الوجيز في تأويل الكتاب العزيز
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 34

الموضوع: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    Question الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    السلام عليكم

    سنبدأ بعون الله باستعراض تأويل الإمام الطبري رحمه الله مقتصرين على عبارته هو فقط--بادئين في القرآن بسورة النّاس باتجاه البقرة والفاتحة--وأحسبه عملا فريدا يسهّل على الباحثين اقتفاء أثر عباراته وترجيحاته وآرائه في القراءات بمعزل عن آراء غيره

    ----------------------------------------------------------------------------------

    بسم الله الرحمن الرحيم
    قال تعالى

    { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ } * { مَلِكِ ٱلنَّاسِ } * { إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ } * { مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ } * { ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ } * { مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ }
    ------------------

    قال الطبري رحمه الله "

    يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد أستجير { بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ } وهو ملك جميع الخلق: إنسِهم وجنهم، وغير ذلك، إعلاماً منه بذلك مَنْ كان يعظِّم الناس تعظيم المؤمنين ربَّهم، أنه مَلِكُ من يعظمه، وأن ذلك في مُلكه وسلطانه، تجري عليه قُدرته، وأنه أولى بالتعظيم، وأحقّ بالتعبد له ممن يعظمه، ويتعبَّد له، من غيره من الناس.

    -----------------------
    قال الطبري رحمه الله
    وقوله: { إلَهِ النَّاسِ } يقول: معبود الناس، الذي له العبادة دون كلّ شيء سواه.وقوله: { مِنْ شَرِّ الوَسْوَاسِ } يعني: من شرّ الشيطان { الخَنَّاسِ } الذي يخنِس مرّة ويوسوس أخرى، وإنما يخنِس فيما ذُكر عند ذكر العبد ربه.

    ---------------------
    قال الطبري رحمه الله
    والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ به من شرّ شيطان يوسوس مرّة ويخنس أخرى، ولم يخصّ وسوسته على نوع من أنواعها، ولا خنوسه على وجه دون وجه، وقد يوسوس الدعاء إلى معصية الله، فإذا أطيع فيها خَنَس، وقد يوسوس بالنَّهْي عن طاعة الله فإذا ذكر العبدُ أمر به، فأطاعه فيه، وعصى الشيطان خنس، فهو في كل حالتيه وَسْواس خَنّاس، وهذه الصفة صفته.

    -----------------------

    قال الطبري رحمه الله

    وقوله: { الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ } يعني بذلك: الشيطان الوسواس، الذي يوسوس في صدور الناس: جنهم وإنسهم.فإن قال قائل: فالجنّ ناس، فيقال: الذي يوسوس في صدور الناس: من الجنة والناس. قيل: قد سماهم الله في هذا الموضع ناساً، كما سماهم في موضع آخر رجالاً، فقال:
    { وَأنَّهُ كَانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ }
    ، فجعل الجنّ رجالاً، وكذلك جعل منهم ناساً.وقد ذكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدّث، إذ جاء قوم من الجنّ فوقفوا، فقيل: من أنتم؟ فقالوا: ناس من الجنّ، فجعل منهم ناساً، فكذلك ما في التنزيل من ذلك.

    -----------------------
    تمّ تأويل السّورة--
    يتبع

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    75

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    جزاكم الله خيراً على هذا العمل الطيب النافع إن شاء الله تعالى
    أسأل الله تعالى أن تكمل المشوار وأن يطيل فى نفسك والله المستعان وعليه التكلان.
    أبو البرآء السلفى

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    السلام عليكم
    أشكركم على التشجيع--
    وقد وصلت في اختصاره إلى سورة الإنشقاق--
    وسوف أزودكم بالسور تباعا--

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز


    السلام عليكم
    سورة الفلق

    -----------------

    { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ } * { مِن شَرِّ مَا خَلَقَ } * { وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } * { وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَات ِ فِي ٱلْعُقَدِ } * { وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ }

    ------------------------------------------------------قال الطبري رحمه الله"
    يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: أستجير بربّ الفلق من شرّ ما خلق من الخلق.

    "وبعد أن استعرض الأقوال كلها في معنى الفلق قال "


    {والصواب من القول في ذلك، أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول: { أعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } والفلق في كلام العرب: فَلق الصبح، تقول العرب: هو أبينُ من فَلَق الصُّبح، ومن فَرَق الصُّبح. وجائز أن يكون في جهنم سجن اسمه فَلَق. وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن جلّ ثناؤه وضعَ دلالة على أنه عُنِي بقوله { بِرَبِّ الْفَلَقِ } بعض ما يُدْعَى الفلق دون بعض، وكان الله تعالى ذكره ربّ كل ما خلق من شيء، وجب أن يكون معنياً به كل ما اسمه الفَلَق، إذ كان ربّ جميع ذلك.وقال جلّ ثناؤه: { مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ } لأنه أمر نبيه أن يستعيذ من شرّ كل شيء، إذ كان كلّ ما سواه، فهو ما خَلق.
    --------------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله"

    وقوله: { وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إذَا وَقَبَ } يقول: ومن شرّ مظلم إذا دخل، وهجم علينا بظلامه.

    وبعد استعراضه للأقوال في معنى الغاسق قال
    {وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، أن يقال: إن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ { مِنْ شَرِّ غاسِقٍ } وهو الذي يُظْلم، يقال: قد غَسَق الليل يَغْسُق غسوقاً: إذا أظلم. { إذَا وَقَبَ } يعني: إذا دخل في ظلامه والليل إذا دخل في ظلامه غاسق، والنجم إذا أفل غاسق، والقمر غاسق إذا وقب، ولم يخصص بعض ذلك بل عمّ الأمر بذلك، فكلّ غاسق، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يُؤمر بالاستعاذة من شرّه إذا وقب---
    وكان قتادة يقول في معنى وقب: ذهب.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { غاسِقٍ إذَا وَقَبَ } قال: إذا ذهب.ولست أعرف ما قال قتادة في ذلك في كلام العرب، بل المعروف من كلامها من معنى وقب: دخل.
    -----------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله"


    {وقوله: { وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ } يقول: ومن شرّ السواحر اللاتي ينفُثن في عُقَد الخيط، حين يَرْقِين عليها.

    ------------------------------------------

    قال الطبري رحمه الله"

    وقوله: { وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إذَا حَسَدَ }: اختلف أهل التأويل في الحاسد الذي أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شرّ حسده به، فقال بعضهم: ذلك كلّ حاسد أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شرّ عينه ونفسه.

    وقال آخرون: بل أُمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بهذه الآية أن يستعيذ من شرّ اليهود الذين حسدوه

    --------------------
    قال الطبري رحمه الله"

    وأولى القولين بالصواب في ذلك، قول من قال: أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شرّ كلّ حاسد إذا حسد، فعابه أو سحره، أو بغاه سوءاً.وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب، لأن الله عزّ وجلّ لم يخصص من قوله { وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إذَا حَسَدَ } حاسداً دون حاسد، بل عمّ أمرُه إياه بالاستعاذة من شر كلّ حاسد، فذلك على عمومه.}



    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    يتبع

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    تأويل سورة الإخلاص


    بسم الله الرحمن الرحيم

    قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) .

    ذُكر أن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسب ربّ العزّة, فأنـزل الله هذه السورة جوابا لهم. وقال بعضهم: بل نـزلت من أجل أن اليهود سألوه, فقالوا له: هذا الله خلق الخلق, فمن خلق الله؟ فأُنـزلت جوابا لهم

    " ثم تعرض لذكر من قال كل من القولين "
    -------------------------------------------

    ثم خلص إلى رأيه فقال"
    فتأويل الكلام إذا كان الأمر على ما وصفنا: قل يا محمد لهؤلاء السائليك عن نسب ربك وصفته, ومَن خَلقه: الربّ الذي سألتموني عنه, هو الله الذي له عبادة كل شيء, لا تنبغي العبادة إلا له, ولا تصلح لشيء سواه.


    واختلف أهل العربية في الرافع ( أَحَدٌ ) فقال بعضهم: الرافع له " الله ", وهو عماد بمنـزلة الهاء في قوله: إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وقال آخر منهم: بل هو مرفوع, وإن كان نكرة بالاستئناف, كقوله: هذا بعلي شيخ, وقال: هو الله جواب لكلام قوم قالوا له: ما الذي تعبد؟ فقال: " هو الله ", ثم قيل له: فما هو؟ قال: هو أحد.
    وقال آخرون ( أَحَدٌ ) بمعنى: واحد, وأنكر أن يكون العماد مستأنفا به, حتى يكون قبله حرف من حروف الشكّ, كظنّ وأخواتها, وكان وذواتها, أو إنّ وما أشبهها, وهذا القول الثاني هو أشبه بمذاهب العربية.

    -----------------------------------------------------

    "رأيه في قراءة أحد"
    واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الأمصار ( أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ) بتنوين " أحدٌ ", سوى نصر بن عاصم, وعبد الله بن أبي إسحاق, فإنه رُوي عنهما ترك التنوين: " أحَدُ اللهُ "; وكأن من قرأ ذلك كذلك, قال: نون الإعراب إذا استقبلتها الألف واللام أو ساكن من الحروف حذفت أحيانا, كما قال الشاعر:


    كَـيْفَ نَـوْمي عـلى الفِـرَاشِ وَلَمَّـا

    تَشْــمَلِ الشَّــامَ غَــارَةٌ شَـعْوَاءُ
    تُــذْهِلُ الشَّـيْخَ عَـنْ بَنِيـهِ وَتُبْـدِي

    عَــنْ خِــدَامِ العَقِيلَــةِ العَــذْراءُ

    يريد: عن خدام العقيلة.


    والصواب في ذلك عندنا: التنوين, لمعنيين: أحدهما أفصح اللغتين, وأشهر الكلامين, وأجودهما عند العرب. والثاني: إجماع الحجة من قرّاء الأمصار على اختيار التنوين فيه, ففي ذلك مُكْتَفًى عن الاستشهاد على صحته بغيره. وقد بيَّنا معنى قوله " أحد " فيما مضى, بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

    ----------------------------------------------------------------------------
    قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله"
    وقوله: ( اللَّهُ الصَّمَدُ ) يقول تعالى ذكره: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له الصمد.
    واختلف أهل التأويل في معنى الصمد, فقال بعضهم: هو الذي ليس بأجوف, ولا يأكل ولا يشرب.

    "
    " ثم تعرض لذكر من قال ذلك "

    --------------------------
    قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله"
    وقال آخرون: هو الذي لا يخرج منه شيء. ---

    " ثم تعرض لذكر من قال ذلك "

    ---------------------------
    قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله"

    وقال آخرون: هو الذي لم يَلِد ولم يُولَد.


    " ثم ذكر من قال ذلك "


    ----------------------------

    قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله"
    وقال آخرون: هو السيد الذي قد انتهى سُؤدده.

    ثم ذكر من قال ذلك "

    ------------------------------
    قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله"وقال آخرون: بل هو الباقي الذي لا يفنَى.

    ثم ذكر من قال ذلك "
    -------------------------------------------------------------------
    "وخلص إلى رأيه"
    قال أبو جعفر: الصمد عند العرب: هو السيد الذي يُصمد إليه, الذي لا أحد فوقه, وكذلك تسمى أشرافها; ومنه قول الشاعر:

    ألا بَكَـرَ النَّـاعي بِخَـيْرَيْ بَنِـي أسَدْ

    بِعَمْرِو بْـنِ مَسْعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ


    وقال الزبرقان:

    وَلا رَهِينَةً إلا سَيِّدٌ صَمَدُ
    فإذا كان ذلك كذلك, فالذي هو أولى بتأويل الكلمة, المعنى المعروف من كلام من نـزل القرآن بلسانه; ولو كان حديث ابن بُريدة, عن أبيه صحيحا, كان أولى الأقوال بالصحة, لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما عنى الله جل ثناؤه, وبما أنـزل عليه.
    --------------------------------------------------------------------------------
    قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله"
    وقوله: ( لَمْ يَلِدْ ) يقول: ليس بفانٍ, لأنه لا شيء يلد إلا هو فانٍ بائد
    ( وَلَمْ يُولَدْ ) يقول: وليس بمحدث لم يكن فكان, لأن كل مولود فإنما وجد بعد أن لم يكن, وحدث بعد أن كان غير موجود, ولكنه تعالى ذكره قديم لم يزل, ودائم لم يبد, ولا يزول ولا يفنى.

    -------------------------------------------------------------------------
    قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله"

    وقوله: ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك, فقال بعضهم: معنى ذلك: ولم يكن له شبيه ولا مِثْل.

    ثم ذكر من قال ذلك "
    وقال آخرون: معنى ذلك, أنه لم يكن له صاحبة.

    ثم ذكر من قال ذلك "
    -------------------------------------------------------------------------

    قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله"
    والكُفُؤُ والكُفَى والكِفَاء في كلام العرب واحد, وهو المِثْل والشِّبْه; ومنه قول نابغة بني ذُبيان:

    لا تَقْــذِفَنِّي بِــرُكْن لا كِفَــاء لَـهُ

    وَلَــوْ تَــأَثَّفَكَ الأعْــدَاءُ بـالرِّفَدِ

    يعني: لا كِفَاء له: لا مثل له.

    -----------------------------
    قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله"
    واختلف القرّاء في قراءة قوله: (كُفُوا) . فقرأ ذلك عامة قرّاء البصرة: (كُفُوا) بضم الكاف والفاء. وقرأه بعض قرّاء الكوفة بتسكين الفاء وهمزها " كُفْئًا ". والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان, ولغتان مشهورتان, فبأيَّتِهِما قرأ القارئ فمصيب.



    ------------------------
    تمّ تأويل سورة الإخلاص

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    السلام عليكم
    سورة المسد

    { تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } * { مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ } * { سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ } * { وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ } * { فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ }
    --------------------------------------------------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله
    يقول تعالى ذكره: خَسِرت يدا أبي لهب، وخَسِر هو. وإنما عُنِي بقوله: { تَبَّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ } تبّ عمله. وكان بعض أهل العربية يقول: قوله: { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ }: دعاء عليه من الله.وأما قوله: { وَتَبَّ } فإنه خبر. ويُذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: «تَبَّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ». وفي دخول «قد» فيه دلالة على أنه خبر، ويمثَّل ذلك بقول القائل لآخر: أهلَكك الله، وقد أهلكك، وجعلك صالحاً وقد جعلك. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ } قال أهل التأويل.
    --------------------------------------------------------------------
    ثم ذكر من قال بذلك-----------------------------------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله

    وقيل: إن هذه السورة نزلت في أبي لهب، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما خَصَّ بالدعوة عشيرتَه، إذ نزل عليه:
    { وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ }وجمعهم للدعاء، قال له أبو لهب: تبا لك سائرَ اليوم، ألهذا دعوتنا
    ----------------------------------------------------------------
    ثم ذكر الأخبار بذلك
    -----------------------------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله
    وقوله: { ما أغْنَى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ } يقول تعالى ذكره: أيَّ شيء أغنى عنه ماله، ودفع من سخط الله عليه { وَما كَسَبَ } وهم ولده. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
    --------------------------------------

    ثم ذكر الأخبار بذلك

    -----------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله

    وقوله: { سَيَصْلَى ناراً ذَاتَ لَهَبٍ } يقول: سيصلى أبو لهب ناراً ذات لهب.وقوله: { وَامْرأتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ } يقول: سيصلى أبو لهب وامرأته حمالة الحطب، ناراً ذات لهب.

    ------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله في قراءة "حَمَّالَةَ الْحَطَبِ "
    واختلفت القرّاء في قراءة { } فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة والبصرة: «حَمَّالَةُ الْحَطَبِ» بالرفع، غير عبد الله بن أبي إسحاق، فإنه قرأ ذلك نصباً فيما ذُكر لنا عنه.واختُلف فيه عن عاصم، فحكي عنه الرفع فيها والنصب، وكأنّ من رفع ذلك جعله من نعت المرأة، وجعل الرفع للمرأة ما تقدّم من الخبر، وهو «سيصلى»، وقد يجوز أن يكون رافعها الصفة، وذلك قوله: { فِي جِيدِها } وتكون «حَمَّالَة» نعتاً للمرأة. وأما النصب فيه فعلى الذمّ، وقد يُحتمل أن يكون نصبها على القطع من المرأة، لأن المرأة معرفة، وحمالة الحطب نكرة.والصواب من القراءة في ذلك عندنا: الرفع، لأنه أفصح الكلامين فيه، ولإجماع الحجة من القرّاء عليه.

    --------------------------
    قال الطبري رحمه الله
    واختلف أهل التأويل، في معنى قوله: { حَمَّالَةَ الْحَطَبِ } فقال بعضهم: كانت تجيء بالشوك فتطرحه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليدخل في قَدمه إذا خرج إلى الصلاة.
    ----------------------------------------------------------
    ثم ذكرهم مع أقوالهم

    -----------------------------------
    قال الطبري رحمه الله
    وقال آخرون: قيل لها ذلك: حمالة الحطب، لأنها كانت تحطب الكلام، وتمشي بالنميمة، وتعيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر

    ------------------------------
    ثمّ ذكرهم بأقوالهم
    ----------------------------
    قال الطبري رحمه الله
    وقال بعضهم: كانت تُعَيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر، وكانت تَحْطِبُ فَعُيِّرت بأنها كانت تحطب.
    -----------------------------------------
    ثمّ ذكرهم بأقوالهم

    -----------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله

    وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي، قول من قال: كانت تحمل الشوك، فتطرحه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك هو أظهر معنى ذلك.

    # : لما نزلت: { تَبَّتْ يَدَا أبَي لَهَبٍ } بلغ امرأة أبي لهب أن النبيّ صلى الله عليه وسلم يهجوكِ، قالت: علام يهجوني؟ هل رأيتموني كما قال محمد أحمل حطباً «في جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ»؟ فمكثت، ثم أتته، فقالت: إن ربك قلاك وودّعك، فأنزل الله:
    { وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى }

    ----------------------------
    قال الطبري رحمه الله

    وقوله: { فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ } يقول: في عنقها والعرب تسمى العنق جيداً ومنه قول ذي الرُّمَّة:
    فَعَيْناكِ عَيْناها وَلَوْنُكِ لَوْنُها وَجِيدُكِ إلاَّ أنَّها غَيرُ عاطِلِ
    وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
    ثمّ ذكر من قال بذلك

    ---------------------------------

    قال الطبري رحمه الله
    وقوله: { حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ } اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: هي حبال تكون بمكة
    ثمّ ذكر من قال بذلك

    -------

    قال الطبري رحمه الله

    وقال آخرون: المَسَد: الليف
    ثمّ ذكر من قال بذلك-

    -------------------------------------------
    وقال آخرون: المَسَد: الحديد الذي يكون في البَكْرة.
    ----------------------------------
    ثمّ ذكر من قال بذلك
    -----------------------------
    قال الطبري رحمه الله
    وقال آخرون: هو قِلادة من وَدَع في عنقها
    -------------------------
    ثمّ ذكر من قال بذلك-

    -----------------------------

    قال الطبري رحمه الله"

    وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: هو حبلٌ جُمع من أنواع مختلفة، ولذلك اختلف أهل التأويل في تأويله على النحو الذي ذكرنا، ومما يدلّ على صحة ما قلنا في ذلك قول الراجز:
    وَمَسَدٍ أُمِرَّ مِنْ أيانِقَ صُهْبٍ عِتاقٍ ذاتِ مُخَ زَاهِقِفجعل إمراره من شتى، وكذلك المسد الذي في جيد امرأة أبي لهب، أُمِرَّ من أشياء شتى، من ليف وحديد ولحاء، وجعل في عنقها طوقاً كالقلادة من ودع ومنه قول الأعشى:
    تُمْسِي فيَصْرِفُ بابُها مِنْ دُونِنا غَلْقاً صَرِيفَ مَحَالَةِ الأَمْسادِ
    يعني بالأمساد: جمع مَسَد، وهي الجبال.

    ------------------------------------------
    تمت سورة المسد

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز


    بسم الله الرحمن الرحيم

    سورة النصر

    ---------------

    { إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ } * { وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً } * { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً }-

    ------------------------------------------------------------------------------

    قال رحمه الله "
    يقول تعالى ذكره لنبيه محمد : إذا جاءك نصر الله يا محمد على قومك من قريش، والفتح: فتح مكة { ورأَيْتَ النَّاسَ } من صنوف العرب وقبائلها أهل اليمن منهم، وقبائل نزار { يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أفْوَاجاً } يقول: في دين الله الذي ابتعثك به، وطاعتك التي دعاهم إليها { أفواجاً } ، يعني: زُمَراً، فوجاً فوجاً.

    ----------------------------------------

    ثمّ قال"
    وأمَّا قوله { أفْوَاجاً } فقد تقدّم ذكره في معنى أقوال أهل التأويل. وقد:حدثني الحارث، قال: ثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { فِي دِينِ اللّهِ أفْواجاً } قال: زُمراً زُمراً.-

    ---------------------------------------------------------------------

    ثمّ قال"
    وقوله: { فَسَبَّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } يقول: فسبح ربَّك وعظمه بحمده وشكره، على ما أنجز لك من وعده. فإنك حينئذٍ لاحق به، وذائق ما ذاق مَنْ قَبْلك من رُسله من الموت.



    -------------------------------------------------

    قال رحمه الله"

    وقوله: { وَاسْتَغْفِرْهُ } يقول: وسَلْه أن يغفر ذنوبَك. { إنَّهُ كانَ تَوَّاباً }: يقول: إنه كان ذا رجوع لعبده، المطيع إلى ما يحبّ. والهاء من قوله «إنه» من ذكر الله عزّ وجلّ.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    4

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    وفقكم الله إلى ما يحبه ويرضاه

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    بسم الله الرحمن الرحيم




    قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) -----------------------------------------------------------------------------------


    قال رحمه الله"
    يقول تعالى ذكره لنبيه محمد , وكان المشركون من قومه فيما ذكر عرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة, على أن يعبد نبيّ الله آلهتهم سنة, فأنـزل الله معرفه جوابهم في ذلك

    : ( قُلْ ) يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة, على أن يعبدوا إلهك سنة ( يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) بالله ( لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) من الآلهة والأوثان الآن ( وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) الآن
    ( وَلا أَنَا عَابِدٌ ) فيما أستقبل
    ( مَا عَبَدْتُمْ ) فيما مضى ( وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ ) فيما تستقبلون أبدا( مَا أَعْبُدُ ) أنا الآن, وفيما أستقبل.

    وإنما قيل ذلك كذلك, لأن الخطاب من الله كان لرسول الله في أشخاص بأعيانهم من المشركين, قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا , وسبق لهم ذلك في السابق من علمه, فأمر نبيه أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه, وحدّثوا به أنفسهم, وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم, في وقت من الأوقات, وآيس نبي الله من الطمع في إيمانهم, ومن أن يفلحوا أبدا, فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا, إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف, وهلك بعض قبل ذلك كافرا.

    ------------------------------

    -------------------------
    قال رحمه الله تعالى
    وقوله: ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) يقول تعالى ذكره: لكم دينكم فلا تتركونه أبدا, لأنه قد ختم عليكم, وقضي أن لا تنفكوا عنه, وأنكم تموتون عليه, ولي دين الذي أنا عليه, لا أتركه أبدا, لأنه قد مضى في سابق علم الله أني لا أنتقل عنه إلى غيره
    ----------------------------------
    -----------------------------------

    قال رحمه الله تعالى"

    وكان بعض أهل العربية يقول: كرّر قوله: ( لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) وما بعده على وجه التوكيد, كما قال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ,
    وكقوله: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ . ------------------------------------------

    آخر تفسير سورة الكافرون

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    202

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    وفقك الله لكل خير
    مكتب البحث العلمي لتفريغ أشرطة أهل العلم للتواصل:
    abuaslmm@hotmail.com
    نماذج من شغلنا: http://www.mediafire.com/?9nnqn6ddibzncn5#2

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    سورة الكوثر

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ (3) .
    ------------------------------------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله
    (
    يقول تعالى ذكره: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ ) يا محمد ( الْكَوْثَرَ) واختلف أهل التأويل في معنى الكوثر, فقال بعضهم: هو نهر في الجنة أعطاه الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم. )
    ---------------------------
    ----------------------------

    وقال آخرون: عُنِي بالكوثر: الخير الكثير.

    ----------------------------------

    ---------------------------------------
    وقال آخرون: هو حوض أُعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة.
    -------------------------------------

    ----------------------------------------

    ثمّ رجح رحمه الله قولا فقال"

    وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي, قول من قال: هو اسم النهر الذي أُعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة, وصفه الله بالكثرة, لعِظَم قدره.
    وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك, لتتابع الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك كذلك.
    --------------------------------------------------
    ثم ذكر الأخبار وإليكم بعضها
    (
    حدثنا أحمد بن المقدام العجلي, قال: ثنا المعتمر, قال: سمعت أبي يحدّث عن قتادة, عن أنس قال: لما عُرج بنبيّ الله صلى الله عليه وسلم في الجنة, أو كما قال, عرض له نهر حافتاه الياقوت المجوف, أو قال: المجوب, فضرب الملك الذي معه بيده فيه, فاستخرج مسكا, فقال محمد للملك الذي معه: " ما هَذَا؟" قال: " هذا الكوثر الذي أعطاك الله; قال: ورفعت له سدرة المنتهى, فأبصر عندها أثرا عظيما " أو كما قال.

    -------------
    حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, عن أنس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: " بَيْنَما أنا أسِيرُ في الجَنَّةِ, إذْ عَرَض ليَ نَهْرٌ, حافَتاهُ قِبابُ اللُّؤْلُؤِ المُجَوَّفِ, فقالَ المَلَكُ الَّذِي مَعَهُ: أتَدْرِي ما هَذَا؟ هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي أعْطاكَ اللهُ إيَّاهُ, وَضَرَبَ بِيَدِهِ إلى أرْضِه, فأخْرَجَ مِنْ طِينِه المِسْكَ" . )

    ثم قال أبو جعفر رحمه الله
    (
    وقوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ )
    اختلف أهل التأويل في الصلاة التي أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصليها بهذا الخطاب, ومعنى قوله: ( وَانْحَرْ) فقال بعضهم: حضه على المواظبة على الصلاة المكتوبة, وعلى الحفظ عليها في أوقاتها بقوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) .

    ------------------------------
    ثم قال "

    وقال آخرون: بل عُنِيَ بقوله ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ ) : الصلاة المكتوبة, وبقوله ( وَانْحَرْ) أن يرفع يديه إلى النحر عند افتتاح الصلاة والدخول فيها.
    ---------------------------------
    ثم قال "


    وقال آخرون: عني بقوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ ) المكتوبة, وبقوله ( وَانْحَرْ) : نحر البُدن.

    -------------------------------------
    ثمّ قال"
    وقال آخرون: بل عُنِيَ بذلك: صل يوم النحر صلاة العيد, وانحر نسكك.

    --------------------------------

    ------------------------------------------
    وقال آخرون: قيل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم, لأن قوما كانوا يصلون لغير الله, وينحرون لغيره فقيل له. اجعل صلاتك ونحرك لله, إذ كان من يكفر بالله يجعله لغيره.
    ------------------------------------
    ----------------
    ثمّ قال "


    وقال آخرون: بل أنـزلت هذه الآية يوم الحديبية, حين حصر النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه, وصُدّوا عن البيت, فأمره الله أن يصلي, وينحر البُدن, وينصرف, ففعل.
    -------------------------------
    -------------------------------------
    ثمّ قال "
    وقال آخرون: بل معنى ذلك: فصل وادع ربك وسله.

    ----------------------------------------
    ثم----------------------------------------
    ثمّ قال
    (
    وكان بعض أهل العربية يتأوّل قوله: ( وَانْحَرْ) واستقبل القبلة بنحرك. وذُكر أنه سمع بعض العرب يقول: منازلهم تتناحر: أي هذا بنحر هذا: أي قبالته. وذكر أن بعض بني أسد أنشده:

    أبــا حَـكَمٍ هَـلْ أنْـتَ عَـمُّ مُجَـالِدٍ

    وَسَــيِّدُ أهْــلِ الأبْطَــحِ المُتَنَـاحِرِ

    أي ينحر بعضه بعضا.

    -------------------------------------
    ثمّ خلص إلى قوله فقال "وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب: قول من قال: معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة, وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان, شكرا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفء له, وخصك به, من إعطائه إياك الكوثر.
    وإنما قلت: ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك, لأن الله جلّ ثناؤه أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بما أكرمه به من عطيته وكرامته, وإنعامه عليه بالكوثر, ثم أتبع ذلك قوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) , فكان معلوما بذلك أنه خصه بالصلاة له, والنحر على الشكر له, على ما أعلمه من النعمة التي أنعمها عليه, بإعطائه إياه الكوثر, فلم يكن لخصوص بعض الصلاة بذلك دون بعض, وبعض النحر دون بعض وجه, إذ كان حثا على الشكر على النِّعَم.
    فتأويل الكلام إذن: إنا أعطيناك يا محمد الكوثر, إنعاما منا عليك به, وتكرمة منا لك, فأخلص لربك العبادة, وأفرد له صلاتك ونسكك, خلافا لما يفعله من كفر به, وعبد غيره, ونحر للأوثان. )

    ----------------------------
    ثمّ قال رحمه الله
    (
    وقوله: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) يعني بقوله جل ثن, اؤه: ( إِنَّ شَانِئَكَ ) إن مبغضك يا محمد وعدوك ( هُوَ الأبْتَرُ ) يعني بالأبتر: الأقلّ والأذلّ المنقطع دابره, الذي لا عقب له.
    واختلف أهل التأويل في المعنيّ بذلك, فقال بعضهم: عني به العاص بن وائل السهميّ. )
    ------------------------------
    -------------------------------
    ثمّ قال "
    وقال آخرون: بل عني بذلك: عقبة بن أبي معيط.

    --------------------------------

    ------------------------------------
    ثمّ قال "
    وقال آخرون: بل عني بذلك جماعة من قريش.
    -------------------------------------
    ثم خلص إلى قوله فقال
    (
    وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن مُبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأقلّ الأذلّ, المنقطع عقبه, فذلك صفة كل من أبغضه من الناس, وإن كانت الآية نـزلت في شخص بعينه.
    ----------------------
    تمّ تأويل السّورة

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    سورة الماعون



    بسم الله الرحمن الرحيم


    أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) . ------------------------------------------------------------
    قال أبو جعفر رحمه الله
    "
    يعني تعالى ذكره بقوله: (أرأيت الذي يكذب بالدين) أرأيت يا محمد الذي يكذّب بثواب الله وعقابه, فلا يطيعه في أمره ونهيه.

    ----------------------------

    ثمّ قال"

    وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله: " أرأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ الدِّينَ" فالباء في قراءته صلة, دخولها في الكلام وخروجها واحد.

    ---------------------
    قال رحمه الله

    وقوله: ( فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ) يقول: فهذا الذي يكذِّب بالدين, هو الذي يدفع اليتيم عن حقه, ويظلمه. يقال منه: دععت فلانًا عن حقه, فأنا أدعه دعًا.
    ---------------------------------
    ثمّ قال"
    وقوله: ( وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) يقول تعالى ذكره: ولا يحثّ غيره على إطعام المحتاج من الطعام.

    -----------------------------------
    قال رحمه الله"وقوله: ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ)

    يقول تعالى ذكره: فالوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم للمنافقين الذين يصلون, لا يريدون الله عز وجل بصلاتهم, وهم في صلاتهم ساهون إذا صلوها.


    واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ) فقال بعضهم: عُنِيَ بذلك أنهم يؤخِّرونها عن وقتها, فلا يصلونها إلا بعد خروج وقتها.


    ---------------------------------------------------
    وقال آخرون: بل عني بذلك أنهم يتركونها فلا يصلونها

    ------------------------------------
    ثمّ قال"
    وقال آخرون: بل عُنِيَ بذلك أنهم يتهاونون بها, ويتغافلون عنها ويلهون.

    ------------------------------

    ثمّ رجّح قولا"


    وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب بقوله: (ساهُونَ) : لاهون يتغافلون عنها، وفي اللهو عنها والتشاغل بغيرها, تضييعها أحيانا, وتضييع وقتها أخرى، وإذا كان ذلك كذلك صح بذلك قول من قال: عُنِيَ بذلك ترك وقتها, وقول من قال: عُنِيَ به تركها لما ذكرتُ من أن في السهو عنها المعاني التي ذكرت.


    وقد رُوي عن رسول الله بذلك خبران يؤيدان صحة ما قلنا في ذلك:


    أحدهما:

    # عن سعد بن أبي وقاص, قال: سألت النبيّ , عن ( الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ) قال: هم الذين يؤخِّرون الصلاة عن وقتها.

    والآخر منهما:

    # قال رسول الله : " لما نـزلت هذه الآية: ( الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ) : الله أكبر هذه خير لكم من أن لو أعطي كلّ رجل منكم مثل جميع الدنيا هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه ".

    وقال رحمه الله

    وكلا المعنيين اللذين ذكرت في الخبرين اللذين روينا عن رسول الله محتمل عن معنى السهو عن الصلاة.

    ------------------------
    قال رحمه الله
    وقوله: ( الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ) يقول: الذين هم يراءون الناس بصلاتهم إذا صلوا, لأنهم لا يصلون رغبة في ثواب, ولا رهبة من عقاب, وإنما يصلونها ليراهم المؤمنون فيظنونهم منهم, فيكفون عن سفك دمائهم, وسبي ذراريهم, وهم المنافقون الذين كانوا على عهد رسول الله , يستبطنون الكفر, ويُظهرون الإسلام, كذلك قال أهل التأويل.
    -----------------------------------------------
    ------------------------------------------
    ثم قال"

    وقوله: ( وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) يقول: ويمنعون الناس منافع ما عندهم, وأصل الماعون من كلّ شيء منفعته، يقال للماء الذي ينـزل من السحاب ماعون، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:



    بِــــأَجْوَدَ مِنْـــه بِمَاعُونِـــهِ


    إذا مـــا سَــماؤُهُمُ لَــمْ تَغِــمْ

    وقال آخر يصف سحابا:

    يَمُجُّ صّبيرُهُ المَاعُونَ صَبًا وقال عبيد الراعي:

    قَــوْمٌ عَـلى الإسْـلامِ لَمَّـا يَمْنَعُـوا


    مـــاعُونَهُمْ وَيُضَيِّعُــوا التَّهْلِيــلا

    يعني بالماعون: الطاعة والزكاة.

    ----------------------------------------------------------------------------------
    ثمّ قال رحمه الله"
    واختلف أهل التأويل في الذي عُنِيَ به من معاني الماعون في هذا الموضع, فقال بعضهم: عُنِيَ به الزكاة المفروضة.

    ------------------------------------
    ثمّ قال رحمه الله"
    وقال آخرون: هو ما يتعاوره الناس بينهم من مثل الدلو والقدر ونحو ذلك. -


    -----------------------------------
    ثم قال رحمه الله(
    وقال آخرون: الماعون: المعروف. -


    -------------------------------

    ثم قال--وقال آخرون: الماعون: هو المال. -



    -------------------
    ثم قال مرجحا"

    وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب, إذ كان الماعون هو ما وصفنا قبل, وكان الله قد أخبر عن هؤلاء القوم, وأنهم يمنعونه الناس, خبرًا عاما, من غير أن يخص من ذلك شيئا أن يقال: إن الله وصفهم بأنهم يمنعون الناس ما يتعاونونه بينهم, ويمنعون أهل الحاجة والمسكنة ما أوجب الله لهم في أموالهم من الحقوق؛ لأن كل ذلك من المنافع التي ينتفع بها الناس بعضهم من بعض.
    --------------------------------------------------------------
    آخر تفسير سورة أرأيت

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    تفسير سورة القارعة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    : الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) .
    ----------------------------------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله"
    (يقول تعالى ذكره: ( الْقَارِعَةُ ) : الساعة التي يقرع قلوب الناس هولُها، وعظيم ما ينـزل بهم من البلاء عندها، وذلك صبيحة لا ليل بعدها. )

    ------------------------
    -------------------------
    قال الطبري رحمه الله"
    (
    وقوله: ( مَا الْقَارِعَةُ ) يقول تعالى ذكره معظما شأن القيامة والساعة التي يقرع العباد هولها: أيّ شيء القارعة، يعني بذلك: أيّ شيء الساعة التي يقرع الخلق هولها: أي ما أعظمها وأفظعها وأهولها.
    ---------------------
    قال الطبري رحمه الله"


    وقوله: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أشعرك يا محمد أيّ شيء القارعة.
    -----------------------
    قال الطبري رحمه الله"


    وقوله: ( يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ) يقول تعالى ذكره: القارعة يوم يكون الناس كالفراش، وهو الذي يتساقط في النار والسراج، ليس ببعوض ولا ذباب، ويعني بالمبثوث: المفرّق. )

    -------------------------------
    قال الطبري رحمه الله"
    وقوله: ( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ) يقول تعالى ذكره: ويوم تكون الجبال كالصوف المنفوش؛ والعِهْن: هو الألوان من الصوف.

    --------------------------------------
    (قال الطبري رحمه الله"
    وقوله: (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) يقول: وأما من خفّ وزن حسناته، فمأواه ومسكنه الهاوية التي يهوي فيها على رأسه في جهنم. )

    ------------------------------
    قال الطبري رحمه الله"


    وقوله: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ) يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أشعرك يا محمد ما الهاوية، ثم بَيَّن ما هي، فقال: ( نَارٌ حَامِيَةٌ ), يعني بالحامية: التي قد حميت من الوقود عليها.
    -------------------------------------------------------------------------------------
    انتهى تفسير السورة__________________

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    تأويل سورة قريش-

    -------------------
    لإِيلافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) . -------------------------------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله"
    اختلفت القرّاء في قراءة: ( لإيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ ) , فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار بياء بعد همز لإيلاف وإيلافهم, سوى أبي جعفر, فإنه وافق غيره في قوله ( لإيلافِ ) فقرأه بياء بعد همزة, واختلف عنه في قوله ( إِيلافِهِمْ ) فروي عنه أنه كان يقرؤه: " إلْفِهِمْ" على أنه مصدر من ألف يألف إلفا, بغير ياء. وحَكى بعضهم عنه أنه كان يقرؤه: " إلافِهِمْ" بغير ياء مقصورة الألف.
    والصواب من القراءة في ذلك عندي: من قرأه: ( لإيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ ) بإثبات الياء فيهما بعد الهمزة, من آلفت الشيء أُولفه إيلافا, لإجماع الحجة من القرّاء عليه. وللعرب في ذلك لغتان: آلفت, وألفت; فمن قال: آلفت بمدّ الألف قال: فأنا أؤالف إيلافا; ومن قال: ألفت بقصر الألف قال: فأنا آلف إلفا, وهو رجل آلف إلفا. وحكي عن عكرمة أنه كان يقرأ ذلك: " لتألف قريش إلفهم رحلة الشتاء والصيف ".


    # عن أسماء بنت يزيد, قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: " إلْفَهُمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ" .

    ------------------------
    ثمّ قال"

    واختلف أهل العربية في المعنى الجالب هذه اللام في قوله: ( لإيلافِ قُرَيْشٍ ) , فكان بعض نحويي البصرة يقول: الجالب لها قوله: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ فهي في قول هذا القائل صلة لقوله جعلهم, فالواجب على هذا القول, أن يكون معنى الكلام: ففعلنا بأصحاب الفيل هذا الفعل, نعمة منا على أهل هذا البيت, وإحسانا منا إليهم, إلى نعمتنا عليهم في رحلة الشتاء والصيف, فتكون اللام في قوله ( لإيلافِ ) بمعنى إلى, كأنه قيل: نعمة لنعمة وإلى نعمة, لأن إلى موضع اللام, واللام موضع إلى.

    ---------------------------
    ثمّ قال"وكان بعض نحويي الكوفة يقول: قد قيل هذا القول, ويقال: إنه تبارك وتعالى عجَّب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: اعجب يا محمد لِنعَم الله على قريش, في إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. ثم قال: فلا يتشاغلوا بذلك عن الإيمان واتباعك يستدل بقوله: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) .

    ---------------------
    ثم قال "

    والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن هذه اللام بمعنى التعجب. وأن معنى الكلام: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف, وتركهم عبادة ربّ هذا البيت, الذي أطعهم من جوع, وآمنهم من خوف، فليعبدوا ربّ هذا البيت, الذي أطعمهم من جوع, وآمنهم من خوف. والعرب إذا جاءت بهذه اللام, فأدخلوها في الكلام للتعجب اكتفوا بها دليلا على التعجب من إظهار الفعل الذي يجلبها, كما قال الشاعر:


    أغَــرَّكَ أنْ قَــالُوا لِقُـرَّةَ شـاعِرًا

    فيالأبــاهُ مِــنْ عَــرِيفٍ وَشَـاعِرِ

    فاكتفى باللام دليلا على التعجب من إظهار الفعل، وإنما الكلام: أغرّك أن قالوا: اعجبوا لقرّة شاعرا، فكذلك قوله:
    (لإيلافِ) .


    وأما القول الذي قاله من حَكينا قوله, أنه من صلة قوله: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ فإن ذلك لو كان كذلك, لوجب أن يكون " لإيلاف " بعض أَلَمْ تَرَ , وأن لا تكون سورة منفصلة من أَلَمْ تَرَ ، وفي إجماع جميع المسلمين على أنهما سورتان تامتان، كلّ واحدة منهما مفصلة عن الأخرى ما يبين عن فساد القول الذي قاله من قال ذلك. ولو كان قوله: ( لإيلافِ قُرَيْشٍ ) من صلة قوله: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ لم تكن أَلَمْ تَرَ تامَّة حتى توصل بقوله: ( لإيلافِ قُرَيْشٍ ) لأن الكلام لا يتمّ إلا بانقضاء الخبر الذي ذُكر.
    وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
    ثمّ ذكر من قال ذلك-


    ----------------------------
    ثمّ قال"
    وقوله: ( إِيلافِهِمْ ) مخفوضة على الإبدال, كأنه قال: لإيلاف قريش لإيلافهم, رحلة الشتاء والصيف، وأما الرحلة فنُصبَت بقوله.( إِيلافِهِمْ ) , ووقوعه عليها.
    وقوله: ( رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ) يقول: رحلة قريش الرحلتين: إحداهما إلى الشام في الصيف, والأخرى إلى اليمن في الشتاء.


    ----------------------------
    ثمّ قال

    وقوله: ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ) يقول: فليقيموا بموضعهم ووطنهم من مكة, وليعبدوا ربّ هذا البيت, يعني بالبيت: الكعبة.


    -----------------

    ثمّ قال"وقال بعضهم: أمروا أن يألفوا عبادة ربّ مكة كإلفهم الرحلتين.
    -
    --------------------------

    ثمّ قال"
    وقوله: ( الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ) يقول: الذي أطعم قريشا من جوع.



    ----------------------------
    ثم قال -
    -( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: أنه آمنهم مما يخاف منه من لم يكن من أهل الحرم من الغارات والحروب والقتال, والأمور التي كانت العرب يخاف بعضها من بعض.
    --------------------------------------

    ثمّ قال"
    وقال آخرون: عُنِي بذلك: وآمنهم من الجذام.

    ---------------

    ثمّ رجّح قولا فقال"
    والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه ( آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) والعدو مخوف منه, والجذام مخوف منه, ولم يخصص الله الخبر عن أنه آمنهم من العدوّ دون الجذام, ولا من الجذام دون العدوّ, بل عمّ الخبر بذلك، فالصواب أن يعمّ كما عمّ جلّ ثناؤه, فيقال: آمنهم من المعنيين كليهما.


    ---------------------
    تمّ تأويل السّورة
    --------------------------

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    تأويل سورة الفيل

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5) .-
    -------------------------------------------------------------------------
    قال رحمه الله
    (
    يقول تعالى ذكره لنبيه محمد : ألم تنظر يا محمد بعين قلبك, فترى بها( كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) الذين قَدِموا من اليمن يريدون تخريب الكعبة من الحبشة ورئيسهم أبرهة الحبشيّ الأشرم

    ( أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ) يقول: ألم يجعل سعي الحبشة أصحاب الفيل في تخريب الكعبة

    ( فِي تَضْلِيلٍ ) يعني: في تضليلهم عما أرادوا وحاولوا من تخريبها.

    ---------------------------------
    قال رحمه الله "

    وقوله: ( وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ) يقول تعالى ذكره: وأرسل عليهم ربك طيرا متفرقة, يتبع بعضها بعضا من نواح شتي; وهي جماع لا واحد لها, مثل الشماطيط والعباديد ونحو ذلك. وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى, أنه لم ير أحدا يجعل لها واحدا.

    وقال الفرّاء: لم أسمع من العرب في توحيدها شيئا. قال: وزعم أبو جعفر الرُّؤاسِيّ, وكان ثقة, أنه سمع أن واحدها: إبالة. وكان الكسائي يقول: سمعت النحويين يقولون: إبول, مثل العجول. قال: وقد سمعت بعض النحويين يقول. واحدها: أبيل.
    -

    ------------------------

    ثمّ قال رحمه الله
    (
    وذُكر أنها كانت طيرا أُخرجت من البحر. وقال بعضهم: جاءت من قبل البحر.
    ثم اختلفوا في صفتها, فقال بعضهم: كانت بيضاء.
    وقال آخرون: كانت سوداء.
    وقال آخرون: كانت خضراء, لها خراطيم كخراطيم الطير, وأكفّ كأكفّ الكلاب. )


    ----------------------------
    ثمّ قال"

    وقوله: ( تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) يقول تعالى ذكره: ترمي هذه الطير الأبابيل التي أرسلها الله على أصحاب الفيل, بحجارة من سجيل.
    وقد بيَّنا معنى سجيل في موضع غير هذا, غير أنا نذكر بعض ما قيل من ذلك في هذا الموضع, من أقوال مَنْ لم نذكره في ذلك الموضع.

    وهاهي مختصرة

    # ابن عباس ( حِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) قال: طين في حجارة.

    #عن ابن عباس ( تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) قال: من طين

    # عن ابن عباس ( حِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) قال: سنك وكل.

    # عن عكرمة, في قوله: ( تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) قال: من طين.

    # قال: سمعت عكرمة يقول: ( تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) قال: سنك وكل.

    # عن عكرمة, قال: كانت ترميهم بحجارة معها, قال: فإذا أصاب أحدهم خرج به الجُدَرِيّ, قال: كان أوّل يوم رُؤى فيه الجدريّ; قال: لم ير قبل ذلك اليوم, ولا بعده.

    # قال: ذكر أبو الكُنود, قال: دون الحِمَّصة وفوق العدسة.
    :
    -----------------------------------
    ثمّ قال"
    وقال آخرون: معنى ذلك: ترميهم بحجارة من سماء الدنيا.
    # قال ابن زيد, في قوله: ( تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) قال: السماء الدنيا, قال: والسماء الدنيا اسمها سجيل, وهي التي أنـزل الله جلّ وعزّ على قوم لوط.

    قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرنا عمرو بن الحارث, عن سعيد بن أبي هلال, أنه بلغه أن الطير التي رمت بالحجارة, أنها طير تخرج من البحر, وأن سجيل: السماء الدنيا.

    وانتقد الطبري قول ابن زيد فقال "وهذا القول الذي قاله ابن زيد لا نعرف لصحته وجها في خبر ولا عقل, ولا لغة, وأسماء الأشياء لا تدرك إلا من لغة سائرة, أو خبر من الله تعالى ذكره.
    --------------------------------------------------------------
    ثمّ قال رحمه الله"كان السبب الذي من أجله حلَّت عقوبة الله تعالى بأصحاب الفيل, مسير أبرهة الحبشيّ بجنده معه الفيل, إلى بيت الله الحرام لتخريبه.
    --------------------------
    ثمّ ذكر قصّة الفيل كاملة --ونعرض عنها التزاما منّا بكونها غيبا يلزمه التوكيد

    ------------------------------------------------------------
    ثمّ قال رحمه الله"
    وقوله: ( فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ )
    يعني تعالى ذكره: فجعل الله أصحاب الفيل كزرع أكلته الدواب فراثته, فيبس وتفرّقت أجزاؤه; شبَّه تقطُّع أوصالهم بالعقوبة التي نـزلت بهم, وتفرّق آراب أبدانهم بها, بتفرّق أجزاء الروث, الذي حدث عن أكل الزرع.

    وقد كان بعضهم يقول: العصف: هو القشر الخارج الذي يكون على حبّ الحنطة من خارج, كهيئة الغلاف لها.

    والأقوال التي ذكرها هي--

    #عن قتادة ( كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) قال: هو التبن.

    #قال ابن زيد, في قوله: ( فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) قال: ورق الزرع وورق البقل, إذا أكلته البهائم فراثته, فصار رَوْثا.

    #عن ابن عباس ( كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) قال: البرّ يؤكل ويُلقى عصفه الريح والعصف: الذي يكون فوق البرّ: هو لحاء البرّ.

    # عن حبيب بن أبي ثابت: ( كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) قال: كطعام مطعوم.
    -----------------------------------------------
    تمّ تأويل سورة الفيل

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    تفسير سورة ويل لكل همزة

    بسم الله الرحمن الرحيم


    وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9) .

    -------------------------------------------


    -قال الطبري رحمه الله"يعني تعالى ذكره بقوله:
    ( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ ) الوادي يسيل من صديد أهل النار وقيحهم,( لِكُلِّ هُمَزَةٍ ) : يقول: لكل مغتاب للناس, يغتابهم ويبغضهم, كما قال زياد الأعجم:


    تُــدلِي بــوُدِّي إذا لاقَيْتَنِـي كَذِبـا

    وَإنْ أُغَيَّــبْ فـأنتَ الهـامِزُ اللُّمَـزَهْ

    ويعني باللمزة: الذي يعيب الناس, ويطعن فيهم.
    -


    ------------------------------

    -----------------------------------------



    ثمّ قال رحمه الله "

    واختلف في المعني بقوله: ( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ ) فقال بعضهم: عني بذلك: رجل من أهل الشرك بعينه, فقال بعض من قال هذا القول: هو جميل بن عامر الجُمَحِيّ. وقال آخرون منهم: هو الأخنس بن شريق.

    -------------------------------------------
    ثمّ قال رحمه الله "

    وقال بعض أهل العربية: هذا من نوع ما تذكر العرب اسم الشيء العام, وهي تقصد به الواحد, كما يقال في الكلام, إذا قال رجل لأحد: لا أزورك أبدا: كل من لم يزرني, فلست بزائره, وقائل ذلك يقصد جواب صاحبه القائل له: لا أزورك أبدا.
    وقال آخرون: بل معنيّ به, كل من كانت هذه الصفة صفته, ولم يقصد به قصد آخر.
    ثمّ ذكرهم بأقوالهم-

    -----------------------------------------
    ثمّ رجّح قائلا"

    والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله عمّ بالقول كلّ همزة لمزة, كلّ من كان بالصفة التي وصف هذا الموصوف بها, سبيله سبيله كائنا من كان من الناس.

    ----------------------------------------
    ثمّ قال"

    وقوله: ( الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ ) يقول: الذي جمع مالا وأحصى عدده, ولم ينفقه في سبيل الله, ولم يؤد حق الله فيه, ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه.
    ----------------------
    قال رحمه الله في قراءة "جمع"

    واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأه من قرّاء أهل المدينة أبو جعفر, وعامة قرّاء الكوفة سوى عاصم: " جَمَّعَ" بالتشديد, وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والحجاز, سوى أبي جعفر وعامة قرّاء البصرة, ومن الكوفة عاصم, " جَمَعَ" بالتخفيف, وكلهم مجمعون على تشديد الدال من ( وَعَدَّدَهُ ) على الوجه الذي ذكرت من تأويله. وقد ذكر عن بعض المتقدمين بإسناد غير ثابت, أنه قرأه: " جَمَعَ مَالا وَعَدَدَهُ" تخفيف الدال, بمعنى: جمع مالا وجمع عشيرته وعدده. هذه قراءة لا أستجيز القراءة بها, بخلافها قراءة الأمصار, وخروجها عما عليه الحجة مجمعة في ذلك.
    وأما قوله: ( جَمَعَ مَالا ) فإن التشديد والتخفيف فيهما صوابان, لأنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار, متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
    ------------------------------------
    قال رحمه الله"


    وقوله: ( يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ )
    يقول: يحسب أن ماله الذي جمعه وأحصاه, وبخل بإنفاقه, مخلده في الدنيا, فمزيل عنه الموت. وقيل: أخلده, والمعنى: يخلده, كما يقال للرجل الذي يأتي الأمر الذي يكون سببا لهلاكه: عطب والله فلان, هلك والله فلان, بمعنى: أنه يعطب من فعله ذلك, ولما يهلك بعد ولم يعطب; وكالرجل يأتي الموبقة من الذنوب: دخل والله فلان النار.

    -----------------------------------
    قال رحمه اللهوقوله: ( كَلا ) يقول تعالى ذكره: ما ذلك كما ظنّ, ليس ماله مخلِّده,
    ثم أخبر جلّ ثناؤه أنه هالك ومعذب على أفعاله ومعاصيه, التي كان يأتيها في الدنيا, فقال جل ثناؤه: ( لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ) يقول: ليُقذفنّ يوم القيامة في الحطمة, والحطمة: اسم من أسماء النار, كما قيل لها: جهنم وسقر ولظى, وأحسبها سميت بذلك لحطمها كلّ ما ألقي فيها, كما يقال للرجل الأكول: الحطمة. ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: " لَيُنْبَذَانِّ فِي الحُطَمَةِ" يعني: هذا الهمزة اللمزة وماله, فثنَّاه لذلك.

    -----------------------------------
    قال رحمه الله
    وقوله: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ) يقول: وأيّ شيء أشعرك يا محمد ما الحطمة,

    ثم أخبره عنها ما هي, فقال جل ثناؤه: هي ( نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأفْئِدَةِ ) يقول: التي يطلع ألمها ووهجها القلوب; والاطلاع والبلوغ قد يكونان بمعنى، حُكي عن العرب سماعا: متى طلعت أرضنا; وطلعت أرضي: بلغت.
    ----------------------------------

    قال رحمه الله

    وقوله: ( إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ) يقول تعالى ذكره: إن الحطمة التي وصفت صفتها عليهم, يعني: على هؤلاء الهمازين اللمازين

    ( مُؤْصَدَةٌ ) : يعني: مطبقة; وهي تهمز ولا تهمز; وقد قُرئتا جميعا.



    ----------------------------
    ثمّ قال"
    واختلف أهل التأويل في معنى ذلك, فقال بعضهم: (إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددة ) أي مغلقة مطبقة عليهم, وكذلك هو في قراءة عبد الله فيما بلغنا.


    وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنما دخلوا في عمد, ثم مدت عليهم تلك العمد بعماد.
    وقال آخرون: هي عمد يعذّبون بها.

    ----------------------------------------------
    وبعد أن ذكر أقوال كلّ فئة وقائليها عمد إلى قوله فقال "
    وأولى الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: معناه: أنهم يعذّبون بعمد في النار, والله أعلم كيف تعذيبه إياهم بها, ولم يأتنا خبر تقوم به الحجة بصفة تعذيبهم بها, ولا وضع لنا عليها دليل, فندرك به صفة ذلك, فلا قول فيه, غير الذي قلنا يصحّ عندنا, والله أعلم.

    ---------------------------------------------
    آخر تفسير سورة الهمزة

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    السلام عليكم

    قال تعالى


    { وَٱلْعَصْرِ } * { إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ } * { إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ }

    --------------------------

    قال الطبري رحمه الله"
    اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { وَالْعَصْرِ } فقال بعضهم: هو قَسَم أقسم ربنا تعالى ذكره بالدهر، فقال: العصر: هو الدهر.



    -------------------------------------------------------------
    ثمّ قال"


    والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن ربنا أقسم بالعصر { وَالْعَصْرِ } اسم للدهر، وهو العشيّ والليل والنهار، ولم يخصص مما شمله هذا الاسم معنى دون معنى، فكلّ ما لزِمه هذا الاسم، فداخل فيما أقسم به جلّ ثناؤه.

    ----------------------------------------

    ثمّ قال"
    وقوله: { إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ } يقول: إن ابن آدم لفي هلَكة ونقصان. وكان عليّ رضي الله عنه يقرأ ذلك: «إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، وإنه فيه إلى آخر الدهر».



    ----------------------------------------------------------

    ثمّ قال"

    { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } يقول: إلاَّ الذين صدّقوا الله ووحَّدوه، وأقرّوا له بالوحدانية والطاعة، وعملوا الصالحات، وأدّوا ما لزمهم من فرائضه، واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه، واستثنى الذين آمنوا عن الإنسان، لأن الإنسان بمعنى الجمع، لا بمعنى الواحد.

    ------------------------------
    ثمّ قال"وقوله: { وَتَوَاصَوْا بالْحَقِّ } يقول: وأوصى بعضهم بعضاً بلزوم العمل بما أنزل الله في كتابه، من أمره، واجتناب ما نهى عنه فيه.
    -------------------------------------------------
    ثمّ قال"وقوله: { وَتَوَاصَوْا بالصَّبْرِ } يقول: وأوصى بعضهم بعضاً بالصبر على العمل بطاعة الله.

    ------------------------------
    تمّتبسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    تأويل سورة ألهاكم


    بسم الله الرحمن الرحيم
    قال الطبري رحمه الله"
    القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) .
    يقول تعالى ذكره: ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم، وعما ينجيكم من سخطه عليكم.

    ------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله

    ورُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم كلام يدلّ على أن معناه التكاثر بالمال.

    # --- أنه انتهى إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وهو يقرأ: ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) قال: " ابن آدم، ليس لك من مال إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبِست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت "

    . # قال صلى الله عليه وسلم بعقب قراءته " ألهاكم " ليس لك من مالك إلا كذا وكذا، ينبئ أن معنى ذلك عنده: ألهاكم التكاثر: المال.

    ---------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله


    وقوله: ( حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) يعني: حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم فيها؛ وفي هذا دليل على صحة القول بعذاب القبر، لأن الله تعالى ذكره، أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر، أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور وعيدا منه لهم وتهدّدا.

    ----------------------------------

    قال الطبري رحمه الله

    وقوله: ( كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) يعني تعالى ذكره بقوله: كلا ما هكذا ينبغي أن تفعلوا، أن يُلْهِيَكُم التكاثر.

    وقوله: ( سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) يقول جلّ ثناؤه: سوف تعلمون إذا زرتم المقابر، أيها الذين ألهاهم التكاثر، غبّ فعلكم، واشتغالكم بالتكاثر في الدنيا عن طاعة الله ربكم.

    -------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله

    وقوله: ( ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) يقول: ثم ما هكذا ينبغي أن تفعلوا أن يلهيكم التكاثر بالأموال، وكثرة العدد، سوف تعلمون إذا زرتم المقابر، ما تلقون إذا أنتم زرتموها، من مكروه اشتغالكم عن طاعة ربكم بالتكاثر. وكرّر قوله: ( كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) مرتين، لأن العرب إذا أرادت التغليظ في التخويف والتهديد كرّروا الكلمة مرتين.

    # عن الضحاك ( كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) قال: الكفار ( ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) قال: المؤمنون. وكذلك كان يقرأها.


    ----------------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله

    وقوله: ( كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ) يقول تعالى ذكره: ما هكذا ينبغي أن تفعلوا، أن يلهيكم التكاثر أيها الناس، لو تعلمون أيها الناس علما يقينا، أن الله باعثكم يوم القيامة من بعد مماتكم من قبوركم ما ألهاكم التكاثر عن طاعة الله ربكم، ولسارعتم إلى عبادته، والانتهاء إلى أمره ونهيه، ورفض الدنيا إشفاقا على أنفسكم من عقوبته.

    ---------------------------------------------
    قال الطبري رحمه الله


    وقوله: ( لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) اختلفت القراء في قراءة ذلك؛ فقرأته قراء الأمصار: ( لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) بفتح التاء من ( لَتَرَوُنَّ ) في الحرفين كليهما، وقرأ ذلك الكسائي بضم التاء من الأولى، وفتحها من الثانية.

    والصواب عندنا في ذلك الفتح فيهما كليهما، لإجماع الحجة عليه. وإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: لترونّ أيها المشركون جهنم يوم القيامة، ثم لترونها عيانا لا تغيبون عنها.



    ----------------------------------
    قال الطبري رحمه الله
    وقوله: ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) يقول: ثم ليسألنكم الله عزّ وجلّ عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه، من أين وصلتم إليه، وفيم أصبتموه، وماذا عملتم به.

    واختلف أهل التأويل في ذلك النعيم ما هو؟ فقال بعضهم: هو الأمن والصحة.

    *وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم لَيُسْئَلُنّ يومئذ عما أنعم الله به عليهم مما وهب لهم من السمع والبصر وصحة البدن.

    *وقال آخرون: هو العافية.
    **************
    وقال آخرون: بل عُنِي بذلك: بعض ما يطعمه الإنسان، أو يشربه.
    ****************************** *****

    *ثمّ ذكر رحمه الله أخبارا عن الرسول بذلك"

    # قال: بينما أبو بكر وعمر رضى الله عنهما جالسان، إذ جاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: " ما أجْلَسَكُما ها هُنا؟" قالا الجوع، قال: " وَالَّذِي بَعَثَنِي بالْحَقّ ما أخْرَجَنِي غَيرُهُ"، فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار، فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: " أيْنَ فُلانُ؟" فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء، فجاء صاحبهم يحمل قربته، فقال: مرحبا، ما زار العباد شيء أفضل من شيء زارني اليوم، فعلق قربته بكَرَب نخلة، وانطلق فجاءهم بعِذْق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا كُنْتَ اجْتَنَيْتَ؟" فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم، ثم أخذ الشفرة، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " إيَّاكَ والْحَلُوبَ"، فذبح لهم يومئذ، فأكلوا، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ القِيامَةِ، أخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الجُوعُ، فَلَمْ تَرْجِعُوا حتى أصَبْتُمْ هَذَا، فَهَذَا مِنَ النَّعِيمِ" .

    # قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: " انْطَلِقُوا بِنا إلى أبي الهَيْثَم بنِ التَّيَّهانِ الأنْصَارِيّ"، فأتوه ، فانطلق بهم إلى ظلّ حديقته، فبسط لهم بساطا، ثم انطلق إلى نخلة، فجاء بِقِنْوٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فَهَلا تَنَقَّيْتَ لَنا مِنْ رُطَبِهِ؟" فقال: أردت أن تَخَيَّرُوا من رطبه وبُسره، فأكلوا وشربوا من الماء؛ فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيدهِ مِنَ النَّعِيمِ، الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مَسْئُولُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ، هَذَا الظِّلُّ البارِدُ، والرُّطَبُ البارِدُ، عَلَيْهِ الماءُ البارِدُ" .


    # قال: مرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى دخل حائطا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: " أطْعِمْنا بُسْرًا "، فجاء بعذق فوضعه، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب، فقال: " لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ القِيامَةِ"، فأخذ عمر العذق، فضرب به الأرض حتى تناثر البسر، ثم قال: يا رسول الله، إنا لمسئولون عن هذا؟ قال: " نَعَمْ، إلا مِنْ كِسْرَةٍ يُسَدُّ بِها جَوْعَةٌ، أوْ حُجْرٌ يُدْخَلُ فِيه مِنَ الحَرِّ والقَرِّ" .

    # ، قال: مرّ بي النبيّ صلى الله عليه وسلم، فدعاني وخرجت ومعه أبو بكر وعمررضى الله عنهما ، فدخل حائطا لبعض الأنصار، فأُتِيَ بِبُسْرِ عِذْق منه، فوُضِع بين يديه، فأكل هو وأصحابه، ثم دعا بما بارد، فشرب، ثم قال: " لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ القِيامَةِ"، فقال عمر: عن هذا يوم القيامة؟ فقال: " نَعَمْ، إلا مِنْ ثَلاثَةٍ: خِرْقَةٍ كَفَّ بِها عَوْرَتَهُ، أو كِسْرَةٍ سَدُّ بِها جَوْعَتَةُ، أوْ جُحْرٍ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الحَرِّ والقَرّ" .

    # : أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وناس من أصحابه أكلة من خبز شعير لم يُنْخَل، بلحم سمين، ثم شربوا من جدول، فقال: " هذا كله من النعيم الذي تُسْأَلُونَ عنه يوم القيامة " .

    # : " لما نـزلت (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) فقرأها حتى بلغ: ( لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قالوا: يا رسول الله، عن أيّ النعيم نسأل ، وإنما هو الأسودان: الماء، والتمر، وسيوفنا على عواتقنا، والعدوّ حاضر! قال: " إن ذلكَ سَيَكُونُ" .

    # : قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ أولَ ما يُسْأَلُ عَنْهُ العَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أنْ يُقَالَ لَهُ: ألَم نُصِحَّ لَك جِسْمَكَ، وَتُروَ مِنَ الماءِ البارِدِ" ؟.



    # عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " النَّعِيم: المَسْئُولُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ: كِسْرَةٌ تُقَوّيهِ، وَماءٌ يُرْوِيهِ، وَثَوْبٌ يُوَارِيهِ" .

    ---------------------------------------
    قال الطبري رحمه اللهوقال آخرون: ذلك كلّ ما التذّه الإنسان في الدنيا من شيء.

    *

    وكان الحسن وقتادة يقولان: ثلاث لا يُسأَل عنهنّ ابن آدم، وما خلاهنّ فيه المسألة والحساب إلا ما شاء الله: كسوة يواري بها سوْأته، وكسرة يشدّ بها صلبه، وبيت يظله.

    ---------------------------------------------

    قال الطبري رحمه الله
    والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله أخبر أنه سائل هؤلاء القوم عن النعيم، ولم يخصص في خبره أنه سائلهم عن نوع من النعيم دون نوع، بل عمّ بالخبر في ذلك عن الجميع، فهو سائلهم كما قال عن جميع النعيم، لا عن بعض دون بعض.

    ---------------------------------------

    آخر تفسير سورة ألهاكم
    -----------------------------------
    بسم الله الرحمن الرحيم

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    السلام عليكم
    تفسير سورة القارعة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    : الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) .
    ----------------------------------------------------------------
    قال رحمه الله"

    (يقول تعالى ذكره: ( الْقَارِعَةُ ) : الساعة التي يقرع قلوب الناس هولُها، وعظيم ما ينـزل بهم من البلاء عندها، وذلك صبيحة لا ليل بعدها. )

    -------------------------
    ثمّ قال"

    (
    وقوله: ( مَا الْقَارِعَةُ ) يقول تعالى ذكره معظما شأن القيامة والساعة التي يقرع العباد هولها: أيّ شيء القارعة، يعني بذلك: أيّ شيء الساعة التي يقرع الخلق هولها: أي ما أعظمها وأفظعها وأهولها.

    **********************

    قال رحمه الله"


    وقوله: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد : وما أشعرك يا محمد أيّ شيء القارعة.


    وقوله: ( يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ) يقول تعالى ذكره: القارعة يوم يكون الناس كالفراش، وهو الذي يتساقط في النار والسراج، ليس ببعوض ولا ذباب، ويعني بالمبثوث: المفرّق. )

    -------------------------------
    ثمّ قال"

    وقوله: ( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ) يقول تعالى ذكره: ويوم تكون الجبال كالصوف المنفوش؛ والعِهْن: هو الألوان من الصوف.

    --------------------------------------
    ثمّ قال"
    (
    وقوله: (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) يقول: وأما من خفّ وزن حسناته، فمأواه ومسكنه الهاوية التي يهوي فيها على رأسه في جهنم. )
    ------------------------------
    ثمّ قال"
    وقوله: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ) يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد : وما أشعرك يا محمد ما الهاوية، ثم بَيَّن ما هي، فقال: ( نَارٌ حَامِيَةٌ ), يعني بالحامية: التي قد حميت من الوقود عليها.
    -------------------------------------------------------------------------------------
    انتهى تفسير السورة

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    28

    افتراضي رد: الوجيز في تأويل الكتاب العزيز

    السلام عليكم
    تفسير سورة العاديات

    بسم الله الرحمن الرحيم
    القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه:
    وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) .
    ---------------------------------------------------------------------
    اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ) فقال بعضهم: عُني بالعاديات ضبحا: الخيل التي تعدو, وهي تحمحم.

    ------------------------------
    ------------------------------
    ثمّ قال

    وقال آخرون: هي الإبل.
    ------------------------------------------
    ----------------------------------
    وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب: قول من قال: عني بالعاديات: الخيل, وذلك أن الإبل لا تضبح, وإنما تضبح الخيل, وقد أخبر الله تعالى أنها تعدو ضبحا, والضبح: هو ما قد ذكرنا قبل. وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
    ----------------------------------------
    -----------------------------------
    ثمّ قال

    وقوله: ( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا )
    اختلف أهل التأويل, في ذلك, فقال بعضهم: هي الخيل توري النار بحوافرها.
    ---------------------------
    ----------------------------
    ثمّ قال"
    وقال آخرون: بل معنى ذلك أن الخيل هجن الحرب بين أصحابهن وركبانهن.
    ----------------------------------
    ----------------------------
    ثمّ قال"
    وقال آخرون: بل عني بذلك: الذين يورون النار بعد انصرافهم من الحرب.
    --------------------------------------
    وذكر أهل التأويل وأقوالهم
    ------------------------------------
    ثمّ قال"

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: مكر الرجال.
    ----------------------------------
    ثمّ قال"
    وقال آخرون: هي الألسنة
    -------------------------------
    ثمّ قال"
    وقال آخرون: هي الإبل حين تسير تنسف بمناسمها الحصى.
    --------------------------------
    ------------------------------------
    وقال أيضا"
    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالموريات التي توري النيران قدحا; فالخيل توري بحوافرها, والناس يورونها بالزند, واللسان - مثلا - يوري بالمنطق, والرجال يورون بالمكر - مثلا - , وكذلك الخيل تهيج الحرب بين أهلها: إذا التقت في الحرب، ولم يضع الله دلالة على أن المراد من ذلك بعض دون بعض فكل ما أورت النار قدحا, فداخلة فيما أقسم به, لعموم ذلك بالظاهر.
    وقوله: ( فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا )
    اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معنى ذلك: فالمغيرات صبحا على عدوّها علانية.
    ---------------------------------------
    وقال--
    وقال آخرون: عني بذلك الإبل حين تدفع بركبانها من " جمع " يوم النحر إلى " منى ".
    --------------------------
    ثمّ قال
    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله جل ثناؤه أقسم بالمغيرات صبحا, ولم يخصص^ من ذلك مغيرة دون مغيرة, فكل مغيرة صبحا, فداخلة فيما أقسم به ; وقد كان زيد بن أسلم يذكر تفسير هذه الأحرف ويأباها, ويقول: إنما هو قسم أقسم الله به.
    حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: (وَالْعَادِيَات ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) قال: هذا قسم أقسم الله به.

    وفي قوله: ( فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ) قال: كل هذا قسم, قال: ولم يكن أبي ينظر فيه إذا سئل عنه, ولا يذكره, يريد به القسم.
    -------------------------------------------------------------------------------



    ----------------------------
    قال رحمه الله-

    وقوله: ( فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا )
    يقول تعالى ذكره: فوسطن بركبانهن جمع القوم, يقال: وسطت القوم بالتخفيف, ووسطته بالتشديد, وتوسطته: بمعنى واحد.
    --------------------------------------------

    وقال آخرون: بل عني بذلك ( فَوَسَطْنَ بِهِ ) مزدلفة.
    -------------------------------
    ثمّ قال رحمه الله

    وقوله: ( إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ )
    يقول: إن الإنسان لكفور لنعم ربه. والأرض الكنود: التي لا تنبت شيئا, قال الأعشى:

    أحْـدِثْ لَهَـا تُحْـدِثْ لِـوَصْلِكَ إنَّهـا


    كُنُــدٌ لــوَصْلِ الزَّائِــرِ المُعْتـادِ


    وقيل: إنما سميت كندة: لقطعها أباها.
    ---------------------------
    ثمّ قال"

    وقوله: ( وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ )
    يقول تعالى ذكره: إن الله على كنوده ربه لشهيد: يعني لشاهد.
    -----------------------------
    ثمّ قال"

    وقوله: ( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ )
    يقول تعالى ذكره: وإن الإنسان لحب المال لشديد.
    واختلف أهل العربية في وجه وصفه بالشدة لحب المال, فقال بعض البصريين: معنى ذلك: وإنه من أجل حب الخير لشديد: أي لبخيل; قال: يقال للبخيل: شديد ومتشدد. واستشهدوا لقوله ذلك ببيت طرفة بن العبد البكري:


    أرَى المَـوْتَ يَعْتـامُ النُّفُوسَ ويَصْطَفِي


    عَقِيلَــةَ مــالِ البــاخِلِ المُتَشَـددِ


    وقال آخرون: معناه: وإنه لحب الخير لقوي.
    *****************************

    قال الطبري رحمه الله "

    وقال بعض نحويي الكوفة: كان موضع ( لِحُبِّ ) أن يكون بعد شديد, وأن يضاف شديد إليه, فيكون الكلام: وإنه لشديد حب الخير; فلما تقدم الحب في الكلام, قيل: شديد, وحذف من آخره, لما جرى ذكره في أوله ولرءوس الآيات, قال: ومثله في سورة إبراهيم: كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ والعصوف لا يكون لليوم, إنما يكون للريح; فلما جرى ذكر الريح قبل اليوم طرحت من آخره, كأنه قال: في يوم عاصف الريح, والله أعلم.
    ----------------------------------
    ثمّ نقل قولا وعقّب عليه--

    قال ابن زيد, في قوله: ( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) قال: الخير: الدنيا; وقرأ:
    إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ قال: فقلت له: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا : المال؟ قال: نعم, وأي شيء هو إلا المال؟ قال: وعسى أن يكون حراما, ولكن الناس يعدونه خيرا, فسماه الله خيرا, لأن الناس يسمونه خيرا في الدنيا, وعسى أن يكون خبيثا, وسمي القتال في سبيل الله سوءا, وقرأ قول الله: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ قال: لم يمسسهم قتال; قال: وليس هو عند الله بسوء, ولكن يسمونه سوءا.


    وتأويل الكلام: إن الإنسان لربه لكنود, وإنه لحب الخير لشديد, وإن الله على ذلك من أمره لشاهد. ولكن قوله: ( وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ) قدم, ومعناه التأخير, فجعل معترضا بين قوله: ( إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) , وبين قوله: ( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ )



    -----------------------------
    قال رحمه الله--

    وقوله: ( أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ )
    يقول: أفلا يعلم هذا الإنسان الذي هذه صفته, إذا أثير ما في القبور, وأخرج ما فيها من الموتى وبحث.
    وذكر أنها في مصحف عبد الله: " إذا بحث ما في القبور ",


    ----------------------------------

    ثمّ قال"


    القول في تأويل قوله تعالى :
    وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11) .
    وقوله: ( وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ )
    يقول: وميز وبين, فأبرز ما في صدور الناس من خير وشر.

    --------------------------------------------
    ثمّ قال"
    وقوله: ( إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ )
    يقول: إن ربهم بأعمالهم, وما أسرّوا في صدورهم, وأضمروه فيها, وما أعلنوه بجوارحهم منها, عليم لا يخفى عليه منها شيء, وهو مجازيهم على جميع ذلك يومئذ.
    ------------------------------------
    آخر تفسير سورة: والعاديات
    -----------------------------------


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •