بسم الله الرحمن الرحيم



جاء في لسان العرب في مادة ’’فَضْل‘‘ : " أَفْضَل الرجل علـى فلان وتَفَضَّل بمعنى إِذا أَناله من فضله وأَحسن إِلـيه. و الإِفْضال : الإِحسان " . و في القاموس المحيط : " ورجلٌ فَضَّالٌ : كثيرُ الفَضْلِ ".

أردت في موضوعي هذا الإشارة إلى أدب عظيم من آداب الإسلام ، بل هو مما تدعوا إليه الفطرة ، والنفس السوية .
ألا وهو : رد الفضل والمعرف والإحسان إلى أهله وحفظه لهم. إن هذا الأدب العظيم هو مما تعارف عليه الأولون والآخرون ، ولا يكون هذا المبدأ الإسلامي والأدب العظيم عند منْ أغفل التأمل في حقيقة رسالة الإسلام .

إن الوازع الديني ، والباعث الأخلاقي المبني على امتثال شرائع الإسلام عندما يضعف عند المسلم فإن كثيرا من المبادئ الأخلاقية ستضعف حينها وهذه علاقة مطردة .

موضوع رد الفضل لأهله ، وحفظ المعروف ، وصيانة الجميل لمن فعله ، موضوع تدعوا الحاجة لطرحه في هذا الزمان ، و إن ما ألمسه عند بعض من الناس من غياب هذا الأدب العظيم ، نتيجة للعلاقات النفعية التي انتشرت عند بعض الناس ، وكما في المثل العامي :
" اقطع لي وامسك لك ".
الله سبحان وتعالى أرشدنا لهذا الأدب العظيم في كتابه ، في معرض سياقه لآيات الربوبية التي يسدل بها على توحيد العبادة ( الألوهية ) ، مقرراً أفضاله على الناس لكي يقابلوا هذا التفضٌّل منه سبحانه بحفظ ذلك الفضل والمعروف ،ومقالة المُنْعِم بالشكر ، وذلك بعبادته وحده لا شريك له والكفر بما يعبد من دونه ، وبالاستقامة على دينه ، وتحكيم شرعه .

و الآيات في هذا المجال لا يمكن حصرها في هذا المقام ولكن " حسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق " .

قال الله تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فـلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون (22) } البقرة .

ففي هذه الآية يأمر الله عباده بتوحيده ، لأنه : هو الذي خلقهم ورزقهم ولأن من جعل الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل المطر وأخرج به النبات وغيرها من أفعال الربوبية لمستحق لأن يوحَّد في العبادة .ولأن من تفضل بهذه الفضائل دون أحد سواه مستحق لأن يقابل بالشكر على تفضله وذلك بالاستقامة على شرعه.


والله سبحانه وتعالى يذكِّر بني إسرائيل بتفضله عليهم ؛ داعياً لهم إلى شكره وذلك بتوحيده والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم شكرا على هذا التفضل والإنعام منه سبحان فقال : { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين } 47 البقرة .

ومن أوضح الآيات قوله تعالى : { وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار } 34 إبراهيم

ففيما سبق تقرير من الله لعباده بتفضله عليهم وأنه من الظلم كفران النعمة وجحد الفضل ، ومن أعظم كفران النعم أن يُنْعِمَ ويُشكر غيره ، ويتفضّل و يُجحد فضله بالتعلق بغيره .

ونقم الله على قوم جحدوا النعم ، وكفرو بالمنعِم ، وأنكروا الفضل ، فقال سبحانه :
{ فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون } 49 الزخرف .
{ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار } 28 إبراهيم
{لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل (16) كذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) } سبأ
وغيرها من الآيات التي تبين وتقرر أن جزاء التفضل بالنعم هو شكرها وحفظ حق صاحبها .

والسنة النبوية عظّمت هذا الجانب وهو رد المعروف و الفضل ، ومقابلة المحسن بالإحسان .
فقد حثنا الرسول الكريم على رد الجميل والمعروف لأهله في أحاديث وبين لنا ماذا نصنع إذا لم نكن نملك الرد المادي فقال صلى الله عليه وسلم :" ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا الله له حتى تعلموا أن قد كافأتموه " أبو داود. وعند الطبراني: " ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى يرى أن قد كافأتموه "
فهذا الحديث يحثنا على رد المعروف وإذا لم نستطع فيكون الرد عن طريق الدعاء لمن أسدى لنا المعروف
وفي الحديث الأخر قال صلى الله عليه وسلم :" من أولي معروفا فليذكره فمن ذكره فقد شكره ومن كتمه فقد كفره "
ويُروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدمت عليه الشيماء ، وهي أخته من الرضاعة من حليمة السعدية ، وكان لها فضل عليه كما ذكر ابن القيم في زاد المعاد وذلك أنها أحد حواضنه ، بسط لها ردائه إكراما لها وردا لمعروفها .
والقصة المشهور من دفاعه صلًى الله عليه وسلم عن زوجه عائشة رضي الله عنها حمايةً لها من أبيها رضي الله عنه حفظا لمعروفها من خدمته وحفظ سره ، مما لا يخفى ، ودفاعه صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة عن أبي بكر رضي الله عنه ، إنما كان ردا لمعروفه ، إذ صدّقه يوم كذبه الناس ، وغيرها الكثير .
و كذلك أثر عن السلف الصالح رحمهم الله ، الدينونة لأصحاب الفضل والمعروف فقد روي عن أحد السلف : " من علمني حرفاً كنت له عبدا " .

المراد ؛ أن من صفات النفس السوية حفظ المعروف ورد الجميل ، فما بال أناس قد انتكست فطرهم فأنكروا الجميل ، وقابلوا الإحسان بالإساءة ؟! فإن من حق صاحب الإحسان والفضل مقابلة إحسانه بإحسان فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟! و إن من حقه أن تدعو له بظهر الغيب ، وأن تدافع وتذب عن عرضه بالحق والعدل ، وأن تذكره بالخير . وإن من حقه أن تستر ما بدر منه من خطأ ، وأن لا تتناسى أفضاله .

فكم هو مؤلم أن ينكر الجميل ، ويجحد الفضل ، ويُستر الحسن و يُظهر القبيح
ولو لم يكن هناك دليلاً على فضيلة رد الفضل والإحسان والمعروف إلا قوله تعالى : { وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا } لكفى .


صالح السويح
20/2/1428هـ