دور منزلة المعنى في التفسير
تفسيرالقرآن بالقرآن

1
(أحالٌ من الرؤية أم حال من الإيمان؟)

تقوم اللغة على الاحتياج المعنوي والأهمية المعنوية ، والإنسان يتحدث بمستويات متعددة وبلغات متعددة تحت رعاية الاحتياج المعنوي غالبا واللفظي نادرا مع علامات أمن اللبس ليكون بعيدا عن اللبس والتناقض وهو غاية كل لغة من لغات العالم ،كما هو الحال في قوله تعالى" وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون"(البقرة 55)يذكر السيوطي في الإتقان أن في قوله تعالى"حتى نرى الله جهرة " تقديم وتأخير ،والأصل: لن نؤمن لك جهرة حتى نرى الله ، والحجة في ذلك هي أن من يرى الله يراه جهرة ، فجهرة إذن حال من الفعل " نؤمن " وليس من الفعل " نرى" ، والذي يبدو لي أن "جهرة"حال أو نائب عن المفعول المطلق للفعل " نرى " للأسباب التالية:
1- لقوله تعالى بعد ذلك" فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون " حيث عاقبهم الله تعالى بالصاعقة عقابا لهم على طلبهم التعجيزي وهو رؤية الله عيانا وليس من وراء حجاب أو غير ذلك ، وشدة العقاب متجانسة مع الطلب ، والجزاء من جنس العمل ، وهناك احتياج معنوي بين قوله تعالى"جهرة" وبين قوله تعالى "وأنتم تنظرون " ، فالقرآن الكريم يفسر بعضه بعضا .
2- إن اختلاف الترتيب يؤدي إلى اختلاف المعنى ، والقرآن الكريم يرفض اللبس ولا يترك له مجالا البتة ،مثال ذلك: قال تعالى"يؤتي الحكمة من يشاء" حيث عدل عن أصل التركيب وقدم المفعول الثاني على المفعول الأول حتى لا يصبح المفعول الثاني مفعولا للفعل "يشاء"، ولو كانت علاقة "جهرة" مع الفعل "نؤمن" لعدل القرآن الكريم عن أصل التركيب وجعلها بجانب الفعل"نؤمن ".
3- بسب قصر المسافة بين" جهرة" والفعل " نرى " وطول المسافة بين "جهرة" وبين الفعل "نؤمن" ،فالحال "جهرة" مبني على الفعل الثاني وليس على الفعل الأول ،لأن الكلام يترتب بحسب الأهمية المعنوية ، ومما يدل على ذلك أننا نقول : قابل محمد صديقه راكبا ، فالحال للصديق وليس لمحمد ، أمنا للبس ،ونقول: نصحت صديقي أن يحضر قبل المحاضرة ،فالظرف "قبل المحاضرة" ظرف للحضور وليس للنصح ، ونقول :نصحني أخي بالصلاة في المسجد ،و" في المسجد" متعلق بالصلاة لا بالنصح .
2
(الصلاة والمسجد)

وقال تعالى:"*يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون" .
من المفسرين من فسر الصلاة بالمسجد وهناك من فسرها بالصلاة الحقيقية ، والتفسير الثاني هو الأصح بدليل قوله تعالى:"حتى تعلموا ما تقولون " وبينهما احتياج معنوي ،والقرآن الكريم يفسر بعضه بعضا .
وبهذا يتضح أن اللغة تقوم على الاحتياج المعنوي والأهمية المعنوية ، وأن الإنسان يتحدث بمستويات متعددة وبلغات متعددة تحت رعاية الاحتياج المعنوي غالبا واللفظي نادرا مع علامات أمن اللبس وأن الإنسان يتحدث بحسب الأهمية المعنوية في الأصل وفي العدول عن الأصل ، وباختصار:الإنسا يتحدث تحت رعاية الأهمية المعنوية وعلامات أمن اللبس .