02-08-2014 | مركز التأصيل للدراسات والبحوث
وفي هذا الإطار تناولت صحيفة النهار اللبنانية هذه الظاهرة المتفشية والمنتشرة بكثرة على وسائل الإعلام اللبنانينة, مشيرة إلى أن كثيرا من اللبنانيين يستيقظون صباحًا فيطالعون أو يسمعون الأبراج، و يتسمّرون أمام التلفزيون لسماع توقّعات المنجّمين، ويتفاعلون معها ويتصلون ويشاركون أملا بالحصول على الجواب الشافي المطمئن.


"كذب المنجّمون ولو صدقوا" مقولة تشير إلى حقيقة التنجيم وما يعرف في عصرنا الحاضر بالأبراج, والتي انتشرت على شاشات الإعلام العربي وفي الصحف والمجلات بشكل كبير ومثير, دون أن يكون لها أي سند علمي.
وإذا كان المفترض بعامة المسلمين أن يلتزموا بآوامر دينهم التي تحذر من الذهاب إلى المنجم أو الكاهن أو العراف, بل أن يسمع له أو يصدقه فيما يقول، حيث ورد في الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: (مَنْ أَتَى سَاحِرًا أَوْ كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- ) سنن البيهقي برقم 16939
فإن عدم حدوث ذلك على أرض الواقع, من خلال ملاحظة اهتمام بعض المسلمين ببرامج المنجمين وما يعرف بالأبراج, والتي تصل إلى حد تعديل المشاهد لمسار حياته تبعا لتوقعات وتعليمات المنجم والمبرج, يشير إلى جهل بأمور الإسلام وتعاليمه, أو عدم التزام المسلمين بتلك الأوامر والنواهي الإسلامية التي يعلمونها.
ومما يزيد الأمر تعقيدا ويفاقم من هذه الظاهرة الخطيرة على المجتمعات العربية والإسلامية, هو تركيز بعض وسائل الإعلام العربي بكافة أشكاله على هذا الأمر, الذي لا يستند إلى علم نظري أو عملي, ناهيك عن مناقضته لتعاليم وأوامر الأديان السماوية.
وفي هذا الإطار تناولت صحيفة النهار اللبنانية هذه الظاهرة المتفشية والمنتشرة بكثرة على وسائل الإعلام اللبنانينة, مشيرة إلى أن كثيرا من اللبنانيين يستيقظون صباحًا فيطالعون أو يسمعون الأبراج، و يتسمّرون أمام التلفزيون لسماع توقّعات المنجّمين، ويتفاعلون معها ويتصلون ويشاركون أملا بالحصول على الجواب الشافي المطمئن.
لكن الأنكى – بحسب الصحيفة - أنّ محطّات التلفزيون اللبنانيّة تتنافس على استقبال المنجمين والمبرجين, وتخصّص لهم فقرات ضمن البرامج الصباحيّة أو برامج مسائيّة دوريّة يقدّمون خلالها توقّعاتهم فيحذرون من اغتيالات وأزمات سياسيّة وأخرى اقتصاديّة وأمنيّة تتربّص بلبنان.
ورغم تأكيد الصحيفة معارضة الأديان السماويّة للتنجيم والكهانة والعرافة, ورغم دحض الاكتشافات العلميّة كلّ نظريات التنجيم السابقة, إلا أنّ التنجيم مازال يحتلّ مرتبة مهمّة في حياة الفرد العربي اللبناني، وفي الإعلام الذي يسلّط الضوء عليه ويوليه اهتمامًا أكبر من حجمه.
بل رغم معارضة التنجيم والعرافة والتبريج لقانون العقوبات اللبناني في المادة 768 التي عدّلت بموجب القانون رقم 239 عام 1993 كما يقول بعض القانونيين، حيث يعاقب بالتوقيف التكديري وبالغرامة من عشرة آلاف إلى عشرين ألف ليرة من يتعاطى بقصد الربح مناجاة الأرواح والتنويم المغنطيسي والتنجيم وقراءة الكفّ وقراءة ورق اللعب وكلّ ما له علاقة بعلم الغيب, إلا أن شيئا من تلك العقوبات لا تطبق على مقترفي ذلك ومروجيه على وسائل الإعلام.
وبينما يبتعد إعلام أي دولة تسعى لتطوير ثقافة وفكر مواطنيها عن الخرافات والأوهام وكل ما يمت إلى الشعوذة والسحر بصلة, ترى بعض وسائل الإعلام العربية تروج لهذه الأفكار التي لا تنشر في المجتمع إلا الخرافة والأوهام.
وإلى هذا الأمر أشار عميد كليّة الإعلام في الجامعة اللبنانيّة لـصحيفة "النهار", مشيرا أنّ ما يحصل على الشاشات يشكّل فضيحة كبيرة، لأنّ ما يحصل هو استهزاء وسخرية بعقول الناس، خصوصًا أنهم يعطون صدقيّة ويسوّقون للمنجمين مستغلين طيبة الناس وسذاجتهم أحيانًا.
وفي مقارنة بين أداء الإعلام الغربي واللبناني يقول: "هناك حادثة تبيّن الفرق، ففي فرنسا استضاف إعلامي أحد المنجّمين في برنامجه، فتحرّك القضاء وأوقف برنامجه لمدّة سنة باعتبار أنّه يستغلّ الناس, فهذه جريمة في حقّ المشاهد", بينما لم يحدث شيء من ذلك في لبنان وغيرها من الدول العربية والإسلامية.
والحقيقة أن السعي إلى الربح المادي هو ما يدفع بعض وسائل الإعلام العربية لبث واستقبال كل ما يزيد من الأموال في خزائنها, دون النظر إلى عواقب تلك البرامج ومفاسدها, حيث لا تحمل أي معلومة مفيدة, بل ربما تهدم الفكر وتفسده.
وإذا كانت أخلاقيّات مهنة الإعلام تحتّم على الصحافي والإعلامي احترام المشاهد وعدم استغلال بساطته وطيبة قلبه, فإن ما يحدث على بعض وسائل الإعلام العربي يعتبر جريمة بحق الشعوب, فبدلا من انتشال هذه الشعوب من ظلمات الجهل والخرافة إلى نور العلم والحقيقة, نرى الترويج للمنجمين والكهنة والعرافين!!
فإلى متى سيبقى الإعلام العربي خارج نطاق مصلحة مشاهده؟!!