■ فضل أيام العشر من ذي الحجة والعمل الصالح فيها
■ جمع وإعداد / العبد الفقير إلى الله
■ أبومعاذ / عبد رب الصالحين أبو ضيف العتموني
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } .
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } .
■ أما بعد :
فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار
أما بعد
■ أخي الحبيب : إن الله عز وجل قد تفضل ومنح هذه الأمة مواسم عظيمة تتضاعف فيها الحسنات وتكفر فيها السيئات ومن هذه المواسم العظيمة العشر الأول من شهر ذي الحجة التي فضلها الله تعالى على سائر أيام العام فقد جمع الله فيها من الفضائل ونوع فيها من الطاعات ما لا يخفى إلا على أهل الغفلة والإعراض .
وقد أقسم بها المولى جل وعلا لعظمتها فقال : ( وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ ) .
وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر قالوا ولا الجهاد في سبيل الله !! قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء ) رواه البخاري .
وعنه رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من عمل أزكى عند الله عز وجل ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى قيل : ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء ) رواه الدارمي وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله .
وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أفضل أيام الدنيا العشر ) يعني عشر ذي الحجة ... ) رواه البزار وصححه الشيخ الألباني رحمه الله ورواه أبويعلى بلفظ : ( ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة ... ) .
وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر ... ) رواه أحمد وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر رحمه الله .
ولقد كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم شديدي الحرص على هذه العشر فهذا سعيد بن جبير رحمه الله كان إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهاداً شديداً حتى ما يكاد يقدر عليه .
فهذه النصوص وغيرها دلت بمنطوقها ومفهومها على أن هذه العشر أفضل من سائر أيام السنة من غير استثناء شيء منها حتى العشر الأواخر من رمضان ولكن ليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة لاشتمالها على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من العلماء .
■ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة ) أهـ .
ثم قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعقيباً : ( وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافياً كافياً فإنه ليس من أيام العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة وفيها : يوم عرفة ويوم النحر ويوم التروية وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحييها كلها وفيها ليلة خير من ألف شهر فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة ) أهـ .
■ - وقال ابن كثير رحمه الله : ( وبالجملة فهذا العشر قد قيل إنه أفضل أيام السنة كما نطق به الحديث وفضله كثير على عشر رمضان الأخير لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيره ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه وقيل ذلك أفضل لاشتماله على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وتوسط آخرون فقالوا أيام هذا أفضل وليالي ذاك أفضل وبهذا يجتمع شمل الأدلة ) أهـ .
■ - وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله : ( والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك في غيره ) أهـ .
■ - وقال المباركفوري رحمه الله : ( اختلف العلماء في هذه العشر والعشر الأخير من رمضان فقال بعضهم :
هذه العشر أفضل لهذا الحديث وقال بعضهم : عشر رمضان أفضل للصوم والقدر والمختار أن أيام هذه العشر أفضل ليوم عرفة وليالي عشر رمضان أفضل لليلة القدر لأن يوم عرفة أفضل أيام السنة وليلة القدر أفضل ليالي السنة ولذا قال ما من أيام ولم يقل من ليال ) أهـ .
■ - وقال الشيخ محمد بن صالح المنجد : ( اعلم يا أخي المسلم أن فضيلة هذه العشر جاءت من أمور كثيرة منها :
1- إن الله تعالى أقسم بها : والإقسام بالشيء دليل على أهميته وعظم نفعه قال تعالى : ( وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) قال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف : إنها عشر ذي الحجة .
2- إن النبي صلى الله عليه وسلم شهد بأنها أفضل أيام الدنيا كما تقدم في الحديث الصحيح .
3- إنه صلى الله عليه وسلم حث فيها على العمل الصالح : لشرف الزمان بالنسبة لأهل الأمصار وشرف المكان أيضاً وهذا خاص بحجاج بيت الله الحرام .
4- إنه صلى الله عليه وسلم أمر فيها بكثرة التسبيح والتحميد والتكبير .
5- إن فيها يوم عرفة وهو اليوم المشهود الذي أكمل الله فيه الدين وصيامه يكفّر آثام سنتين وفي العشر أيضاً يوم النحر الذي هو أعظم أيام السنة على الإطلاق وهو يوم الحج الأكبر الذي يجتمع فيه من الطاعات والعبادات ما لا يجتمع في غيره .
6- إن فيها الحج والأضحية ) أهـ .
■ ومن أنواع العمل الصالح في هذه العشر :
■ الأول : أداء الحج والعمرة وهو أفضل ما يعمل ويدل على فضله عدة أحاديث منها : رواه النسائي والطبراني والبزار وأبويعلى وصححه الشيخ الألباني رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الحجة المبرورة ليس لها جزاء إلا الجنة والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ) .
فمن وفقه الله تعالى لحج بيته وقام بأداء نسكه على الوجه المطلوب فله نصيب إن شاء الله من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) .
■ الثاني : الإكثار من الأعمال الصالحة من نوافل العبادات : كقيام الليل وقراءة القرآن والصدقة وإطعام الطعام والإحسان إلى الوالدين والأقارب والجيران وتفريج كرب المكروبين والتيسير على المعسرين وإعانة المحتاجين ونحو ذلك من الأعمال التي تتضاعف في هذه الأيام وهى من أفضل وأحب الأعمال إلى الله من العمل في غيرها وإن كان فاضلاً حتى الجهاد الذي هو من أفضل الأعمال إلا من عقر جواده واهريق دمه .
■ الثالث : صيام هذه الأيام جميعاً ما عدا يوم العيد أو صيام ما تيسر منها وبالأخص يوم عرفة لأن الصوم من جملة الأعمال الصالحة التي رغب الرسول صلى الله عليه وسلم فيها ولا شك أن جنس الصيام من أفضل هذه الأعمال وهو ما اصطفاه الله لنفسه كما في الحديث القدسي فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله عز وجل : ( الصوم لي وأنا أجزي به إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ) رواه البخاري .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً ) رواه البخاري ومسلم - أي مسيرة سبعين عاماً .
وروى مسلم عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده ) .
وهل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم هذه الأيام ؟ .
الجواب : ورد في هذه المسألة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان ولكنهما متعارضان :
الحديث الأول : عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط ) رواه مسلم .
والحديث الثاني : عن هنيدة بن خالد الخزاعي عن حفصة رضي الله عنها قالت : ( أربع لم يكن يدعهن النبي صلى الله عليه وسلم صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر والركعتين قبل الغداة ) رواه النسائي وأحمد وابن حبان وابن أبي شيبة وأبو يعلى والطبراني وضعف الشيخ الألباني رحمه الله هذا الحديث .
ولكن صحح الشيخ رحمه الله رواية أخري رواها أبوداود والبيهقي عن هنيدة أيضاً عن امرأته عن بعض أزواج النبى صلى الله عليه وسلم بلفظ : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذى الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر ... ) وصحح أيضاً ما رواه أحمد والنسائى بلفظ : ( كان يصوم تسعاً من ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر ... ) .
■ ومن أقوال العلماء في التوفيق بين الحديثين ما يلي :
■ - قال الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله : ( قد تأملت الحديثين واتضح لي أن حديث حفصة فيه اضطراب وحديث عائشة أصح منه ... ويبعد جداً أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يصوم العشر ويخفى ذلك على عائشة مع كونه يدور عليها في ليلتين ويومين من كل تسعة أيام لأن سودة وهبت يومها لعائشة وأقر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فكان لعائشة يومان وليلتان من كل تسع ولكن عدم صومه صلى الله عليه وسلم العشر لا يدل على عدم أفضلية صيامها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تعرض له أمور تشغله عن الصوم .
وقد دل على فضل العمل الصالح في أيام العشر حديث ابن عباس المخرج في صحيح البخاري وصومها من العمل الصالح فيتضح من ذلك استحباب صومها في حديث ابن عباس وما جاء في معناه وهذا يتأيد بحديث حفصة وإن كان فيه بعض الاضطراب ويكون الجمع بينهما على تقدير صحة حديث حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم العشر في بعض الأحيان فاطلعت حفصة على ذلك وحفظته ولم تطلع عليه عائشة أو اطلعت عليه ونسيته والله ولي التوفيق ) أهـ .
■ - وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله : ( أما حديث عائشة رضي الله عنها الذي في مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصوم العشر ) فإن العلماء قالوا : إذا تعارض عدلان ثقتان أحدهما مثبت والثاني نافٍ يقدم المثبت لأن معه زيادة علم وقد يكون نفي عائشة رضي الله عنها نفي علم لا نفي واقع وبهذا يجمع بين الحديثين ثم على فرض أن حديث حفصة غير محفوظ فإن الصيام من أفضل الأعمال فيدخل في قوله : ( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب الله من هذه الأيام العشر ) أهـ
■ - وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أيضاً : ( وقد ورد حديثان متعارضان في هذه الأيام أحدهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم هذه الأيام التسعة والثاني أنه كان يصومها وقد قال الإمام أحمد رحمه الله في التعارض بين هذين الحديثين : إن المثبت مقدم على النافي ورجح بعض العلماء النفي لأن حديثه أصح من حديث الإثبات لكن الإمام أحمد جعلهما ثابتين كليهما وقال : إن المثبت مقدم على النافي ونحن نقول : إذا تعارضا تساقطا بدون تقديم أحدهما على الآخر فعندنا الحديث الصحيح العام "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر" فالعمل الصالح في أيام عشر ذي الحجة ومن ذلك الصوم أحب إلى الله من العمل الصالح في العشر الأواخر من رمضان ) أهـ .
■ - وقال الشيخ مصطفى العدوي : ( صيام العشر الأول من ذي الحجة ورد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان : الحديث الأول : حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها الذي أخرجه مسلم وفيه : ( ما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر قط ) .
الحديث الثاني : أخرجه النسائي وغيره من طريق راوٍ يقال له : هنيدة بن خالد رواه مرة عن حفصة قالت : ( أربع لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم : صيام العشر ) واختلف على هنيدة فرواه مرة عن أمه عن أم سلمة مكان حفصة ومرة عن أم سلمة مباشرة وثمّ أوجه أخر من أوجه الاختلاف ! فمن ناحية الصحة الظاهر والله سبحانه أعلم أن حديث عائشة الذي في صحيح مسلم أصح وإن كان فيه نوع اختلاف عن الأعمش ومنصور أيضاً لكن من العلماء من حاول التوفيق بين الحديثين وقال ما حاصله : إن كل زوجة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حكت الذي رأته ولكن تمادت فنفت أو تمادت فأثبتت فالرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان يدور على كل امرأة في كل تسعة ليال ليلة فعلى هذا يقال : إذا صام الشخص أحياناً وأفطر أحياناً أو صام سنوات وأفطر سنوات فله وجه وإذا عمل بأي من الرأيين فله سلف .
ومن أهل العلم من أدخل الصيام ضمن الأعمال الصالحة الواردة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله عز وجل من هذه العشر قالوا : ولا الجهاد يا رسول الله ؟ قال : ولا الجهاد إلا أن يخرج أحدكم بنفسه وماله ثم لا يرجع من ذلك بشي والله أعلم ) أهـ .
■ الرابع : الإكثار من التحميد والتهليل والتكبير لقوله تعالى : ( وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون ) وقد فسرت بأنها أيام العشر واستحب العلماء لذلك كثرة الذكر فيها لما ثبت في الحديث السابق عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما : عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد ) رواه أحمد وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر رحمه الله .
والتكبير في هذا الزمان صار من السنن المهجورة ولاسيما في أول العشر فلا تكاد تسمعه إلا من القليل فينبغي الجهر به إحياء للسنة وتذكيراً للغافلين .
ذكر البخاري في صحيحه تعليقاً عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما : ( أنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما )
وكان عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما يكبران في أيام منى في المسجد وفي الخيمة ويرفعان أصواتهما بذلك حتى ترتج منى تكبيراً .
وعن ميمون بن مهران قال : أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها ويقول : إن الناس قد نقصوا في تركهم التكبير .
■ والتكبير فيها قسمان :
1- تكبير مطلق : ويكون من أول يوم من ذي الحجة في جميع الوقت من ليل أو نهار إلى آخر أيام التشريق .
2- وتكبير مقيد : ويكون بعد الصلوات المكتوبة التي تصلى في جماعة ويبدأ لغير الحجاج من فجر يوم عرفة ويستمر إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق أما الحاج فيبدأ عقب صلاة الظهر من يوم النحر .
وصفة التكبير : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد وهناك صفات أخرى والأمر واسع في هذا لعدم وجود نص عن النبي صلى الله عليه وسلم يحدد صيغة معينة .
ويُستحب للرجال دون النساء رفع الصوت بالتكبير في المساجد والمنازل والطرقات وكل موضع يجوز فيه ذكر الله وغيرها إظهاراً للعبادة وإعلاناً بتعظيم الله تعالى لقوله تعالى : ( وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ) .
■ الخامس : الأضحية في يوم النحر وأيام التشريق وهي سنة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين فدى الله ولده بذبح عظيم وهي من خير القربات في يوم العيد وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما ) رواه البخاري ومسلم .
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على التضحية وهي مطلوبة في وقتها من الحي عن نفسه وأهل بيته وله أن يشرك في ثوابها من شاء من الأحياء والأموات .
وقد اختلف العلماء في حكمها والصحيح أنها سنة مؤكدة لمن قدر عليها وهو مذهب جمهور الفقهاء وهذا ما افتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ : عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله .
والسنة أن يشهد المضحي أضحيته وأن يباشر ذبحها بنفسه وأن يأكل منها شيئاً كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وإن وكل غيره في الذبح جاز .
والأضحية لا تقبل ولا تكون أضحية شرعية إلا بشروط هي :
■ الشرط الأول : أن تكون من بهيمة الأنعام وهي : الإبل والبقر والغنم ( ذكراً كانت أو أنثى ) .
■ الشرط الثاني : أن تكون بالغةً للسن المحدد شرعاً وهي في الإبل : خمس سنوات وفي البقر : سنتان وفي الماعز : سنة وفي الضأن : نصف سنة .
الشرط الثالث : أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء لأن هناك عيوباً تمنع من إجزاء البهيمة ولو كانت من بهيمة الأنعام .
الشرط الرابع : أن تكون في الوقت أي : في وقت ذبح الأضحية وهو من بعد صلاة العيد إلى غروب شمس يوم الثالث عشر فمن ذبح قبل وقت الأضحية فلا أضحية له ومن ذبح بعد انتهاء المدة فلا أضحية له .
■ السادس : من أراد أن يضحي فليمسك عن الأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي فعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره ) رواه مسلم .
ورواه النسائى أيضاً بلفظ : ( من رأى هلال ذي الحجة فأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يضحي ) .
ولعل ذلك تشبهاً بمن يسوق الهدي فقد قال الله تعالى : ( وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) .
وهذا شامل للشعر المستحب إزالته والمباح إزالته فلا يأخذ منه شيئاً ويشمل القليل والكثير .
ومثال المستحب إزالته : شعر الإبط والعانة .
والمباح إزالته كالرأس فلا يحلق رأسه ولا يقص منه شيئاً حتى يضحي .
وهذا النهي ظاهره أنه خاص بمن يضحي أما من يُضحى عنه فلا يتعلق به الحكم فلا يعم الزوجة ولا الأولاد إلا إذا كان لأحدهم أضحية تخصه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وأراد أحدكم أن يضحي ) ولم يقل أو يُضحى عنه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُضحي عن أهل بيته ولم يٌنقل عنه أنه أمرهم بالإمساك عن ذلك .
وعلى هذا فيجوز لأهل المضحي أن يأخذوا في أيام العشر من الشعر والظفر والبشرة .
قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله : ( من يُضحى عنه لا حرج عليه أن يأخذ من ذلك والدليل على هذا ما يلي :
أولاً : أن هذا هو ظاهر الحديث وهو أن التحريم خاص بمن يضحي وعلى هذا فيكون التحريم مختصاً برب البيت وأما أهل البيت فلا يحرم عليهم ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق الحكم بمن يضحي فمفهومه أن من يضحى عنه لا يثبت له هذا الحكم .
ثانياً : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي عن أهل بيته ولم يُنقل أنه كان يقول لهم : لا تأخذوا من شعوركم وأظفاركم وأبشاركم شيئاً ولو كان ذلك حراماً عليهم لنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنه وهذا هو القول الراجح ) أهـ .
وإذا أخذ من يريد الأضحية شيئاً من شعره أو ظفره أو بشرته فعليه أن يتوب إلى الله تعالى ولا يعود ولا كفارة عليه ولا يمنعه ذلك عن الأضحية .
وإذا أخذ شيئاً من ذلك ناسياً أو جاهلاً أو سقط الشعر بلا قصد فلا إثم عليه وإن احتاج إلى أخذه فله أخذه ولا شيء عليه مثل أن ينكسر ظفره فيؤذيه فيقصه أو ينزل الشعر في عينيه فيزيله أو يحتاج إلى قصه لمداواة جرح ونحوه ولا بأس بغسل الرأس ودلكه ولو سقط منه شيء من الشعر .
■ السابع : أداء صلاة العيد حيث تصلى وحضور خطبتها لأنها شعيرة من شعائر الإسلام التي ينبغي إحياؤها وإدراك مقاصدها واستشعار معانيها وهى سنة مؤكدة واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الرجال والنساء أن يخرجوا لها من غير فرق بين البكر والثيب والشابة والعجوز والحائض وبشرط التستر ولبس الحجاب الشرعي وعدم التبرج والتطيب والاختلاط ولكن النساء الحيض يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزلن الصلاة
وصلاة العيد ركعتان من غير أذان ولا إقامة .
والسنة أن تصلي صلاة العيد في الخلاء لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم علي ذلك ولم يُنقل عنه أنه صلاها في مسجده مع فضله إلا مرة واحدة بسبب المطر .
وصفتها : أن يكبر المصلي في الركعة الأولى ست تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات بعد تكبيرة القيام مع رفع اليدين في كل تكبيرة علي الراجح لثبوت ذلك عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما .
والمشروع في حق المأموم أن لا يجهر بشئ من التكبيرات في الصلاة بل يجب عليه أن يكبر سراً وكذلك السلام .
■ وفي الختام : أسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من الحريصين على اغتنام هذه الأيام في طاعة الله وذكره وشكره وحسن عبادته والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
أخوكم / العبد الفقير إلى الله
أبومعاذ / عبد رب الصالحين أبوضيف العتموني
العتامنة / طما / سوهاج
01002889832
01144316595