من متشابهات القرآن الكريم
تبادل الأهمية المعنوية بين النفع والضَّر

تقوم اللغة على الاحتياج المعنوي والأهمية المعنوية ، والإنسان يتحدث بمستويات متعددة وبلغات متعددة تحت رعاية الاحتياج المعنوي غالبا واللفظي نادرا مع علامات أمن اللبس ليكون بعيدا عن اللبس والتناقض وهو غاية كل لغة من لغات العالم ،كما هو الحال في قوله تعالى:"*واتَّخَذ ا من دونه اّلهة لا يخلقون شيئا وهم يُخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا*(الفرقان3)و قال تعالى:"*ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم(الفرقان55)و في هاتين الآيتين الكريمتين ما يلي:
أولا:في الآيتين الكريمتين تقدم شبه الجملة "من دونه" و"من دون الله" نحو الفعل بحسب الأهمية المعنوية للتخصيص ولإفادة التعجب والإنكار لفعلهم ، وتأخر المفعول من أجل أن يتصل بصفته الطويلة أو أوصافه المتعددة، وبهذا يترتب الكلام بحسب الحاجة وقوة العلاقةالمعنوية ، وتأخير شبه الجملة يضعف العلاقة المعنوية بينه وبين الفعل ،وفي الآية الأولى كذلك، تقدم ذكر الضَّر على النفع ،لأن الآية الكريمة مبنية على تعداد صفات الآلهة وبيان عجزهم ، فهم لا يخلقون شيئا وهم يُخلقون، فهي معبودات عاجزة ، وهذا يناسبه تقديم الضر على النفع ،لأن الإضرار بالنفس أو الغير أسهل من النفع ، وبالتالي فهم غير قادرين على عمل الأسهل ومن عجز عن عمل الأمور السهلة عاجز لا يستحق العبادة، ثم جاء بعد ذلك قوله تعالى"ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا" بتقديم الأسهل على الأصعب ،مبالغة في ذمهم ،فهم لا يستطيعون حتى مجرد الموت ، ثم جاء بالأصعب وهو الإحياء ثم الأصعب وهو البعث والنشور،فالأهمي ة المعنوية بين المبني عليه والمباني تقتضي تقديم الضر على النفع وتقديم الموت على الحياة على البعث والنشور من أجل بيان عجزهم.
أما الآية الكريمة الثانية فقد جاءت بتقديم النفع على الضَّر،لأنها تتحدث عن العبادة وأسبابها ،أولأنها مبنية على العبادة وأسبابها ، والأصل في العبادة أن تكون من أجل المنفعة والفائدة، كعبادة المال أو عبادة ذوي السلطان من أجل الحظوة، كما عبد الكفار الأصنام من أجل أن تكون واسطة بينهم وبين الله تعالى ،وفي ديننا الإسلامي فإننا وإن كنا نعبد الله لأنه يستحق العبادة أولا ، فإن النفس الإنسانية تفعل الفعل من أجل الثواب ومخافة العقاب،وهذا يناسبه تقديم النفع على الضر.
وبهذا يتضح أن اللغة تقوم على الاحتياج المعنوي والأهمية المعنوية ، وأن الإنسان يتحدث بمستويات متعددة وبلغات متعددة تحت رعاية الاحتياج المعنوي غالبا واللفظي نادرا مع علامات أمن اللبس،وأن الإنسان يتحدث بحسب الأهمية المعنوية في الأصل وفي العدول عن الأصل.