بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

التحذير من عقوق الوالدين
للشيخ: يحيى بن موسى الزهراني –عفى الله عنه-
إمام وخطيب جامع البازعي بمنطقة تبوك – المملكة السعودية
منقول من صيد الفوائد


الحمد لله الأول والآخر، والباطن والظاهر، القوي القاهر، الرحيم الغافر، أحمده سبحانه على نعيمه الوافر، وأشكره على فضله المتكاثر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعلم مكنونات الصدور، ومخفيات الضمائر، خلق الخلق وكلهم إليه صائر، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله المطهّر الطاهر، كريم الأصل زكي المآثر، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أولي الفضائل والمفاخر، والتابعين ومن تبعهم من أولي البصائر، ومن كان على درب الحق سائر.
أما بعد:
فأوصيكم _ عباد الله _ ونفسي بتقوى الله الملك العلام، فإن تقواه سبحانه عروةٌ ليس لها انفصام، وجذوة تنير القلوب والأفهام،{وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ}.
عباد الله: جاء رجل إلى المحكمة العامة شاكياً باكياً قائلاً: أذن المؤذن لصلاة الفجر، فذهبت لإيقاظ وَلَدي للصلاة، فقام وصفعني على وجهي، وانفجر باكياً خذوا بحقي من وَلَدي، أنصفوني من فِلذَة كَبِدي، آمُرُه فيعصاني، وأزجُره فينهرني، كرهت وَلَدي، إني أبغُضُه، لا أحبه، لا أريده في بيتي. ووجدت أمٌ مقتولة، قتلها وَلَدُها بأداة حديدية، فيا ويحهم من ربهم وخالقهم، يا ويلهم من الواحد القهار، القوي الجبار، قَالَ صلى الله عليه وسلم: "... لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ... " [رواه مسلم]، فمن لعن والديه، لعنه الله وغضب عليه، وطرده من رحمته، وأوقع به عقوبته، فما بالُنا بمن ضرب والديه أو قتل أحدهما أو كلاهما، لهو للعنة أحق، وللطرد مستحق، قال جبار الأرض والسماء، في سورة الإسراء: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً}، وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ، مِنَ الْبَغْي وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ" [رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ]، وهل هناك أعظم رحماً من الوالدين، اللهم اغفر لوالدينا كما ربونا صغاراً، اللهم أسبغ عليهم لباس العافية والتقوى، اللهم ارفع لهما الدرجات، واغفر لهما الزلات والهفوات، واجمعنا بهم في أعلى الجنات، يا غفور يا رحيم، يا ودود يا كريم.
عباد الله: كان هناك شاب مُكِب على اللهو واللعب، لا يفيق عنه، وكان له والد صاحب دين، كثيراً ما يعظ ولده ويقول له: يا بني احذر هفوات الشباب وعثراته، فإن لله سطوات ونقمات، ما هي من الظالمين ببعيد، وكان إذا ألح عليه زاد في العقوق، وأنكر الحقوق، وجار على أبيه، ولما كان يوم من الأيام ألح على ابنه بالنصح على عادته، فمد الولد يده على أبيه، فحلف الأب مجتهداً، ليأتين بيت الله الحرام، فيتعلق بأستار الكعبة ويدعو على ولده، فخرج حتى انتهى إلى البيت الحرام، فتعلق بأستار الكعبة وأنشأ يقول:
يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا عرض المهامه من قرب ومن بعد
إني أتيتك يا من لا يخيب من يدعوه مبتهلاً بالواحد الصمد
هذا منازل لا يرتد من عققي فخذ بحقي يا رحمن من ولدي
وشل منه بحول منك جانبه يا من تقدس لم يولد ولم يلد

فقيل أنه ما استتم كلامه، حتى يبس شق ولده الأيمن، قَالَ صلى الله عليه وسلم: "الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوِ احْفَظْهُ" [ رواه الترمذي وقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ ]، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ" [رواه الترمذي]، وأحسن من قال:
والوالد الأصل لا تنكر له تربية واحفظ لاسيمـا إن أدرك الكبرَ
فما تؤدي له حقاً عليك ولو على عيونك حج البيت واعتمرا
نعوذ بالله من العقوق، ومن فساد القلوب، ومن جميع المعاصي والذنوب.

عباد الله: هذا عاق رمى أمه في دار العجزة، ولم يزرها لعدة سنوات، وزمن طويل لم يعرفها، حتى الاتصال لم يتصل عليها، حرم نفسه برها، واكتسب الإثم بعقوقها، وعندما حانت ساعة وفاتها، ولحظات احتضارها بكت، بكت يا عباد الله، لأنها الأم الحنون، الأم الرءوم، بكت ونادت المسؤولين وقالت لهم: اتصلوا على ولدي، أريد أن أضمه قبل أن أموت، أريد أن أقبله، أريد أن أعانقه، يا الله يالها من رحمة جعلها الله في قلوب الآباء والأمهات، تريد أن تراه بعد ذلك العقوق، إن حنانها وعطفها وحبها لوليدها، أبى عليها إلا أن تضمه وتقبله وتعانقه ! فماذا عساه يفعل ؟ أيهرع لزيارتها ؟ أينكب عليها مقبلاً ومتسامحاً ؟ أيذرف دموع الحزن والأسى على ما فرط في جنب أمه ؟ لا هذا ولا ذاك، فاتصلوا على ولدها، وقالوا له: إن أمك تحتضر وتريد أن تراك وتقبلك، وتملأ عينيها برؤيتك قبل أن تموت، فقال العاق: ما عندي وقت، وقتي ضيق، عندي أعمال، لدي تجارات ثم أغلق الهاتف، ثم ماتت هذه الأم، ولم تر ولدها، ماتت ساخطة عليه، ومن سخط عليه والديه، سخط الله عليه، فاتصل المسؤولون على الولد فقالوا: لقد ماتت أمك، فرد قائلاً: أكملوا الإجراءات وادفنوها، يا له من عقوق وأي عقوق، أترمى الأم في دار المسنين، أترمى قرة العين، ومهجة الفؤاد دور الرعاية، أترمى من جعلت بطنها لك وعاءً، وصدرها لك طعاماً، وحجرها لك مجلساً، أتترك تلك الحبيبة التي سهرت الليالي والأيام، أتعق من قاست لأجلك المتاعب والآلام، وتركت الشراب والطعام، من أجل راحتك وخدمتك، قال تعالى سبحانه: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً}، وأخرج النسائي والبزار والحاكم وقال صحيح الإسناد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثَةٌ لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى"، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن العقوق دَيْنٌ، وفاؤه الأبناء، فمن بر والديه بر بنوه، ومن عقهم عقوه، فرحماك ربنا رحماك: {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}.
أيها المسلمون: إن نظرةً دقيقة لما تعيشه المجتمعات الغربية، لتؤكّد أن أقسى ما تعانيه تلك المجتمعات اليوم، هو التفكك الأسري، والفردية المقيتة، التي ضاقت بها بيوتهم، بعد أن ضاقت بها قلوبهم، ولا عجب أن يطلبَ أهل الحي فيهم الجهةَ الأمنية، لأنَّ مسِنًّا قد مات فأزكمت رائحتُه الأنوف بعد تعفّنه، دون أن يعلم بموته أحد، فسبحان الله عباد الله، إنها الماديات، والمراتب والثقافات، حينما تغلب على القيم والأخلاقيات، والأعجب من ذلك، سريان هذا الداء إلى بعض المجتمعات الإسلامية، وهي ترى بأمِّ عينها، كيف أوشكت الأسرة الغربية على الانقراض، فكم نسمع من مظاهر التفكك، وصور الخلل والعقوق في بعض مجتمعاتنا، فهذا أب لما كبرت سنّه ووهن عظمه، واحتاج لأولاده، لم يجدوا ما يكافئوه به، إلا بالتخلص منه في دور الرعاية، ذلكم هو الأب، الذي من أجلك يكدّ ويتعب، ويشقى وينصب، لراحتك يسعى، ويدفع عنك الأذى، ينتقل في الأسفار، يجوب الفيافي والقفار، ويتحمّل الأخطار، بحثًا عن لقمة تعيش بها، والد طاعنٌ في السن يدخل المستشفى وهو على فراش المرض، ويعاني مرارة العقوق والحرمان، ويقول: " لقد دخلتُ هنا منذ أكثر من شهر، ووالله ما زارني أحدٌ من أبنائي وأقاربي "، بل يا عباد الله، تعدَّى الأمر إلى ما هو أفظع من ذلك وأشنع، فهذا مأفون (ناقص عقل) لمَّا بلغت أمّه من الكبر عتياً، تبرّم وضاق بها ذرعاً، فما كان منه إلا أن أمر الخادمة فأخرجتها خارجَ المنزل، لتبيت المسكينة على عتبة الباب، وهذا آخر يطلق النارَ على أبيه فيرديه قتيلاً، من أجل مشادّة كلامية،
يا الله، رحماك يا إلهي، أيُّ جريمة ارتكبها هؤلاء العاقون، في حق أعزّ وأقرب الناس إليهم ؟ ويحهم على قبيح فعالهم، وويل لهم لفساد حالهم، ألا وإن نماذج العقوق والقطعية، في زمننا هذا كثيرة فظيعة، فأين الرحمة عند هؤلاء والديانة ؟ بل أين المروءة والإنسانية ؟،
عباد الله، إن الجنة والنار في بيوتكم، رَوَى اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه بسند فيه مقال، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: "يَا رَسُول اللَّه، مَا حَقّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدهمَا ؟" قَالَ: " هُمَا جَنَّتك وَنَارك "، فويل لمن عق والديه، وويل لمن قطع رحمه، فعقوق الوالدين أعظم قطيعة للرحم، ومن أشد الظلم، بل هو تفتيت للقيم، وذهاب للشيم، وسقوط من هام القمم، قال الجبار المنتقم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ * أَوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ}، اللهم أنت وليُنا فاغفر لنا وارحمنا، وأنت خير الغافرين،
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين، من كل ذنب ومعصية وخطيئة، فاستغفروا الله وتوبوا إليه، فيا فوز المُستغفرين، ويا بُشرى التائبين...
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأمرنا بصلة الأرحام، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك القدوس السلام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله بدر التمام، ومسك الختام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الكرام، وصحابته الأئمة الأعلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب النور والظلام.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.
أيها المؤمنون: إن حق الوالدين هو آكد الحقوق بعد حق الله تعالى، وحقُهما يكون في الطاعة والاحترام، والبر والإكرام، والإنفاق عليهما، والقيام برعايتهما، وكان حقهما بعد حق الله مباشرة، لأنهما سبب الوجود بعد الله عز وجل، ولأنهما بذلا في سبيل التربية من الجهد، ولقيا في ذلك من المشقة مالا يعلمه إلا الله، فلهذا قال جلا وعلا: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانا}، وهذا حق تُنادي به الفطرة السليمة، ويوجبه العِرفان بالجميل، ويتأكد ذلك في حق الأم، فهي التي قاست من آلام الحمل والوضع والإرضاع والتربية ما قاست، في الصحيحين، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: "مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي ؟ قَالَ أُمُّك، قَالَ ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ أُمُّك، قَالَ ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ: أُمُّك، قَالَ ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ أَبُوك ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ" وجعل النبي صلى الله عليه وسلم عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، بل جعل مرتبته بعد الشرك بالله تعالى، ففي الصحيحين أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا ؟ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ".
معاشر المسلمين: بعد أن أوردنا هذه القصص والنقول، فحري بأصحاب الفهم والعقول، أن يبادروا ببر والديهم، فبرهما سبيل للجنة، روى الطبراني بإسناد جيد، أن جاهمة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشيره في الجهاد ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألك والدان"، قلت: نعم، قال: "الزمهما فإن الجنة تحت أرجلهما"، ألا فاعلموا عباد الله، أن بر الوالدين، وصلة الرحم، بركة العمر، وزيادة الرزق، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَيُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" [رواه أحمد وحسنه الألباني]، ثم اعلموا أيها الأبناء، أنكم مهما عملتم من أعمال تبرون بها آباؤكم وأمهاتكم، فلن تبلغوا بها شيئاً من الإحسان إليهما، لأن فضلهما لا يُجارى، وبرُهما لا يُبارى، وكيف تبلغون برُهما وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَجْزِئُ وَلَدٌ وَالِدَهُ، إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكاً فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ" [رواه مسلم]، بل كيف تبلغون برُهما، وَقَدْ رَأَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَجُلًا يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ حَامِلًا أُمَّهُ عَلَى رَقَبَتِهِ فَقَالَ: "يَا ابْنَ عُمَرَ أَتَرَى أَنِّي جَزَيْتهَا ؟ قَالَ: لَا، وَلَا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ من طلقاتها، وَلَكِنَّك أَحْسَنْت، وَاَللَّهُ يُثِيبُ عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيرًا".
أيها الأخوة في الله: عقوق الوالدين، داء استشرى في مجتمعات المسلمين، ولابد للداء من دواء، ولأسبابه من استقصاء، إن من أسباب العقوق، عقوق الآباء لآبائهم، فالعقوق دَيْنٌ، ولابد للدَيْن من قضاء ووفاء، ومن أسبابه يا رعاكم الله، سوء التربية، فالله الله بالتربية السليمة الصحيحة، مروا أبناءكم بالصلاة، وألزموهم كتاب الله، لينشأ لنا جيل، يمتثل قول الله تعالى: {وبالوالدين إحساناً}، ألا وإن من أسباب العقوق والفساد، عدم العدل بين الأولاد، ومن أسبابه أيضاً، أصدقاء السوء، وأصحاب الشر، ومن أسبابه إغداق الأموال، التي بسببها يتعاطى الأبناء الدخان والمخدرات، فيصبحوا شبحاً مخيفاً على الآباء والأمهات، ألا وإن من أسباب العقوق، فقدان القدوة الحسنة من قبل الآباء والأمهات،
وختاماً تأملوا قول رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ "، فكيف يكون ولد صالح، ما لم تكن هناك تربية صالحة،
فيا عباد الله، إن يكن صدَر منكم للأبوين عقوقٌ، وسوء معاملة، فتدارَكوا أعمارَكم وأوقاتَكم، واغتنِموا حياتهما، واسألوهما الصفح والتجاوزَ، قبل أن تلقوا ربكم بهذه السيئة العظيمة، والمعصية الجسيمة، ومن كان عاقاً لهما حال حياتهما، فليبرهما بعد موتهما، فقد جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: "هل بقيَ من برّ أبويَّ شيءٌ أبرّهما به بعد موتهما ؟" قال: "نعم، الدعاءُ لهما، والاستغفار لهما، وإنفاذُ عهدِهما مِن بعدهما، وصِلة رحمِك التي لا رحمَ لك إلاّ من قِبَلهما"،
هذا وصلوا وسلموا على النبي محمداً، صلاة أبداً، وسلاماً سرمداً، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وقدوتنا وحبيبنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وآل بيته الطيبين الطاهرين، وعن الطاهرات أمهات المؤمنين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم أعنا على بر والدينا، اللهم وفق الأحياء منهما، واعمر قلوبهما بطاعتك، ولسانهما بذكرك، واجعلهم راضين عنا، اللهم من أفضى منهم إلى ما قدم، فنور قبره، واغفر خطأه وزلـله، اللهم اجزهما عنا خير الجزاء، وأفضل الثواب، اللهم اجمعنا وإياهم في جنتك ودار كرامتك، برحمتك ومنتك، يا أرحم الراحمين، اللهم أصلح الأبناء والبنات، ووفقهم للطاعات، وجنبهم الفواحش والمنكرات، يا مجيب الدعوات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. اهـ.

*****
ولا حول ولا قوة إلا بالله
والله الموفق
نحبكم في الله
والحمد لله