عشرة رسائل قرآنية لأهل التربية والتعليم



في مطلع كل عام دراسي تتزاحم الوصايا وتكثر على أطراف العملية التربوية.
والمسلمُ لن يجد حافزاً ومعيناً أعظم من تلك الرسائل الربانية التي تضمنها أعظم كتاب للتربية والتعليم، ويليه ما حملته السُّنة النبوية من رسائل علمية وعملية في هذا الميدان الشريف.
وفي هذه العجالة أسوق هذه الرسائل القرآنية، تَذكّرةً لنفسي وإخواني ـ ممن شرّفهم الله بالانضمام لهذه المهمة ـ سواءٌ كانوا في التعليم النظامي أم المسجدي أم غيرها من الظروف المكانية.
ومن المقطوع به أن هذه الرسائل إنما هي نماذج، لا يُراد منها الحصر، فالآيات التي تحمل رسائلَ في هذا الباب بالمئات، ما بين صريح وغير صريح، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، ولئن كان أولى الناس بهذه الرسائل هم المتصدون لتعليم العلوم الشرعية، إلا أن فيها ما يناسب العموم، ومنها:
الرسالة الأولى: أنتَ أيها المعلم تقوم بمهمة من مهام الأنبياء، ويا له من شرف لو وعاه المعلم! تأمل هذه: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ[الجمعة: 2]، فبدأ بالتزكية ـ وهي إصلاح القلوب وتطهيرها من أمراضها ـ ثم ذكر الوسائل التي تحصل بها هذه التزكية، فقال: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، والحكمة هي السنة، فمن رام تزكيةً وإصلاحاً للقلوب والأعمال خارج نطاق الوحيين؛ فقد أخطأ الطريق، وأبعد النُجْعة.
الرسالة الثانية: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا[النساء: 113]، فإذا وقفتَ أمام طلابك، فقف موقف الشاكر لله على أن علّمك، وأعيذك بالله أن تقف موقف المتكبر المغترّ بعلمه، بل تذكَّر هذه النعمة، وأنه لا حول ولا قوة لك، ولسان حالك ومقالك لا يفتر من الشكر، وتَيقَّن هذه الحقيقة: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه[النحل: 53].
الرسالةُ الثالثة: قد يخفى عليك شيء من العلم في مسألةٍ ما، فحينها تذكَّر هذا الأدب الذي ذكره اللهُ عن الملائكة بقولهم: لَا عِلْمَ لَنَا[البقرة: 32]، "ومن ترك لا أدري أصيبت مقاتِله" كما قال الأئمة.
الرسالةُ الرابعة: حين يتقدم أحدُ تلاميذك بمعلومةٍ خفيت عليك، فإياك أن تعتبر هذا استنقاصاً لك، أو يسمعَ منك ما يثبّط عزيمتَه! بل شجّعه، واشكره واستمع له، كما استمع سليمان عليه الصلاة والسلام للهدهد ـ وهو حيوان ـ حين قال: أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِي[النمل: 22]، فلم يعنّفه سليمان، بل استمعَ له، وبنى عليه أموراً معروفة، آلت في النهاية لإسلام ملكة سبأ.
الرسالةُ الخامسة: رسالةٌ حملتها قصةُ الخضر عليه الصلاة والسلام، حين مدحه الله بقوله: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا[الكهف: 65]، فالرحمة بالمتعلم قبل تعليمه، وثق أن العلم والتربية لا يؤتيان أُكلَهما إذا صدرا بغلظة وقسوة، ولقد قال الله لسيد المعلمين والمربين: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك[آل عمران: 159] فلاحِظ من هو المخاطَب بهذه الآية! ومن التلاميذ الذين حوله!
الرسالةُ السادسة: للمعلم والمتعلم: فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا[الأعراف: 145]، هكذا يريد الشرعُ من المعلمين والمتعلمين، أن يأخذوا هذه الأمانة الملقاة على عواتقهم بقوة، أي: بجدٍ واجتهاد، وهذه من أحسن الرسائل التي يتلقاها المتعلم من أستاذه.
الرسالة السابعة: وما يليها من رسائل هي لإخوتي الطلاب: كم هو جميلٌ أن نكسو تحصيلَنا للعلم بالأدب، ونعطي صورةً حسنة لتربيتنا التي سبقت مجيئَنا للمدرسة والجامعة، مترجمين بذلك دلالة هذه الآية في واقعنا: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا[الكهف: 66] فهذا الالتماس قاله موسى للخضر ـ عليهم الصلاة والسلام ـ مع أن موسى أفضل من الخضر باتفاق العلماء، ومع هذا لما كان محتاجاً لعلمه في تلك المسائل خاطبه بهذا الأدب، فاستعمِل الأدب مع أستاذك وإن كنتَ أعلمَ منه، فكيف إذا كان أعلم منك، كما هو الغالب!
الرسالة الثامنة: قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا[الكهف: 69]، هذا هو شأن طالب العلم؛ صابرٌ مطيع لأستاذه بالمعروف، وبهذا يستفيد، وينتفع، وبضد ذلك تفوت عليه المصالح.
الرسالة التاسعة: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ[الزمر: 9]، سؤال لم يجب عنه القرآن؛ لوضوحه لكل عاقل، فلا يستوون أبداً، فاللهَ اللهَ بالجدّ في دراستك، وعدم احتقار نفسك، وصُمّ أذنيك عن المخذلين، وفارق صحبة أصحاب الهمم الدنيئة.
الرسالة العاشرة: إذا قرأت هذه الآية: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا[النحل: 78] فتذكّر أنك أنتَ والأئمة من قبلك كانوا يوماً من الأيام لا يقرأون ولا يكتبون، فجدّوا واجتهدوا، فصاروا يُشار إليهم بالبنان، واستفاد الناس من علمهم إلى يومنا هذا وإلى أن يشاء الله.
وتذكر ـ وأنت تترقى في مدارج التعلّم ـ أن أمتك تنتظرك، وهي تحتاج إلى كل طاقة من طاقات شبابها، التي يريد أعداؤها إهدارَها، وشغلها بالتوافه من الأمور، وضعْ رضى اللهِ نُصبَ عينيك، ثم قَصْدَ نَفْعِ أمّتِكَ، فإن ذلك مما يُعظَم به الأجر، وتزيد به الحسنات.