نداء من وراء الغيب

شعر
عبدالمجيد فرغلي

أرى من وراء الغيب نبض رفات .. دعوني أناجي ( صاحب النظرات )

وافضي ( لمجدولين ) ما ظل في الحشا .. دفين الأسى مسترسل العبرات

وما ( في سبيل التاج ) أدرك ذو منى .. وكم في ثناياها بريق عظات

وفي ( الرحمة المزجاة ) سحر وروعة .. بلاغة قصد في وضوح سمات

وغن أنس لا أنس ( الفضيلة ) قد حوت .. مثاني اّيات ( بأم لغات )

وفي صدق ( مختارته ) عين باصر .. بأسرار نبض الروح في الكلمات

حباها اختيار المنفلوطي مبتغى .. يفوق التسامي فوق كل هنات

أديب تبنى معضلات زمانه .. وعالجها في حكمة وأناة

بصدق أديب أو بإحساس شاعر .. ودقة تصوير وحذق رماة

يرى الهدف المقصود من كلماته .. تبث عبير الروح من خلجات

أما كان حقا شاعرا ومصورا .. له في أداء القصد خير أداة ؟

يصور ما يبدو له ببراعة .. ورقة إبداع ولين قناة

له الكلمات الغر تلقي وميضها .. يمزق ليل الشك والظلمات

يرى الحق حقا لا مجال لغيره .. وكم رام درء الحد بالشبهات ؟

ورب مريد أي قصد أحسه .. بأعمق ما يطويه من نبرات

وترجمة في صدق عاطفة له .. ولفظ رشيق النبض والهمسات

أديب شعوب الشرق إنك مصطفى .. بأبناء لطفي النيرى القسمات

بأسلوبك السامي نهى وبلاغة .. بهرت عقول الغرب (بالنظرات)

ففي (النظرات ) اختلت واجتلت مبدعا .. بتصوير ما استخفى من الخطرات

مواضع تأثير لمست شغافها .. بأسمى مواضيع لها وصفات

نضارة لفظ في وضوح عبارة .. وقوة تأثير وثيق صلات

تخيرتها توحي برفق ورحمة .. وتلمس ما في القلب من نبضات

بقلبك تشدو نغمة البشر والأسى .. وتفضي بها في ألمع الومضات

توخيتها صدقا وأبدعت صوغها .. منوعة الأفكار مؤتلفات

وفي ( العبرات ) اجتزت في العبر المدى .. وقدمت فيها أروع الصفحات

أثرت شجون الدمع من نبع مهجة .. فكانت بحق أصدق العبرات

أثرت بها دمعي وسمعي خواطرا .. فأطلقت فيها للعلا سبحاتي

غدوت إمام الكاتبين بحقبة .. من الدهر كانت أخصب الفترات

بها كان شوقي والخليل وحافظ .. وناجي وصدقي من ذوي العزمات

لهم سبقهم في الشعر صادف طفرة .. ونهضة أفكار وجمع شتات

بهم بلغت ( أم اللغات ) مكانها .. بمد ( لغات الأرض ) بالنفحات

تترجم عنها أو إليها روائع .. من الغرب أو للغرب بين رواة

(لفكتور هيجو) أو ( برجراك)منهل .. تدفق من فردوسه بفرات

فكم من نجيب مثل لطفي وغيره .. غدا مصطفى الإبداع بين لدات

لدات نبوغ بين كتاب قصة .. لدى عالمي الفكر بين هداة

منابع من وحي الفضيلة لم تشب .. بزيف وما ضمت سوى الحسنات

فبول وفرجيني جناحا فضيلة .. أطلا على واد كريم نبات

أقاما به طفلين فاضا براءة .. بأمين كالأختين من أخوات

فـ ( هيلين ) اّخت ( مرغرجت ) أخوة .. تفوق حدود الوصف بالكلمات

حولهما تلك الجزيرة معبد .. و ( اّيات إنجيل ) على صفحات

ومن بينها ذكر واّيات قارئ .. (لاّيات قراّن ) سنى عظات

كأن كتاب الله في كل صفحة .. على أرضها خطت على ورقات

( مزامير داوود ) بأغصن دوحها .. ترنم لحن الحب في البكرات

( وتوراة موسى ) في ندى نغماتها .. إذا رتلت في هجعة الظلمات

مناظرها فيها جمال وروعة .. بها يومئ الأغصان بالحركات

ويقلي النسيم الرخص في همساته .. مناجاة مشتاق خلال صلاة

تسابيح عبادتهم بأضلع .. لدى ورد أسحار مع النسمات

وإذا ما هفا طير يجاوب إلفه .. تحرك نبض الدوح بالنغمات

وإن برزت شمس الصباح تعانقت .. أشعتها بالأغصن الخضرات

وأزهارها أفضت بذوب رحيقها .. حديثا لها في أدمع تئقات

بها ( الصفحة الخضراء ) فاح عبيرها .. إلى ( القبة الزرقاء ) بالنفحات

أحاديث الطبيعة :

وتلك أحاديث الطبيعة بعضها .. يبث إلى بعض شجون حياة


فطير إلى غصن وغصن لطيره .. يفض غلاف السر في همسات


وقمرية تفضي لقمر بها الهوى .. مرفرف طير الهمس في سكرات


وعصفورة تفضي لزهرة دوحها .. مناجاة مشتاق للمس شفاة


وعاشقة بالليل بثت غرامها .. إلى شجرات الروض في الخلوات


ونابظة بالحب عذراء عفة .. تسبح باسم الحب في الغدوات


أصاخ إليها ( المنفلوطي ) بحسه .. بأصدق ما أبداه من لمسات


مازجها روحا ووحيا وخاطرا .. ونبضة قلب هاتف الصدحات


فكان بحق ترجمان طبيعة .. أحس بما فيها من الخفقات


يغوص إلى أعماقها ببراعة .. واّيات إبداع بلا عثرات

أما كان فيها للمشاعر سابرا .. بعمق عبارات ذوات سمات

لهن رنين في المسامع هامس .. بسر الهوى الكتوم والحسرات

كأن سباة الغيب أوحت بنبعها .. فسال بديعا من يد الصبوات

فلا غرو إن أحسست خفقة روحه .. على وشك أن تنساب في كلمات

ولا بدع إذ أبصرت روحي تحفه .. وراء صموت الرمس في اليقظات

ولا ريب في حس الأديب إذا صفا .. بحلو إحساس وسمع قطاة

يغرد كالطير الحبيس بعشه .. خلال انطلاق الروح في الوثبات

ويفضي حديث القلب إن سرى .. رخي زمام من قيود عناة

وإن كنت لا أدري لماذا أحسه .. وألمح في صدري رفيف رفات

أذاك لأني شاعر وهو صادق .. وراء حجاب الغيب لامس ذاتي

نداء توشيه الخمائل بالشذا .. وفاء لتلك الأعظم العطرات

وها أنذا أرثي أديبا وشاعرا .. أبث حديث الروح في دمعاتي





والقصيدة في 24 من أكتوبر 1991

في ذكرى وفاة الأديب

مصطفى لطفي المنفلوطي

و عدد أبياتها 73

وهي ضمن الجزء الأول من الأعمال الكاملة

وستبقى يا وطني حيا