المقاطعة وحكمها
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: المقاطعة وحكمها

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2008
    المشاركات
    44

    افتراضي المقاطعة وحكمها

    بسم الله الرحمان الرحيم
    قال فضيلة الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان - حفظه الله- في درس شرح صحيح مسلم يوم الخميس 4/محرم/1427هـ - الموافق 2/2/ 2006م:
    «و أنا أتكلّم جاءت ورقة سؤال عن المقاطعة، وكذا رأيت عددا من الأسئلة في الباب نفسه، و هذا يقتضي كلمة في هذه المسألة، والأمر متوقع، ولا سيما من قبل بعض الأخوة الذين سيخطبون غداً الجمعة، والآن جاء سؤال: هل المقاطعة شرعيّة من كل وجه؟ أم فيها شيء من التشبه بالكفّار؟
    يعني بالتأمُّل وجدتُ أنّ المقاطعة قائمة على أصول، و هذه الأصول تحتاج إلى كلمة، فالكلمة:

    الأصل الأول:
    الترك عند علماء الأصول عمل، الترك عمل {قال ربّ إنّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً}، فهجران القرآن جعله اتخاذاً ربُّنا - عزَّ و جل-، فترك الشراء و البيع عمل بلا شك، ترك البيع و الشراء هو عمل من هذه الحيثيّة.

    الحيثيّة الأخرى:
    أنّ الأصل في العقوبات ليس التوقيف، لكن العدل، الأصل فيه العدل، و ليس الأصل في العقوبات التوقيف.

    الأمر الثالث:
    إنكار المنكر من شرع الله –عزَّ و جل- مع اعتبارات مآلات الأفعال، و قد ذكر الإمام ابن القيّم في «الإعلام» أنّ إنكار المنكر على درجات، و هذه الدرجات، قال: أن يزول المنكر، أو أن يخف، أو أن يزول ويحلّ مثله محلّه، أو أن يترتّب عليه منكر أكبر منه، فقال: الدرجة الأولى و الثانية واجبة، و الثالثة محل نظر، و الرابعة حرام، إذا أنكرت فزال المنكر أو خف، فهذا واجب، إذا زال المنكر وترتّب على إنكارك منكر بمقداره، فهذه الدرجة الثالثة محل نظر، فإذا زاد فهذا أمر ليس بمشروع.
    معاقبة النبيّ –صلى الله عليه و سلّم- الكفار بحرمانهم من نخيلهم . . . إلى آخره ثابت في «الصحيحين»، فثابت مثلاً في «صحيح الإمام مسلم» أنهم لمّا نقضوا العهد حاصرهم النبيّ –صلى الله عليه و سلّم- أعني بني النضير-، و قطع نخيلهم و حرَّقه، و ثبت في حصار الطائف -بعد فتح مكة- مثله و هو عند البخاري في (المغازي)، و عند مسلم في (الجهاد)، فذكر ابن سعد قصّتهم فقال: «فحاصرهم رسول الله –صلى الله عليه وسلّم-، وأمر بقطع أعناب ثقيف و تحريقها، فوقع المسلمون فيها يقطعون قطعاً ذريعاً»، قال الإمام ابن القيّم في «الزاد» على أثر هذه الفائدة، قال: « و فيه جواز قطع شجر الكفّار إذا كان ذلك يُضعفهم، و يُغيظهم، و يُنكي بهم»، إذا كان يترتب على ذلك إغاظة و ضعف لهم فلا حرج.
    وجدت كلمة –أو سؤالاً- لشيخنا الألباني -رحمه الله-، فهو من ضمن سلسلة الهدى و النور في شريط رقم (190)، يُسئل الشيخ -رحمه الله- في وقت اعتداء بلغاريا على المسلمين، دولة بلغاريا لمّا اعتدت على المسلمين الذين هم فيها، فسئل الشيخ في الشريط عن حكم أكل اللحم البلغاري، أذكر لكم جوابه بالنصّ، يقول الشيخ ما نصّه: «أنا حقيقة أتعجب من الناس، اللحم البلغاري بُلينا به منذ سنين طويلة كل هذه السنين أما آن للمسلمين أن يفهموا شو حكم هذا اللحم البلغاري؟ أمر عجيب! فأنا أقول لابد أنكم سمعتم إذا كنتم في شك و في ريب من أنّ هذه الذبائح تذبح على الطريقة الإسلامية، أو لا تذبح على الطريقة الإسلامية، فلستم في شك بأنهم يذبحون إخواننا المسلمين، هناك الأتراك المقيمين منذ زمن طويل يذبحونهم ذبح النعاج، فلو كان البلغاريون يذبحون هذه الذبائح التي نستوردها منهم ذبحاً شرعيّاً حقيقةً أنا أقول: لايجوز لنا أن تستورده بل يجب علينا أن نقاطعهم حتى يتراجعوا عن سفك دماء إخواننا المسلمين هناك، فسبحان الله مات شعور الأخوة التي وصفها الرسول –صلى الله عليه و سلّم- بأنها كالجسد الواحد: «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» لم يعد المسلمون يحسون بآلام إخوانهم فانقطعت الصلات الإسلامية بينهم، و لذلك همهم السؤال أيجوز أكل اللحم البلغاري؟! لك يا أخي أنت عرفت إن البلغار يذبحون المسلمين هناك، و لا فرق بين مسلم عربي و مسلم تركي و مسلم أفغاني إلى آخره، و الأمر كما قال الله -تعالى- {إنما المؤمنون إخوة}، فإذا كنا إخوانا فيجب أن يغار بعضنا على بعض، و يحزن بعضنا لبعض، و لا نهتم بالمأكل و المشرب فقط »،
    و أتمّم كلامه يقول: «فلو فرضنا أن إنساناً ما اقتنع بأن اللحم البلغاري فطيسة .. حكمها فطيسة؛ لأنها تقتل و لا تذبح، لا نستطيع أن نقنع الناس بكل رأي؛ لأن الناس لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك -كما جاء في القرآن الكريم-، فإذا كنّا لانستطيع أن نقنع الناس بأنّ هذه اللحوم التي تأتينا من بلغاريا هي حكمها كالميتة، لكن ألا يعلمون أن هؤلاء البلغار يذبحون إخواننا المسلمين هناك، أمّا يكفي هذا الطغيان و هذا الاعتداء الأليم على إخواننا من المسلمين هناك أن يصرفنا عن اللحم البلغاري ولو كان حلالاً، هذا يكفي، وهذه ذكرى و الذكرى تنفع المؤمنين» انتهى كلام الشيخ -رحمه الله تعالى- بحروفه.
    فالمقاطعة معقولة المعنى، و ليست أمر توقيفي، و هي نوع من أنواع العقوبة، و يُعجبني كلام الإمام ابن القيّم، يقول ابن القيّم في «الزاد»: «و حَكَمَ -صلى الله عليه و سلّم- بأنّ من أغلق بابه، أو دخل دار أبو سفيان، أو دخل المسجد، أو وضع السلاح فهو آمن، و حَكَمَ بقتل ستّةٍ منهم -و سمّاهم-»، ثمّ قال: «و لا ريب أنّ المحاربةَ بسبّ نبينا أعظم إذايةً و نكايةً من المحاربةِ باليد، و منع دينار جزية في السنة، فكيف ينقض عهده، و يقتل بذلك دون السبّ»، يعني: الكتابي إذا ما أعطانا الجزية نقض عهده، و السب، يقول: «و أيُّ نسبة لمفسدةِ مَنْعَهُ ديناراً في السنّة إلى مفسدةِ مجاهرته بسبّ نبينا أقبح سب على رؤوس الأشهاد، بل لا نسبة لمفسدةِ محاربته باليد، إلى مفسدته بمحاربته بالسب»، فأولى من انتقض به العهد و أمان أهل الكتاب سبُّ رسول الله –صلى الله عليه و سلّم-، يقول: «و لا ينتقض عهده بشيءٍ أعظم منه إلا سبُّ الخالق –سبحانه-، فهذا محض القياس، و مقتضى النصوص، و إجماع الخلفاء الراشدين –رضي الله تعالى عنهم-»، يقول: «و على هذه المسألة أكثر من أربعين دليلاً».


    فإذاً سابُّ النبيّ –صلى الله عليه وسلم- في عقوبته في الدنيا أعظم من سبّ الربّ –عزَّ وجل-، و ذكر الإمام ابن القيّم اعتراضاً، و سبقه إليه شيخه ابن تيمية في «الصارم المسلول»، ذكروا اعتراضاً في أنّ النبيَّ كان يُؤذى و كان يسكت، و ما كان يُقيم الحد، فوجَّه الشيخان الجليلان، و الإمامان الربّانيان، وجها لذلك بأنّ هذا من حقّه، و أنّ الأمر في حياته يخصُّ ذاته، و له أن يُسقطه، أمّا أولياء الأمور بعده فلا يجوز لهم التساهل في حقّ من سبّ النبيَّ -صلى الله عليه و سلّم- حتى و لو جاء تائباً، و لذا الذي يسبُّ الرب يستتاب، لعله غفل، لعلَّ الإيمان قد ضَعُفَ، لم يرضى بقدر الله، أمّا الذي يسبّ النبيّ –صلى الله عليه و سلّم- فلا يُستتاب، و إن تاب لا تُقبل توبته، و ربنا يقول: {فإن طعنوا في دينكم} فجعل جواب الشرط بقوله: {فقاتلوا أئمة الكفر}، فجعل الذي يطعن في النبيّ و يطعن في الدين إماماً من أئمة الكفر.

    قد يقول قائل: هذا حال رسام أو اثنين، أو أربعة، أو عشرة ممن يرسمون الكاريكاتير، ما هو ذنب سائر الناس؟

    الجواب: أنّ استفتاءاً حصل رسمياً في الدانمارك، و نسبة 76% من الشعب ممن قال: هذه حريّة شخصيّة، و عجبي لا ينتهي من هذه الحريّات، هم يفعلون ما شاءوا باسم الحريّة، و نحن ليس لنا حريّة أن نترك شراء بعض الأشياء، هذا أمر عجيب، و أن يجبر علينا أن نقطع هذه المقاطعة، لكن يبقى؛ هل المقاطعة شرعيّة، فإذا ترتّب عليه أنّ هؤلاء القوم يتركون أو يتراجعون، أو ينقصون فيبقى الحكم على تأصيل ابن القيّم على الوجوب، و لكن هذا الوجوب يحتاج لتقدير من قبل أولي الأمر، و لذا علّق بفتوى هيئة كبار العلماء، و كذلك الشيخ ابن باز –رحمه الله تعالى- الوجوب على إذن أولياء الأمور، و الآن و لله الحمد و المنّة أكثر من صوت على مستوى أكثر من دولة في أكثر من مسؤولي الدول –بفضل الله تعالى- أبدوا حباً لدينهم و لنبيهم –صلى الله عليه و سلّم-، و كرهاً و بغضاً لهذه الفعلة الشنيعة.


    قد يقول قائل: أليست هذه المقاطعة كالمقاطعات التي قبلها؟

    أنا أقول: فرقٌ كبيرٌ بين المقاطعتين، هذه مقاطعة لمسألة عقديّة شرعيّة ظاهرة، فيها انتقاص للنبيّ –صلى الله عليه و سلّم-، تلك للجانب الحزبي قد يظهر، الجانب السياسي قد يظهر، و مع هذا أنا أقول: لو أنك يا عبدالله دخلت السوق فلم تشتري إلا من صاحب ديانة، حتى تعلم أين تضع مالك، و يوضع بين يديّ رجل تقيّ يُزكيه، فهذا حسنٌ مليحٌ بك، و هذا نوع قد يصل إليه أقوام بقربة زائدة من الله -عزَّ و جل-، لون من ألوان الحب و البغض، و الولاء و البراء، نعم قد يقع بيع و شراء دون ولاء و براء، و النبيّ و الصحابة باعوا و اشتروا من اليهود، و النبيّ رهن درعه عند اليهود، لكن إذا ترتّب في مثل هذا العمل فلا أرى حرجاً من ذلك، علماً بأنّ شتم النبيّ –صلى الله عليه و سلّم- و الاستهزاء بسنته من سنن الله الكونيّة أنّ الله –تعالى- يُعاقب فاعل ذلك، فقد ثبت في «الصحيحين» من حديث أنس -رضي الله تعالى عنه- أنّ رجلاً كان من بني النجّار، و كان يقرأ القرآن، و كان يكتب للنبيّ –صلى الله عليه و سلّم-، فانطلق هارباً حتى لحق بأهل الكتاب فعرفوه، و قالوا: كان هذا يكتب لمحمد، فأعجبوا به، فما لبث أن قسم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته، ثمّ عادوا فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثمّ عادوا فحفروا له، فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذاً، هذه سنّة لله -عزَّ وجل-،

    اسمعوا ماذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في «الصارم المسلول»، يقول في (2/233 - 234): «فهذا الملعون الذي افترى على النبي صلى الله عليه و سلم انه ما كان يدري إلا ما كتب له قصمه الله و فضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مرارا و هذا أمر خارج عن العادة يدل كل أحد على أن هذا كان عقوبة لما قاله و أنه كان كاذبا إذ كان عامة الموتى لا يصيبهم مثل هذا و أن هذا الجرم أعظم من مجرد الارتداد إذ كان عامة المرتدين يموتون و لا يصيبهم مثل هذا و أن الله منتقم لرسوله ممن طعن عليه و سبه و مظهر لدينه و لكذب الكاذب إذ لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد»،

    اسمعوا ماذا يقول: «و نظير هذا ما حدثناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه و الخبرة عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون و المدائن التي بالسواحل الشامية لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا قالوا : كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر و هو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس إذ تعرض أهله لسب رسول الله صلى الله عليه و سلم و الوقيعة في عرضه فعجلنا فتحه و تيسر و لم يكد يتأخر إلا يوما أو يومين أو نحو ذلك ثم يفتح المكان عنوة و يكون فيهم ملحمة عظيمة قالوا»

    اسمعوا ماذا يقول: «قالوا -أي: أصحابه-: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه –صلى الله عليه و سلّم- مع امتلاء القلوب غيظا بما قالوه فيه»،

    يقول: «و هكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل المغرب حالهم مع النصارى كذلك و من سنة الله أن يعذب أعداءه تارة بعذاب من عنده و تارة بأيدي عباده المؤمنين»

    لمّا أرسل النبيّ –صلى الله عليه وسلّم- و القصّة في «الصحيح» أرسل كتابه إلى كسرى، فمزّق كسرى كتابه، فماذا قال النبيّ –صلى الله عليه و سلّم-، قال: «مزّقه الله» دعا عليه النبيّ –صلى الله عليه و سلّم-؛ لأنه مزّق الكتاب، فنسأل الله –عزَّ وجل- أن يُمزّق ملك كلّ من يطعن في حبيبنا و نبينا –صلى الله عليه و سلّم-.

    فإذاً أنا لا أرى مانعاً من المقاطعة، و هذا كلام شيخنا، فهي مشروعة، و أمّا القول بالوجوب فإذا كان هذا كلام أولياء الأمور من العلماء، أو من الأمراء فهذا يُصبح واجباً، و يتأكّد هذا الوجوب إذا كان يترتّب على مثل هذه المقاطعة إعراضٌ، أو إقلالٌ، أو امتناعٌ عن مثل هذا العمل، و الله -تعالى- أعلم».اهـ

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    778

    افتراضي رد: المقاطعة وحكمها

    ما شاء الله ...لاقوة إلا بالله ...أحسن الله إليكم أخي أويس على هذا الإبداع ... ومع ذلك تبقى المسألة اجتهادية..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2008
    المشاركات
    44

    افتراضي رد: المقاطعة وحكمها

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وفقنا الله واياك اخي عبد الرحمن لما فيه الخير وجمعنا في دار كرامته آمين.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •