بسم الله الرحمن الرحيم
الفلسطينيون بين الغطرسة الإسرائيلية
والخيمة العربية
عصفت بالفلسطينيين في شمال غزة وباقي المدن والمحافظات في الأسبوع الماضي والذي قبله وعلى مدى خمسة أيام متواصلة العمليات العسكرية المسماة إسرائيلياً بـ ( الشتاء الساخن ) ، ولكنها توقفت ، لا من تلقاء نفسها؛ بل حسب خطة معلومة معدة سلفاً لحصد نتائج سياسية آنية على المدي القريب، فإن تم الحصول عليها فربما يتوقف الشتاء المزعوم إلى أجل قد يطول وقد يقصر، ولكنه في وقت ما تثور عواصفه ورياحه وتنزل أمطاره الساخنة على رؤوس الفلسطينيين وحدهم ، وقد يمتد إلى من حولهم بالاسم نفسه أو باسم جديد ، فما أكثر الأعمال العسكرية والحروب الصغيرة أو الكبيرة التي تثيرها وتقوم بها الآلة الحربية الإسرائيلية منذ قيامهم بإعلان دولتهم وإلى اليوم ، للوصول إلى نتائج سياسية وأهداف دنيا ، ثم يكون الهدوء أو التهدئة كما يحلو للبعض أن يسميه ، أو الهدنة المعلنة أوغير المعلنة ، في سلسلة لا تنتهي ، للوصول إلى الأهداف العليا للسياسة الإسرائيلية والتي ليست هي بالضرورة ما تتناقله وسائل الإعلام المختلفة مما يصرح به هذا المسئول أو ذاك من الساسة والمعلقين والمحللين، والله يقول عنهم إنهم هم الذين يوقدون نيران الحروب ، وأن الله تعالي يطفؤها قال سبحانه :
( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) ) المائدة ،
• فهم دائماً يسعون في الفساد وإيقاد الحروب ، ولا يمكنهم العيش في الأمن والسلم وبالأمن والسلم ،إلا على طريقتهم ، مادام شعورنا القطري الفلسطيني والإقليمي العربي والعالمي الإسلامي بذاتنا ولغتنا وديننا وتاريخنا في حالة من الغياب الجزئي أو الكلي ، ومادامت الرؤية القاصرة على الذات الفردية الخاصة دون الرؤية للجماعة الجامعة للجهود والاستعدادات الكاملة للأمة العربية والإسلامية للوقوف في وجه هذا العدوان السافر ، والصراع الجائر الذي امتد عشرات السنين ولا تبدو له نهاية حقيقية قريبة أو بعيدة ، إذ لا وجود للعدل في هذا العالم إلا بمقاييس ومكاييل تخص أهلها الذين وضعوها وحملوا ويحملون الناس عليها قهراً دون رضاهم ، ولو نظرنا إلى تاريخ اليهود في المدينة ، قبل الإسلام وبعد الإسلام والهجرة النبوية إلى المدينة لوجدنا الحال يكاد يكون هوهو ، فما أشبه اليوم بالبارحة .
• وإنه لمن الإنصاف والحق الذي يجب أن نعترف به من ناحية ، وأن نعمل على إنهائه من ناحية أخرى ، أنه ما كان هذا الهجوم والقتل والفتك الذريع الإسرائيلي الساخن وغير الساخن ليكون لولا أن سبقه خريف الخلافات والانفصال الفلسطيني ،الذي فرضناه على أنفسنا فرضاً ، وقام بعضٌ منا أتيح له تسلق الشجرة ليغير ويصلح من شأنها كما قال وطالب ولكن هذا البعض العزيز علينا لم يكتف بحت ورق الشجرة الفلسطينية التي يقضم منها التغول الاستيطاني الاحتلالي البغيض كل حين ، أقول : لم يكتف هذا البعض بذلك وعلى طريقته وبوسائله الخاصة ، بل تسبب في مزيد من العناء والعنت ولا يزال يتسبب سامحه الله تعالى في إهدار سيول الدماء والأموال والجهود التي لم يحن وقت بذلها بعد وأن نقف من الناس موقف المتسولين طعامهم وشرابهم ودواءهم وهواءهم الذي يتنفسونه !! ..
بل حاول ولا يزال يحاول مداواة الجراح والأورام التي أنهكتنا جميعاً وعلى طريقته بمزيد من جراحات تفور دماؤها البريئة بين الحين والحين ، وأورام متجددة تنبثر من استعمال خاطئ لدواء غير مناسب إن في زمانه ، وإن في التشخيص الخاطئ للداء .
وهنا فإننا نلفت أنظار هؤلاء وغيرهم من أهل فلسطين وغيرهم إلى ما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ،عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :
" مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ " رواه مسلم والنسائي وأحمد واللفظ لمسلم .
• ومن المؤكد الذي لايحتاج إلى عميق فهم ، ولا كبير عقل ، ولا سعة إدراك لمعرفته ؛ أن هذا التفرق والتشرذم الداخلي في الرأي والرؤية والمنهاج السياسي والعملي على الساحة الفلسطينية ، والذي يؤدي بالضرورة إلى أزمات داخلية تقود إلى تنازع وخصومة وانقسامات وضياع للقرارات الفلسطينية الإيجابية المؤثرة في طريق تخفيف الآثار السيئة على حياة الفلسطينيين وقضيتهم العادلة شعباً وأرضاً وتاريخاً ، وفوق هذا كله دين الله الذي هو الإسلام ، والذي يشكو إلى الله من أدعيائه قبل أعدائه، أقول هذا كله هو مراد وهدف في حد ذاته يحاول عدونا المحتل أن يحققه وأن يحفظ مبررات وجوده إن وجدت ، أو أن يختلقها اختلاقا إن لم توجد ، وهو في ذلك لا يمكن أن يصفو لأحد من الفريقين المتخاصمين لا ظاهرياً ولا في الباطن ، وهو يعمل ليل نهار على إضعاف القرار الفلسطيني السياسي من خلال إضعاف صاحبه الذي يملكه ، وبشتى الضغوط والوسائل السياسية والعسكرية والاقتصادية ، ولذلك فالاختلافات الفلسطينية إنما تخدم السياسة الإسرائيلية شئنا أم أبينا ، إلا إذا كانت هذه الاختلافات في النهاية تصب في حوض القرار السياسي الفلسطيني الواحد والموحد ، داخلياً وخارجياً ، فلسطينياً وعربياً ودولياً .
• وما من مخرج من هذه الحال المزرية بنا وبأمتنا ؛ بعد الإعراض عن الاستماع إلى ذاتنا ، إلا القبول بالتدخل العربي الخالص لإصلاح حال شجرتنا الفلسطينية وتخليصها من براثن الغول الإسرائيلي المتفرد والمتسلط , هذه الشجرة التي نحاول نحن أهل فلسطين الحفاظ عليها لنستظل تحتها أجمعين من هذه السخونة اللافحة التي لا نملك إيقافها متفرقين إلا بتوحدنا بتوحيدنا لربنا وطاعتنا لرسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم واتباعنا سبيل سلفنا الصالحين فكلمة التوحيد أساس توحيد الكلمة وتأليف القلوب وتآلفها ، والله تعالى يقول :
( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) ) سورة الطلاق .
وهذا يقتضي أن نشهد فيما بيننا من خلاف بالعدل والإنصاف ، مقيمين الشهادة لله ، لا تأخذنا في الله لومة لائم دون التعصب الشخصي ، أوالحزبي ، أوالفصائلي ، كما يقتضي أن نأتي البيوت من أبوابها ، لا من الشبابيك ولا نتسلق الأسوار على من فيها ، مع تقوى الله تعالى ، وكما يقتضي وحدتنا في مواقفنا تحت الخيمة العربية والإسلامية لتقف الأمة العربية والإسلامية معنا وقفة رجل واحد ، وتقتضي الرجوع إلى المبادرات والاتفاقات المبرمة سواءً في القاهرة أو في مكة ، وآخرها المبادرة اليمنية التي اعتمدها وزراء الخارجية العرب أخيراً ، وبخلوص نية وسلامة طوية دون الولوج في المهاترات والمماحكة السياسية الخادعة التي يراد منها خداع الذات أولاً ، وإن صح التعبير، وهو غير صحيح خداع طرفٍ لآخر في الخلافات الفلسطينية لأنه في الحقيقة خداع الأخ لأخيه ثانياً ، إذ أنه في الحقيقة لا يوجد طرفان متنازعان بل إن المختلفين هما جسم واحد وأسرة واحدة وإن اختلفت آراؤها داخلياً ، ففي الخارج ينبغي أن تتسم مواقفها بوحدة الرأي والقرار الصادر عن كبير هذه الأسرة ، بعد الشورى من أفرادها ، ولنعلم إن هذه الألاعيب السياسية الخادعة من أيٍ من المختلفين سواءً منا نحن أهل فلسطين أم من غيرنا ؛ لا يمكن أن تستمر طويلاً فالزمن كفيل بفضحها ، والله تعالى يقول :
( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) ) آل عمران .