" تحذير الشرع والسلف من الشهرة "
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: " تحذير الشرع والسلف من الشهرة "

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2014
    المشاركات
    210

    افتراضي " تحذير الشرع والسلف من الشهرة "

    ذير الشرع والسلف من الشهرة "
    فضيلة الشيخ : زيد بن مسفر البحري

    ـــــــــــــــ ـــــــ
    ( أما بعد : فيا عباد الله )
    موضوعنا في هذا اليوم موضوع هام جداً ، هذا الموضوع موضوع أتحدث فيه عما تحدث عنه السلف مما تحدثوا به على ضوء ما جاء في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، هذا الموضوع الهام – وقد انتشر هذا الأمر في هذا الزمن أكثر من ذي قبل – بل لا يقارن هذا الأمر في هذا الزمن بما وقع في عصر السلف رحمهم الله هذا الموضوع الهام هو " حرص الناس على الشهرة " معنى الشهرة في كتب أهل اللغة" الظهور والبيان " ولذلك سمي الشهر بهذا الاسم لأنه يهلُّ وينتشر ويتضح للناس . الشهرة هي بمثابة السبع الذي يفترس الإنسان إذا لم يتفطن لها ، كيف ؟
    قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند وعند الترمذي من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه :
    ( مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِالْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ )
    الشرف : هو الظهور والبروز والوضوح للناس ، ومن بين ذلك الشهرة ، تصوَّر أن هناك قطيعا من الغنم ، وإذا بذئبين جائعين ، هذان الذئبان الجائعان ماذا سيفسدان في هذه الغنم الضعيفة ؟ ليست بقراً , ستفسد إفساداً كبيرا ، الحرص على الشهرة والشرف أشد فتَّكاً لدين المسلم من فتك هاذين الذئبين الموصوفين بأنهما جائعان . " الشهرة حذَّر منها النبي صلى الله عليه وسلم حتى في اللباس "
    قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند أبي داود :
    ( مَنْ لبس ثياب شهرة ألبسه الله ثياب مذلة تلتهب عليه نارا )
    هذا في لباس، فكيف بفعل ؟ فكيف بقول ؟ فكيف بما يخالف شرع الله ؟ استجلبت – وللأسف – والقرائن واضحة استجلبت الشهرة من قِبل بعض الناس عن طريق ما يخالف شرع الله ، كما يقال [ خالف تُعرف ] كما فعل ذلك الرجل من خثعم ، ذكرت كتب الأدب : ( سافر رجل من خثعم ومعه امرأته ، وإذا برجل يقال له سليك التقى بهما فقال سأقتلك ، قال سأفتدي ، قال تفتدي مني بأن تدع زوجتك لي ، فأخذها ، فقالت تلك المرأة – ربما سعدت مع هذا الرجل الذي هو سليك – قالت له : احذر خثعم ، فرجع هذا الرجل من خثعم ، وقد أعطاه الأمان على ألا يلحق به وألا يلحق به أحدٌ من أهل خثعم ، لكن لما درى بعض أهل خثعم ، قال سـأتبعه ، فأتبعه فلما التقى بسليك قتله ، قال :
    إني وقتلي سُليكا ثم أعقلَه
    كالثور يُضرب لما عافت البقر
    فقال سيد خثعم أعطيناه الأمان فأعطه الدية ، قال لا ، قال لم ؟ قال حتى أشتهر ، شهرة ماذا ؟ شهرة الثور إذا كانت هناك بقر تعاف شرب الماء ، يضربون الثور حتى تشرب البقر رغم أنفها ، قال حتى أشتهر كشهرة هذا الثور مع البقر :
    إني وقتلي سُليكا ثم أعقلَه
    كالثور يُضرب لما عافت البقر
    وكما في المسند من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بسورة النجم ، فسجد من معه إلا رجلين ) قال ( أرادا الشهرة ) خالف تعرف ، لا أحد يقول هؤلاء مشركون ، في ظاهر الأمر هؤلاء مسلمون ، فهذا الحديث يختلف عن حديث ابن مسعود في الصحيحين :
    ( لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم وسجد معه المشركون إلا رجلا واحدا أخذ حصى وسجد به على كفه وقال يكفيني هذا ، فقتل بعد ذلك كافرا ، وأتى الصحابة رضي الله عنهم من الحبشة يظنون أن الكفار قد أسلموا )
    هذه واقعة لأبي هريرة رضي الله عنها في المدينة ، قال:
    ( أرادا الشهرة )
    سبحان الله ، حتى ولو فيما يخالف الدين . [ قلة الشهرة ، بل عدم معرفة الناس بالإنسان لا يحط من قدره ]
    فلا يغتر أحد بأنه مشهور أو بأنه معروف فهذه لها ضرائبها ، النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( ربَّ أشعث ) أي الرأس ، لم يسرح شعره لقلة ما في يده ، أو لانشغاله بالعبادة ( أغبر ) مغبرة قدماه ( لو أقسم على الله لأبره ) لو قال يا الله حلفت عليك أن تفعل كذا أبرَّ الله قسمه ، من حسن ظنه بربه جل وعلا . النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاس رضي الله عنه – وذلك الحديث نفع سعدا في زمن الفتة ، لما قالوا له شارك في الفتن ، قال لا ، إن صلى الله عليه وسلم يقول :
    ( إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي )
    مختفي .
    النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث سهل بن سعد عند البخاري :
    ( كان جالسا ومرَّ رجل ، فقال صلى الله عليه وسلم ما رأيكم بهذا الرجل ؟
    قالوا : هذا من أشراف المسلمين ، هذا حري إن خطب أن ينكح ، وإن قال أن يسمع له ، وإن شفع أن يشفَّع ، فسكت صلى الله عليه وسلم ، فلما مرَّ رجل آخر ، قال : وهذا ؟ قالوا :هذا حري إن خطب ألا ينكح – يعني ألا يزوج – وإن شفع لا يشفَّع ، فقال صلى الله عليه وسلم :هذا خير من ملئ الأرض من مثل هذا ) هذا هو المعيار ، بل هو صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، جعل الناس صنفين ، صنف مقبل على الدنيا ولو على حساب دينه ، وصنف - لا - في حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم :
    ( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ، إِنْ أَعْطَى رَضِيَ وَإِنْ مَنَعَ سَخِطَ ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ )
    هذا صنف ، والصنف الثاني :
    ( فَطُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ كَانَت السَِّاقَةُ ) يعني في مؤخرة الجيش ( كَانَ فِي السِّاقَةِ ، وَإِنْ كَانَت الْحِرَاسَةُ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ ) قام بها على أكمل الوجوه ، ولا ينزجر حتى لو كان في الحراسة ( أَشْعَثُ رَأْسُهُ مُغْبَرَةٌّ قَدَمَاهُ ،إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشْفَعْ ، لو أقسم على الله لأبره )
    فهذا معيار واضح منه صلى الله عليه وسلم ، وتقسيم بيِّن لحال الناس .
    ولذلك أويس القرني رحمه الله – من قرن – كما عند مسلم ، قال صلى الله عليه وسلم :
    ( خير التابعين رجل يقال له أويس من رآه منكم فليأمره أن يستغفر له )
    " فكان عمر رضي الله عنه كلما أتت وفود اليمن يسأل أفيكم أويس ؟
    فأتى ذلك الوفد وإذا به فيه أويس ، فقال عمر لأويس استغفر لي ، فقال عمر إلى أين أنت ذاهب ؟ قال إلى الكوفة ، قال آمر عاملي هناك بالاعتناء بك ؟ قال :لا ، أريد أن أكون في غبراء الناس ) يعني فقراء وصعاليك الناس . فلما عرف الناس فضل أويس عن طريق عمر رضي الله عنه ، هام على وجهه ، فذهب حتى يختفي فلا يشعر به أحد " والواحد منا في هذا العصر يريد أن يكون هو البارز الواضح ، نسأل الله السلامة والعافية . اسمع إلى كلام السلف ، في الزهد يبين الحسن البصري رحمه الله الحرص الشديد من السلف على الخوف من الشهرة ، قال الحسن كما في " الزهد لابن المبارك " قال:
    ( لقد صحبت أقواماً إن كان أحدهم لتعرض الحكمة على لسانه فلا ينطق بها ، وسينتفع بها وينفع بها غيره فما ينطق بها مخافة الشهرة )
    اسمع إلى كلام أيوب يوجه من حرص على الشهرة
    قال أيوب كما في مسند علي بن الجعد :
    ( ما صدق اللهَ عبدٌ قطُّ أحب الشهرة )
    وثبت عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله كما في الزهد للإمام أحمد رحمه الله ، قال :
    ( ما صدق اللهَ عبدٌ قطُّ أحب الشهرة )
    الدارمي رحمه الله في سننه بوَّب قال [ باب من كره الشهرة والمعرفة ] ثم ذكر هذه الآثار حال إبراهيم بن أدهم مع الشهرة ، يقول الأعمش – كما ذكر الدارمي – قال :
    ( جاهدنا بإبراهيم أن نجعل له مكاناً إلى سارية ليعلم الناس فأبى وكان لا يتكلم بالحديث حتى يُسأل )
    بعضهم ما كان يريد تعليم الناس إذا كان الناس حوله ، لأن الإنسان ينقذ نفسه قبل أن ينقذ غيره ، فإذا علم من نفسه – وكلٌ يعلم من نفسه – إذا علم من نفسه أنه سيغتر أو أنه لن يغتر ولكن هناك من يقوم بتعليم الناس دونه فإنه ينفر ، هذا هو حالهم ، وإلا فإن الناس إذا احتاجوا وكثر الجهل فعليه أن يحرص على تثقيف وتعليم الناس، لكن لو أن الناس في جهل وخاف على نفسه – لا -فأجمل بعاقل يحرص على نفسه قبل أن يحرص على غيره " ذكر الدارمي رحمه الله عن الحارث بن قيس الجعفي ، وكان من أصحاب عبد الله ، وكانوا معجبين به فقالوا :
    ( كان إذا جلس إليه الرجل والرجلان تحدث معهما ، فإذا كثروا قام وتركهم )
    وقيل لعلقمة رحمه الله حينما مات عبد الله بن مسعود :
    ( لو قمت مقامه فعلمت الناس ؟
    فقال : أتريد أن توطأ عقبي ؟ )
    ولذلك قال إبراهيم بن أدهم :
    ( كانوا يكرهون أن توطأ أعقابهم )
    ما معنى هذا ؟ يكره أن يكون هناك أناس من خلفهم ، بعض الناس الآن حتى في المجمعات الدينية يأتي كأنه في موكب ، موكب استقبال ، موكب توديع ، هذا علم .
    وذكر الدارمي رحمه الله عن سليمان بن حنظلة ، قال:
    ( أتينا أبي بن كعب لنتحدث إليه ، فلما قام قمنا ، وبينما نحن نمشي إذا بعمر يعلو أبيَّا بالدرة ، فإذا بأبي رضي الله عنه يتقيها بذراعين ، فقال ماذا تصنع يا أمير المؤمنين ؟ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوما ترى هؤلاء ؟ فتنة للمتبوع ، مذلة للتابع )
    المتبوع : يفتتن في دينه ، والتابع أذل نفسه .


    يتبع...

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2014
    المشاركات
    210

    افتراضي

    وذكر الدارمي عن عون أنه قال :
    ( شاورت محمدا في أمر في البناء ، قال فأتيته فبينما نحن نسير في الطريق إذا برجل يأتي ، فقال له محمد ألك حاجة ؟
    قال :لا ، قال إذا لم تكن لك حاجة فاذهب ،ثم انطلقنا ، ثم قال لي اذهب من طريق وأنا من طريق ، فذهبت حتى التقيت معه بالطريق الآخر مخافة الشهرة ) وذكر الدارمي عن الربيع :
    ( أنهم إذا أتوا قال أعوذ بالله من شركم )
    قل لنفسك أتريد هذا الأمر ؟ أم أنه إذا قلَّ من عندك أو قل من يبجلك ويعظمك إذا بالقلب يحترق ؟ والنفس البشرة تحب هذا ، لكن هذا هو حال السلف رحمهم الله . وعند الدارمي :
    ( مشى بعض أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه خلفه ، فقال إليكم عني خفق النعال )
    يقول اذهبوا وتنحوا عني
    ( فإنها مفسدة لقلوب الرجال )
    وذكر الدارمي عن الحسن، قال :
    ( إن خفق النعال خلف الرجال يغتر به الحمقى )
    والحديث قد يكون موجها لمن في وسائل التواصل ممن عندهم حسابات وعندهم أتباع ، بعض السلف إذا اجتمع عنده عشرة فرَّ وهرب ، فكيف بمن عنده الآن مائة شخص ، ألف ، مائة ألف ، مليون ؟
    " فالحساب تحت الأرض ويوم العرض "
    وذكر أبو نعيم في الحلية عن ابن سيرين قال :
    ( والله ما تركت مجالستكم إلا مخافة الشهرة )
    ابن المبارك يوصيه العلماء ، وهو من ؟ الذي ألَّف كتابا في الزهد ، قال ابن المبارك :
    ( قال لي سفيان إياك والشهرة )
    وقال( ما أتيت أحدا إلا وقد نهاني عن الشهرة ) وقال( كان يقول لي سفيان : بثَّ علمك واحذر الشهرة ) وذكر أبو نعيم في الحلية قال :
    ( إن أدنى ضرر الكلام الشهرة ، وكفى بالشهرة بلية )
    وذكر أبو نعيم في الحلية قال :
    ( كتب بشر بن الحارث إلى علي بن خشرم :
    ( يا علي : اعلم أن من أبتلي بالشهرة ومعرفة الناس فمصيبته جليلة فجبرها الله لنا ولك بالخضوع والاستكانة والذل لعظمته ، وكفانا وإياك فتنتها وشر عاقبتها )
    ذكر الخطيب أبو بكر في كتابه " الكفاية في علم الرواية " قال يحيى بن معين :
    ( آلة الحديث الصدق والشهرة بطلبه )
    وذكر يعقوب السدوسي في مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الأوزاعي أنه قال : ( كان الأوزاعي إذا أراد أن يعتم ) أي يلبس العمامة ( يوم الجمعة أرسل إلى بعض أصحابه فقال اعتموا معي ) حتى لا ينفرد هو بالاعتمام خيفة الشهرة في اللباس . وقال محمد بن عطية كما في كتبه " قوت القلوب "عن بعض السلف قال :
    ( من نجا من الكِبر والرياء وحب الشهرة فقد سلم )
    واسمع إلى نصيحة فضالة بن عبيد الصحابي رضي الله عنه إلى ابن محيريز ، كما عند الطبراني ، وقال عنه الهيثمي في المجمع رواته ثقات :
    ( قال إن استطعت أن تعرف ولا تُعرف فافعل ، وإن استطعت أن تسمع ولا تتكلم فافعل ، وإن استطعت أن تجلس ولا يُجلس إليك فافعل )
    وذكر ابن أبي الدنيا في كتابه " التواضع والخمول " والخمول ليس معناه الكسل – لا- الخمول هو خمول الذكر ، يعني عدم معرفة الناس بهذا الرجل .

    يتبع...

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2014
    المشاركات
    210

    افتراضي

    ذكر عن علي رضي الله عنه أنه قال : ( تبذل ولا تشتهر ولا ترفع شخصك لتُذكر وتعلم ، وأكثر الصمت تسلم ) ما النتيجة ؟ ( تُسرُّ الأبرار وتقنط الفجار ) وذكر ابن أبي الدنيا ، قال :
    ( كتب محمد بن العلاء لمحمد بن يوسف قال يا أخي من أحب الله أحب ألا يعرف الناس )
    وقال رجل من أصحاب الثوري :
    ( رأيت سفيان الثوري في النوم فقلت أوصني ، فقال إياك ومعرفة الناس ، أقِل من معرفة الناس )
    وذكر ابن أبي الدنيا عن عثمان بن زائدة ، قال :
    ( إذا رأيت الرجل كثير الأخلاء فاعلم أنه مخلِّط )
    وكتب أبان بن عثمان إلى بعض إخوانه :
    ( إن أحببت أن يسلم لك دينك فقلل معارفك )
    وذكر ابن أبي الدنيا عن الحسن بن رشيد ، قال : ( سمعت الثوري يقول يا حسن لا تعرفنَّ إلى من لا يعرفك ) يعني لا تسعى إلى أن تعرف ( وأنكر معرفة من يعرفك ) وذكر عن خالد بن معدان أنه :
    ( إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة )
    وأبو العالية :
    ( إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام )
    وقال أبو بكر بن عياش :
    (سألت الأعمش ما أكثر من رأيت عند إبراهيم بن أدهم؟ قال : أربعة أو خمسة )
    وذكر عن طلحة أنه : ( رأى عشرة يمشون خلفه فقال ذبَّان طمع وفراش النار ) وذكر عن حماد بن زيد أنه قال : ( قال أيوب إني لأمر بالقوم فيعرفونني فأي خير مع هذا إذا عرفوني ؟ ) مخافة الشهرة وكراهية لها . و( خرج أيوب في سفر فتبعه أناس كثير ، فقال لولا أني أعلم أن الله يعلم أني كاره لمقامكم هذا لخشيت أن يمقتني ربي ) واسمع إلى هذا الكلام العظيم الجميل في الزهد الكبير للبيهقي ، قال : ( اعلم أن أصل الجاه هو حب الصِّيت والإشهار ، وذلك خطر عظيم ، والسلامة في الخمول ) وقلنا إن الخمول هو خمول الذكر – وليس الكسل - وهو عدم معرفة الناس بهذا الرجل
    ( وأهل العلم لم يقصدوا الشهرة ولم يتعرضوا لها ولا لأسبابها ، فإن وقعت من قِبل الله فرُّوا منها وعنها وكانوا يؤثرون الخمول ، والمذموم هو طلب الإنسان الشهرة ، أما وجودها من جهة الله من غير طلب الإنسان فليس بمذموم ، غير أنه يكون في وجودها فتنة على الضعفاء فإن مثل الضعيف فيهاكالغريق القليل الصنعة في السباحة ، فإذا تعلق به أحد غرق وأغرقه ، وأما السابح النحرير فإن تعلق الغرقى به فهو سبب لنجاتهم وخلاصهم )
    وذكر ابن مفلح في " الآداب الشرعية " عن الإمام أحمد رحمه الله :
    ( قال أحمد لعبد الوهاب أخمل ذكرك فإني قد بليت بالشهرة )
    وقال الإمام أحمد رحمه الله :
    ( أشتهي ما لا يكون ، أشتهي مكانا لا يكون فيه أحد من الناس )
    وقال( من بُلي بالشهرة لم يأمن أن يفتنه الناس ، فإني لم أفكر في أول الأمر طلبت الحديث وأنا ابن ست عشرة سنة ) الشوكاني رحمه الله في كتابه " أدب الطلب ومنتهى الأدب " قال :
    ( من الآفات المانعة إلى الرجوع إلى الحق أن يأتيه الحق ممن هو أقل منه شهرة فلا يرجع إلى الحق يظن أن ذلك يحط من قدره ، وهذا الظن فاسد لأن النقص والانحطاط إنما هو في التصميم في الباطل والعلو والشرف هو الرجوع إلى الحق )
    ولذلك قال الفضيل رحمه الله :
    ( كانوا يراءون فيما مضى بأعمالهم فأصبحوا الآن يراءون بغير أعمالهم )
    وفي " نزهة الفضلاء " :
    ( أن شقيق بن سلمة إذا صلى في بيته نشج نشيجا من البكاء خوفا من الله ، قال بعض أصحابه لو قيل له إن الدنيا كلها ستجمع لك على أن تنشج هذا النشيج ما نشج نشجة واحدة حيث يراه الناس )
    وقال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في " حلية طالب العلم " :
    ( من علامات العلم النافع الهرب من حب الترؤس والشهرة والدنيا )
    الناس في هذا الزمن عندهم حسابات في وسائل التواصل " التويتر ، الفيسبوك ، الكيك ، اليوتيوب ، انستقرام ، وهناك برامج كثيرة لا تعرف يعرفها أهلها " تذكر أنه كلما فتحت حساباً كلما زاد الحساب هناك ، كلما فتحت حساباً كلما عظم الحساب هناك ، فتصور لو كان لديك ألف متابع في كل حساب أو مائة ألف أو مليون ؟ الإنسان في مثل هذا الزمن يخشى على نفسه أن يعاقب إذا فرَّط في متابعة أبنائه وهم ثلاثة أو خمسة أو ستة ، فما ظنكم إذا كان لدي متابعون بالآلاف أو مئات الآلاف أو بالملايين ؟ كم كلمة قلتها ؟ كم صورة وضعتها ؟ كم مقطع وضعته فنظر إليه أو قرأ تلك التغريدة أو تلك الرسالة مئات الآلاف ثم انتقلت ؟كم وكم مما يتصبب على الإنسان في قبره ؟ أما يكفي ذنوب الإنسان أيتحمل ذنوب غيره ؟ حسابات نفخر بها ، نسعد إذا كثر المتابعون ، يهنئ بعضنا بعضا ، يبارك بعضنا لبعض ، ستوضع في قبرك وحيدا فريدا ، ونحشر يوم القيامة ، والله لن ينفعوك ، وسمعتم كلام السلف ، والحديث في مثل هذا المقام يحسن ويجمل وهو حديث بشر بن الحارث كما في " صفوة الصفة " لابن الجوزي يقول :
    ( قال بشر بن الحارث لقد شهرني ربي في الدنيا فيا ليته لا يفضحني يوم القيامة )
    فضائح ، فلا يظن أحد أنه سيسلم ، قال بعض السلف كما عند ابن أبي الدنيا :
    ( أقلَّ من معرفة الناس فإنه أقلُّ للحساب لك يوم القيامة )
    حدثني بربك كم عدد من يعرفه هؤلاء ؟ ألف ، عشرة آلاف ؟ كيف إذا وضعت رسالة لا ترضي الله ، كيف إذا وضعت صورة عرض لا ترضي الله تفتن عباد الله ، كيف إذا وضعت مقطعا لا يرضي الله ، وأكثر ما يوضع في اليوتيوب والكيك ، وهذا الكيك أقول إنه لا يجوز لأحد أن يتصفحه على مثل هذه الحال ، فكيف إذا كان عندك متابعون ، وكيف إذا رآه من رآه ؟ ملايين المشاهدات على بعض المقاطع ، مئات الآلاف على بعض التغريدات ، نسينا الآخرة ، على قدر ما تصنع هنا يصنع بك هناك من حيث الشهرة ، أما تقرأ كلام الله عز وجل ؟ { قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ }النحل27 ، هنا يبرز أهل العلم ، أما من يتلبس بغير لباسه ، بل ربما أنه يتسلق عن طريق الدين حتى يرتفع من أجل أن يعرف – هذه مصيبة { وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ }هود18، بعضهم لا يملك من العلم شيئا ولا يعرف في العلم شيئا ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ، وعند مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها :
    ( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور )
    وقال كما عند أبي داود والترمذي :
    ( من تحلى بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور )
    واحد من الشباب قبل ثلاثة أسابيع فرح ، قلت لم ؟
    قال وصل المتابعون عندي ثلاثة آلاف ، قلت سبحان الله ، أتسعد بهذا ؟ ثم ماذا ؟
    ( إن الله يحب العبد التقي الغني ) بقلبه ( الغني الخفي )
    ( الخطبة الثانية )
    أما بعد فيا عباد الله : انتبه لنفسك ، المتابعون لن يحشروا معك ، بعض الناس يكتب تغريدة أما يتذكر أن هناك مئات الآلاف ، بل الملايين ربما تغويهم هذه الكلمة ؟ أسأل الله أن يثبتني وإياكم الخاتمة : ......................

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •