيها قسوة فاعتذر لأن كثرة الخوض في هذا الموضوع في المنتدى و غيره قد أغضبني و أغضبت غيري

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المشاركات
    1,276

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    توضيح أكثر لرقم ( 1)

    أن الله تعالى قال : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ) فسماه مشركاً قبل أن يسمع كلام الله و مع أنه لا يعلم

    فإذا جاء أحد و قال بل هو مسلم لأنه جاهل لم تقم عليه الحجة ، ألا يكون هذا كأنه أرجأ العمل عن مسمى الإيمان و جعل اسم الإيمان لا يزول بالإشراك في العمل

    وفق الله الجميع

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    22

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    حياك الله أخي صاحب النقب :
    1- ليس كل من ترك التكفير ببعض أعمال الظاهر يكون موافقا للمرجئة , فبعض العلماء لم يكفر بترك الصلاة أو الزكاة أوغيرها من أصول الإسلام , ولم يكفر بفعل بعض الأمور الكبيرة , ولم يصفه أحد بالإرجاء أو أنه دخل عليه شيء منه , والسبب في ذلك حفظك الله هو أن هناك فرقا بين أ- القول بأنه لا تكفير بالعمل الظاهر أصلا , ب - وبين القول بأنه لا تكفير بالعمل الظاهر المعين ( ترك الصلاة , الموالاة , الحكم بغير ما أنزل الله..... ) , فمن قال بالقول الأول فهو من المرجئة ولا شك , ومن قال بالقول الثاني فلا صلة له بالمرجئة أصلا , وهذا الثاني هو الذي وقع بين أئمة السلف في المكفرات العلملية , وهو الذي يقوله من لم يكفر بالموالاة أو بالحكم بغير ما أنزل الله
    وهذا الكلام قد فصلته في بحث آخر , بعنوان ( تأكيد مناط التكفير بالموالاة العملية ) وهو منشور في هذا الموقع .
    2- اما قولك بأن الحجة قد قامت في التوحيد بالفطرة , فهذا أيضا هو أحد أغلاط الذين لا يعذرون بالجهل , وحقيقة هذا الغلط هو توسيع دلالة الدليل أكثر مما يقتضيه , فالفطرة لا شك في ثبوتها , ولكنها لا تعني إلا أن النفس مجبولة على عبادة الله وحد فقط كما ذكر ذلك العلماء كابن تيمية وغيره , ولا يعني ذلك أن العبد يعرف أفراد ما يدخل في التوحيد وأفراد ما يدخل في الشرك , فإنه لو كان كذلك لما كان لإرسال الرسل حاجة في مسائل التوحيد
    وكذلك الاستدلالك بآية التوبة إنما هي في المشرك الأصلي وكلامنا وبحثنها ليس في هذا الجنس , فهؤلاء كفار سواء علموا أو جهلوا , فكل من لم يدخل في دين الإسلام فهو كافر عالما أو جاهلا , ولكنا الإشكال في من هو من أهل القبلة ثم وقع فيما هو كفر ما حكمه ؟!
    3- أخي نسبت إلى ابن تيمية أنه يقسم الموالاة العلمية إلى قسمين :
    كفر أكبر
    وموالاة دون ذلك
    أخي لو ثتبت لنا من كلام ابن تيمية ما يدل على هذا التقسيم , وتبين لنا ضابط كل قسم , وتجيب على كلامه في أهل ماردين وقصحة حاطب حتى تتضح لنا حقيقة قولك حفظك الله .
    4- ليس معنى العذر بالجهل إلا ان الفاعل إذا كان جاهلا بحكم فعله فإنه لا يحكم عليه بالكفر كما شرحته مرارا , فهل يلزم من هذا أنه لا تكفير بالعمل الظاهر , حتى يكون فيه موافقة للمرجئة .
    وفق الله الجميع لما يحب ويرضى

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المشاركات
    1,276

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    حسناً بارك الله فيك :

    1-2 : لا أخالفك أن عدم التكفير بالعمل يخالف عدم التكفير بعمل معين لكن ينظر إلى العمل المعين هل جاء نص بالتكفير فيه ، فإذا جاء نص بالتكفير فيه فكيف يقصر على أعمال القلوب و تستثنى أعمال الجوارح مثل " من يتولهم منكم فإنه منهم " كيف نقصر هذا النص على أعمال القلوب دون أعمال الجوارح ، و قوله تعالى :" إن أحد من المشركين إستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون " فسماه الله مشركاً مع أنه لم يسمع كلام الله و لم يعلم ، فكيف نقصر تسمية المشرك على من سمع كلام الله و من علم و نخالف النص

    ثم قد يكون الشخص ليس مرجئاً ، و يكفر بالعمل المكفر ، لكنه في عمل معين لا يكفر مع لزومه في تلك الحالة عند أهل السنة
    فيكون دخلت عليه شبهة المرجئة في هذا العمل بالذات ، مثل ما قال ابن تيمية فيمن قتل على الصلاة ، فقال البعض يدفن مقابر المسلمين ، مع أنه يكفر الجاحد للصلاة ، لكنه لم يكفره في هذه الحالة لظنه أنه ليس بجاحد ، فقال ابن تيمية دخلت عليه شبهة المرجئة لأنه يلزم هنا أنه جحد ، وهذا مثل الموالاة فمن قال إنها من لوازم لاإله إلا الله و ليست من معناها ، فإنه يلزم من من زوال الموالاة في بعض الصور زوال لا إله إلا الله و من ظن أنه لا يلزم فهو كمن قال فيه ابن تيمية أنه دخلت عليه شبهة المرجئة

    3- سبق أن ذكرت أن الفرق عند الشيخ بين أهل ماردين و بين من قفز إلى التتار أن من قفز إليهم حكمه حكمهم لأنه مباشر للقتال معهم فهو منهم و هذا ما يسمى المظاهر مثل العباس ، أما أهل ماردين الذين ذكر الشيخ أنهم ساعدوهم أو صانعوهم فغير مباشرين و لم يخرجوا معهم فلم يكن حكمهم كحكمهم مثل حاطب ، لذلك قال الشيخ في من قفز حكمه كحكمهم أي كافر مثل التتار ، و لم يقلها في أهل ماردين ، بمعنى آخر أن أهل ماردين موالين لهم و ليسوا منهم و من قفز فهو متولي لهم فهو منهم

    4- الكفر غير الشرك لأن الشرك يمكن أن يعلم بطلانه حتى قبل الرسالة بخلاف الكفر

    لعل مرادي قد تبين ، و وفق الله الجميع ، و لعلك تعذرني في عدم الإسهاب أكثر من هذا لدخول العشر و أنا كنت أنوي ترك المنتدى في العشر ، و قد تركت النقاش فعلاً إلا في هذا الموضوع لأني كنت بدأت فيه معك فلم أرد أن أبتره

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المشاركات
    1,276

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    توضيح ( 1 )

    لاحظ هذا الكلام لابن تيمية

    مجموع الفتاوى - (ج 7 / ص 616)
    فَهَذَا الْمَوْضِعُ يَنْبَغِي تَدَبُّرُهُ فَمَنْ عَرَفَ ارْتِبَاطَ الظَّاهِرِ بِالْبَاطِنِ زَالَتْ عَنْهُ الشُّبْهَةُ فِي هَذَا الْبَابِ وَعَلِمَ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِالْوُجُوبِ وَامْتَنَعَ عَنْ الْفِعْلِ لَا يُقْتَلُ أَوْ يُقْتَلُ مَعَ إسْلَامِهِ ؛ فَإِنَّهُ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الشُّبْهَةُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَاَلَّتِي دَخَلَتْ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ لَا يَكُونُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْفِعْلِ وَلِهَذَا كَانَ الْمُمْتَنِعُون َ مِنْ قَتْلِ هَذَا مِنْ الْفُقَهَاءِ بَنَوْهُ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي " مَسْأَلَةِ الْإِيمَانِ " وَأَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جِنْسَ الْأَعْمَالِ مِنْ لَوَازِمِ إيمَانِ الْقَلْبِ وَأَنَّ إيمَانَ الْقَلْبِ التَّامِّ بِدُونِ شَيْءٍ مِنْ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ مُمْتَنِعٌ سَوَاءٌ جَعَلَ الظَّاهِرَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ أَوْ جُزْءًا مِنْ الْإِيمَانِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .

    مثله الخلاف في المولاة هل هي من معنى لا إله إلا الله أو من لوازها ، و على كلا القولين ، فإن من صف مع الكفار لقتال المسلمين فهو كافر إما لأنه لم يأت بمعنى لا إله إلا الله عند البعض أو لأنه فعل فعلاً يلزم عليه ترك لا إله إلا الله عند البعض الآخر لأن تركه موالاة المسلمين إطلاقاً بل موالاة غيرهم عليهم مع القدرة التامة دل على أنه ليس عنده إرادة موالاة المسلمين ، فصار تاركاً للموالاة بعمل الجوارح و بعمل القلب فصار كافراً بالإجماع على كلا القولين ، أما من قال إنه ترك الموالاة بعمل الجوارح و لم يتركها بعمل القلب فَإِنَّهُ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الشُّبْهَةُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَاَلَّتِي دَخَلَتْ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ لَا يَكُونُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْفِعْل ِكما قال ابن تيمية ، فكيف ينسب هذا القول لابن تيمية

    وفق الله الجميع

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    128

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    من كلام شيخ الإسلام البيت في هذه المسألة ماورد في مجموع الفتاوى (7/523)
    ((أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف، فإذا قوى ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله، أوجب بغض أعداء الله، كما قال تعالى : { وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء} [ المائدة : 81 ] ، وقال : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ } [ المجادلة : 22 ] . وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا، كما حصل من حاطب بن أبي بَلْتَعَة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله فيه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ } [ الممتحنة : 1 ] .
    وكما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أُبَيّ في قصة الإفك، فقال لسعد بن معاذ : كذبت والله، لا تقتله، ولا تقدر على قتله، قالت عائشة : وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا، ولكن احتملته الحَمِيَّة))

    و في هذا الرابط نقل جيد عن الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن
    http://majles.alukah.net/showthread.php?p=143236

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المشاركات
    1,276

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    الأخ الخالدي جزاه الله خيراً

    لا شك أنه قد يلزم من الموالاة بالجوارح الموالاة بالقلب كما في النقل الأول عن شيخ الإسلام الذي نقلته أنا
    و قد لا يلزم من الموالاة بالجوارح الموالاة بالقلب كما في النقل الثاني الذي نقلته أنت

    لهذا فبعض صور الموالاة العملية كفر و بعضها ليس بكفر ، و هو الذي قاله الشيخ عبد اللطيف و فرق بين مطلق الموالاة و الموالاة المطلقة

    يقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ: (والمرء قد يكره الشرك، ويحب التوحيد، لكن يأتيه الخلل من جهة عدم البراءة من أهل الشرك، وترك موالاة أهل التوحيد ونصرتهم، فيكون متبعًا لهواه، داخلا من الشرك في شُعَب تهدم دينه وما بناه، تاركًا من التوحيد أصولا وشعبًا، لا يستقيم معها إيمانُه الذي ارتضاه، فلا يحب ويبغض لله، ولا يعادي ولا يوالي لجلال من أنشأه وسوّاه، وكل هذا يؤخذ من شهادة: أن لا إله إلا الله) [الدرر السنية 8/396] و قد نقلته ممن نقله


    وفق الله الجميع

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    855

    افتراضي رد: تحرير مذهب ابن تيمية في حكم الموالاة العملية للكفار

    بسم الله الرحمن الرحيم ،

    (سلطان العميري) ،

    وفقّنا الله وإياك للحق .

    دعني أعقّب على ما استدللت به من كلام ابن تيمية - رحمه الله - في كون الموالاة العملية ليست كفراً .

    -------------------

    1- استدلالك بفتواه في أهل ماردين .

    ولي عليها ملاحظات ، وهي :

    أولاً : السائل يقول : (( وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله هل يأثم في ذلك )) .. فإنه لم يذكر نوع المساعدة ، وهل هي مساعدة لهم على المسلمين ؟ .. أم مجرّد المساعدة التي ليس فيها إعانة مباشرة لهم على المسلمين .. (كأن يعمل خادماً لديهم في قصورهم مثلاً) ..

    ومما يدلّ على أن السائل لم يعنِ إعانة التتار على المسلمين ، هو أنه سأل عن الإثم .. ولو كان يسأل عن إعانتهم على المسلمين ، لكان قال : (هل يكفر ؟) .. فإن من أهل العلم من أفتى بكفر من أعان الكفار على المسلمين صراحة ، ومنهم ابن حزم - رحمه الله - .

    ففي مسائل الكفر يسأله الناس إن كان فعله كفراً أم لا ..

    فعليك أولاً أن تثبت أن السائل عنى : إعانة التتار على المسلمين .. فإني لم أجد نصّاً صريحاً في الفتوى أن حكم إعانة التتار على المسلمين ليست كفراً ..

    وكلامك الذي تقول فيه :
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سلطان العميري
    فهذه الفتوى إذن مهمة جدا في مسألة الموالاة العملية , والسبب في ذلك هو أنها بحث في نفس صورة المسألة التي هي محل البحث , وهي من والى الكفار ضد المسلمين بماله أو بنفسه فما حكمه , بل هي في أصرح صورها وهي القتال مع الكفار , فابن تيمية يتكلم عن هذه المسألة بعينها فكلامه مباشر فيها ومتجه إليها أصالة , فكلامه هنا ليس عاما في مطلق الموالاة , وليس مأخوذا بالقياس بل بالنص الصريح .
    لا أجد في الفتوى أو في سؤال السائل مسألة (معاونتهم ضد المسلمين) كما تقول .

    وثانياً : هناك فرق بين مساعدة أفراد الكافرين على أفراد المسلمين ، بما لا يستلزم ضرورة مساعدة الكفر على الإسلام ، وبين مساعدة جموع الكافرين على جموع المسلمين ، والتي هي كفر أكبر .

    والسائل لم يبيّن مراده من "المساعدة" .. فحسب ابن تيمية أن يقول إنها إثم .. فيعم ذلك جميع أنواع المساعدة ، حيث إن الإثم يشمل الكفر وغيره .

    وعلى أيّة حال ، فالفتوى ليست نصّاً صريحاً كما تقول ، ويمكن خرمها وإسقاط الاستدلال بها .

    ولكن ، حتى لو كان يعني معاونة التتار على المسلمين .. فإن هذا لا يمكن به الاستدلال على كفر من ظاهر الكافرين على المسلمين .. كيف ؟

    هذا ينقلنا إلى النقطة التالية ، وهي استدلالك بكلامه الآخر عن حكم مقاتلة المسلمين مع التتار ..

    --------------------

    جاء في استدلالك الثاني في سؤال السائل عن حكم القتال مع التتار :

    فِي هَؤُلَاءِ التَّتَارِ الَّذِينَ يَقْدَمُونَ إلَى الشَّامِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ , وَتَكَلَّمُوا بِالشَّهَادَتَي ْنِ , وَانْتَسَبُوا إلَى الْإِسْلَامِ , وَلَمْ يَبْقَوْا عَلَى الْكُفْرِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ, فَهَلْ يَجِبُ قِتَالُهُمْ أَمْ لَا ؟ وَمَا الْحُجَّةُ عَلَى قِتَالِهِمْ ؟ وَمَا مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ؟ وَمَا حُكْمُ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِمَّنْ يَفِرُّ إلَيْهِمْ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ : الْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ ؟ وَمَا حُكْمُ مِنْ قَدْ أَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ مُكْرَهًا ؟ وَمَا حُكْمُ مَنْ يَكُونُ مَعَ عَسْكَرِهِمْ مِنْ الْمُنْتَسِبِين َ إلَى الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالْفَقْرِ وَالتَّصَوُّفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ؟ وَمَا يُقَالُ فِيمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَالْمُقَاتِلُو نَ لَهُمْ مُسْلِمُونَ وَكِلَاهُمَا ظَالِمٌ , فَلَا يُقَاتَلُ مَعَ أَحَدِهِمَا .
    فانظر هداني الله وإياك ..

    فهو يتكلم عن أقوام ينتسبون إلى الإسلام .. فإمكان إلتباس حالهم على الناس وارد .. خاصة مع فشو مذهب الإرجاء والتجهم .

    فمن قاتل معهم ضدّ عدوّهم من المسلمين ، إنما يرى أنه يقاتل مع المسلمين ضد المسلمين .. وهذا متأوّل .. ولكنه يفسق بذلك لكونه يرى ظلم وفجور التتار (وإن لم يسمّه كفراً) ، أو يرى كفرهم ولكن يعذرهم .. سواء لإرجائه أو تجهمه أو غيره .

    فهذا لا يمكن تكفيره حتى تقام عليه الحجة في كفر من يقاتل معهم .

    وأنت إن أردت تحرير مذهب ابن تيمية - رحمه الله - في مسألة مظاهرة الكفار على المسلمين .. فيجب عليك أن تأتي بأقواله في مظاهر الكفار الذين لا يشك أحد في كفرهم (كاليهود والنصارى) على المسلمين ..

    أما أن تأتي بكلامه في حكم من يعاون المنتسبين للإسلام ، ممن قد يشكل على البعض حكمهم ، فهذا لا يستقيم لك .

    وأنت كما ترى في سؤال السائل ، فإنه يقول : (( وَمَا يُقَالُ فِيمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَالْمُقَاتِلُو نَ لَهُمْ مُسْلِمُونَ وَكِلَاهُمَا ظَالِمٌ )) ..

    فهناك من كان يلتبس عليه حالهم ويظنهم مسلمين !!!

    فاستدلالك بهذا الكلام ساقط كذلك .

    --------------------

    أما استدلالك بكلامه في فعل حاطب .. فهو ساقط كذلك .

    فإن حاطباً - رضي الله عنه - لم يقصد الإضرار بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ومنفعة المشركين .. كما ذكر ذلك عن نفسه في أكثر من رواية .

    فهو بهذا المعنى معذور بانتفاء القصد .. فيرتفع عنه حكم الكفر ، وإن كان فعله كفراً .

    فعليه يكون حكم عمر - رضي الله عنه - خطأ لأنه لم يُعمل فيه شروط وموانع التكفير ..

    فإن الفعل قد يكون كفراً ولكن صاحبه لا يكفر .

    أما قولك :
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سلطان العميري
    تصريحه بأن حاطبا لم يفعل ما هو كفر , وفي هذا يقول :" وَقَدْ تَحْصُلُ لِلرَّجُلِ لرحم أو حاجة , فتكون ذنبا ينقص به إيمانه , ولا يكون به كافرا , كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة " فهذا نص في أن ما فعله حاطب لم يكن كفرا .
    لا أدري كيف سقطت كلمة "موادتهم" مما اقتبسته عن كلام الشيخ - رحمه الله - .

    فالشيخ - رحمه الله - يقول ، كما في [مجموع الفتاوى : 7/523-524]:
    وَقَدْ تَحْصُلُ لِلرَّجُلِ مُوَادَّتُهُمْ لِرَحِمِ أَوْ حَاجَةٍ ، فَتَكُونُ ذَنْبًا يَنْقُصُ بِهِ إيمَانُهُ ، وَلَا يَكُونُ بِهِ كَافِرًا ، كَمَا حَصَلَ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بلتعة لَمَّا كَاتَبَ الْمُشْرِكِينَ بِبَعْضِ أَخْبَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ }
    فانظر كيف جعل مقصد حاطب - رضي الله عنه - هو : الموادة من أجل الدنيا ..

    وهذا هو ما قرره حاطب - رضي الله عنه - ، من أن غرضه من هذا الكتاب هو حماية أهله .. ولم يقصد الإضرار بالمسلمين أو منفعة الكافرين .

    بل أعظم من ذلك ، أن هذا هو ما قرره الله - سبحانه وتعالى - عندما وصف فعل حاطب بـ "إلقاء المودة" إلى الكافرين .. ولم يصفه بـ معاونتهم .. أو نصرتهم .

    بل إن ابن تيمية - رحمه الله - جعل فعل حاطب - رضي الله عنه - من الشبهة التي لا يحلّ التكفير بها .. فقال استكمالاً لكلامه السابق :
    وَكَمَا حَصَلَ لِسَعْدِ بْنِ عبادة لَمَّا انْتَصَرَ لِابْنِ أبي فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ . فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ : كَذَبْت وَاَللَّهِ ؛ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ ؛ قَالَتْ عَائِشَةُ : وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا ، وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ . وَلِهَذِهِ الشُّبْهَةِ سَمَّى عُمَرُ حَاطِبًا مُنَافِقًا ، فَقَالَ دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ ، فَقَالَ إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا . فَكَانَ عُمَرُ مُتَأَوِّلًا فِي تَسْمِيَتِهِ مُنَافِقًا لِلشُّبْهَةِ الَّتِي فَعَلَهَا . وَكَذَلِكَ قَوْلُ أسيد بْنِ حضير لِسَعْدِ بْن عبادة ؛ كَذَبْت ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ ؛ إنَّمَا أَنْتَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ ؛ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ مَالِكِ بْنِ الدخشم : مُنَافِقٌ وَإِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ نَوْعِ مُعَاشَرَةٍ وَمَوَدَّةٍ لِلْمُنَافِقِين َ . وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ الْمُتَّهَمُونَ بِالنِّفَاقِ نَوْعًا وَاحِدًا بَلْ فِيهِمْ الْمُنَافِقُ الْمَحْضُ ؛ وَفِيهِمْ مَنْ فِيهِ إيمَانٌ وَنِفَاقٌ ؛ وَفِيهِمْ مَنْ إيمَانُهُ غَالِبٌ وَفِيهِ شُعْبَةٌ مِنْ النِّفَاقِ .
    فانظر كيف جعل كل هذه الأمور من شبهات النفاق ..

    فأين هذا من مظاهرة المشركين ، المجمع على كفرهم ، كاليهود والنصارى ، على المسلمين ، دون شبهة أو تأويل مستساغ ؟ .. بل الجميع يعلم ، حتى الحمقى ، أن فعلهم يضر الإسلام والمسلمين ، وينفع الكفر والكافرين .

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •