مواقف في الطائرة (1/2)


مما يُقال ويُؤثر من الحِكَم: السفر يُسفِرُ عن أخلاق الرجال، ولئن كان هذا يَظهر في الرحلات الخاصة، التي يجتمع فيها عددٌ قليلٌ في سيارة واحدة، وتمتد رحلتُهم بضعةَ أيام، فماذا عن رحلات الطائرات التي يجتمع فيها عددٌ كبير في سويعات مؤقتة، لا يختارهم الإنسانُ، مع تنوعٍ عجيب في مشاربهم وثقافاتهم؟ كما يظهر هذا جلياً في الرحلات الدَّولية.

لعل هذا النوع من السفر يكشف عن ثقافات وقِيَمٍ لدى الركاب، ويظهر ذلك واضحاً في طريقةِ تعاملهم، وفي سلوكهم أثناء انتظار الركوب في الطائرة أو بعد تبوّئهم مقاعدَهم فيها، كما يظهر في اغتنامهم لأوقاتهم، وفي غير ذلك.

ثمّة مواقفُ أو صورٌ تتكرر في أمثال هذه الرحلات، قد يكون في ذِكرها والتعليق عليها شيءٌ من الفائدة، خصوصاً وكثيرٌ من الناس قد تمرُّ به، فلعلها تكون عوناً على استثمارها.

ومن تلكم المواقف التي وقعت لي أو شاهدتها بنفسي:

الموقف الأول: في رحلةٍ دولية تمتد قرابة سبع ساعات، أيقظني صاحبي قبيل الفجر من أجل المبادرة للوضوء قبل ازدحام دورات المياه استعداداً للصلاة، ومما لفت النظر ونحن ذاهبون للدورات: مررنا بالمصلى الموجود في الخلف، فإذا بامرأة تصلي، دخلنا وخرجنا من وضوئنا، ولا زالت المرأةُ تصلي! فإذا بها إحدى المضيفات! علَتْنا الدهشةُ، وغَشِيَنا شيءٌ من الإكبار لهذه المرأة.

هنا رأى صاحبي اهتبالَ هذه الفرصة ليُثني على عملها، ويدعو لها بالثبات، وأن يرزقها اللهُ عملاً آخر أبعد لها عن مواطن الرجال، فكان تأمينُها يَصِل للسمع من مسافة ليست بالقريبة.
إنه موقفٌ يكشف لك أن في هؤلاء الإخوة والأخوات العاملين في هذه المجالات مَن يحمل بين جنبيه قلباً طيباً، وتديناً جيداً، وإن كان مظهره قد لا يوحي بذلك، لكن قد يكون اضطرّه طلبُ المعاش لمثل هذه الوظيفة التي لا تخلو من محاذير، خاصة في العنصر النسائي ـ وهذا ليس تبريراً بل هو توصيف للحال ـ، فما أجمل إحسانَ الظن! واغتنامَ الفرص في الدعاء لهم، وتذكيرهم بالأسلوب المناسب.

الموقف الثاني: في إحدى الرحلات الدولية لفت نظري حالُ راكبَين: أحدهما بيده كتاب يقرؤه، وآخر يقلّب طرْفه في سقف الطائرة، ومتابعةِ الغادي والرائح من الركّاب ومضيفي الطائرة! لم تنته مدة الرحلة ـ ومدتها قرابة ساعتين ونصف ـ إلا وقد أنهى صاحبُ الكتاب كتابَه، وصاحبُنا ما زال على حاله! وما أكثر أشباهَه!

إنهما نموذجان يحكيان أثَر ثقافةِ اغتنام الوقت، واستثماره بالمفيد، وهذا لا يعني أن نطلب مِن الناس أن يكونوا جميعاً قرّاءَ! ولكن من الغبن البيّن أن تمضي الساعاتُ دون فائدة، فإن لم يكن للمسلم ميل للقراءة في الكتاب؛ فليقرأ شيئاً من القرآن تشهد له به تلك المواضع ـ وقد تيسر حملُ القرآن بواسطة هذه الأجهزة بشكل لم يَسبق له مثيل ـ أو ليغتنم ذلك بركعتين، أو بالدعاء، فدعاء المسافر له ميزة؛ لعل دعوة في تلك الأجواء تفتح لها أبوابَ السماء، أو بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، أو يغتنمه بالتفكير للإسلام أو مصالح المسلمين، أو بغير ذلك من صور الاغتنام، ومَن كان الهمُّ عنده فلن يعدم حيلة، ولن يعدم وسيلةً من وسائل اغتنام الوقت ـ وما أكثرها! ـ.

إن التربية على اغتنام الوقت في النافع المفيد ثقافةٌ تبدأ من الصغر، حيث المحضن الأول للتربية: البيت، والذي يتلقى فيه الأبناءُ دروساً عملية في أمورٍ شتى، لعل هذا من أهمها.
وللحديث صلةٌ إن شاء الله، في مواقف أخرى.

* رابط المقال على الموقع: http://almuqbil.com/web/?action=arti...r&show_id=1559