الكرسي الثاني



عتَبَ عليّ بعضُ الفضلاء بعد نشري لمقال الأسبوع الماضي (الكرسي) حين غلّبتُ جانبَ الترهيب في حديثي عن "الكرسي" وتبعاته وآثاره ـ وقال: لمن يُتْرَكُ الكرسيُّ؟ أيَصِح أن يتركه الفضلاءُ لأجل خوفِ التبعات التي أشرتَ إليها؟ وهل تَسلّطَ الفجّارُ في بعض المناصب إلا بسبب هذا النوع من الخطاب في التحذير من الكراسي؟ وحشْد نصوص التحذير من الإمارة والولاية؟ إلى آخر ما تفضلوا به من ملاحظات، جزاهم الله خيرًا.


وفي الحقيقة لم يكن المقصود من ذلك الخطاب ما أشاروا إليه، بل المقصود التحذير من "سَكْرته" عند الوصول إليه، وإلا فإن الكرسيَّ أو المنصب الديني أو الدنيوي لا بد من شغله وعدم تركه لغير الأكفاء؛ لأن التبعة على الأمّة حينئذٍ ستكون كبيرة وعظيمة، والشواهد أكثر من أن تُحصَر، ولأجل هذا نصَّ جماعةٌ من المصنفين في "السياسية الشرعية" على أنه قد يتعين السعيُ للكرسيِّ في بعض المواضع؛ رعايةً لمصالح الأمة، وحفظاً لحقوقها.


واستنبط بعضُ المفسرين ذلك من قول يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾[يوسف: 55]، فهو حفيظ لما ولي واستُودع، وعليم بأمر تدبيره. والملاحَظ أن يوسف عليه السلام حين أقدم على الكرسي بهذه الصفات لم يَسأل مالاً لنفسه، ولا عَرَضَاً من متاع الدنيا، ولكنه سأل أن يوليه خزائن الدولة؛ ليحفظ الأموال، ويعدل في توزيعها، ويرفق بالأمة في جمعها ووضعها في مواضعها، وهذا لعمر الله هو الفقه، والتدين الحقُّ، فرعاية أموال الأمة، والدقةُ في توزيعها من أخطر الكراسي، ولك أن تتصور ـ في تلك الظروف التي عاشتها الدولة في زمان نبي الله يوسف ـ لو تولاها قليلُ العلم بالتدبير، أو مطعون عليه في أمانته، كيف سيكون حال الناس!


ومن فقه النووي ـ رحمه الله ـ أنه حين شرح حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه: «يا أبا ذر! إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأمّرن على اثنين، ولا تَولّين مال يتيم»([1])، وبيّن أنه أصلٌ عظيمٌ في اجتناب الولايات ـ لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية ـ قال بعدها مباشرةً: "وأما من كان أهلاً للولاية، وعَدَلَ فيها، فله فضلٌ عظيم تظاهرت به الأحاديثُ الصحيحةُ كحديث: "سبعة يظلهم الله..."([2])، وحديث: "إن المقسطين على منابر من نور..."([3])، وغير ذلك، وإجماعُ المسلمين منعقد عليه"([4]).


ومما يحسنُ ذكره والتنويه به في هذا الباب: وجودُ عدد غير قليل من النماذج المشرقة لمن ترجّلوا عن كراسيهم، إما بموت أو إعفاء أو لغير ذلك من الأسباب، ولم تأخذهم سَكرةُ المنصب، ولا طوّحت بهم الألقاب، ولا استهوتهم أبّهة الجاه، مع كثرة المغريات وتنوعها، خاصةً في عصرنا هذا.


إن الديانة كما تكون في ترك المنصب خشيةً من التبعة، فهي كذلك في الموافقة على تولّيه إذا غلب على ظنّه القيام بحقّه، دون أن تستشرف نفسُه لذلك، فإن الاستشراف مظنة الكِلَةِ إلى النفس والخذلانِ ـ عياذاً بالله ـ، "وقد جاءت شواهد السنة: بأن من ابتلي بغير تعرض منه؛ أُعين، ومَن تعرّضَ للبلاء خيف عليه"([5]).


والمبتلى بهذه الكراسي، لا غنى له ـ لينجو ـ عن سؤال الله العون والتسديد، والاستعانة برأي ذوي العقول والخبرة، ممن يتخذهم عَيبة نصحٍ، يستشيرهم في الملّمات، فما خاب من استخار، ولا ندم من استشار.



_______
([1]) مسلم ح(1826).
([2]) البخاري ح(660)، مسلم ح(1031).
([3]) مسلم ح(1827).
([4]) شرح النووي على مسلم (12/210).
([5]) مجموع الفتاوى (10/ 521).




* المقال على الموقع: http://almuqbil.com/web/?action=arti...r&show_id=1595