المعالجة النبوية لبقايا مظاهر الجاهلية!
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: المعالجة النبوية لبقايا مظاهر الجاهلية!

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,786

    Post المعالجة النبوية لبقايا مظاهر الجاهلية!

    13-12-2014 | د. عامر الهوشان.
    ورغم فضل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنزلتهم ومكانتهم عند الله تعالى, حيث وصفهم الله تعالى في القرآن الكريم بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...} آل عمران/110, كما امتدحهم الله بقوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ..} الفتح/29, إضافة لكثير من الآيات والأحاديث التي تؤكد هذا الفضل. إلا أن ذلك لا يخرجهم من شمولية قابلية الوقوع في الخطأ, وإن كانت أخطاؤهم لا تكاد تذكر وزلاتهم قليلة بل ونادرة, مقارنة بصوابهم الذي يفوق الجبال قدرا ووزنا وحجما, وإيمانهم الذي لا يدانيه أو يقاربه إيمان بين المسلمين.

    "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" (1)، حديث نبوي شريف يؤكد شمولية قابلية جميع البشر للوقوع بالخطأ والذنب والمعصية، باستثناء من عصمهم الله تعالى من الأنبياء والمرسلين، الذين نزههم الله تعالى عن ذلك وعصمهم ليكونوا أهلا لتبليغ رسالته وقدوة للناس وأسوة.

    ورغم فضل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنزلتهم ومكانتهم عند الله تعالى، حيث وصفهم الله تعالى في القرآن الكريم بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...} آل عمران/110، كما امتدحهم الله بقوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ..} الفتح/29، إضافة لكثير من الآيات والأحاديث التي تؤكد هذا الفضل.

    إلا أن ذلك لا يخرجهم من شمولية قابلية الوقوع في الخطأ، وإن كانت أخطاؤهم لا تكاد تذكر وزلاتهم قليلة بل ونادرة، مقارنة بصوابهم الذي يفوق الجبال قدرا ووزنا وحجما، وإيمانهم الذي لا يدانيه أو يقاربه إيمان بين المسلمين.

    والحقيقة أن معظم هذه الأخطاء التي وقع فيها بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - على ندرتها - إنما كانت أثرا من آثار البيئة الجاهلية التي نشأوا فيها قبل الإسلام، بما فيها من أخلاق جاهلية ذميمة رفضها الإسلام ونهى أصحابه عنها، وعمل الرسول صلى الله عليه وسلم على معالجتها طوال فترة الرسالة، وأخلاق حسنة أقرها الإسلام ودعا إلى التمسك بها، من خلال قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) (2)

    ومن المعلوم تربويا أنه ليس من السهولة بمكان انفكاك الإنسان عما نشأ وتربى عليه في أيام الطفولة والصبا والشباب، من أخلاق وعادات وتقاليد، إلا أن يكون الدافع والمحرك لهذا التغيير قويا، وهو ما فعله الإسلام بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان تقبلهم لتعاليم الإسلام مذهلا، كما كان تغير سلوكهم بفضل دخول الإيمان لقلوبهم عظيما، فقد جعل منهم الإسلام قادة الدنيا وعظماء الزمان، بعد أن كانوا أتباع فارس والروم وعلى هامش الأمم والشعوب.


    ومن هذا الباب كان وقوع بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخطأ، ليأتي العلاج النبوي سريعا لمنع تسلل بعض بقايا الجاهلية - التي قد تكون ما زالت في نفوس بعض أصحابه – إلى جسد الأمة الإسلامية، والقضاء عليها في مهدها، والتحذير منها ومن آثارها المدمرة، والمطالبة بالتخلص من أي أثر من آثارها.


    واللافت في هذه المسألة هو سرعة استجابة الصحابة الكرام لتعليمات الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته العلاجية، وعودتهم العاجلة لجادة الصواب المتمثلة بتعاليم الإسلام، وخروجهم على الفور من أي موقف من المواقف التي تعيدهم إلى مخازي الجاهلية وعاداتها وأخلاقها الذميمة.


    والأمثلة التي سأستعرضها في هذا المقال تؤكد ما سبق، وتشير إلى المعالجة النبوية الفورية لكل ما يتعلق بأمراض وأعراض الجاهلية إن بدت أو ظهرت في بعض أصحابه، الأمر الذي يؤكد خطرها على المجتمع الإسلامي في كل زمان ومكان، ووجوب المسارعة إلى معالجة أعراضها المرضية الخلقية والاجتماعية إن ظهرت وبدت بين المسلمين، تماما كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.


    1- معالجة النبي صلى الله عليه وسلم لبقايا مظاهر الطبقية والتمييز الجاهلي


    كان مجتمع العرب في الجاهلية قبل الإسلام طبقيا، فهناك طبقة السادة وطبقة العبيد، وكذلك الغني والفقير، والشريف والوضيع حسبا ونسبا، كما كان التمييز العنصري بحسب اللون أو الجنس سائدا، فالأبيض يعلو على الأسود، والمرأة لا تقارن بالرجل فضلا عن أن تساويه أو تدانيه.


    حتى جاء الإسلام فساوى بين السيد والعبد في الحقوق والكرامة الإنسانية، وأعطى المرأة حقها وأعاد إليها كرامتها وإنسانيتها، كما دعا إلى إزالة جميع عوامل التفرقة والعنصرية على أساس اللون أو الجنس، وجعل مقياس التفاضل والتفاوت في هذه الدنيا بين البشر هو التقوى والعمل الصالح، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} الحجرات/13، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى) (3)

    فأصبح بلال وصهيب أخوة لأبي بكر وعمر وعثمان في ظل الإسلام، وزالت الفوارق والتمييز العنصري الجاهلي بينهم، إلا أن ذلك لا يمنع أن تقع هفوة هنا وخطأ هناك في هذا المضمار طوال عهد الرسالة الخاتمة، ليكون العلاج النبوي لها بالمرصاد، ولتُفتح لهذه المعالجة أفئدة وعقول وسلوك الصحابة بالتلقي والتصحيح والإقبال، فكانت قصة بلال الحبشي وأبي ذر رضي الله عنهما مثالا لما يمكن أن يقع بين الإخوة في الدنيا، بسبب بقايا بعض مظاهر الجاهلية.

    فقد ورد في الحديث عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ عَنْ الْمَعْرُورِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُم ْ فَأَعِينُوهُمْ. (4).

    والملاحظ في معالجة النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الحادثة، أنه اختار الوصف المنفر والأشد وطأة على الصحابة الكرام، ألا وهو وصف "الجاهلية"، لما يعلم من شدة كرههم له وحرصهم على عدم الاقتراب من دائرته، إضافة لما في هذا الوصف من بيان عظم الخطأ الذي ارتكب، وخطورة الاقتراب منه أو التمادي فيه.

    كما أن الملاحظ هو سرعة تلقي الصحابة للدواء والعلاج النبوي، والحديث السابق يؤكد أن أبا ذر رضي الله عنه لم يكتف بمجرد الاعتذار لبلال والاستغفار عما كان، وإنما جعل من تلك الحادثة ستارا وحاجزا بينه وبين بقايا مظاهر الجاهلية في نفسه، كما جعل من توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم له سلوكا وعملا مباشرا مستديما وغير مقتصر على الحادثة بعينها، فها هو غلامه يلبس حلة كحلته تأكيدا على أن أي مظهر من مظاهر الجاهلية لم يعد له وجود في نفسه وحياته.

    2- المعالجة النبوية لبقايا مظاهر الثأر والعصبية القبلية الجاهلية:
    العصبية القبلية سمة العصر الجاهلي، حيث ولاء الفرد بشكل تام وكامل للقبيلة والعشيرة، ومناصرتها سواء كانت على الحق أم على الباطل، ظالمة كانت أم مظلومة، وفي هذا يقول الشاعر:
    وما أنا إلا من غزية إن غوت *** غويت وإن ترشد غزية أرشد
    قال الأزهري في "تهذيب اللغة": والعصبية أن يدعو الرجل إلى نصرة عَصَبته والتألب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين.

    وقد أثنى قريظ بن أنيف العنزي على "بني مازن" اجتماعهم عند الحفيظة دون أن يسألوا عن الحق في أي جانب فقال:
    لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهانا

    وقد عالج الإسلام هذه الظاهرة الخطيرة في المجتمع، فجعل ولاء المسلمين لله تعالى وحده وللحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد ظهرت نتائج هذه التربية الإسلامية القرآنية النبوية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجلت أيما تجل، فقد كان الرجل يخالف قومه وقبيلته وأهله وأمه وأباه من أجل الإسلام، بل يقاتلهم في الحرب إذا التقى سيفاهما، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى، وفي هذا الأمر أنزل الله تعالى قوله: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} المجادلة/22

    وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ فِي أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَتَلَ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْجَرَّاحِ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانَ الْجَرَّاحُ يَتَصَدَّى لِأَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبُو عُبَيْدَةَ يَحِيدُ عَنْهُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ قَصَدَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ فَقَتَلَهُ، كما أن أبا بكر رضي الله عنه دعا ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ إِلَى الْبِرَازِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقتل مصعب بن عمير أَخَاهُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، كما قتل عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خاله العاص ابن هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ يَوْمَ بَدْر. (5)

    ومع كل ذلك، فيمكن أن تُستثار نزعة الثأر الجاهلية إذا أثيرت، كما يمكن أن تُحرك مكامن العصبية القبلية الجاهلية في نفوس بعض المسلمين، من قبل أعداء الإسلام والمسلمين والبشرية جمعاء "اليهود"، وخاصة إذا كان بعض المسلمين ما زالوا حديثي عهد بدين الله تعالى، وقريبي عهد بعادات وأخلاق الجاهلية التي كانوا عليها.

    قال ابن إسحاق: مر شاس بن قيس ـ وكان شيخا "يهوديا" قد عسا – أي كبر وأسن - عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأي من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قَيْلَةَ – أم الأوس والخزرج - بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتي شابا من يهود كان معه، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم "بُعَاث" (6) وما كان من قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل.

    قال: فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب - أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس، وجبار بن صخر، أحد بني سلمة من الخزرج - فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جَذَعَة ـ يعني الاستعداد لإحياء الحرب الأهلية التي كانت بينهم ـ وغضب الفريقان جميعا، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة ـ والظاهرة: الحَرَّة ـ السلاح السلاح، فخرجوا إليها وكادت تنشب الحرب.

    فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: (يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوي الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم).

    فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس، وأنزل الله تعالى في شأس بن قيس وما صنع {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} آل عمران/98- 99، وأنزل الله في أوس بن قيظي وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عما أدخل عليهم شأس من أمر الجاهلية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} آل عمران 100- 101 . (7)

    لقد كان العلاج النبوي هذه المرة مرتكزا على تذكير القوم بالله تعالى وبنعمة الإسلام الذي أنقذهم من الكفر إلى الإيمان، وجمع شتاتهم ووحد صفوفهم بعد تفرق وتمزق كان سببا بإثارة حروب عصبية قبلية جاهلية دامت بين القوم سنين.

    وقد استنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه أن يعودوا إلى أمر من أمور الجاهلية وهو بين أظهرهم، في إشارة واضحة إلى وجوب ترك كل ما نهى الله ورسوله عنه من أمر الجاهلية، وعلى رأس ذلك أمر العصبية القبلية الجاهلية.

    وكما حصل في المثال الأول من عودة أبي ذر سريعا إلى الحق ورجوعه عن خطئه الذي وقع فيه، كانت عودة الصحابة في هذا المثال إلى الحق أسرع، حتى تعانقوا وبكوا وعلموا أنها نزغة من شياطين الإنس والجن.
    3- المعالجة النبوية لبقايا مظاهر العصبية الجاهلية للبلد

    نظرا لكون العصبية الجاهلية ليست نوعا واحدا بل هي أنواع وأشكال مختلفة، فمنها التعصب للعائلة أو القبيلة أو البلد والقرية، فإن المثال الذي بين أيدينا يختلف عن سابقه بأن التعصب هنا ليس للقبيلة، وإنما للبلد التي هو منها.

    فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من مكة المكرمة، ومن الأنصار من المدينة المنورة، وعلى الرغم من الأخوة المتينة التي جمعت بينهما، والأمثلة الرائعة التي كانت مضرب المثل في التاريخ في الإيثار والمحبة، حيث قاسم الأنصار المهاجرين أموالهم ومتاعهم، إلا أن الشيطان قد ينزغ بين الإخوة أحيانا بنزغ العصبية الجاهلية، وهو ما حدث بين واحد من المهاجرين وآخر من الأنصار.

    فقد جاء في صحيح البخاري عن عَمْرٌو قال : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كُنَّا فِي غَزَاةٍ - قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً فِي جَيْشٍ - فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَا لَلْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ : يَا لَلْمُهَاجِرِين َ فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ )!! قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: (دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ)

    فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَقَالَ : فَعَلُوهَا أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) . (8)

    إن الملاحظة في علاج النبي صلى الله عليه وسلم للعصبية الجاهلية في هذه الحادثة هو دعوته الصريحة لترك بقايا الجاهلية في نفوس أصحابه، ووصفه لها بصفة مستهجنة ومستقذرة، زيادة في التنفير منها والتبغيض في أمرها، حيث قال: (دعوها فإنها منتنة).


    كما أن العلاج النبوي لم يقتصر على التنفير والتقبيح من أمر العصبية الجاهلية فحسب، بل تعداه إلى الجانب العملي من خلال أمره الناس بالرحيل في ساعة لم يكن يأمر بالارتحال فيها، فمشى بالناس يومهم ذلك حتى أمسي، وليلتهم حتى أصبح، وصَدْر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مَسَّ الأرض فوقعوا نياماً. فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث. (9)

    إن في معالجة النبي صلى الله عليه وسلم لبقايا مظاهر الجاهلية في بعض أصحابه درس بليغ للمسلمين في كل زمان ومكان، أن يتركوا كل أمر يمكن أن يفرقهم كما كانت العصبية القبلية الجاهلية تفعل بالعرب قبل الإسلام، وأن ينبذوا كل تعصب للعائلة أو المذهب أو العرق أو اللون أو البلد، وأن يجعلوا من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} الحجرات/13، شعارا لهم قولا وفعلا.
    أبو عاصم أحمد بن سعيد بلحة.
    حسابي على الفيس:https://www.facebook.com/profile.php?id=100011072146761
    حسابي علي تويتر:
    https://twitter.com/abuasem_said80

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,786

    افتراضي

    تابع [2]
    الفهارس:
    ___
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــ
    (1) المستدرك على الصحيحين للحاكم برقم 7617 وحسنه الألباني.
    (2) سنن البيهقي عن أبي هريرة برقم 20571 وصححه الألباني.
    (3) رواه الإمام أحمد برقم 23536 وقال الأرنؤوط : إسناده صحيح .
    (4) صحيح البخاري برقم /30 .
    (5) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 17/308
    (6) وَكَانَ يَوْمُ بُعَاثَ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَكَانَ الظَّفْرُ فِيهِ يَوْمئِذٍ الجزء الأول لِلْأَوْسِ عَلَى الْخَزْرَجِ، وَكَانَ عَلَى الْأَوْسِ يَوْمئِذٍ حُضَيْرُ بْنُ سِمَاكٍ الْأَشْهَلِيُّ، أَبُو أُسَيْدِ بْنُ حُضَيْرٍ؛ وَعَلَى الْخَزْرَجِ عَمْرُو بْنُ النُّعْمَانِ البَيَاضِيُّ، فَقُتِلَا جَمِيعًا. السيرة النبوية لابن هشام 2/178
    (7) الرحيق المختوم 1/199 والسيرة النبوية لابن هشام 2/178
    (8) صحيح البخاري برقم 4905
    (9) الرحيق المختوم 1/290
    أبو عاصم أحمد بن سعيد بلحة.
    حسابي على الفيس:https://www.facebook.com/profile.php?id=100011072146761
    حسابي علي تويتر:
    https://twitter.com/abuasem_said80

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •