طالبُ العلم .. والهموم للكاتب : مشاري الشثري
النتائج 1 إلى 2 من 2
1اعجابات
  • 1 Post By سعيد الرميح

الموضوع: طالبُ العلم .. والهموم للكاتب : مشاري الشثري

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المشاركات
    127

    افتراضي طالبُ العلم .. والهموم للكاتب : مشاري الشثري

    طالبُ العلم .. والهموم للكاتب : مشاري الشثري

    لا تأتي على طالب العلم مرحلةٌ إلا والتي بعدها أشقُّ منها، وهذا مع ما يُلحقه من همٍّ يملأ قلبَ الطالب وعقلَه إلا أنه في الغالب أمارةُ تقدُّم علمي، فكلَّما اشتدَّ عود الهموم العلمية بطالب العلم كان ذلك دالًّا على صدق طلبه، وعونًا له على الإيغال في تحصيله، ولو يعلم طلابُ العلم ما في الهموم العلمية والمشاقِّ المعرفية ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليها لاستهموا عليها، ولَأتوها ولو حبوًا، ولَضجَّت قلوبهم إلى الله تعالى أن يكرمهم بالمزيد منها، فـ (الهموم مقدماتٌ - في أحيانٍ كثيرةٍ - لنعم مخبوءة)[1]، وكلَّما تضاءل الهمُّ واضمحلَّ فترتْ عزائم الطلبة، وكلَّتْ سواعد عقولهم، ونضبتْ مياه أمانيهم .. (يخلو من الهمِّ أخلاهُم من الفِطَنِ) كما يقول أبو الطيِّب.
    ******
    من تلك الهموم همُّ الضبط، وهو من أشدِّ الهموم تسلُّطًا على طالب العلم .. ينتهي من كتابٍ فلا يستذكر منه سوى صفحات مفرَّقة، ويحفظ متنًا فلا يبقى معه سوى سطور مهشَّمة، ويبحث مسألة ويكتب فيها عشرات الصفحات فلا يأتي الهلال بعد الهلال إلا وقد تواردت على ذهنه وأوراقه عوادي الأيام، قتلًا لذاكرته وتشريدًا لأوراقه .. أمَّا عجيبةُ الشعبيِّ عنده (ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته، ولا أحببت أن يعيده علي) = فضربٌ من الكرامات العلميَّة التي تُنال بمحض الفضل الإلهي.
    وطلاب العلم حيال همِّ الضبطِ على ضربين: فطائفة منهم غلبها هذا الهمُّ حتى حاد بها عن سبيل العلم، وقنَّعها بما مضى من تحصيلٍ، وأيِسَت أن تكون من المبرزين فيه، فكان تحصيلُها مجرَّد سابقة حسنة ولحظة تاريخية عابرة ، وما أكثرَهم! .. وأخرى أنجب هذا الهمُّ عندها لفيفًا من المشاريع العلمية التي شدَّت من أَزْرِ العلاقة بين الطالب ومطلوبه، فما زال بالعلوم تحصيلًا وضبطًا حتى تمكَّن من تطويق ما حصَّله، بل رشَّدت تلك المشاريعُ نمطَ تعامله مع المعلومات اللاحقة فكانت مِن بعدُ واردةً على محلٍّ قابلٍ للضبط.
    أين السبيل إلى الضبط؟
    جمعُ الهمِّ وتجريدُه للتحصيل مقدمةُ الضبط وخاتمتُه، و(لا شيءَ يُنالُ - طال الفكرُ فيه أو قَصُر - إلا بتجريد الفكر في جهة الطلب)[2]، والعلم عزيز، ومن عزِّته نفرتُه من الهموم المشاركِة، ولا سيما هموم الدنيا وسطوة الأحداث المحيطة، وكلَّما كان الطالب أملَكَ لهمِّه كان أضبطَ لعلمه، ومن هنا ففلاحُ طالب العلم مرهونٌ بمدى استطاعته على تقليص هموم دنياه والتقليل من نفوذ محيطه عليه، وحين يطالع السير والتراجم بحثًا عن أحوال العلماء للاقتداء بنهجهم فلا يقفْ بصره عند حدود الأوصاف المثبتَة بالحروف، بل لِيتعَدَّ إلى ما وراءَ ذلك .. إلى انصرافهم عن الهموم المتشاكسة، والنأي بأنفسهم عن الاستغراق في الأحداث المحيطة، فقد كانت بين أئمة العلم والهموم الدنيوية والأحداث المحيطة بهم مسافةٌ فاصلةٌ، تُطوى حينًا وتُمَدُّ أحيانًا، وما حصَّلوا تلك المسافة إلا لأنهم يملكون ذواتهم، وبذلك نالوا من العلم ما نالوا.
    كان الإمام الخليل بن أحمد يقول: (إني لأغلق عليَّ بابي، فما يجاوزه همِّي)[3] .. ولذلك بلغ أنْ كان الخليل .. لكننا - و يا للأسى - لا أبوابَ لنا!
    ولما سئل أبو حنيفة: بم يُستعانُ على حفظ الفقه؟ قال: (بجمع الهمِّ)[4] .. فـ (هيهات أن يجتمع الهم مع التلبس بأمور الدنيا .. هيهات! والله لا يجتمع الهمُّ والعينُ تنظر إلى الناس، والسمعُ يسمع حديثَهم، واللسان يخاطبهم، والقلبُ متوزِّعٌ في تحصيل ما لا بُدَّ منه)[5].
    لا يتحدَّثِ الطالب عن رَهَق هذا الزمان، وتزاحم همومه، وتواتر مشغلاته، واضطراب أحواله، لكن لينظُرْ في مسافاته، فالأحداث الآن كهي في الزمن الغابر، لكن المسافات ليست كالمسافات!
    جمعُ الهم إذًا شرطُ الضبط العلمي، ومن أشدِّ مشتتات الهم تقطُّع التحصيل العلمي وتعثُّره، فالعلم يحتاج من الطالب ارتياضًا وديمومةً، وبذلك ينجمع همُّه، ويثبت علمه، وتُضبَط معارفه، والبحث هنا أوسع من قضية حفظ المسائل المعيَّنة، فالشأن أن يعتاد الطالب العلمَ ويلابسه، أيًّا كان نوع الملابسة، تعلُّمًا وتعليمًا، قراءةً وحفظًا، سماعًا وحضورًا .. وبقدر اتصال الطالب بالعلم وارتباطه بمصادره تدنو منه مسائلُه، ويكون حضورها في ذهنه أبقى، لاعتياده عليها وإلفه لها.
    قضى أبو بكر القفال المروزي أربعين عامًا من عمره لا يعرف من العلم إلا اسمه، وليس له به اشتغال، ثم رغبت نفسه في العلم، وذهب إلى أحد أشياخ مَرْو، وعرَّفه رغبتَه، فلقَّنه هذا الشيخُ أولَ جملة من كتاب المزني، وهي: (هذا كتابٌ اختصرتُه) .. فرقى القفال سطح بيته، وكرر هذه الكلمات الثلاث ليحفظها (هذا كتابٌ اختصرته .. هذا كتابٌ اختصرته .. هذا كتابٌ اختصرته) .. كررها من بعد العشاء إلى الفجر، ثم غلبته عيناه ونام، ولما استيقظ نسيها!
    ضاق صدره وقال: أيشٍ أقول للشيخ؟! عاد إلى شيخه وكاشفه بما جرى، فلم يزجره، بل أوصاه بما صار القفَّال به أحدَ أركان المذهب الشافعي.. قال له: (لا يصدَّنَّك هذا عن الاشتغال، فإنك إذا لازمت الحفظ والاشتغال صار لك عادة) [6] .. فالملازمة سبيل الاعتياد، والاعتياد قَيدُ المحفوظات والمعلومات الهاربة.
    وممن فَقِه منزلة الاعتياد وارتاض بها فانجمع همه للعلم وتوفَّر وقته للتحصيل: شيخُ العراق أبو الحسن الكرخي، حتى بلغت به الحال أنْ صار يطلب الاعتيادَ ذاتَه، ولو لم ينل منه تحصيلًا!
    ومما قاله في ذلك: (كنتُ أحضر مجلس أبي حازم يومَ الجمعة بالغداة من غير أن يكون درسٌ، لئلا أنقضَ عادتي من الحضور)[7] .. وهذا ضربٌ من التربية العلمية عزيز، ينال به الطالب شرفَ جمعيَّة الهمِّ على العلم.
    ولما لجمعية الهمِّ من أثر بالغ في تجويد التحصيل (استحب السلف التغرُّبَ عن الأهل والبعدَ عن الوطن، لأن الفكرة إذا توزَّعت قصرت عن درك الحقائق وغموض الدقائق ... ومما يقال عن الشافعي أنه قال: لو كُلِّفتُ شراءَ بصلةٍ ما فهمتُ مسألةً!)[8].
    ومِن وراءِ جمعِ الهمِّ طرائقُ للضبط إذا تمرَّس بها الطالب ازداد معدَّل ضبطه، ومن تلك الطرائق: المذاكرة العلمية بين الأقران، والعطاء العلمي تأليفًا وتدريسًا، بلهَ حفظَ المتون وتكرارَ القراءة، غير أن لبَّ الضبط في جمع الهم، فلْيجمعِ الطالبُ همَّه على جمع همِّه، فإن (جمع الهم أصل الأصول)[9]!

    ******
    ومن تلك الهموم همُّ التقييد، فلا تكاد تستوي راحلة طالب العلم على طريقة من التقييد العلمي، فتارةً يفهرس فوائده التي حصَّلها في طرَّة كل كتاب، فتجد أوائل كتبه وأواخرها مزدحمةً بالإحالات، ثم يرى أنَّ لهذه الفوائد امتداداتٍ في كتبٍ أخرى، فينتقل من طريقة التقييد في طرَّة الكتاب إلى وضع دفاتر وملفات خاصة مصنفة حسب العلوم، يجمع فيها ما حصَّله من مجموع المصادر، ثم يرى أن هذه الطريقة تحتاج وقتًا، فينتقل منها إلى طريقة ثالثة، وهكذا.
    ونحن إذا نظرنا في سير العلماء وما توسَّلوا به لبناء مشاريعهم وضبط معارفهم وجدنا لهم في ذلك مسالك متنوعة تتفاوت بتفاوت طبائعهم النفسية وقدراتهم الذهنية وحوائجهم العلمية، وغالبًا ما يكون تفعيل تلك المسالك وتصنيعها في مرحلة مبكرة لتكون المراحل اللاحقة مبنيةً عليها مُنضَجَةً بنارها.
    فمنهم من يجعل لفوائده أصلًا في كل فن، فيختار كتابًا جامعًا، ويضم إلى هوامشه كل ما تلقاه عينه من فوائد في سائر الكتب التي تعالج الفن نفسه، ثم هو يُحيل ذلك المجموع الذي صنعه مادةً يستعين بها في دروسه وكتاباته وتحريراته.
    والتطبيقات المبثوثة في كتب السير والتراجم كثيرة، وغالبها تجد محلَّ الضَّبطِ فيها كتابًا جامعًا أو متنًا مختصرًا، وتطلُّبُ الشواهد لذلك ترفٌ، فهي مبذولةٌ قريبةُ المنال، ومن ذلك عناية النووي بكتاب "التنبيه" في فقه الشافعية، فقد حفظه في ٤ أشهر ونصف، وصنَّف كتابًا في تصحيحه، وآخرَ في لغاته، وكتب عليه نُكتًا، وشرع في شرحه، كما شرع في اختصاره .. بل بلغ الحال ببعض العلماء أن نُسِب إلى كتابٍ لفرط عنايته به، كما نُسِب أبو عبدالله محمد بن سليمان الرومي الحنفي لكتاب "الكافية" لابن الحاجب، فصار يُعرَف بالكافِيَجي!
    ومنهم من يكون له اختصاصٌ بموضوعٍ داخلَ علم، أو مجالٍ متسلِّلٍ في أكثر من علم، فيجعل له في ذلك أصلًا، وغالبًا يكون هذا الأصل من ابتكاره، لأن حدود هذا الأصل تمليه حاجته الخاصَّة، وليست الحاجة متعلقة بعلم منضبط، بل هي متعلقةٌ بموضوع، وربما تعلَّقت بكتاب معين لا لكونه أصلًا في علم، بل لكون مؤلفه عُني فيه بضربٍ من المعارف يفيد الناظر في كثير من مجالات المعرفة، ومن شواهد ذلك أن المحقق الكبير العلامة عبدالسلام هارون جعل مشروعه الأعظم تحقيق التراث، وكان لابد لمثله أن يعدَّ العدة لذلك، فإن تحقيق التراث يستلزم بَصَرًا بكثير من العلوم والمعارف، ونظرًا لمصادفة أيِّ محقق لكثير من الكلمات المحتاجة للضبط اتجه هارون لكتاب "وفيات الأعيان" لابن خَلِّكان، ومع كونه كتابًا خاصًّا بالتراجم للأعلام، إلا أن هارون صنع معجمًا لمقيَّداته، والذي حفزه لهذا العمل حاجةٌ وامتيازٌ:
    أما الحاجة فلأن كلَّ محقق لا بد وأن يعرض له في أعماله كثير من الكلمات المحتاجة إلى الضبط كما تقدَّم، ومن هنا كان لزامًا عليه أن يكون ذا بسطة في الاطلاع تمكِّنه من ضبط تلك الكلمات.
    وأما الامتياز فلأن ابن خَلِّكان هميمٌ بالضبط والتفسير، وعن ذلك قال هارون عن كتاب ابن خلكان الأوحد "وفيات الأعيان": (هذه أمنية راودتني منذ نحو نصف قرن من الزمان: أن أجمع في صعيد واحد ما نص ابن خلكان على ضبطه أو تفسيره في كتابه الخالد الرائع: "وفيات الأعيان"، وأتناوله بالتحقيق والنشر، لما فيه من نصوص نادرة في الضبط، يشيع فيها الدقة والأمانة)
    من هنا صنع هارون هذا المعجم القائم في قريبٍ من ٣٥٠ صفحة، وقال عنه:
    (هذا الفهرس الذي أعانني جِدَّ العون في ضبط الكثير من نصوص التراث العربي، بما يشتمل عليه من الغريب، أو من مشكل الألفاظ العربية أو الفارسية أو الأعجمية).
    وهكذا فليصنع طالب العلم، وليعدد طرائق تقييده بقدر حاجاته، ولا يطمعْ في الوصول لطريقة جامعة تزيل همَّه، فمادَّة هذا الهمِّ لا تنضب، وليس لإشكاليَّة التقييد حلٌّ في نظري، ولن يجد طالب العلم طريقة تحقق كل احتياجاته، ثمَّ إنَّ هذا الترحُّلَ من طريقة لأخرى مما يصقل طالب العلم، ويمرِّنه على جوانبَ من التصنيف والتدقيق قد لا يظفر بها لو لم يكن هذا الهم ساريًا بين أوراقه.
    ******
    ومن تلك الهموم همُّ الإبداع، وكلما ارتشف الطالب سيرة أحد الأعلام المبدعين ممن قدَّم إضافة نوعية للحقل العلمي تنامى هذا الهمُّ في داخله، وتمنَّى أنْ لو كان له من العلم ما يمكِّنه من التحقيق في المعرفة والإضافة الجادة المبدعة في مسائله.
    كثيرٌ هم طلاب العلم، لكن الجادَّ منهم قليل، والمبدعَ من الجادين أقل القليل .. والحديث عن الإبداع كثيرًا ما يكون بالجمل الفضفاضة والعبارات المجملة دون تبيان لحقيقته، فيقف الطالب متأملًا في سحائب الأحلام المبدعة دون أن يكون لتلك السحائب هطولٌ في أودية مشاريعه.
    وإذا نظرنا في سير المبدعين من العلماء وحاولنا الوقوف على إكسير الإبداع في سيرتهم وإنتاجهم وجدناه متمثِّلًا في جملة معايير، من أخصِّها: معيار (الفوات) .. وهذا معيارٌ أوَّليٌّ يُراد به تمييز المبدعين، ندرك به وجود الإبداع وإن لم نقف تحديدًا على معالمه، ومفاده أن العالم المبدع هو العالم الذي تحصَّل له نمطٌ من مداولة العلم والتعاطي مع مسائله تفرَّد به حتى ظُنَّ فواتُه بفواته.
    ولا أكتمك سرًّا إن قلتُ لك بأن هذا المعيارَ منتزَعٌ من إجابة ذكيَّة للإمام أحمد أجاب بها على من أنكر عليه جلوسه عند الشافعي وتَرْكَه مجلس ابن عيينة، وذلك حين قال له: (اسكتْ! فإن فاتك حديثٌ بعلوٍّ تجده بنزول، ولا يضرك في دينك، ولا في عقلك، أو في فهمك .. وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف أن لا تجده إلى يوم القيامة)[10].
    فالشافعي حقَّق نمطًا من الإبداع جعل الإمام أحمد يعيد ترتيب جدول دروسه خشية فوات هذا النمط بفوات الشافعي، وهكذا فلننظر في من يُظَنُّ أن بفواته غياب نمطٍ من أنماط المداولة العلمية، لنميز المبدعين، ثم نقف من بعدُ على حقيقة الإبداع ومعالمه، وإنما قلت (نمط من أنماط المداولة العلمية)، لأن العلم لا يفوت بفوات الأشخاص، فكل العلم في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ولكن الشأن في آلية التعامل العقلي والتداول المعرفي لمضامين الوحي، وذلك ما أراد الإمام أحمد أن يشير إلى امتياز الشافعي فيه.
    والشافعيُّ الذي بهر الإمام أحمد في فقهه لكتاب الله يتمثَّل جوهرُ إبداعه في كتاب الرسالة .. هذا الكتاب الذي دلَّ على مقام عال من التحقيق والإبداع العلمي يقطع معه الناظر أنه أمر احتكره الشافعي، وبرهانه أن أحدًا لم يستطع أن يستقل بوضع أصولٍ للفقه على وضع متكامل استقلَّ فيه عن رسالة الشافعي، بل إما أن يكون عمله واقعًا فيه أو منطلقًا منه أو مبنيًّا عليه.
    والإمام أحمد نفسه بلغ علمه بالآثار وعللها، وخصوصًا علل الآثار الموقوفة، مقامًا لم يلحقه فيه لاحقٌ مذ فارقت آخر نسمة من روحه آخر بقعة من جسده، وعن ذلك قال ابن رجب بعد أن بين إمامة أحمد في معرفة صحيح الحديث من سقيمه: (وهذا وإن شاركه كثير من الحفاظ في معرفة علل الحديث المرفوعة، فلم يصل أحد منهم إلى معرفته بعلل الآثار الموقوفة، ومن تأمل كلامه في ذلك رأى العجب، وجزم بأنه قل من وصل إلى فهمه في هذا العلم رضي الله عنه)[11].
    سيبويه ونمط ضبطه للغة العرب في كتابه، عبدالقاهر الجرجاني ونمط تذوقه البياني، الغزالي ونمط تأليفه العلمي وقولبته للمعارف، ابن تيمية ونمط تحقيقه لمذهب السلف ودفع الشبهات عنه، هؤلاء وغيرهم من الأعلام المبدعين، يُحصِّل الطالب بالنظرِ في نتاجهم وتحسُّسِ بذور الإبداع في أراضي مدوناتهم ما يُمكِّنه من السير على منوالهم، ويخطو به خطوات واسعة نحو تحقيق الإبداع العلمي، وذلك هو أول مدارج التحقيق والإبداع، وهو أصدقُ ما يُمكن أن يُدَلَّ به الطالب على سبيل الإبداع، بأن يعايش ما أنتجه المبدعون ويتغلغل بفكره في كتاباتهم، والشأن كما قيل: صحبةُ الفحول تُفحِّل!
    ******
    هذه نماذج لهمومٍ تنطوي عليها أفئدة طلاب العلم، وغيرها كثير، والشأن ألا يضجر طالب العلم منها، بل عليه أن يوظِّفها في تحقيق المزيد من المنجزات، ليبلغ بها مراتبَ من التحقيق ما كان له أن يصلها لولا تجافي مشاريعه عن مضاجع الهم بالحلول المبتكرة والمشاريع المولَّدة.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ماجد مسفر العتيبي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    2,683

    افتراضي

    ما شاء الله مقالة رائعة بديعة


    جمعُ الهمِّ وتجريدُه للتحصيل مقدمةُ الضبط وخاتمتُه، و(لا شيءَ يُنالُ - طال الفكرُ فيه أو قَصُر - إلا بتجريد الفكر في جهة الطلب)[2]، والعلم عزيز، ومن عزِّته نفرتُه من الهموم المشاركِة، ولا سيما هموم الدنيا وسطوة الأحداث المحيطة، وكلَّما كان الطالب أملَكَ لهمِّه كان أضبطَ لعلمه، ومن هنا ففلاحُ طالب العلم مرهونٌ بمدى استطاعته على تقليص هموم دنياه والتقليل من نفوذ محيطه عليه، وحين يطالع السير والتراجم بحثًا عن أحوال العلماء للاقتداء بنهجهم فلا يقفْ بصره عند حدود الأوصاف المثبتَة بالحروف، بل لِيتعَدَّ إلى ما وراءَ ذلك .. إلى انصرافهم عن الهموم المتشاكسة، والنأي بأنفسهم عن الاستغراق في الأحداث المحيطة، فقد كانت بين أئمة العلم والهموم الدنيوية والأحداث المحيطة بهم مسافةٌ فاصلةٌ، تُطوى حينًا وتُمَدُّ أحيانًا، وما حصَّلوا تلك المسافة إلا لأنهم يملكون ذواتهم، وبذلك نالوا من العلم ما نالوا.
    الليبرالية: هي ان تتخذ من نفسك إلهاً ومن شهوتك معبوداً


    اللهم أنصر عبادك في سوريا وأغفر لنا خذلاننا لهم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •