(وَجَاءَ مَوْسِمُ الحَجِّ) بقلم الشيخ محمد بن خدّة الجزائري
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: (وَجَاءَ مَوْسِمُ الحَجِّ) بقلم الشيخ محمد بن خدّة الجزائري

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    687

    افتراضي (وَجَاءَ مَوْسِمُ الحَجِّ) بقلم الشيخ محمد بن خدّة الجزائري

    وَجَاءَ مَوْسِمُ الحَجِّ
    بقلم الشيخ أبي عبد الرحمن محمد بَنْ خَدَّة الجزائري
    - حفظه الله تعالى -


    بسم الله الرحمن الرحيم



    الحمد لله الذي جعل البيت الحرام مثابة للناس وأمنا ، وعظّم حرمته في الجاهلية والإسلام فارتفع قدرا وشأنا ، وهدى قاصديه إلى سواء الطريق ، وافترض الإتيان إليه من كل فج عميق ، والصلاة والسلام على نبينا محمد خير الأنام ، وعلى آله وصحبه أولي النهى والأحلام ، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ما طاف مُحرم بالبيت الحرام ، وبعد:


    فهذا هو عنوان هذا المقال (موسم الحج) ، نداء إبراهيمي بأمر إلهي ، وبلاغ رباني ، فاعتلى الخليل التلال ، وارتفع صوته ليُحرِم الحلال، وبلّغ الله أذانه ونداءه فأتى الناس البيت الحرام رجالا وعلى كل ضامر ، قال تعالى {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [ الحج27/26]


    قال الإمام ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- (يقول الله تعالى ذكره ، عهدنا إليه -أيضا- أن أذّن في الناس بالحج يعني قوله (وَأَذِّن) أعلم وناد في الناس أن حجوا أيها الناس بيت الله الحرام (يَأْتُوكَ رِجَالاً) يقول فإن الناس يأتون البيت الذي تأمرهم بحجه مشاة على أرجلهم ، (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) يقول: وركبانا على كل ضامر وهي الإبل المهازيل (يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) يقول: تأتي هذه الضوامر من كل فج عميق ، يقول: من كل طريق ومكان ومسلك بعيد[1] ...].


    وهانحن نرى مصداق ذلك ، أفلا نرى الناس -إخواني- يجيؤون البيت الحرام ، من أقصى الأرض قاصدين البيت الحرام لأداء المناسك وهم يلبّون ، رافعين أصواتهم بذلك الذكر الموسوم بالتلبية ، مفاده إجابة بعد إجابة ، وتصميم على المواصلة وتجديد العهد ، كلمات وحروف صادقة ، ترددها حناجر الشعث الغبر ، ألفاظها عالية ومعانيها سامية ، مراميها سمعنا وأطعنا وأتينا واستجبنا .


    وهكذا يقدم الموكب جماعات وأفرادا ، ملبّين ومهللين بنداء التوحيد ، وكيف لا يكون فيه التوحيد والقصد واحد ، والجهة واحدة والعمل في جملته واحد ، والقول واحد والطلب واحد ، وكلٌّ متوجه إلى الواحد ، نداؤه أن لا إله إلا الواحد ، ومبتغاه أن يتقبل منه الواحد ، ويتجاوز عنه.
    فهل رأيت ركباً أعظم من هذا الرّكب ؟ وهل وصلت إلى أذنك أصوات كهذه الأصوات؟ وهل رأيت قط مثل هذا المنظر في لباس واحد؟ وهل وعيت غبارا وشعثا أزكى من العبير؟ وأي رؤوس أعز وأكرم من رؤوس المحلّقين المقصّرين؟
    استمع إلى هزيجهم ، انتبه إلى صيحاتهم ، وتمعن تلبياتهم ، وتحسّس أنينهم وتأوههم ، تجد ذلك يهزك هزّا لا تستطيع له ردّا.
    فيالجلال الموقف ، ويا للروعة والعظمة ، ولا إله إلا الله.


    هذه بعض ملامح الحج ، عِبارات تتدفق منها عَبارات ، فيا من وُفِّق لأداء هذه العبادة ، وأعظم بها عبادة.
    الموعد قد قرب ، والأوان قد آن ، فتجهّز لهذه الرحلة ، وتأهب لها فـ (...الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة )[2] و (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمّه )[3] ، فيتحقق لك هذا الأجر العظيم بإذن الله تعالى وتوفيقه ومنّه وكرمه ، إذا جمعت فيه هذه الأمور:
    1= الإخلاص لله تعالى بأن تريد بحجك وجه الله تعالى ، وأن تبتغي به مرضاته ، وأن تجيب نداء نبيه وهو إجابة لربك تعالى ، وأن تقوم بفريضة وركن من أركان الإسلام ، لا تريد من ذلك مالا ولا ذكرا ، ولا وسما ولا لقبا ، ومن أراد بذلك غير وجه الله تعالى فإنه يوم القيامة لا يجد عند الله شيئا (بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب)[4] .


    2= أن يكون بمال حلال فالحج بالمال الحرام ليس بحج مبرور ، ومن العلماء من يرى أن من حج بمال حرام فلا حجّ له ، إلحاقا له بمن صلى في أرض مغصوبة -على الخلاف في ذلك - وفي الحديث (أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا... )[5] و (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب لا يقبل الله إلا الطيب ... )[6] و (...من جمع مالًا حرامًا ثم تصدَّق به ؛ لم يكن له فيه أجرٌ ، وكان إِصرُه عليه )[7] ، وقد قيل:


    إذا حججت بمال أصله سحت *** فما حججت ولكن حجّت العيرُ
    لا يقبل الله إلا كل طيبة *** ما كل من حجّ بيت الله مبرورُ



    3= أنه يقوم الحاج بفعل ما يجب فعله من الواجبات ، أما إذا ضيعها فأنى يكون حجه مبرورا؟! ، فكم ممن يتكاسل في أداء المناسك ، كمن ينيب غيره ليرمي عنه وهو قادر على الرّمي يبيت أيام منى بمكة ، ويقول: أَذْبَحُ هديا وَأَبِيتُ بمكة، والأمثلة في هذا كثيرة ، قال شيخنا ابن عثيمين (والذي يظهر أن مثل هؤلاء الأولى أنه يقول : لعبت لا حججت ، وليعلم أن الإنسان ليس مخيرا بين القيام بالواجب أو الفدية ، ولكن إن وقع أنه ترك الواجب فنقول له : اذبح فدية]


    4= أن يتجنب المحظورات كما قال تعالى { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ } [ البقرة/197] وفي الحديث (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه )[8]


    5= حج المرأة مع المحرم ، لقوله صلى الله عليه وسلم (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم )[9].
    ومن العلماء من يرى عدم قبول حج المرأة دون محرم ، لأنه سفر حرام عليها ، والحرام لا يكون ظرفا للعبادة الصحيحة ، فهو كالزمن المغصوب .


    6= الاتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل (لتأخذوا عني مناسككم فإنني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه )[10] ، فينبغي لك أخي المسلم -وأختي المسلمة- أن تتبع وتسأل لتعلم سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الحج ، فتترسم خطاها وتتبعها وتأتي بها.
    قال شيخنا ابن عثيمين (ولكن قد يدخل الاتبّاع في فعل الواجب وترك المحظور ويمكن زيادته هنا للإتيان بالسنن )[11]


    وإذ قد علمت أخي الحاج هذه الأمور الست التي يجب توفرها في حجك حتى يكون مبرورا فلنذكر الآن أعمال الحج موجزة مختصرة:
    1= أنساك الحج ثلاثة : الإفراد ، والقران ، والتمتع وهو أفضلها على أصح أقوال العلماء.
    [أما الإفراد: فهو الإحرام بالحج وحده فإذا وصل بمكة طاف للقدوم ثم سعى للحج ، ولا يحلق ولا يقصر ، ولا يحل من إحرامه بل يبقى محرما حتى يحل بعد رمي جمرة العقبة يوم العيد ، وإن أخّر سعي الحج إلى ما بعد طواف الحج فلا بأس.
    أما القران: فهو أن يحرم بالعمرة والحج جميعا ، أو يحرم بالعمرة أولا ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها ، وعمل القارن كعمل المفرد سواء ، إلا أن القارن عليه هدي والمفرد لا هدي عليه.
    أما التمتع: فهو أن يحرم بالعمرة وحدها ، في أشهر الحج ، فإذا وصل مكة طاف وسعى للعمرة وحلق أو قصر فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج وحده وأتى بجميع أفعاله ][12]


    2= يتضمن الحج خمسة أيام لمن تعجل ، أو ستة لمن تأخر ، ولكل يوم أعماله التي يعملها فيه ، وهي كالتالي:
    أ= اليوم الأول: وهو وهو يوم الثامن من ذي الحجة ، ويتضمن الأعمال التالية:
    -الإحرام بالحج والشروع في التلبية.
    -الذهاب إلى منى ضحى.
    -يصلي بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء قصرا من غير جمع .
    -يبات بمنى ، فيصلي بها الفجر.


    ب= اليوم الثاني: وهو يوم التاسع من ذي الحجة:
    -إذا صلى الفجر بقي بمنى حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت انطلق إلى عرفة ، والسنة -النزول بنمرة إن تيسر له ذلك ، فإن لم يتيسر له ذلك وجاوزها إلى عرفة فلا بأس.
    -حضور الخطبة إن تيسر له ذلك ، فإن لم يتيسر فلا بأس.
    -صلاة الظهر والعصر قصرا وجمعا جمع تقديم ، بأذان واحد وإقامتين.
    -الانصراف إلى الوقوف ، وقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم أسفل جبل الرحمة عند الصخرات ، وهذا الجبل هو جبل الرحمة وسط أرض عرفات ، قال النووي رحمه الله (فهذا هو الموقف المستحب ، وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات ، وأن الفضيلة في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصخرات فإن عجز فليقرب منه بحسب الإمكان )[13].
    - يستقبل القبلة في وقوفه ويرفع يديه داعيا الله تعالى ومتضرعا إليه ومبتهلا إليه ، ويخلط ذلك بالذكر من تكبير وتهليل وتسبيح وتحميد وقراءة للقرآن وتلبية ونحو ذلك ، وأفضل ما يدعو به ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم (خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير )[14].
    - وله أن يتحدث مع إخوانه فيما ينفعهم من التذاكر ومراجعة ما يتعلق بمسائل الحج ، أو قراءة ما تيسر من الكتب النافعة. وإن تعب فله أن يستجمم ويرتاح.
    - ويواصل وقوفه إلى غروب الشمس ، فإذا غربت انطلق إلى مزدلفة.
    -فإذا أتى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا ، لا يتطوع بينهما [15] ولا على إثر كل واحدة منهما، كما في الحديث [16] ، ثم يبيت بها حتى يصلي الفجر .


    ج= اليوم الثالث: وهو العاشر من ذي الحجة :
    - إذا طلع الفجر بكّر بالصلاة .
    - ثم يأتي المشعر الحرام فيقف عنده إن تيسر له ذلك مستقبلا القبلة مهللا مكبرا ملبيا داعيا الله تعالى رافعا يديه. وإن لم يتيسر له الوقوف بالمشعر الحرام وقف حيث شاء من مزدلفة.
    - فإذا أسفر جدا -أي انتشر النهار- وقبل طلوع الشمس ينطلق إلى منى ، ويسرع في وادي محسّر كما جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم (..حتى أتى بطن محسّر [17] فحّرك قليلا.. .)[18] .
    - فإذا أتى منى رمى جمرة العقبة (وهي الجمرة الكبرى) وهي الأخيرة مما يلي مكة ، يرميها بسبع حصيات متوالية يكبّر مع كل حصاة. والحصاة: حجارة صغيرة نحو حبة الباقلاء (فوق الحمّص ودون البندق).
    ويلتقط الحصيات من حيث شاء ، لعدم ورود تحديد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن كان حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له (هات القط لي) قال ( فلقطت له حصيات نحوا من حصى الخذف ...)[19] ظاهره أنه كان بمنى ، والحاصل أنه يجوز أن يلتقط الحصيات من حيث شاء.
    وبرميه آخر حصاة يكون قد انتهى زمن التلبية ، فيتوقف عنها.
    - ثم ينحر هديه ، وإن كان قد اشتراه من جهة موثوقة فهم يتكفلون بنحره أو ذبحه.
    - ثم يحلق رأسه -وهو الأفضل- ويجوز أن يقصر ، هذا للرجل ، أما المرأة فحقها التقصير قدر أنملة فقط .
    - ثم يأتي مكة فيطوف طواف الإفاضة، وهذا يلزم جميع الحجيج ، وأما السعي بعده فيلزم المتمتع فقط ، أما المفرد والقارن فإن كان سعى أول قدومه بعد طواف القدوم أجزأه ، وإن لم يكن قد سعى لزمه أن يسعى بعد طواف الإفاضة.
    - وبهذا يكون قد أنهى أعمال هذا اليوم.
    - ذكر بعض العلماء أن أعمال هذا اليوم تجمع في كلمة (رنحط) الراء للرمي ، والنون للنحر ، والحاء للحلق، والطاء للطواف[20] .
    وهذه الأعمال هذا هو ترتيبها ، وإذا قدّم فيها وأخر بعضها على بعض فلا حرج كما قال صلى الله عليه وسلم [21] .
    - ثم يعود إلى منى فيبيت بها هذا اليوم.


    د= اليوم الرابع: وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة :
    - يرمي الجمار الثلاث مبتدئا بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ، يرمي كل جمرة بسبع حصيات مكبرا مع كل حصاة ، ويبدأ الرمي من بعد الزوال فلا يصح قبل ذلك .
    يرمي الصغرى ثم يتقدم قليلا عن يمينه ، فيقوم مستقبلا القبلة طويلا يدعو رافعا يديه.
    ثم يرمي الجمرة الوسطى ثم يتقدم ذات الشمال فيقوم مستقبلا القبلة طويلا يدعوا رافعا يديه.
    ثم يرمي جمرة العقبة ثم ينصرف ولا يدعو عندها ، كما جاء في صفة فعله صلى الله عليه وسلم للرمي[22] .


    ج= اليوم الخامس : وهو اليوم الثاني عشر من ذي الحجة :
    يفعل فيه ما فعله في اليوم الرابع (وهو الحادي عشر من ذي الحجة) فإذا أراد أن يتعجل فيلزمه أن يخرج من منى قبل غروب الشمس ، فإن تجهّز للخروج فرمى ، وفي أثناء خروجه أدركه غروب الشمس لسبب الزحام ونحوه مما لا حيلة له فيه فله ان يخرج ويتعجل ، وإن رجع وبات اليوم الثالث فجائز ولعله أحوط له.


    د= اليوم السادس: وهو الثالث عشر من ذي الحجة:
    يفعل فيه ما فعل في اليومين السابقين ، ثم ينزل إلى مكة فيبقى فيها ، وليغتنم هذه الفرصة في كثرة الصلاة والذكر وقراءة القرآن ، وحضور دروس العلم ، وكثرة الطواف ولكن من غير مزاحمة ولا إضرار بالناس ، وليتحيّن وقت طوافه حتى يفسح المكان لغيره بالطواف.
    فإذا أراد الخروج من مكة إلى بلده فليطف طواف الوداع ، وليكن آخر عهده بالبيت.
    فهذه في الجملة أعمال الحج موجزة وباختصار ، سائلا الله تعالى أن يتقبل من الجميع صالح الأعمال.


    وقبل أن أضع قلم الكتابة عن هذه المقالة ، يحسن أن ننبه إلى فوائد وتنبيهات تعليما لمن لا يعلم وتذكيرا للناسي ، وتنبيها للغافل:
    1= أول ما ينبغي لك أن تسعى هو أن تتعلم أحكام المناسك ، فالعلم قبل القول والعمل كما قال العلماء ، قال تعالى {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [ محمد/19] قال البخاري (فابدأ بالعلم قبل القول والعمل) وقد ذكر غير واحد من أهل العلم ومنهم القرافي في (الذخيرة )[23] أن الإجماع واقع على من أراد أن يقوم بعمل ما فيجب عليه أن يتعلم حكم الله فيه ، أي أن يتعلم الأحكام الشرعية المتعلقة به ، والحج ركن من أركان الإسلام ، فمن خرج لأدائه لزمه أن يتعلم أحكامه ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة ذلك قولا وفعلا وهو يقول (لتأخذوا عني مناسككم... )[24]


    2= يحسن أن يكون في جماعة الناس من هو من طلاب العلم ليصحح لهم ما يتعلق بأمر المناسك ، فإن لم يتيسر أو كان فيهم ولكن أشكلت عليه المسألة فلا يتردد في مساءلة العلماء وأهل العلم فهم متوافرون وفي خدمة من يسأل عن أمور دينه ، واغتنمها فرصة هاهنا للحث والترغيب في حضور دروس العلماء والاستفادة منها والنهل من علمهم وملاقاتهم وطرح ما يشكل عليك من أمور دينك عليهم لتحظى بالجواب عن ذلك .


    3= ينبغي عليك أخي الحاج الحرص على أداء المناسك كما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال (لتأخذوا عني مناسككم) فلا تتساهل في أمر السنن وفتضيعها من غير أن يستعصي عليك فعلها ، فقد صار حال الكثير من الناس ترك بعض ما جاء في حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، بحجّة كون ذلك سنة لا يجب فعلها ، مع اتفاق الأئمة على أن هذه الأفعال مما يسن فعله ويتأكد ، بل قد نجد من يقول بوجوبه ، ثم تجد الحاج لا يكلفه ذلك عناءولا مشقة فيتساهل فيه ويتركه.


    4= أخي الحاج مبنى هذا الدين على اليسر كما قال تعالى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [ الحج/78] ، {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [ الأعراف/157] ، {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} [ البقرة/286] وفي الحديث (إن الدين يسر) [25]، (بعثت بالحنفية السمحة )[26] وقد جاء ذلك في أعمال الحج كما قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن تقديم بعض أعمال الحج الأربعة يوم النحر بعضها على بعض فكان يقول (افعل ولا حرج).
    ولكن يبنغي الانضباط بقواعد هذا التيسير وهذا الرفع للحرج ، فلا يطلق الواحد العنان لنفسه من غير علم ولا سؤال للعلماء ، فيوقع نفسه فيما يبطل حجّه أو ما يلزمه بما يجبر به حجه ، وانتبه إلى قول الله تعالى {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [ البقرة/196] مع أن الآية سياقها في ذكر الرخصة لمن به أذى من رأسه أو به مرض ، ومع ذلك ختمت بقوله تعالى (أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ففيه إشارة إلى أن هذه الرخص ليست على إطلاقها بل لها حدودها ، وقيودها وضوابطها ، فمن أخذ بها فليأخذها بقيودها وحدودها وليتق الله تعالى فإنه شديد العقاب.


    5= زمن الحج ومكان الحج كل منهما فاضل ، فاغتنم ذلك فيما شرع ، من ذكر واستغفار وقراءة للقرآن ، وصلاة النافلة ، والإكثار من الطواف.


    6= اعلم أنك في مقدمك هذا لأداء الحج ، ستلقى الكثير من الأجناس ، ومن مختلف الأنحاء ، خاصة من جهة الأعاجم ، فاجتهد أخي المسلم في نفعهم وتعليمهم خاصة ما يتعلق بالتوحيد الخالص ، وكذا ما يتعلق بأحكام الحج.
    هذا من جهة ومن جهة أخرى ينبغي أن تعلم أن هؤلاء منهم من هم على مذاهب فقهية أخرى ، فلا تتعجب مما تراه من أفعالهم ، سواء في طهارتهم أو صلاتهم ، بل حتى في أداء المناسك ، وإنما الذي ينبغي لك هو أن تتسلح بالعلم النافع ، ومن ذلك العلم بمثل هذه الاجتهادات للعلماء ومعرفة القول الصحيح بدليله حتى يتيسر لك إرشاهم إلى القول الصواب فيما تختلفون فيه ، مع مراعاة الأدب في العلم والاختلاف.


    7= اعلم أنك ستجد في البقاع زحمة من الناس واكتظاظا ولربما تلقى أذى من بعضهم فتحلى بالصبر ، وتجمل بحسن الخلق من عفو وصفح ولين الجانب وطلاقة الوجه وبشاشته.


    8= كن في مواضع الازدحام متسببا في تخفيفها لا متسببا في زيادة ازدحامها ، كمثل الصلاة في الصحن والناس تطوف ، أو الصلاة في المسعى والناس في السعي ، ونحو ذلك.
    إخواني في الله لقد عنونت لهذا المقال أولا بقولي (وجاءت فريضة الحج) ثم عدلت عنه إلى قولي (وجاء موسم الحج) حتى أذكر ما يفعله الحاج ، كما أن من لم يتيسر له الحج فله ما يفعله في هذا الموسم المبارك.
    فقد روى البخاري في صحيحه بسنده من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما العمل في الأيام العشر أفضل من العمل في هذه .قالوا: ولا الجهاد؟ قال (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء)[27]، (فدل الحديث على أن العمل في هذه الأيام العشر من ذي الحجة أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها ، وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده ، بل يصير العمل المفضول في هذه العشر أفضل من العمل الفاضل في غيره )[28].
    وقال الشيخ ابن عثيمين (وهذا الحديث عام ، وفيه أن جميع الأعمال الصالحة في الأيام العشر محبوبة إلى الله عز وجل ، وأفضل من العمل في غيرها ، وهو شامل لجميع الأعمال من صلاة وصدقة وقراءة وذكر وصيام وغيره... )[29].


    ولذلك فمما يشرع القيام به في هذه العشر :
    1= الصيام ، فقد روى أبو داود من حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ... )[30] نعم قد جاء عن عائشة رضي الله عنها قولها (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط )[31] .
    قال الحافظ ابن رجب رحمه الله (اختلف جواب الإمام أحمد عن هذا الحديث ، فأجاب مرة بأنه قد رُوي خلافه ، وذكر حديث حفصة [32] وأشار إلى أنه اختلف في إسناد حديث عائشة فأسنده الأعمش ورواه منصور عن إبراهيم مرسلا )[33]


    وقال ابن خزيمة رحمه الله بعد أن ذكر حديث عائشة رضي الله عنها السابق بلفظ (أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصم العشر قط) قال (باب: ذكر علة قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يترك لها بعض أفعال التطوع وإن كان يحث عليها ، وهي خشية أن يفرض عليهم ذلك الفعل مع استحبابه صلى الله عليه وسلم ما خفف على الناس من الفرائض) ثم أسند حديث عائشة رضي الله عنها كان الرسول صلى الله عليه وسلم يترك العمل وهو يحب أن يفعله خشية أن يستن به فيفرض عليهم وكان يحب ما خفف على الناس من الفرائض )[34] .


    وكلام الإمام ابن خزيمة رحمه الله هذا فيه توجيه لحديث عائشة رضي الله عنها ، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قد يرغب في العمل ويتركه ، وهو يحب فعله خشية أن يفرض على الناس ، وعليه يحمل حديث عائشة رضي الله عنها في مسألتنا هذه.
    وقال الإمام النووي رحمه الله (هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر ، والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة، قالوا: وهذا مما يتأول ، فليس في صوم هذه التسعة كراهة بل هي مستحبة استحبابا شديدا ، لاسيما التاسع منها وهو يوم عرفة ... )[35] إلى أن قال (فيتأول قولها(لم يصم العشر) أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرها أو أنها لم تره صائما فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر ، ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ... )[36] فذكر الحديث وقد سبق.


    وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله (... وكذلك أجاب غيره من العلماء بأنه إذا اختلفت عائشة وحفصة في النفي والإثبات أخذ بقول المثبت لأن معه علما خفي على النافي ، وأجاب أحمد مرة أخرى بأن عائشة أرادت أنه لم يصم العشر كلها ، يعني وحفصة أرادت أنه كان يصوم غالبه ، فينبغي أن يصوم بعضه ويفطر بعضه ، وهذا الجمع يصح في رواية من روى (ما رأيته صائما العشر) وأما من روى ( ما رأيته صائما في العشر ) فيبعد ويتعذر هذا الجمع فيه ، وكان ابن سيرين يكره أن يقال : صام العشر ، لأنه يوهم دخول يوم النحر فيه ، وإنما يقال : صام التسع ، ولكن الصيام إذا أضيف إلى العشر فالمراد صيام ما يجوز صومه منه )[37].


    وقال شيخنا ابن العثيمين -رحمه الله- (وأما ما ذكرت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : أنها ما رأت النبي صلى الله عليه وسلم صائما العشر قط ، فهو معارض بأن إحدى أمهات المؤمنين ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك صيامها قط ، قال الإمام أحمد رحمه الله : والمثبت مقدم على النافي ، ثم إن بعضهم قال : إن الحديث روي على وجهين:


    الوجه الأول: ما رأيته صائما قط.
    الوجه الثاني: ما رأيته صائما العشر قط.


    فعلى الوجه الأول: تكون نفت أن يكون صام حتى يوم عرفة ، لانها تقول ما رأيته صائما في العشر ، ومعروف أن اللفظ بهذا المعنى شاذ ، لأن يوم عرفة قد ثبت مشروعية صيامه والحث عليه.
    وأما على الوجه الثاني : ما رأيته صائما العشر ، فالمعنى ما رأيته صائما كل العشر ، ولا ينافي أن يكون صام شيئا منها ، وعلى هذا فلا يكون فيه دليل على أن العشر لا يسن صيامها ، بل إن صح أن نقول : فيه دليل ، فهو يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكمل صيام العشر.
    ثم إن هذه قضية عين ، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما صام ولا ندري لماذا، فقد يكون لم يصم لأنه مشغول مثلا بالوفود أو بأشياء أخرى ، أو ما صام العشر كلها ، لأنه اشتغل في أول يوم بكذا ، أو في وسط العشر بكذا ، أو ما أشبه ذلك ، فقضايا الأعيان لا يمكن أن تُدفع بها دلالات الألفاظ الواضحة ، أن العمل الصالح في هذه العشر أحب إلى الله من أن يكون في أي يوم من السنة ، وكلنا يعلم أن الصيام من العمل الصالح ، بل هو الذي اختصه الله لنفسه قال (الصوم لي وأنا أجزي به )[38]... )[39]
    ومن الصيام كذلك صيام يوم عرفة فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أنه يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده )[40].


    2= مما يدخل في عموم لفظ الحديث (ما العمل في الأيام العشر... ) فيشمل لفظ العمل جميع الأعمال الصالحة فيدخل فيها الذكر والدعاء والقيام وقراءة القرآن والصدقة.
    ويدل على الذكر {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} [ الحج/28] فهذه الأيام هي الأيام العشر ، قال الإمام البخاري رحمه الله (باب فضل العمل في أيام التشريق، وقال ابن عباس ( (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ) أيام العشر والأيام المعدودات أيام التشريق).
    وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما ، وكبر محمد بن علي خلف النافلة )[41]




  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    687

    افتراضي رد: (وَجَاءَ مَوْسِمُ الحَجِّ) بقلم الشيخ محمد بن خدّة الجزائري

    وظاهر اختيار البخاري شمول التكبير لجميع الأوقات فلا يتقيد بدبر صلاة الفريضة فقط أو النافلة ، بل يشمل جميع الأوقات ، وأصح ما رود في بيان وقت التكبير من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق بعد العصر ، قال الشيخ الألباني رحمه الله (وقد صح عن علي رضي الله عنه ، أنه كان يكبر بعد صلاة الفجر يوم عرفة ، إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق ، ويكبّر بعد صلاة العصر رواه ابن أبي شيبة (2/1/1) من طريقين ، أحدهما جيد ، ومن هذا الوجه رواه البيهقي (3/324) ثم روى مثله عن ابن عباس وسنده صحيح ، وروى الحاكم (1/300) عنه ، وعن ابن مسعود مثله )[42].


    وأما صيغة التكبير فقد ثبتت في ذلك آثار عن بعض الصحابة رضي الله عنهم ، منها عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه (الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد) وعن ابن عباس رضي الله عنهما (الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا ، الله أكبر وأجل ، الله أكبر على ما هدانا )[43].


    3= ومن العمل في هذه الأيام العشر الأضحية ، والتي هي من سنة الإسلام وشريعة خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام ، وقد ثبت ما يؤكدها ويدل على وجوبها على المستطيع لها ، فلا يفوتها ، فأفضل العبادات الصلاة والتقرب إلى الله بالهدي ولذلك جمع بينهما في قوله تعالى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [ الكوثر/2].
    فهذه من الأعمال التي ينبغي اغتنامها في هذا الموسم الفاضل .


    وللإمام ابن رجب رحمه الله كلام جميل يحسن بنا أن نختم به مقالنا هذا ، قال -رحمه الله- (إخوانكم في هذه الأيام قد عقدوا الإحرام ، وقصدوا البيت الحرام ، وملؤوا الفضاء بالتلبية والتكبير والتهليل والتحميد والإعظام ، لقد ساروا وقعدنا ، وقربوا وبعدنا ، فإن كان لنا معهم نصيب سعدنا ...
    القاعد لعذر شريك للسائر وربما سبق السائر بقلبه السائرين بأبدانهم ...
    ... الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة ، فما منها عوض ولا لها قيمة ، المبادرة المبادرة بالعمل ، والعجل العجل قبل هجوم الأجل ، قبل أن يندم المفرط على ما فعل ، قبل أن يسأل الرجعة فيعمل صالحا فلا يجاب إلى ما سأل.
    قبل أن يحول الموت بين المؤمِّل وبلوغ الأمل ، قبل أن يصير المرأ مرتهنا في حفرته بما قدّم من عمل...
    يا من طلع فجر شيبه بعد بلوغ الأربعين ، يا من مضى عليه بعد ذلك ليالي عشر سنين حتى بلغ الخمسين ، يا من هو في معترك المنايا ما بين الستين والسبعين ، ما تنتظر بعد هذا الخبر إلا أن يأتيك اليقين ، يامن ذنوبه بعدد الشفع والوتر أما تستحي من الكرام الكاتبين ؟ أم أنت ممن يكذّب بيوم الدين ؟ يامن ظلمة قلبه كالليل إذا يسري أما لقلبك أن يستنير ويلين؟ تعرض لنفحات مولاك في هذا العشر ، فإن فيه لله نفحات يصيب بها من يشاء ، فمن أصابته سعد بها آخر الدهر )[44].


    وقال كذلك رحمه الله (من فاته هذا العام القيام بعرفة ، فليقم لله بحقه الذي عرفه ، ومن عجز عن المبيت بمزدلفة فَلْيَبُتّ عزمه على طاعة الله وقد فرّ به وأزلفه ، ومن لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف ، فليقم لله بحق الرجاء والخوف ، ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه هنا وقد بلغ المُنا، ومن لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد ، فليقصد رب البيت فإنه أقرب إليه من حبل الوريد .
    نفحت في هذه الأيام نفحة من نفحات الأنس من رياض القدس على كل قلب أجاب إلى ما دُعي ، يا همم العارفين بغير الله لا تقنعي ، يا عزائم الناسكين لأنساك الناسكين اجمعي ، لحب مولاك أفردي وبين خوفه ورجائه أقرني وبذكره تمتعي ، يا أسرار المحبين بكعبة الحب طوفي واركعي ، وبين صفاء الصفا ومروة المروى اسعي وأسرعي ، وفي عرفات الغرفات قفي وتضرعي، ثم إلى مزدلفة الزلفى فادفعي ، ثم إلى مِنى نيل المنى فارجعي ، فإذا قُرب القرابين فقربي الأرواح ولا تمنعي ، لقد وضح الطريق ، ولكن قل السالك على التحقيق وكثر المدّعي )[45].


    هذا ما انقدح في الذهن أن أشير إليه في هذه الكلمات مما يتعلق بالحج وبعض أحكامه سائلا الله تعالى التوفيق لجميع المسلمين، ولا ننسى جميعا ما في هذا الزمن من فضل بأيامه ولياليه ، فلنغتنم فرصة ذلك في الطاعات ، وكثرة الاستغفار والدعاء ، وخاصة لهذه الأمة التي تكالبت عليها أمم غيرها بطرق جديدة في محاربة إسلامها وهي طرق غير الطرق الأولى ، فظاهرها الوقوف مع المسلمين ، وباطنها نحرها وذبحها وقطع أعضائها وفصلها بعضها عن بعض بما ينبئ عما في نفوس هؤلاء من الكراهية والحقد الدفين الذي لم تنطفئ شعلته منذ الحروب الصليبية -بل وقبل- إلى الآن ، فاللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ، ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف ، وينهى فيه عن المنكر ، اللهم انصر الإسلام والمسلمين ، واخذل الكفرة والمنافقين ، وعليك اللهم بأعداء الدين ، فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين .


    اللهم آمنا في أوطاننا ، وآمن سائر أوطان المسلمين ، اللهم انصر عبادك المستضعفين في كل مكان ، اللهم اجمع كلمة المسلمين ، ووحد صفوفهم على كلمة الحق والهدى يا رب العالمين .


    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

    سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.


    كتبه بيده أبو عبد الرحمن محمد بن خدّة
    وكان آخر ذلك قبل مغرب يوم الخميس


    1435/12/01هـ
    2014/09/25مـ



    ****************************** ********
    [1]جامع البيان في تأويل آي القرآن 17/182.
    [2]رواه البخاري 1773 ، ومسلم 1349 ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
    [3]رواه البخاري 1561 ، ومسلم 1350 عن أبي هريرة رضي الله عنه
    [4]رواه أحمد 5/134 بسند حسن.
    [5]رواه مسلم 1015 عن أبي هريرة رضي الله عنه
    [6]رواه البخاري1410 ومسلم1014 عن أبي هريرة رضي الله عنه
    [7]رواه ابن حبان في صحيحه 3216 عن أبي هريرة رضي الله عنه . والمنذري في الترغيب والترهيب 3/18 . وقال الشيخ الألباني (حسن) انظر صحيح الترغيب والترهيب 752
    [8]رواه البخاري ومسلم وسبق تخريجه
    [9]رواه البخاري 1862 ، ومسلم 1341. عن ابن عباس رضي الله عنهما
    [10]رواه مسلم 1297، عن جابر رضي الله عنه
    [11]هذه الأمور الستة ذكرها الشيخ ابن العثيمين في شرحه لكتاب الحج من بلوغ المرام الشريط الأول الوجه واحد ، مع تصرف يسير بذكر بعض الأدلة من آية أو حديث
    [12]المنهج لمريد العمرة والحج للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص 15
    [13]شرح صحيح مسلم للنووي 8/185
    [14]رواه الترمذي في سننه في (كتاب الدعوات) 3583 عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال (هذا حديث غريب من هذا الوجه) ، وقال الشيخ الألباني في (صحيح وضعيف سنن الترمذي) حسن
    [15]رواه مسلم 1218. عن جابر رضي الله عنهما
    [16]رواه النسائي 3028، وقال الشيخ الألباني (صحيح) في (صحيح سنن النسائي) 2/349
    [17]وادي محسِّر واد أو مسيل ماء ، قيل فاصل بين مزدلفة ومنى ، وليس من واحد منهما ، والصحيح أنه من منى كما في صحيح مسلم 1282 ، من حديث الفضل بن عباس رضي الله عنهما ، وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم ،أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا (عليكم السكينة) وهو كافّ ناقته حتى دخل محسّرا وهو من منى ...) ، ووجه الإسراع فيه قالوا: لأن فيل أصحاب الفيل حُسر فيه أي أعيا وكلّ عن السير ، والسنة في مواضع العذاب الإسراع فيها ، ذكر ذلك غير واحد انظر (هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك) 3/1214 ، وقد ردّ هذا الإمام الفاسي في (شفاء الغرام) 1/409، حيث ذكر أن هذا فيه نظر ، لأن ابن الأثير قد ذكر في (النهاية في غريب الحديث) ص 179 ، في مادة (حبس) أن الفيل لم يدخل الحرم.
    قلت: وقد سبق في رواية مسلم أن محسر من منى فهو من الحرم ولم يدخل الفيل الحرم .
    وقال ذكر جماعة في (هداية السالك) 3/1213 ، وجها آخرا حيث قال (وسبب الإسراع في وادي محسّر أنه كان موقفا للنصارى فاستحب مخالفتهم ، وكان عمر رضي الله عنه إذا بلغه أسرع وقال :
    اليك تعدو قلقا وضينها * معترضا في بطنها جنينها
    مخالفا دين النصارى دينها
    وروي مثل ذلك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
    [18]رواه مسلم 1218. عن جابر رضي الله عنه
    [19]رواه النسائي (3057) صحيح. عن أبي هريرة رضي الله عنه
    [20]ذكرها لنا شيخنا عبد المحسن العباد حفظه الله في شرح كتاب المناسك من سنن النسائي.
    [21]رواه البخاري 1737 ومسلم 1306 عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما
    [22]رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما 1751
    [23]الذخيرة 3/432- 433
    [24]رواه مسلم 1297 عن جابر رضي الله عنه.
    [25]رواه البخري 39 عن أبي هريرة رضي الله عنه
    [26]رواه أحمد 5/266، وصححه الشيخ الألباني انظر السلسلة الصحيحة رقم 2924. 6/423
    [27]رواه البخاري بهذا اللفظ 969
    [28]لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ، للحافظ ابن رجب رحمه الله ص 289 ، مع تصرف يسير
    [29]شرح صحيح البخاري 3/26 –مفرغ من الأشرطة-
    [30]رواه أبو داود 2129 ، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله
    [31]رواه مسلم 1176
    [32]يقصد حديث حفصة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر) رواه أحمد 6/287. وهو حديث ضعيف
    [33]لطائف المعارف ص 290
    [34]صحيح ابن خزيمة 3/293 ، وحديث عائشة رواه كذلك أحمد 6/36 ، وفي مواضع أخرى وهو حديث صحيح
    [35]شرح صحيح مسلم للنووي 8/71
    [36]شرح صحيح مسلم للإمام النووي 8/71
    [37]لطائف المعارف 290 -291
    [38]رواه البخاري 7492. ومسلم 1151 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
    [39]شرح صحيح البخاري 3/ 26-27 ، ثم ذكر الشيخ –رحمه الله- كلمة جميلة نصيحة لطلبة العلم فانظرها
    [40]رواه مسلم 1162
    [41]صحيح البخاري (2/555 فتح الباري)
    [42]إرواء الغليل ( 3/152 تحت رقم 653)
    [43]انظر تخريج الأثرين في الإرواء (3/ 125-126 تحت رقم 654)
    [44]لطائف المعارف 298
    [45]لطائف المعارف 313

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •