بسم الله


منذ نصف قرن خلا كانت بلدة من بلاد العرب يحكمها ملك من قصره (القصر الملكي), والحكم الذي يحمل هذه الصفة يسمى حكماً ملكياً, وكان شعبه الذي يعيش في مملكته ما فتئ ينفض غبار قنبلتي (هيروشيما) و(ناجازاكي),اللت ن لم يصمت صدى صوتهما حتى هذه اللحظة.

في تلك الأيام كان العالم قد أصيب بتغيرات كبيرة, وتحولات متوقعة وغير متوقعة, كانت الحرب العالمية الثانية للتو وضعت أوزارها, قتلت بسببها ألمانيا النازية, وإيطاليا الفاشية, وأُسرت اليابان,والعرب قد أصخوا بأسماعهم إلى أجهزة المذياع, يتابعون رحى تلك الأحداث, وقد أقبل بعضهم على بعض يتلاومون على هزيمتهم في الحرب مع اليهود, ولم يصدق بعضهم أن القدس صارت أسيرة عند أشد الناس عداوة للذين آمنوا.

وكما هو معلوم, فإن نتائج الحروب لا تنحصر في النتائج السياسية والعسكرية, بل إن النتيجة الثقافية هي نتيجة أساسية لها, وهي ما سماها المؤرخ ابن خلدون (العصبية), وهي ما حدث فعلاً في ذلك الوقت, فقد وجدت الدعوات الفكرية المختلفة أرضاً خصبة حينها, وأرض الحروب هي الدلتا التي تعيش فيها بذور الأفكار الثقافية, ومن أوسع تلك الدعوات انتشاراً الفكر الماركسي الشيوعي الذي يقوم على الإلحاد عقيدةً, ومنع ملكية الفرد اقتصاداً, ويقابله الفكر العلماني عقيدة, الرأسمالي اقتصاداً, أما الصهيونية فزبائنها مثل زبائن الدرجة الأولى في الطائرات.

نعود إلى البلدة العربية التي استفتحت هذا المقال بذكرها, فقد كانت تلك البلدة ترزح تحت وطأة الاستعمار الانجليزي, إضافة إلى كونها تعيش حالة من الفوضى والفساد الإداري والمالي, وهذا مما يؤذن بزوالها كما فصّل القول في ذلك العلامة ابن خلدون _رحمه الله_, وكانت الأحزاب السياسية فيها متعددة, ومن أقوى تلك الأحزب تأثيراً وقوة (الإخوان المسلمون), وكان هدفهم الأسمى هو طرد المستعمر الغربي من بلادهم, أما الأحزاب الأخرى فقد خلطوا أهدافاً صالحة وأخرى سيئة.

كان الإخوان المسلمون يبنون جهوداً ويصنعون مستقبلاً إسلامياً يعود فيه البلد إلى طبيعته الإسلامية وقوته التاريخية, وكانوا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق أهدافهم, وكان تغيير النظام الفاسد أمراً لا بد منه _في نظرهم_, ولذلك فقد عملوا على تحقيق ذلك, وأعدوا له عدة, ولم يبق إلا المنعطف الأخير.

وفي تلك الأثناء انضم رجل جديد إلى جماعة الإخوان, وآمن بهم, وأيدهم في تغيير النظام الملكي, فأُعدّت العدة لتنفيذ الانقلاب العسكري, وكان ذلك الرجل الجديد هو لولب الحركة الانقلابية, ونجح الانقلاب الذي أزاح الحكم الملكي في البلاد.

وفي زحمة الأحداث التي صاحبت الانقلاب استطاع هذا الرجل أن يتبو من تلك البلدة مبوّاً الرئاسة, فأصبح هو الرئيس لتلك الدولة, ولم تمض بضع سنوات حتى قضى الرئيس الجديد على من رفعه لكرسي الرئاسة, كما قال نائبه الذي صار رئيساً بعده, قال لأحد قادة الإخوان في بداية حكم هذا الرجل: (لا تعادوا فلاناً؛ فإنه سيأكل الجميع, لن يبقى إلا من يلبّد بين أسنانه), والواقع _كما قال د. محمد العبدة_ أنه لم يبق إلا الذي لبّد, وهو هذا النائب نفسه.

هذا مثال واحد لسرقة الأعمال واستلاب الجهود, ولست هنا أدافع عن حركة الإخوان أو أبيّن رأيي في أهدافهم أو سلوكهم, وهل أصابوا أم أخطؤوا, وإنما أردت أن أوضح قضية كبيرة, أكثر من يقع فيها الخيّرون والصالحون, يدفعهم لذلك الخطأ حسن الظن بكل أحد, وطهارة القلب الزائدة؛ فإن طهارة قلوبهم تجعلهم لا يتخيلون أن هناك من يبيع الدين والوطن لأجل دنيا وكرسي أو حفنة فلوس.

إن ما حدث للإخوان في ذلك البلد العربي يؤكد لنا أن السياسة لعبة خطرة, وهي سلاح ذو حدين, وأحياناً يروغ منك فلا تدري كم حداً له! ويؤكد لنا كذلك أن هناك الكثير من المتربصين الذين يتقنون قنص الفرص في وقتها, فيأخذون ثمرة جهود المصلحين المخلصين ليجيّروها لصالحهم, ولا يهمهم ما يحدث لمن بنى هذه الجهود من الأساس, حتى ولو أدى ذلك إلى أن يخر السقف على من بناه, مادام أن الثمرة قد قطفت.

ومع أني ألحظ وعياً سياسيًا حاضراً أكثر من الوقت الماضي, ونباهة وفطنة تمنع من تكرار مثل هذا الأمر, إلا أن استلاب الجهود وسرقة الأعمال تتكرر بنفس الصورة, أو باختلاف يسير في مجالات أخرى غير المجال السياسي, وهذا يدفعنا للتفكير العميق في قول عمر _رضي الله عنه_: (لست بالخّبّ, ولا الخبّ يخدعني).