تعلمت من ابن عثيمين (6)



المعْلمُ السادس ([1]):
عنايته بالتحصيل العلمي لطلابه:

درجَ عددٌ من العلماء على إلقاء الدرس دون مناقشة، وربما سلك بعضُهم مسلك التعليق على كتابٍ ما، فإن ورد سؤالٌ من الطلاب وإلا مضى الشيخُ حتى ينتهي من كتابه، فلا يَدري من الذي فهم واستوعب ممن ليس كذلك! ولم يكن شيخنا ـ رحمه الله ـ يرتضي هذا المسلك أبداً، بل كان يرى أن هذه طريقة عقيمة جداً!

وقد أكّد ـ حين سُئل عن وصيته للمعلّم ـ على أهمية مناقشة المعلّم للطلاب في جوابٍ طويل، أقتطف منه هذه الجملة المعبّرة عن منهجه في هذه القضية بوضوح، حيث "مناقشة الطلبة فيما ألقاه عليهم سابقًا، أما أن يأتي يقرأ الشيء عليهم قراءة ولا يدري مَن فهم ممن لم يفهم ولا يناقشهم فيما مضى، فإن هذه الطريقة عقيمة جدًّا لا تثمر ثمرًا ولا تكون نتيجتها طيبة"([2]).

ومن صور عنايته بتحصيل الطلاب: حرصه على وضوح العبارة وسهولة الأسلوب في الشرح، وإذا شعر الشيخُ أن بعض الطلبة لم يفهم سألهم، فإن لم يفهموا أعاد.

وكذلك حرصه ـ رحمه الله ـ على غرس روح المناقشة للمسائل من غير فرض الرأي ـ فيما يمكن فيه النقاش ـ وكان أحياناً يطرح المسألة فيسأل الطلبة، والغالب أنهم ينقسمون إلى قسمين كما هو الحال في أكثر الأحكام العملية، ثم إن الشيخ بعد ذلك يقول لهم: دعونا ننظر في دليل هؤلاء وهؤلاء، ثم يبدأ يناقش ويرجح بناء على ذلك التحليل والتفصيل للأقوال، فيقتنع الطالب حينئذ من سبب الترجيح، ويعتاد على هذه الطريقة.

لقد كان بإمكان الشيخ ـ رحمه الله ـ أن يعرض الأقوال ويرجح، ويمضي في شرح المسائل ـ وهو من حيث إنهاء المتون أسرع للطالب ـ ولكنه لم يفعل، وكان كثيراً ما يردِّد في الدرس قاعدة في هذا الباب وهي: إذا رجّح الإنسانُ قولاً على قول؛ فلا بد مِن ذكر سبب الترجيح، والإجابة عن دليل القول الآخر.

وهذا الأسلوب الذي انتهجه الشيخ ـ رحمه الله ـ وهو أسلوب الإقناع والمحاورة؛ استفاد منه كثيرٌ من الناس فضلا عن طلابه الذين لازموه فترة من الزمن.

وقد كتب أحدُ الطلاب([3]) ـ الذين درّسهم شيخنا في المعهد العلمي في عنيزة ـ مقالاً يتحدث فيه عن موقف حصل له مع الشيخ ـ رحمه الله ـ عام 1380هـ تقريباً، وخلاصة الموقف الذي ذكره أنه قال: "كنا ندرس في الصف الأول المتوسط في المعهد العلمي، وكان الناس في ذلك الوقت يتحدثون عن وصول الإنسان للقمر، هل هو ممكن أم لا؟ وهل الحديث عن هذه المسألة سائغ شرعاً أم لا؟ فلما دخل علينا الشيخ طرح علينا السؤال التالي: هل تعتقدون أنهم سيصلون إلى القمر؟ قال الطلاب كلهم: لا! يقول الكاتب: إننا قلنا ذلك مجاملة وهيبة من الشيخ، وأكثرنا من داخل نفسه متحمس للتصديق بهذا الخبر، يقول: إن الشيخ لم يعجبه هذا الجواب منا، واقترح علينا أن نناقش الأمر، فشرع بطرح الأسئلة علينا واحداً واحدًا، وأثناء ذلك قام أحد الطلبة فقال: نعم ياشيخ يمكن أن يصلوا، هنا توقعنا أن يغضب الشيخ على الطالب ويعاقبه! غير أن الشيخ التفت إلينا، وسألنا عن جواب زميلنا، وطلب منا أن نناقش قوله، وهل أحدٌ منكم يوافقه على رأيه؟

لقد كانت الهيبة من الشيخ تجعلنا نؤكد أن زميلنا قد أخطأ ووهِم، عندها قال الشيخ: تريدون رأيي؟ فقلنا بصوت واحد: نعم، ثم ذكر الشيخ رأيه في المسألة...الخ المقال([4])، فيعلق هذا التلميذ قائلاً: لقد استفدتُ من هذا الموقف فائدة عظيمة، وهي: التربية على الروح الحوارية، حيث يفتح مجالاً للتفكير والتدقيق والتمحيص، ومشاركة كل الأطراف في معالجة الإشكال، وتحريك عقولهم في البحث.. وللحديث صلةٌ إن شاء الله.



_______
([1]) أشرتُ في الأجزاء الأول والثاني والثالث والرابع والخامس من هذه السلسلة إلى أربعة معالم مما تميزت به شخصية شيخنا ـ رحمه الله ـ وهي: "وضوح الهدف"، "الثبات على المنهج والهدف الذي رسمه لنفسه"، "العناية بالقرآن حفظاً وفهماً وعملاً"، "حبّه لنشر العلم واغتنام الفرص لتبيلغ الشريعة"، "التثبت في النقل والحكم"، وأتابع في هذا المقال ذِكر بعض تلكم المعالم.
([2]) كتاب العلم (101).
([3]) هو الدكتور عبدالله الغذامي.
([4]) مقال د.عبدالله الغذامي 16-17 في ملحق الأربعاء الصادر عن جريدة المدينة 29/10/1421هـ .


* المقال على الموقع: http://almuqbil.com/web/?action=arti...r&show_id=1618