الشيخ المفسر عبد السلام الرستمي الباكستاني رحمه الله تعالى

توفي الشيخ المفسر أبو زكريا عبد السلام الرستمي بن الشيخ عبدالرؤوف رحمهما الله تعالى يوم الاثنين الموافق (24 / 01/ 1436هـ) أعني أربع وعشرين من شهر المحرم للعام 1436 من الهجرة النبوية.


وإليكم الترجمة المختصرة لشيخنا مفسر القرآن الشيخ أبو زكريا عبد السلام الرستمي - رحمه الله-


هو الشيخ المفسر أبو زكريا عبد السلام بن الشيخ عبد الرؤوف ولد في أسرة علمية في محلة تسمى (كندر) (kandr) من قرية «رُستم» من مضافات محافظة مردان بولاية خيبر فختونخوا، وترعرع الشيخ في بيئة دينة عالمة حيث كان والده خطيبا للمسجد العام، وكذا كان أخواله وأعمامه من كبار علماء في ذلك الوقت.

تعليم الشيخ المفسر أبو زكريا عبد السلام الرستمي (رحمه الله)

بدأ الشيخ عبد السلام الرستمي تعليمه الابتدائي على يد والده الشيخ عبد الرؤوف، ثم التحق بمدرسة «فيض الإسلام» وتعلم فيها لمدة ثلاث سنوات تقريبا، ثم التحق بدار العلوم الإسلامية فتعلم فيها علم التفسير والحديث والنحو الصرف والمنطق، والفقه الحنفي.
وكان الشيخ عبد السلام ذكيا منذ صغره حيث كان عندما كان طالبا في المدرسة كان يدرس لأطفال القرية بعض الكتب الابتدائية في الفقه الحنفي إضافة إلى الترجمة اللفظية للقرآن الكريم.
ولـمّا تخرج من المرحلة الثانوية ذهب إلى أكورة ختك من مضافات محافظة نوشهره من إقليم خيبر فتخونخوا، فدرس قريبا من المدرسة المشهورة في المنظقة «دار العلوم الحقانية» على الشيخ عبد الرحمن البهبودي - رحمه الله- دورة الحديث وحصل على الشهادة العالية.

تدريس الشيخ رحمه الله :

بعد أن تخرج الشيخ عبد السلام وبدأ بالتدريس، فكان يدرس في القرية بعض كتب الفقه الحنفي إضافة إلى تدريس ترجمة وتفسير القرآن الكريم، وكان يقوم إلى جانب هذا بإلقاء الخطب والمحاضرات الدعوية والإصلاحية في بعض المناسبات والمحافل.
ثم أرد النضج في علم التفسير فذهب إلى العالم الديني المشهور آنذاك «شاه منصور باباجي» ودرس عليه علم التفسير، كما أن شيخنا المفسر الشيخ عبد السلام الرستمي - رحمه الله- قد حضر مرارا إلى دورة تفسير القرآن في شهري شعبان ورمضان من كل سنة، إلى مدرسة العالم المحدث المفسر الكبير الشيخ (غلام الله خان) راولبندي قرب عاصمة باكستان إسلام آباد.
ولما رأى الشيخ المفسر الكبير (غلام الله خان) ذكاء الشيخ عبد السلام وفطنه وعلمه وديانته أوصى أن يجلس الشيخ عبد السلام للتدريس وتفسير القرآن مكانه بعد وفاته .

دخول الشيخ الرستمي السجن وأسباب ذلك.

بعد تخرج الشيخ قام بتأسيس مدرسته ( تعليم القرآن) في قريته (رُستم)، وكانت هذه المدرسة تمتاز عن غيرها من المدارس بتدريس الحديث وعلومه في دورتين مختلفتين: دورة الحديث للعوام والطلبة العلم، ودورة الحديث للمشايخ والعلماء الكرام.

أسلوب الشيخ مع مخالفيه

والشيخ عبد السلام مع كونه عالما كبيرا مفسرا للقرآن الكريم لكنه كان قد يخالف أحيانا مع بعض أساتذته ومشايخه _ إذا يرونهم على أن الحق ليس معهم- وهذا يدل على أنه لم يكن مقلد مخضا للمشايخ مثل بعض الناس. لكن الشيخ عبد السلام كان يحترم أساتذته ولا يسوء الآدب معهم وإن كان يخالفه في بعض الآراء والأفكار.
وكان الشيخ المفسر عبد السلام الرستمي يخالف مع الأستاذ أبو الأعلى المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان في آرائه حول الصحابة الكرام، فألف كتابه« أحسن الندي في رد المودودي » ومع ذلك كان الشيخ عبد السلام يحترم الأستاذ أبو الأعلى المودودي لكونه داعي الإسلام وله خدمات كثيرة كفتح الكثير من المدارس الدينية إضافة إلى كثير من الأمور الإصلاحية الأخرى ، ولكن مع هذا كله إذا أخطأ العالم لا يسكت عن أخطائه، بل يصحح الأخطاء ولا يسقط كليا.
وأنا كاتب هذه الأسطر(أبو الحنيف) سألت شيخنا المفسر عبد السلام الرستمي هل لكم تأليف في رد الشيعة وآرائهم الباطلة، لأنني أكتب في الرد على عقائد الرافضة فأستفيد منه، فقال الشيخ: لا! لم ألف حتى الآن وإن كنت أنوي ذلك، لكن لي كتاب باسم « أحسن الندي في رد المودودي» فعلك تستفيد منه؛ لأن آراء المودودي والرافضة في الصحابة متقاربة .
ولم يكن الشيخ المسفر عبد السلام الرستمي مخالفا للمودودي فقط بل كان يخالف كثير من الناس كالبريلوية، والقاديانية، والعلماء المبتدعة، والملحدين، ومنكري الحديث (القرآنيين، البروزيين) إضافة إلى علماء السلفيين لأن الشيخ المفسر كان لمدة طويلة مقلدا للمذهب الحنفي، ثم صار سلفيا.
وكان اختلاف الفكري مع بعض الفرق المخالفة هو السبب الأصلي في الحملة المسلحة لبعض المخالفين على مدرسة الشيخ المفسر عبد السلام الرستمي عام 1991م ، وقام رجال المدرسة وحراسها بالدفاع عن المدرسة فقتل رجل واحد من المخالفين، و لـمّا كان الشيخ مدير المدرسة فبسبب القتل من قبل رجال المدرسة أدخل السجن لمدة ثمانية أشهر، وكان دخول السجن قد أثر على حياة الشيخ أثرا إيجابيا حيث كتب في السجن كتابا باسم تحفة السجن، إضافة إلى ذلك فقد بدأ الشيخ بتأليف تفسير « أحسن الكلام» في السجن.

كيف صار الشيخ عبد السلام الرستمي سلفيا


سأله (لطف الله خيرخوا) وهو من قام بكتابة رسالته لمرحلة ماجستير على «تفسير أحسن الكلام للشيخ عبد السلام الرستمي» بقوله: (إن بعض الناس يتهمونك بأنك تحولت مقابل بعض الريالات المعدودة من المذهب الحنفي إلى كونك سلفيا غير مقلدا، وقد تحررت من السجن أيضا بشرط أن تصير سلفيا هل هذا صحيح؟
يقول خيرخوا: فأجابني الشيخ بقوله: «هذا عليّ كذب كبير وبهتان عظيم، إنني لم أترك المذهب للفلوس، إنني لـما بدأت تدريس الحديث والتفسير بدأت السلفية تدخل أعماق قلبي، وزادت محبتي لها لما قرأت (مجلة غرباء أهل الحديث) فتأثرت مضامينها عليّ وحينئذ صرت سلفيا، ولكنني لم أعلن ذلك آنذاك.
ولما جئت إلى بيشاور سنة 1992م، بعد خروجي من السجن أعطاني بعض السلفيين مشورة أن لا ترد علينا في دروسك العلمية، فقبلت مشورتهم هذه، فلم أكن أرد علي السلفيين في الدروس العلمية؛ فعلم الناس أن الشيخ عبد السلام الرستمي صار سلفيا واشتهر هذا الكلام بين القريب والبعيد».


تأسيسه المدارس والمجلة والمنظمة السياسية الدعوية:

تقدم ذكر تأسيس مدرسة تعليم القرآن بقرية رستم وما نتج عن الحملة عليها سجن الشيخ عبد السلام، وبعد أن جاء إلى بشاور عاصمة إقليم خيبر فتخون خوا قام الشيخ المفسر عبد السلام الرستمي بتأسيس مدرسة عظيمة عام 1997م باسم « الجامعة العربية لإشاعة التوحيد والسنة» حيث يدرس فيها آلاف من الناس، وخاصة في دورة التفسير في شهري شعبان ورمضان، من كل سنة.
كما أن الشيخ المفسر عبد السلام الرستمي أسس منظمة باسم «إشاعة التوحيد والسنة على منهاج السلف الصالحين، وكان معظم أركانها ورجالاتها هم الذين تحولوا معه من المذهب الحنفي إلى كونهم سلفيين، كما أسس مجلة شهرية باسم «سيرة السلف» وأوسع الشيخ المفسر عبد السلام الرستمي دائرة دعوته إلى جميع مناطق باكستان بل وخارج باكستان إلى الدول الإسلامية وغيرها.

تأليفات الشيخ المفسر عبد السلام الرستمي - رحمه الله-

ألف الشيخ في حياته عشرات من الكتب العلمية باللغة العربية والفارسية والأردية والبشتو، إضافة إلى عشرات من البحوث العلمية والمقالات النفيسة في المجلات والجرائد ونحوها من الدوريات.
من مؤلفات الشيخ المطبوعة (بترتيب الحروف الهجائية).
1- أحسن الندي على من انتقد على النبي الصحابي، (باللغة الأردية) ولعل هذا كتاب هو نفس ما كان قد طبع مرة باسم «أحسن الندي في رد المودودي».
2- إنكار حديث سي إنكار قرآن تك (مجلد ضخم) باللغة الأردية.
3- بدرة الصلاة في مستخرجات أحاديث المشكاة (باللغة العربية).
4- التبيان في تفسير أم القرآن (باللغة العربية).
5- تحفة السجن أربعة أجراء (باللغة البشتو).
6- ترتيب الجهاد بضد أهل الإلحاد (باللغة البشتو).
7- ترجمة درر منظومات (باللغة الفارسية).
8- تفسير أحسن الكلام (تسع مجلدات) (باللغة البشتو).
9- تفسير القرآن العظيم (مجلد واحد) (باللغة البشتو).
10- التنجيد في مسألة التقليد (باللغة العربية).
11- تنشيط الأذهان في أصول القرآن (باللغة العربية).
12- توجيه الناظرين في مقاصد الكتاب المبين (باللغة العربية).
13- توضيح المحجة في إثبات أن الحديث حجة (باللغة الأردية).
14- الخطبات الإيمانية (باللغة العربية، والبشتو).
15- الدرر المنظومات في ربط السور والآيات (باللغة البشتو).
16- رسالة في ترجمة الأذكار والصلاة (باللغة البشتو).
17- رهنماي قرآن(باللغة الفارسية).
18- سيرة الإزم عن دسيسة سوشلزم (باللغة البشتو والترجمة إلى العربية).
19- غيث السحابة على أمة الإجابة، وذكر شان جماعة الصحابة(باللغة العربية).
20- لطائف القرآن في تفسير سورة الفاتحة (باللغة العربية).
21- مخمسات تفسير فاتحة (باللغة البشتو).
22- مسائل بطريقة سؤال وجواب (باللغة البشتو).
23- معالم الأحاديث المكررة في الجامع الصحيح للبخاري(باللغة العربية).
24- المنهاج المستقيم في دعوة في القرآن الكريم (باللغة العربية).
25- الموسوعة القرآنية المسماة بـ«الفرائد الربانية في الفوائد القرآنية» تسع مجلدات) (باللغة العربية).
وغيرها الكثير مما لا أحضره الآن، ومنها ما هو تحت الطباعة، ومنها ما هو في الأقراص والأشرطة ونحوها من أدوات الحفظ، وهو أكثر بكثير ولعل الله يسهل إخراجها, لأن يرى نور الطباعة لتكون له صدقة جارية، ولغيره سبب النفع والاستفادة.

وفاة شيخنا الشيخ المفسر أبو زكريا عبد السلام الرستمي - رحمه الله-

الشيخ المفسر أبو زكريا عبد السلام الرستمي بن الشيخ عبدالرؤوف بعد مصارعة مع مرض طالت مدته -ولعله طهور له وسبب لرفع درجاته إن شاء الله - وتوفي يوم الاثنين تاريخ (17/ 11 / 1414م. يعني الميلادي) الموافق (24 /1/ 1436هـ.ق يعني الهجري القمري) وهذا التاريخ يوافق كذلك تاريخ (26 /8/ 1393ه.ش يعني الهجري الشمسي).

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يتغمد شيخنا عبد السلام الرستمي بعفوه وغفرانه، وأن يعامله برحمته وإحسانه، وأن يتفضل عليه بجوده رضوانه، وأن يدخله الفردوس من جنانه.

كتب هذه الترجمة: أبو سعيد عبد الرزاق بشرزئي المدني طالب مرحلة الدكتوراه بقسم العقيدة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

قمت بالترجمة بنقل بعض مضامينها من موقع(نن تكي آسيا) وبعضها مما كنت أعرفه شخصيا.