بوابة الزمن .. وقائمة المهام


هل رأيتَ الشمسَ حين تُشرق وتَغيب؟ هل رأيتَ الهلال في بدء الشهر ونهايته؟ إنها مشاهد يومية وشهرية تُذكّرنا بنموذج من النواميس التي أجراها الله تعالى في هذا الكون.. وكذلك هي بدايات الأعوام ونهايتها.. تُشرق شمسُ العام ثم تغرب.
إن بدايةَ العام ونهايتَه أشبه بقصةٍ قصيرة، تحكي بوابةً من الزمن ندخلها بَعْدَ أن خلّفنا وراءنا بواباتٍ أُخر، هي بعدد أعوامنا التي تركناها وراء ظهورنا.
إن الأمم والأفراد ـ مهما اختلفت ثقافاتهم ـ فهم يشتركون في حقيقة واحدة لا يُنازع فيه عاقل، وهي أن أفضل الأزمان ما عاد على صاحبه بالنفع والخير، وكلٌ يفسِّر الخيرَ والنفعَ وِفْق رؤيته.
أما في مبادئنا الإسلامية فإننا نجد أنها ترتقي بأهلها؛ لتجعل عمارة الزمن بالنافع المفيد منوطاً برضى الله، وغيرَ مقصورٍ على هدف دنيوي بحت، بل تربطها بالأهداف الأخروية.
وفي بدايات الأعوام ونهايتها يتكرر الحديثُ عن هذه المعاني المتصلة بقيمة الزمن وأهميته، وشحذِ النفوس بأخبار ذوي العزائم والهمم من السلف والخلف، وتُذْكَرُ نماذجُ رائعة للمتميزين والمؤثّرين في أممهم، فيترجم بعضُ الناس ما يسمعه من هذه القصص والأخبار بوضع قائمةٍ بالأعمال التي يريد إنجازها خلال سنة، ثم ينصرم العام أو يكاد وهو لم يحقق أكثرَ ما كتب! فأين الخلل؟
الواقع أن الخلل له أسباب كثيرة، منها: عدمُ الواقعية في رسم الأهداف التي يُراد تحقيقها، فترى أحدَهم يسأل صديقاً له: ماذا تريد أن تفعل هذا العام؟ فيحاكيه! مع أن ظروفَ الشخصين وإمكاناتهما مختلفة! وربما قرأ أحدُهم برنامجاً جاداً لشخص متميز؛ فيريد أن يقفز درج السُّلُّم ليصعد إلى أوّله، دون مرور بتلك المراحل التي مرّ هذا المتميز.
ومن الأسباب ـ أيضاً ـ: أن كثيرين يظنون أن المجد ـ فضلاً عن قمّته ـ تُنال على جِسر الراحة، وهيهات! فلقد أجمع عقلاءُ الأمم على أن "النعيم لا يدرك إلا بالنعيم" كما قال الإمامُ إبراهيم الحربي([1])، ومَن أراد النعيم فليتجنّب مواطنَ التنعيم والترفيه للجسد والروح، ولتكن هُجّيراه مع نفسه:
ذَرِينِي أنلْ ما لا يُنَالُ من العُلا ** فصعب العُلا فِي الصعبِ، والسّهَلُ فِي السهلِ
تريدين لقيـانَ المعـالي رخيصـةً ** ولا بُدَّ دون الشّـهدِ من إِبَر النَحـْلِ


فمن كان وقتُه مشتتاً: بين نومٍ! وتتبعٍ لألوان المطاعم والمشارب! وأصناف المجالسِ التي تُزجى فيها الأحاديثُ التي لا طائل من ورائها! فلا يوهمنّ نفسَه أنه سلك الطريق أصلاً.. لستُ مقنِّطاً.. لكنها الحقيقة.
إن الواقعية ـ في رسم الأهداف ـ والتدرجُ، ومراعاة الظروف المحيطة بالشخص؛ مطلبٌ مهم، مع الاستعانة بالله تعالى، والتضرع إليه في التوفيق والتسديد، ثم استشارة من يثق المرءُ بعقلهم ونصحهم؛ ليسير بثبات، فمع أهمية البدء، إلا أن الأهم منه الثباتُ على الطريق حتى يبلغ الغاية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾[فصلت: 30].
ومن المهم لمن أراد البدء ـ مع مراعاة ما سبق ـ أن يُمَرْحِلَ أهدافَه؛ فيضع له هدفاً عاماً في حياته كلها، ثم يقسّمه على سنوات، ثم يقسم السنوات على أشهر، والأشهرَ على أسابيع، ويراجع نفسَه في البدايات بالذات، وينظر ما الذي تَحقَّق مما لم يتحقق؛ لينظر في العوائق فيزيلها، وفي عواملِ النجاحِ فيستمر عليها.

ومضات:
· من توفيق الله لك أن يرزقك الغيرة على وقتك كما تغار على دينارك ودرهمك.
· مِن أعظم المقت أن يُبتلى العبدُ بضياع الوقت: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾[الكهف: 28].
· كان كثير من السلف يرون اليوم الذين تَغرب شمسُه، ولم يزدادوا فيه علماً أو عملاً أنه ليس من أيام حياتهم!
· علينا أن ندَع السلبية في ذم تضييع الناس لأوقاتهم، ونطرح برامجَ عملية لهم.
· كن عالماً شرعياً.. أو طبيباً.. أو مهندساً .. أو عالم فيزياء .. المهم ألا يغيب عنك في تعلّمك الهدفُ الأكبر: رضى الله، ونفع الأمة.
· قال ابن القيم ـ ـ: "إذا كان العبد وهو في الصلاة: ليس له من الصلاة إلا ما عقل منها؛ فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله ولله تعالى"([2]).
رب استعملنا في طاعتك، وأعذنا من موجبات سخطك ومقتك.



([1]) مفتاح دار السعادة. لابن القيم(1/ 142).
([2]) الداء والدواء. لابن القيم (ص: 157).




- رابط المقال على الموقع: http://almuqbil.com/web/?action=arti...r&show_id=1503