بسم الله الرحمن الرحيم

"أوصاف الفرقة الناجية والطائفة المنصورة"



الحمد لله عظيم الشأن، قوي البرهان، قديم السلطان، أحاط علمه في كل زمن ومكان، وصلى الله وسلم على النبي محمد خير البشرية والأنام، ثم أما بعد : لقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم أهل الباطل و الضلال أنهم يخوضون فيما ليس لهم به علم ، فقال صلى الله عليه وسلم : [ ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ: {ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون } أخرجه أحمد (2/252) والترمذي (رقم : 3253) وابن ماجه (رقم :48) و ابن أبي عاصم في السنة ( رقم:101) و الطبراني في الكبير(8/333 وإسناده حسن)، ووصف أهل الحق أنهم يتبعون الكتاب والسنة اللذين هما المصدرين الشرعيين الأصيلين لهذه الزمرة المباركة، واللذان لا التباس فيهما على أحد إلا من اعوجت فطرته، وفسد منطقه، واختلط عليه أمره، ومن امتزج علمه بالجهل، واستشكل عليه الهدى من الضلال ، والحق من الباطل والسنة من البدعة، والفضيلة من الرذيلة، والنبي صلى الله عليه وسلم قد حذر أمته من البدع المضلة كما جاء في مستدرك الحاكم وأصل الحديث في الصحيحين : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ يا أيها الناس أني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا بعدي أبدا : كتاب الله و سنة نبيه ]، وفي رواية عند الحاكم : [ إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما : كتاب الله و سنتي]، وروى ابن ماجه في سننه (1/4 رقم:5) : عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك].

وإن القيام بأمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم علما وعملا من أعظم أوصاف الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، وهو شرط من شروط النصر والتمكين في الأرض بالاستخلاف والغلبة على الأعداء، وإن النصر المستحق لا ينال إلا بنصر الدين والعمل بأحكامه والنصرة له ولأهله، وهذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس ]، إن من صفات الفرقة الناجية الطائفة المنصورة أنهم أهل العلم النافع فكل فرقة إلى علمها فقيرة، وكل طائفة إلى فهمها محتاجة، وما من أمة إلا وهي تعترف بفضل الله على هذه الأمة المباركة، فلو جمعت كل علوم الأمم ما عدلت علم هذه الأمة كما قال ابن تيمية : في اقتضاء الصراط المستقيم ص 75 : " فهدى الله الناس ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به من البينات والهدى، هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين عموما، ولأولي العلم منهم خصوصا، من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة والسنن المستقيمة، ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علما وعملا، الخالصة من كل شوب، إلى الحكمة التي بعث بها لتفاوتا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما، فلله الحمد كما يحب ربنا و يرضى "، وفي صحيح البخاري (7312مع الفتح 13/363): وعن معاوية رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله يقول صلى الله عليه وسلم : [من يرد الله به خيرا يفقه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله]، وفي رواية عند البخاري ( رقم:6882) : [ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، و إنما أنا قاسم ويعطي الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله]، ومن أهم ملامح هذه الزمرة الطيبة بعد الكتاب والسنة والمنهج الصحيح الاجتماع على السنة والعمل على نصرها وإظهارها و نشرها بين المسلمين حتى يعملوا بها، كما قال العلامة الرباني عبد الرحمن بن ناصر السعدي: ( كتاب تيسير الكريم الرحمن ج 3 ص 122 ): قال الله تعالى :{ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } أي : و من جملة من خلقنا أمة فاضلة كاملة في نفسها، مكملة لغيرها يهدون أنفسهم و غيرهم بالحق، فيعملون الحق، ويعملون به ويعلمونه ويدعون إليه، وإلى العمل به :{ وبه يعدلون }: بين الناس في أحكامهم إذا حكموا في الأموال و الدماء والحقوق والمقالات وغير ذلك وهؤلاء أئمة الهدى ومصابيح الدجا، وهم الذين أنعم الله عليهم بالإيمان والعمل الصالح و التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وهم الصديقون الذين مرتبتهم تلى مرتبة الرسالة، وهم في أنفسهم مراتب متفاوتة،كل بحسب حاله وعلو منزلته،فسبحان من يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم"، وهذا الغرس الصالح يتمثل في العلماء وأهل الثغور المدافعين عن ثغور بلاد الإسلام، والقائمين على أمر الدين والدعوة إليه سبحانه وتعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود على المعتدين على شريعة رب العالمين، وهؤلاء في الحقيقة هم القوم الصالحون من أمة النبي صلى الله عليه وسلم المتمسكون بحبله المتين وشرعه القويم كما قال ابن تيمية : (في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ص58): " فعلم بخبره الصدق أنه في أمته قوم مستمسكون بهديه الذي هو دين الإسلام محضا"، وقد ثبت عند أحمد (4/200) وابن ماجه (1/5رقم:8) : عن أبي عنبة الخولاني رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ولا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته]، وهذا الغرس الطيب فيه رجال مدرسة السنة وأهل منهج النبوة علما وعملا ... وهذا الغرس الطيب والبذرة الصالحة والزرع الطاهر يؤتي ثماره كل حين بإذن ربه، فتارة تظهر هذه الثمرة في العلم وأهله ، وتارة في العبادة وأهلها، وتارة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأهله، وتارة في الرباط وأهله، وتارة في الجهاد وأهله، وتارة في السلطان وحاشيته، وتارة في الأمة جمعاء بسبب جهود الجميع في نصر الدين والتمكين له، فأهل الصلاح موجودون في كل أمة، ولاسيما أهل الاستقامة منهم على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيهم : [ على مثل ما أنا عليه وأصحابي]، فالأمة المتكاتفة المتعاونة تثمر جهودها وتنمو أعمالها ويترعرع أنصارهم وفق هذا العمل الخيري على ما جرت عليه سنن الله الربانية، فكل واحد منهم على ثغر، فهذا في الدعوة إلى الله تعالى، وذاك في العبادة والطاعة، والآخر في الأمر والنهي، وذاك السلطنة والقضاء والآخر في النصرة في سبيل الله، والكل متعاون مع الكل، والكل يكمل الكل، والكل يرشد ويقوم ويوجه الكل، والكل ينصر الكل، كل واحد في موضعه، ومركز عمله علما وعبادة وإصلاحه...

و كتبه
الشيخ عبد الفتاح زراوي حمداش
المشرف العام لموقع ميراث السنة

http://www.merathdz.com/play.php?catsmktba=1578