التعاون الشرعي ؛ أصوله ، وآدابه ، وثمراته .
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: التعاون الشرعي ؛ أصوله ، وآدابه ، وثمراته .

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2015
    المشاركات
    418

    افتراضي التعاون الشرعي ؛ أصوله ، وآدابه ، وثمراته .



    التعاون الشرعي
    أصوله وآدابه وثمراته


    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}( )

    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}( )

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أعمالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}( )

    أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد() ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار.

    فقال – تعالى - : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [المائدة : 2] .

    وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : " المُؤْمِنُ للْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضَاً " ، وشبَّكَ بَيْنَ أصَابِعِهِ . (مُتَّفَقٌ عَلَيهِ) .

    إن التعاون الشرعي على تحقيق مصالح العباد الدينية والدنيوية حقيقته سجية نبل الباعث على الاتصاف بها مكارم الأخلاق لما يتضمنه التعاون من الخلال الزكية والشمائل الندية – محبةً وصدقاً وكرماً وجوداً ورحمةً ورأفةً وشجاعةً وإقداماً - .

    وخلق التباذل والتعاضد هو السوق العامرة التي تَنْفُقُ فيها الدعوة الشرعية وتروج ، وبسببه يأنس الناس بحملتها ، ولا تستوحش نفوسهم من نقلتها، كما كان عليه من هو أجود بالخير من الريح المرسلة – صلوات ربي وسلامه عليه - ، فقد وصفته خديجة – رضي الله عنها – فقالت : " كَلاَّ وَاللهِ، مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِين عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ " (متفق عليه) .

    والتعاون على إعلاء كلمة الله ، وإظهار الدين ونشره وتقريبه إلى الناس – علماً وعملاً ودعوةً - من الجهاد في سبيل الله – تعالى – لما فيه من بذل الوقت والمال والجهد ، كما قال أبو الدرداء – رضي الله عنه - : " من رأى الغدو والرواح إلى العلم ليس بجهاد فقد نقص عقله ورأيه " (جامع بيان العلم وفضله ص/1/76) .

    ونفع الخلق من الإحسان إليهم ، ولا يتم إلا بالتداعي والتناصر ، وذلك بسد حاجاتهم وتفريج كربهم ، وتخفييف آلامهم ، والسعي على إزلة ذلك أو تقليله ، كما جاء عن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما -، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - :" مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى " (مُتَّفَقٌ عَلَيهِ) .

    والله – تعالى – قد شرع التعاون بين أهل الإيمان ؛ لإشاعة الخير وتكثيره ، وإزهاق الباطل وتقليله ؛ وجعل ذلك من مقتضى إيمانهم ، فقال – سبحانه - : {وَالْمُؤْمِنُون َ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة : 71].

    وبالجملة فمصالح الدنيا والدين لا تنال إلا بالتعاون الجماعي الشرعي ، وهذا من مقتضى الفطر ؛ لأن الإنسان مدني بالطبع ، لا يعيش إلا في جماعة .

    فالخلطة واللقاء ، من مقتضيات فطر الأسوياء ، إلا أنها تشتمل على مصالح ومفاسد ، وتنطوي على قبائح وفوائد ، والموفق من يُخلِّص مصالح الخلطة من مفاسدها ، ويجتنب قبائحها ، وينتقي فوائدها .

    وتحرير ذلك على الإجمال في كلام ابن القيم – رحمه الله – حيث قال :

    " الاجتماع بالإخوان قسمان :

    أحدهما / اجتماع على مؤانسة الطبع و شغل الوقت ، فهذا مضرته أرجح من منفعته ، و أقل ما فيه أنه يفسد القلب و يضيّع الوقت .

    الثاني / الاجتماع بهم على أسباب النجاة و التواصي بالحق و التواصي بالصبر ، فهذا من أعظم الغنيمة و أنفعها ، و لكن فيه ثلاث آفات :

    1- إحداها : تزيّن بعضهم لبعض .

    2- الثانية : الكلام ، والخلطة أكثر من الحاجة .

    3- الثالثة : أن يصير ذلك شهوة ، وعادة ينقطع بها عن المقصود .

    و بالجملة فالاجتماع ، والخلطة لَقاح : إما للنفس الأمارة ، و إما للقلب ، والنفس المطمئنة ، والنتيجة مستفادة من اللِّقاح : فمن طاب لَقاحه طابت ثمرته و هكذا الأرواح الطيبة لَقاحها من الملك ، و الخبيثة لَقاحها من الشيطان ، و قد جعل الله - سبحانه - بحكمته الطيبات للطيبين ، و الطيبين للطيبات ، و عكس ذلك " (الفوائد ص/ 51) .

    وأما تفصيل حقوق الأخوة الإيمانية ، وبيان الخلطة النافعة المفضية إلى القيام بمصالح الدنيا والأخرة ، والمعينة على القيام بالواجبات الشرعية ، والفروض الكفائية . بل والعينية – أحياناً - ، فهو ما سنبينه في ثلاثة فصول نافعات – بإذن الله – تعالى - .

    ( يتبع إن شاء الله ) .

    ***


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2015
    المشاركات
    418

    افتراضي


    الفصل الأول / أصول التعاون الشرعي .

    ويشتمل هذا الفصل على قسمين :


    القسم الأول / أدلة التعاون الشرعي .

    دلالة القرآن / قال – تعالى - : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [المائدة : 2] .

    قال القرطبي – رحمه الله - : " وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى ؛ أي لِيُعن بعضكم بعضاً ، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى وأعملوا به ، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه ؛ وهذا موافق لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "الدال على الخير كفاعله" . وقد قيل : الدال على الشر كصانعه "( الجامع لأحكام القرآن : 6/46-47).

    دلالة السنة / منها : حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ: «إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِائَةِ، لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً» (متفق عليه) .

    قال السعدي – رحمه الله - : " هذا الحديث مشتمل على خبر صادق ، وإرشاد نافع .

    أما الخبر ، فإنه – صلى الله عليه وسلم – أخبر أن النقص شامل لأكثر الناس ، وأن الكامل – أو مقاربَ الكمال – فيهم قليل ، كالإبل المائة تستكثرها فإذا أردت منها راحلة تصلح للحمل والركوب ، والذهاب والإياب ، لم تَكَد تجدها .

    وهكذا الناس كثير ، فإذا أردت أن تنتخب منهم من يصلح للتعليم أو الفتوى أو الإمامة ، أو الولايات الكبار أو الصغار ، أو للوظائف المهمة ، لم تكد تجد من يقوم بتلك الوظيفة قياماً صالحاً .

    وهذا هو الواقع ؛ فإن الإنسان ظلوم جهول ، والظلم والجهل سبب للنقائص ، وهي مانعة من الكمال والتكميل .

    وأما الإرشاد ، فإن مضمون هذا الخبر ، إرشاد منه – صلى الله عليه وسلم – إلى أنه ينبغي لمجموع الأمة أن يسعوا ، ويجتهدوا في تأهيل الرجال الذين يصلحون للقيام بالمهمات ، والأمور الكلية العامة النفع
    " (انتهى المقصود من بهجة قلوب الأبرار ص/199).

    القسم الثاني / من قواعد التعاون الشرعي .

    إن التعاون الشرعي مستمد من الشريعة الإلهية ، وأحكامه مستلة منها ، فكل تجمع يخرج عن الضوابط الشرعية ، والقواعد المرعية فهو من المحدثات ومآله إلى الفرقة والاختلاف والشتات ؛ لذلك تعين على كل جماعة أن تنظر في الأصول الشرعية فتنضبط بها ، وتتقيد بأدلتها ، ومن هذه القواعد المهمة :

    القاعدة الأولى / الاعتصام بحبل الله مودة وائتلافاً ، وعدم التفرق بغضاً واختلافاً .

    قال – تعالى - : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103] .

    هذه الآية تقرر الأصل الذي تؤسس عليه أمة الإسلام وجماعة الحق ، وهو التمسك بحبله (وحبل الله) اسم يدل على كل ما يكون معه الوصول إلى الله – تعالى - .

    فيشمل عهده والقرآن والجماعة ودينه ، وكلها معاني متلازمة .

    قال السعدي – رحمه الله - : " وهو الاجتماع والاعتصام بدين الله، وكون دعوى المؤمنين واحدة مؤتلفين غير مختلفين، فإن في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يَصلُح دينهم وتَصلُح دنياهم ، وبالاجتماع يتمكنون من كل أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها، من التعاون على البر والتقوى، كما أن بالافتراق والتعادي يختل نظامهم وتنقطع روابطهم ويصير كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه، ولو أدى إلى الضرر العام " (التفسير ) .

    فالجماعة المتعاونون يدركون مصالحهم بحبل الله وهو شرعه وكتابه ، ويقومون بذلك بائتلافهم واجتماعهم .

    القاعدة الثانية / حرمة التحزب والتعصب في العمل الجماعي المشروع .

    قال شيخ الإسلام – رحمه الله - : " وَلَيْسَ لِلْمُعَلِّمِين َ أَنْ يحزبوا النَّاسَ وَيَفْعَلُوا مَا يُلْقِي بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَلْ يَكُونُونَ مِثْلَ الْإِخْوَةِ الْمُتَعَاوِنِي نَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } .

    وَلَيْسَ لِأَحَدِ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أَحَدٍ عَهْدًا بِمُوَافَقَتِهِ عَلَى كُلِّ مَا يُرِيدُهُ ؛ وَمُوَالَاةِ مَنْ يُوَالِيهِ ؛ وَمُعَادَاةِ مَنْ يُعَادِيهِ بَلْ مَنْ فَعَلَ هَذَا كَانَ مَنْ جِنْسِ جنكيزخان وَأَمْثَالِهِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَنْ وَافَقَهُمْ صَدِيقًا مُوَالِيًا وَمَنْ خَالَفَهُمْ عَدُوًّا بَاغِيًا ؛ بَلْ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَتْبَاعِهِمْ عَهْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِأَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؛ وَيَفْعَلُوا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ ؛ وَيُحَرِّمُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ؛ وَيَرْعَوْا حُقُوقَ الْمُعَلِّمِينَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . فَإِنْ كَانَ أُسْتَاذُ أَحَدٍ مَظْلُومًا نَصَرَهُ وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَمْ يُعَاوِنْهُ عَلَى الظُّلْمِ بَلْ يَمْنَعُهُ مِنْهُ ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " { اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ : تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَذَلِكَ نَصْرُك إيَّاهُ } . وَإِذَا وَقَعَ بَيْنَ مُعَلِّمٍ وَمُعَلِّمٍ أَوْ تِلْمِيذٍ وَتِلْمِيذٍ أَوْ مُعَلِّمٍ وَتِلْمِيذٍ خُصُومَةٌ وَمُشَاجَرَةٌ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِ أَنْ يُعِينَ أَحَدَهُمَا حَتَّى يَعْلَمَ الْحَقَّ فَلَا يُعَاوِنُهُ بِجَهْلِ وَلَا بِهَوَى بَلْ يَنْظُرُ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ أَعَانَ الْمُحِقَّ مِنْهُمَا عَلَى الْمُبْطِلِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُحِقُّ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ أَصْحَابِ غَيْرِهِ ؛ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُبْطِلُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ أَصْحَابِ غَيْرِهِ فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ عِبَادَةَ اللَّهِ وَحْدَهُ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ ؛ وَاتِّبَاعَ الْحَقِّ وَالْقِيَامَ بِالْقِسْطِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِين َ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } يُقَالُ : لَوَى يَلْوِي لِسَانَهُ : فَيُخْبِرُ بِالْكَذِبِ . وَالْإِعْرَاضُ : أَنْ يَكْتُمَ الْحَقَّ ؛ فَإِنَّ السَّاكِتَ عَنْ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ . وَمَنْ مَالَ مَعَ صَاحِبِهِ - سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ - فَقَدْ حَكَمَ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ وَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْوَاجِبُ عَلَى جَمِيعِهِمْ أَنْ يَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً مَعَ الْمُحِقِّ عَلَى الْمُبْطِلِ فَيَكُونَ الْمُعَظَّمُ عِنْدَهُمْ مَنْ عَظَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُقَدَّمُ عِنْدَهُمْ مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمَحْبُوبُ عِنْدَهُمْ مَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُهَانُ عِنْدَهُمْ مَنْ أَهَانَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِحَسَبِ مَا يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا بِحَسَبِ الْأَهْوَاءِ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ؛ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إلَّا نَفْسَهُ . فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي عَلَيْهِمْ اعْتِمَادُهُ
    " (مجموع الفتاوى : 28/ 15 17 ) .



    (يتبع . . . ) - إن شاء الله .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2015
    المشاركات
    418

    افتراضي


    تنبيهان مهمان يفهمان من كلام شيخ الإسلام – رحمه الله - :

    التنبيه الأول / أن النصوص التي تدعوا إلى البيعة ، وتأمر بالتزام الطاعة والجماعة ، مثل ما رواه مسلم عن ابن عمر – رضي الله عنهما - قَالَ : سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : " مَنْ خَلَعَ يَداً مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ حُجَّةَ لَهُ ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً "، ونحوه . ليس المقصود منها الشيخ أو رئيس العمل الجماعي ونحوهما . بل المقصود : السلطان المسلم .

    ومما يدل عليه قول الإمام أحمد – رحمه الله – في " مسائل ابن هانئ ": رقم (2011) عن معنى قوله – صلى الله عليه وسلم - : " من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية " ، فقال : " تدري ما الإمام ؟ الذي يجتمع المسلمون عليه كلهم .
    يقول : هذا إمام ، فهذا معناه
    " انتهى .

    التنبيه الثاني / أن المقصود بجماعة المسلمين التي يأثم المسلم بتركها والخروج عليها هي جماعة المسلمين المجتمعين على بيعة سلطان مسلم ، وليس المقصود بها جماعة من المسلمين اجتمعوا على عمل شرعي ، فإن القول بهذا الأخير يفضي إلى التفرق والتنازع والاختلاف والله يقول { وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }[الروم : 31 - 32] .

    قال السعدي – رحمه الله – في تفسيره : " وفي هذا تحذير للمسلمين من تشتتهم وتفرقهم فرقا كل فريق يتعصب لما معه من حق وباطل، فيكونون مشابهين بذلك للمشركين في التفرق بل الدين واحد والرسول واحد والإله واحد.

    وأكثر الأمور الدينية وقع فيها الإجماع بين العلماء والأئمة، والأخوة الإيمانية قد عقدها اللّه وربطها أتم ربط، فما بال ذلك كله يُلْغَى ويُبْنَى التفرق والشقاق بين المسلمين على مسائل خفية أو فروع خلافية يضلل بها بعضهم بعضا، ويتميز بها بعضهم عن بعض؟
    فهل هذا إلا من أكبر نزغات الشيطان وأعظم مقاصده التي كاد بها للمسلمين؟
    وهل السعي في جمع كلمتهم وإزالة ما بينهم من الشقاق المبني على ذلك الأصل الباطل، إلا من أفضل الجهاد في سبيل اللّه وأفضل الأعمال المقربة إلى اللّه؟
    " انتهى .

    القاعدة الثالثة / تناط المصالح بمن يصلح لها على قدر الوسع والطاقة .


    قال السعدي – رحمه الله – في كتابه القواعد الحسان في تفسير القرآن (ص/129) - : " القاعدة السادسة والخمسون: تحال المصالح على قدر الوسع والطاقة.

    يرشد القرآن الكريم المسلمين إلى إقامة جميع مصالحهم، وأنه إذا لم يكن حصولها من الجميع فليشتغل بكل مصلحة من مصالحهم من يقدر على القيام بها، وليوفر وقته عليها لتقوم مصالحهم، وتكون وجهتهم جميعاً واحدة.

    وهذه من القواعد الجليلة ومن السياسة الشرعية الحكيمة، فإن كثيراً من المصالح العامة الكلية لا يمكن اشتغال الناس كلهم بها، ولا يمكن تفويتها، فالطريق إلى حصولها ما أرشد الله عباده إليه، قال تعالى في الجهاد والعلم اللذين هما من أعظم مصالح الدين
    :{ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ }[ التوبة: 122 ]، فأمر أن يقوم بالجهاد طائفة كافية وبالعلم طائفة أخرى، وأن الطائفة القائمة بالجهاد تستدرك ما فاتها من العلم إذا رجعت.

    وقال تعالى: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ }، [ آل عمران: 104 ]، وقال تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى }، [ المائدة: 2 ]، وقال: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }، [ التغابن: 16 ]، وقال تعالى: { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ }، [ الشورى: 38 ]، إلى غير ذلك من الآيات الدالات على هذا الأصل الجليل والقاعدة النافعة، وبقيام كل طائفة منهم بمصلحة من المصالح تقوم المصالح كلها، لأن كل فرد مأمور أن يراعي المصالح الكلية، ويكون سائراً في جميع أعماله إليها، فلو وفق المسلمون لسلوك هذه الطريق لاستقامت أحوالهم وصلحت أمورهم وانجابت عنهم شرور كثيرة، فالله المستعان " انتهى .

    القاعدة الرابعة / مراتب المحاسبة قبل البدء بالعمل حتى يكون صحيحاً مقبولاً .


    قال ابن القيم – رحمه الله - : " قال الحسن - رحمه الله -:" رحم الله عبداً وقف عند همه فإن كان لله مضى ، وإن كان لغيره تأخر " .

    وشرح هذا بعضهم ، فقال :" إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد وقف أولاً ونظر : هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع .

    فإن لم يكن مقدورا لم يقدم عليه وإن كان مقدوراً وقف وقفة أخرى ونظر :

    هل فعله خير له من تركه أو تركه خير له من فعله ، فإن كان الثاني تركه ولم يقدم عليه وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة ونظر :

    هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز و جل وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق فإن كان الثاني لم يقدم عليه وإن أفضى به إلى مطلوبه ؛ لئلا تعتاد النفس الشرك ويخف عليها العمل لغير الله فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى حتى يصير أثقل شيء عليها وإن كان الأول وقف وقفة أخرى ونظر :

    هل هو معان عليه وله أعوان يساعدونه وينصرونه – إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك - أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه كما أمسك النبي – صلى الله عليه وسلم - عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار وإن وجده معاناً عليه فليقدم عليه فإنه منصور ولا يفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح .

    فهذه أربعة مقامات يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل العمل فما كل ما يريد العبد فعله يكون مقدورا له ولا كل ما يكون مقدورا له يكون فعله خيرا له من تركه ولا كل ما يكون فعله خيرا له من تركه يفعله لله ولا كل ما يفعله لله يكون معانا عليه فإذا حاسب نفسه على ذلك تبين له ما يقدم عليه وما يحجم عنه
    " (إغاثة اللهفان : 1/ 82) .

    (يتبع . . . ) - إن شاء الله .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2015
    المشاركات
    418

    افتراضي




    الفصل الثاني / آداب المتعاونين .

    معنى الأدب :

    قال ابن القيم – رحمه الله - : " فالأدب : اجتماع خصال الخير في العبد " (مدارج السالكين : 2/375) .

    فانقطاع الخير عن العبد سببه فوات العلم والأدب عنه ، وقد أحسن من قال :

    لَيْسَ الْيَتِيمُ الَّذِي قَدْ مَاتَ وَالِدُهُ *** إنَّ الْيَتِيمَ يَتِيمُ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ


    أهميته :

    " يقال : مثل الإيمان كمثل بلدة لها خمسة حصون : الأول من ذهب ، والثاني من فضة ، والثالث من حديد ، والرابع من آجر ، والخامس من لبن ، فما زال أهل الحصن يتعاهدون الحصن من اللبن لا يطمع العدو في الثاني ، فإذا أهملوا ذلك طمعوا في الحصن الثاني ثم الثالث حتى تخرب الحصون كلها .
    فكذلك الإيمان في خمسة حصون : اليقين ثم الإخلاص ثم أداء الفرائض ثم أداء السنن ثم حفظ الآداب ، فما دام العبد يحفظ الآداب ويتعاهدها فالشيطان لا يطمع فيه ، فإذا ترك الآداب طمع الشيطان في السنن ثم في الفرائض ثم في الإخلاص ثم في اليقين والله أعلم
    " (الآداب الشرعية : 2/606 – 607) .

    وقد روى الخطيب البغدادي – رحمه الله – بسنده عدداً من الآثار عن السلف في بيان أهمية الأدب عندهم وتقديمه على كثير من العلم ، فقال :

    عن مالك ابن أنس قال: قال ابن سيرين : كانوا يتعلمون الهَدْيَ كما يتعلمون العلم .

    قال مالك : وبعث ابن سيرين رجلاً ، فنظر كيف هَدْيُ القاسم وحالُه
    " .

    وعن محمد بن الشهيد قال : قال لي أبي : يا بني ايت الفقهاء والعلماء ، وتعلم منهم ، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم ؛ فإن ذلك أحب إلي لك من كثير من الحديث " .

    وعن ابن المبارك قال : قال لي مخلد بن الحسين : نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث " (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع :1/80) .

    وقد أجاد بعض المربين ، فقال :

    خير ما ورَّث الرّجال بنيهم ... أدبٌ صالحٌ وحسن الثّناء
    هو خيرٌ من الدََّنانير والأو ... راق في يوم شدَّةٍ أو رخاء
    تلك تفنى والدِّين والأدب الصَّ ... الح لا تفنيان حتَّى اللِّقاء
    إن تأدَّبت يا بنيّ صغيراً ... كنت يوماً تعدّ في الكبراء


    وقد أجمل الصَّرْصَرِيُّ هذه الآداب في مقطوعة من شعره – نذكرها – ثم بعد ذلك نفصلها ونزيد عليها ما هو مناسب للمقام :

    قال الصَّرْصَرِيُّ – رحمه الله - :

    لَا تَلْقَ حَادِثَةً بِوَجْهٍ عَابِسٍ *** وَاثْبُتْ وَكُنْ فِي الصَّبْرِ خَيْرَ مُنَافِسِ
    فَلَطَالَمَا قَطَفَ اللَّبِيبُ بِصَبْرِهِ *** ثَمَرَ الْمُنَى وَانْجَابَ ضُرُّ الْبَائِسِ
    وَعَلَيْك بِالتَّقْوَى وَكُنْ مُتَدَرِّعًا *** بِلِبَاسِهَا فَلَنِعْمَ دِرْعُ اللَّابِسِ
    وَتَتَبَّعْ السُّنَنَ الْمُنِيرَةَ وَاطَّرِحْ *** مُتَجَنِّبًا إفْكَ الْغَوِيِّ الْيَائِسِ
    وَاغْرِسْ أُصُولَ الْبِرِّ تَجْنِ ثِمَارَهَا *** فَالْبِرُّ أَزْكَى مَنْبِتًا لِلْغَارِسِ
    وَاطْلُبْ نَفِيسَ الْعِلْمِ تَسْتَأْنِسْ بِهِ *** فَالْعِلْمُ لِلطُّلَّابِ خَيْرُ مُؤَانِسِ
    لَا تُكْثِرَنَّ الْخَوْضَ فِي الدُّنْيَا وَكُنْ *** فِي الْعِلْمِ أَحْرَصَ مُسْتَفِيدٍ قَابِسِ
    فَالْمَالُ يَحْرُسُهُ الْفَتَى حَيْثُ التَّوَى *** وَالْعِلْمُ لِلْإِنْسَانِ أَحْفَظُ حَارِسِ
    وَإِذَا شَهِدْت مَعَ الْجَمَاعَةِ مَجْلِسًا *** يَوْمًا فَكُنْ لِلْقَوْمِ خَيْرَ مُجَالِسِ
    أَلِنِ الْكَلَامَ لَهُمْ وَصُنْ أَسْرَارَهُمْ *** وَذَرْ الْمِزَاحَ وَلَا تَكُنْ بِالْعَابِسِ

    الأدب الأول / الإخلاص .

    قال – تعالى - : {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة:5] .

    قال شيخ الإسلام – رحمه الله - : " فَالدِّينُ الْحَنِيفُ هُوَ الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهُ . وَهُوَ الْإِخْلَاصُ الَّذِي تَرْجَمَتْهُ كَلِمَةُ الْحَقِّ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ : " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " (مجموع الفتاوى : 9/319) .

    قال – أيضاً - : " وَأَمَّا الْإِخْلَاصُ فَهُوَ حَقِيقَةُ الْإِسْلَامِ إذْ " الْإِسْلَامُ " هُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ لَا لِغَيْرِهِ " (مجموع الفتاوى : 10/14) .

    فكل تعاون لا يقوم على أساس التقوى (الإخلاص) ، فهو إلى الزوال والانهيار آيل ؛ لأن ما كان لله – تعالى – دام واتصل ، وما كان لغيره انقطع وانفصل .

    قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ " (متفق عليه) .

    قال شيخ الإسلام – رحمه الله - : " وَهَذَا الْأَصْلُ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ وَبِحَسَبِ تَحْقِيقِهِ يَكُونُ تَحْقِيقُ الدِّينِ وَبِهِ أَرْسَلَ اللَّهُ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ وَإِلَيْهِ دَعَا الرَّسُولُ وَعَلَيْهِ جَاهَدَ ؛ وَبِهِ أَمَرَ وَفِيهِ رَغَّبَ ؛ وَهُوَ قُطْبُ الدِّينِ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ رَحَاهُ . وَالشِّرْكُ غَالِبٌ عَلَى النُّفُوسِ . وَهُوَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ " وَهُوَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ " وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ :" قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . كَيْفَ نَنْجُو مِنْهُ وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ : أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً إذَا قُلْتَهَا نَجَوْتَ مِنْ دِقِّهِ وَجِلِّهِ ؟ قُلْ : اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُك َ لِمَا لَا أَعْلَمُ " .

    وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ : " اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِكَ خَالِصًا وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدِ فِيهِ شَيْئًا ".

    وَكَثِيرًا مَا يُخَالِطُ النُّفُوسَ مِنْ الشَّهَوَاتِ الْخَفِيَّةِ مَا يُفْسِدُ عَلَيْهَا تَحْقِيقَ مَحَبَّتِهَا لِلَّهِ وَعُبُودِيَّتِه َا لَهُ . وَإِخْلَاصِ دِينِهَا لَهُ كَمَا قَالَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ : يَا نَعَايَا الْعَرَبِ إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرِّيَاءُ وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ . قِيلَ لِأَبِي دَاوُد السجستاني : وَمَا الشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ ؟ قَالَ : حُبُّ الرِّئَاسَةِ .

    وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي زَرِيبَةِ غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .

    فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْحِرْصَ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ فِي فَسَادِ الدِّينِ لَا يَنْقُصُ عَنْ فَسَادِ الذِّئْبَيْنِ الْجَائِعَيْنِ لِزَرِيبَةِ الْغَنَمِ وَذَلِكَ بَيِّنٌ ؛ فَإِنَّ الدِّينَ السَّلِيمَ لَا يَكُونُ فِيهِ هَذَا الْحِرْصُ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ إذَا ذَاقَ حَلَاوَةَ عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يُقَدِّمَهُ عَلَيْهِ وَبِذَلِكَ يُصْرَفُ عَنْ أَهْلِ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ السُّوءُ وَالْفَحْشَاءُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } فَإِنَّ الْمُخْلِصَ لِلَّهِ ذَاقَ مِنْ حَلَاوَةِ عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ مَا يَمْنَعُهُ عَنْ عُبُودِيَّتِهِ لِغَيْرِهِ وَمِنْ حَلَاوَةِ مَحَبَّتِهِ لِلَّهِ مَا يَمْنَعُهُ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِهِ إذْ لَيْسَ عِنْدَ الْقَلْبِ لَا أَحْلَى وَلَا أَلَذَّ وَلَا أَطْيَبَ وَلَا أَلْيَنَ وَلَا أَنْعَمَ مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ الْمُتَضَمِّنِ عُبُودِيَّتَهُ لِلَّهِ وَمَحَبَّتَهُ لَهُ وَإِخْلَاصَهُ الدِّينَ لَهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي انْجِذَابَ الْقَلْبِ إلَى اللَّهِ فَيَصِيرُ الْقَلْبُ مُنِيبًا إلَى اللَّهِ خَائِفًا مِنْهُ رَاغِبًا رَاهِبًا
    " (مجموع الفتاوى :10/214 - 215) .

    وقال ابن القيم – رحمه الله - : " العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله ولا ينفعه " (الفوائد ص/ 49) .

    الأدب الثاني / الصدق .

    إن ( الصدق ) من الأوصاف التي هي ركن في قيام التعاون الشرعي ، لأنه القاعدة التي ينبني عليها اجتماع أهل الإيمان ، فعدمه يفضي إلى (تصدع البناء)، (وتفرق الأفراد)، (وتبدد الجهود)، (وحصول الثغرات) ، وجماع ذلك الفشل وذهاب الريح .

    قال – تعالى - : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ }[الصف : 2 - 4] .

    فصف القتال هو واحد من صور العمل الجماعي الذي يطلب فيه التلاحم والتعاضد ، ربطه بالصدق للدلالة على أن قيام الاعمال الجماعية على أتم الوجوه يتوقف على صدق الأفراد في القول والعمل ؛ لأنها علامة صحة الإيمان .

    أضف إلى ذلك أن الصادق تلقى عليه هيبة وجلالة ، تجعل الموافق محباً له ، متلمساً رضاه ، وتجعل المخالف مجلاً له ، حذرا منه . وبهذا تنجح الأعمال العامة ، بوجود المعاضد ، وبالسلامة من الحاقد ، فبمحبة الموالفين يتحقق المطلوب ، وبرهبة المخالفين يندفع المكروه .

    قال ابن القيم رحمه الله: "والكذب له تأثير عظيم في سواد الوجه، ويكسوه برقعاً من المقت يراه كل صادق، فسيما الكاذب في وجهه يُنادى عليه لمن له عينان، والصادق يرزقه الله مهابة وجلالة، فمن رآه هابه وأحبه، والكاذب يرزقه الله إهانة ومقتاً، فمن رآه مقته واحتقره" (إعلام الموقعين : 1/122) .

    وسبيل التعاون على البر هو الصدق كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : " إن الصدق يهدي إلى البر" فدل ذلك على " أَنَّ الصِّدْقَ أَصْلٌ يَسْتَلْزِمُ الْبِرَّ " قاله شيخ الإسلام .

    فبالتحلي بالصدق تتحقق كل المقاصد الشرعية ؛ لأنه داعية إلى كل جزء من أجزاء البر لا يتخلف شيء من عمل البر ألبتة عن الصادق، كما جاء عن ابن مسعود - رضي الله عنه - ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : " إنَّ الصِّدقَ يَهْدِي إِلَى البرِّ ، وإنَّ البر يَهدِي إِلَى الجَنَّةِ ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقاً . وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهدِي إِلَى النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكتَبَ عِنْدَ الله كَذَّاباً " (مُتَّفَقٌ عَلَيهِ) .

    قال شيخ الإسلام – رحمه الله - : " وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إذَا أَمَرَ بَعْضَ مُتَّبِعِيهِ بِالتَّوْبَةِ وَأَحَبَّ أَنْ لَا يُنَفِّرَهُ وَلَا يُشَعِّبَ قَلْبَهُ أَمَرَهُ بِالصِّدْقِ . وَلِهَذَا كَانَ يَكْثُرُ فِي كَلَامِ مَشَايِخِ الدِّينِ وَأَئِمَّتِهِ ذِكْرُ الصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ حَتَّى يَقُولُوا : قُلْ لِمَنْ لَا يَصْدُقُ : لَا يَتَّبِعْنِي . وَيَقُولُونَ : الصِّدْقُ سَيْفُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَمَا وُضِعَ عَلَى شَيْءٍ إلَّا قَطَعَهُ وَيَقُولُ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُ : مَا صَدَقَ اللَّهَ عَبْدٌ إلَّا صَنَعَ لَهُ وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ " (مجموع الفتاوى : 10/11) .


    ( يتبع إن شاء الله ) .

    ***

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •