مُختصر حلقة ( حفظ المال وإنفاقه ) .. شرعة ومنهاج .. للشيخ عبدالعزيز الطريفي 25ربيع الآخر 1436ه

1-المال
المال في لغة الشارع في ظاهر الكتاب والسنة أو في اصطلاح الناس هو ما يتناول وهو كل شيء له قيمة في أيدي الناس من ملبس ومأكل , وهو من الضروريات الخمس , وجاءت الشريعة على حفظ المال سواء كان المال الخاص أو العام ;فالله أمر بحفظ المال العام وخزانته كما جاء في الحديث (إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) , وكذلك في حفظ المال الخاص جاء في الحديث عنه ﷺ ( فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) فحرمة المال كحرمة الدماء ولهذا جاءت فيه محرمات مغلظات منها الربا فبين الله خطورته وعاقبة أمره وكذلك الحدود في المال كحد السارق بقطع اليد وذلك لحفظ المال سواء كان الخاص أو العام .
2- الإسراف في المال
نهى الله عز وجل عن الإسراف بقوله ﴿ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ كما نهى رسول الله عنه كما جاء في الحديث عنه ﷺ (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ , وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ , وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ) فالإضاعة مذمومة في أي باب بأي إنفاق خارج عن العادة فهو من المآثم , وجاء في الحديث عنه ﷺ (كُلْ واشرب، والبَسْ وتصدق، من غير سَرَف ولا مَخيلة) إشارة إلى أن السرف منهي عنه في أي موضع فيجب حفظ المال في ذاته كما حفظته الشريعة من تعدي غيره عليه .
3- عناية الإسلام في حفظ المال وطرائقه
أوجب الشارع حفظ المال سواء كان على الحاكم بإقامة الحدود أو غيره ولهذا جاء (مَنْ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) فهذا تغليظ في العقاب ولو كان في شيء يسير وجاء أيضًا (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ) حتى جاء في الشاة ( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، حَتَّى يُقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ تَنْطَحُهَا).
كما حفظت الشريعة المال من جهة مصارفه وخروجه فنهت عن السرف فيه وكذلك أمرت بحفظه المال من سطوة الغير عليه وكذلك حفظته من الكنز والمكاثرة فيه .
4- مصارف المال
عددت الشريعة مصارف المال ونوعتها باختلاف مواضع الناس وأحوالهم كالنفقة والزكاة كما في قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ جاء عن ابن عباس أنها الزكاة , وجاء في حديث النبي ﷺ لمعاذ (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ) , كما جاء من جهة نفقة الإنسان عنه ﷺ (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) فلا يمسك ولا يبسط يده ولا يجعلها مغلولة إلى عنقه.
كما يكون من فروض الكفاية أن يسد الحاكم الحاجة عند الكوارث وكذلك إغاثة الملهوف.
وثمة مصارف مستحبة كالصدقة وصلة الأقربين فالهدية أفضل من الصدقة على الأبعدين كما جاء في قوله لأم المؤمنين حينما أعتقت جاريتها فقال ﷺ (أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ) فالإعتاق دون عطاء الأقربين فالهدية للأقربين أفضل من الصدقة للأبعدين .
ثم تأتي الصدقات والأوقاف والموفق من عمل بالفاضل في حاله وقد جاءت الأدلة على ذلك كما جاء في الحديث (أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ قَال ﷺ: أَغْلاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا) فربما شيء في مقادير الناس تافه لكنه لدى الإنسان ثمين ونفيس فالنفقة منه أفضل من غيره ولذلك يقول الله تعالى ﴿ لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ ولو اختلفت وجهة الناس فيه ولهذا يجب أن تخرج النفقات والصدقات من أطايبها .
5- أعظم الصدقة
جاء عن النبي ﷺ (أعظم الصدقة لقمة تضعها في فم امرأتك) وجاء في رواية (في فـم زوجـتـه ) والمراد أن يحتسب الإنسان اللقمة فله ثواب وبه نعلم أن الأفعال البديهية يؤجر عليها العبد إذا استحضر النية وربما يُحرم الأجر لاستحضاره محمدة أو مقربة وإذا كان ذلك في الزوجة فكذلك في الأولاد وفي الأب والأم كما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَصَدَّقُوا . فَقَالَ رَجُلٌ : عِنْدِي دِينَارٌ ، قَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ . قَالَ : عِنْدِي دِينَارٌ آخَرُ . قَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ . قَالَ : عِنْدِي دِينَارٌ آخَرُ . قَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ . قَالَ : عِنْدِي دِينَارٌ آخَرُ . قَالَ : أَنْتَ أَبْصَرُ) يعنى أنت أعلم به فمن الناس من لديه أبوين وهناك من ليس لديه فمواضع الناس من جهة الإنفاق تختلف باختلاف أحوال الناس ولهذا قال أنت أبصر يعنى أبصر بمواضع الحاجة فانظرها ثم انفق.
6- فتنة النفقة في المال
الإنسان ربما يفتن من جهة زوجة أو من جهة مال أو من جهة ولد ولهذا يقول الله تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾وكما جاء في الحديث (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ ، فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : " صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) فربما الإنسان يفتتن بشيء فيسرف فيه فيسرف على ذريته من جهة المأكل والملبس ويأثم على ذلك وهو مؤتمن ولهذا حذر الله تعالى من اللهو ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ وقد جاء في الحديث (عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ لِي : هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ , قَالَ : فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَيْهِ فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ، مَنْ هُمْ ؟ قَالَ : هُمُ الأَكْثَرُونَ أَمْوَالا ، إِلا مَنْ قَالَ هَكَذَا ، وَهَكَذَا ، وَهَكَذَا ، وَهَكَذَا ، مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، وَمَنْ خَلْفِهِ ، وَعَنْ يَمِينِهِ ، وَعَنْ شِمَالِهِ ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ) فالمكاثرة بالمال والأرقام خسارة في الآخرة فإذا حرموا من الأنفاق والوقف فيكون المال موضع خصومة لذرياتهم ولهذا حرصت الشريعة على الوقف ومنه أن لا يموت الإنسان ويدع أموال تُساء في الاستخدام فالشريعة تذم المكاثرة بالمال لا لذاتها ولكن المكاثرة المدخرة فلو أكل من ماله كما يأكل أهل بلده ما نفذ ربع ماله لكن الزراعة والتجارة ليست مذمومة إنما المذموم الادخار والشريعة حثت على الإنفاق وقد جاء في الحديث (يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم ، وهو خمسمائة عام) وجاء أيضًا (يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا) فالحساب ثقيل فيما ترك الأغنياء فعليهم التخفف بالنفقة والأوقاف .
وكذلك حرصت الشريعة على ألا يترك الغني أهله يسألون الناس فجاء الحديث في أمر الوصية (أَفَأَتَصَدَّق بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ لَا قَالَ قُلْتُ أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ قَالَ لَا الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) .
7- ابتلاء المال
المال نوع من الابتلاء والمراد به هو الاختبار وهذا كذلك يكون في المال والولد والزوجة وغير ذلك والمراد بذلك الاختبار بحسب موضعه ولهذا نجد تقسيم الله النعم على عباده فهذا موهبته بالعلم وهذا بالمال وهذا بالسلطان فيتحقق لكل أحد اختبار ومن ابتلي بالمال الكثير لا يمكن أن يوفق بأداء حق النعمة إلا إذا نظر لجهتين : الأولى زكاة المال ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ وفي الحديث (تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ) فعليه أن يحتاط ولا يتغافل عن الزكاة ولا يؤخرها .
وقد نص غير واحد من العلماء إلى تحريم تأخير الزكاة ولو ليوم واحد كما جاء في الحديث(مَا خَالَطَتِ الَّصَدَقةُ مَالًا قَطُّ إِلَّا أَهْلَكَتْهُ) فربما تؤجلها يوم وتموت قبلها .
وقد جاء في الحديث الآخر ( صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعًا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَى مَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ مِنْ تَعَجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ , فَقَالَ : ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ تِبْرًا عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ أَوْ يَبِيتَ عِنْدَنَا ، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَت) ومعنى مخالطة المال والصدقة كأنك أخذت مال الفقير من جيبه فوضعته عندك !!
لكن ربما تؤخر الزكاة لمصلحة منها أن الفقير بعيد فتنتظر قافلة إليه ومنها أن يبين للفقير زكاته فطلب الفقير الإرجاء للمال عنده وهكذا .
لكن لو علم الفقير زكاته فليس له أن يبقيه لديه ولو ليوم واحد , ولهذا البركة ليست للمال بالأرقام ولكن البركة تكون في الإنفاق والاستمتاع والتلذذ سواء كان ملبوس أو مأكول فلا نجد غني يبحث عن أحد ويقول خلصني من مالي ولهذا يعذبه الله به فكان من أعظم بركة المال الإنفاق فمسألة المكاثرة مذمومة فله أن يضع أوقاف ويكرم ذريته وينفق عليهم .
8- الإقراض
الإقراض من الأمور الفاضلة كما جاء في الحديث (مَنْ أَقْرَضَ رَجُلا مُسْلِمًا دَرَاهِمَ مَرَّتَيْنِ كَانَ لَهُ أَجْرُ صَدَقَتِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً) وهذا فيه إشارة للإقراض وأعمال البر ولو كان لمدة يوم فهو من وجوه الخير ربما يضعف عنه بعض الناس فينبغي التشوف للإقراض وقد بينت الشريعة فضل إرجاء المعسر﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾ ولهذا من وجوه الخير الإقراض فينبغي التوجه إليه .
وكذلك إقراض الإنسان في الزواج والمركبة والمأكل والمشرب فكأنما أعطاه نصف قيمتها فالإقراض له فضل يغيب على بعض الناس فيظنوا أنه عقد يشابه البيع والشراء وهذا فهم به قصور فهو أقرب ما يكون من الصدقة وإن كان يُكتب كالبيوع والإيجار أما من جهة الفضل فهو شبيه بالصدقة التي حثنا الله عليها.
والشريعة جاءت بحياطة المال﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ فأهمية المكاتبة حفظا للمال ولهذا حثت الشريعة على المكاتبة حتى لا تقع خصومه وكذلك في الإقراض كما جاء في الحديث (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ) فهذا الحديث يتضمن دعاء وإن كان خبر ففي قوله يحتمل أمرين أن الله يعينه على الأداء في الدنيا , والآخرة أنه لو مات ولم يسدد فإن الله ييسر له عفو إما ينطق به المقرض أو يسد عنه من بعده أو يتحمل الله عنه في الآخرة .
وهناك من يقترض المال كنوع من المكاثرة وصاحبه أولى منه , وهناك من يأخذ المال ويريد عدم الرجوع أتلفه الله كما في الحديث .
9- الوقف
من أعمال الخير للإنسان بعد موته الوقف لقول رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ( وذكر منها الصدقة الجارية والمراد بها من جهة النفقات إما أن يكو مباني أو زروع أو حتى من الأشياء اليسيرة كحبس الأواني والقدور والحبال وقد كان أصحاب رسول الله على ذلك وكما جاء في الحديث (مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا لِمَوْعُودِهِ ، كَانَ شِبَعُهُ وَرِيُّهُ وَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ حَسَنَاتٍ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيجعل نفعها في ميزانه يوم القيامة وقد جاء في الأثر (لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف) فمنهم من أوقف بئر ومنهم من أوقف حبل أو دلو فهذا نوع من الحبس وإنما جاء تخصيص فضلها ومنافعها :
أن الوقف أدوم الأجور بقاءً للإنسان بعد موته ;فوقف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه موجود في المدينة حتى اليوم وبينه وبيننا أكثر من ألف عام فهذا من الأمور الفاضلة وهذا من جهة الفضل اللازم .
وأما من جهة الأمر المتعدي ففيه نفع دائم للفقراء لأن الزكاة حولية وكذلك الصدقات أما الأوقاف فنفعها دائم كدور التحفيظ والتعليم وبناء المساجد وتعبيد الطرق والجسور والجهاد وتنظيف الطرقات وغيرها من شعب الإيمان فكما جاء في الحديث (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً, فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ) وجاء (مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ وَاللَّهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ) وكذلك أوقاف الطب وعلاج المرضى وكذلك الأوقاف في نشر الخير وعلى رأسه الإعلام فالإعلام الخيري من أعظم أعمال البر والعلة في ذلك هو أهمية العلم فــ (مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلهُ مثلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) و (مَن سَنَّ في الإِسلام سُنَّة حَسَنَة فله أجرُها وأجرُ من عمل بها من بعده) فهذا مما يجلب الخير فالتحبيس للمعنويات كالعلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعظم من التحبيس للحسيّات من الكسوة والمأكولات وبناء الدور وغير ذلك فالإنسان في الماديات يحب أن يرى الأثر بعينه لكن الله تعالى يحصي المعنويات كما يحصي الحسّيّات التي تُرى .
والعلم من المعنويات والمعلومات تنتقل من جيل لجيل فنشر العلم يؤجر عليه الإنسان جيل بعد جيل بعد جيل , فأنت لا تعلم كم رجل صلى بالفاتحة التي تعلمها أحدهم ! كما لا تعلم من أول من علمك الفاتحة أو التسبيح ؟ ومن أول من علمك القراءة ؟ لا تستطيع أن تعلم لكن الله تعالى يعلم ويكتب له الأجر .
لهذا نشر الخير عبر وسائل التقنية الحديثة من أعظم أعمال البر والمسدد من سدده الله للأعمال الصالحات .
والأفضل في الأوقاف العلم ونشره فلا يوجد أفضل منه لأنه لا تقع الفتن إلا بالجهل ولا يقع القتل والهرج إلا بالجهل ولهذا أموال الصدقات في أبواب العلم من أعظم الأوقاف فهذه المعنويات التي تأطر الناس على عمل الخير فالتوجيه للعلم من أعظم المنافع ;فكما تنصب الأعمدة لحفظ الجسور من السقوط كذلك يحول العلم دون وقوع الفتن والقتل والسرقة والكبائر والمعاصي والذنوب .
والعلم الذي ينتفع به كما جاء في الحديث ليس له باب معين ولهذا من أعظم وجوه الإنفاق هو الدلالة على الخير ولذلك ينبغي على الإعلاميين والكتاب أن يوجهوا أصحاب الخير فيكونوا دالين لهم في مواضع إنفاق المال فبعض الناس لا تعرف أمور كثيرة من المال كمن يخلط بين الإقراض والإيجار !.
وأفضل أنواع الوقف هو العلم فهو المتصدر كونه يدخل في بقية الفضائل ويدل على الباقي وربما يكون الوقف للدلالة على الوقف هو وقف في حد ذاته ذلك بإعانة الواقفين والدراسات لهم والتيسير عليهم والدلالة إليهم وهكذا وهذا يأتي ضمن معنى الحديث (مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلهُ مثلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) .
وبعض الناس لديه مال فيري إنفاقه في عدة وجوه ليستوفي أكثر وجوه الخير لكن المحصلة تكون التقصير فالتنوع غير مطلوب إن حصل منه القصور لكن التخصيص أفضل .
وقد أنفق أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ماله كله ولكن هذا فيما فضل عن حاجته بعد أن ترك لأهله مأكلهم وملبسهم فالوقف يكون فيما زاد عن حاجة الإنسان وما زاد عن حاجة أهله وقد جاء في الحديث أن النبي (كَانَ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوَّتَ سَنَةٍ ) .
كما يجوز للإنسان وقف ماله وأن يأكل منه وذريته في حياته وفي ذريته حتى من بعده وما زاد عن ذلك يكون للفقراء فيأمن بذلك من السرف ويأمن من تضييع قوت أهله .

منقول