بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار - الصفحة 2
صفحة 2 من 24 الأولىالأولى 123456789101112 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 479

الموضوع: بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي رد: بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار

    الحديث الثامن


    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :


    "يأتي الشيطان أحدكم فيقول:
    من خلق كذا؟
    من خلق كذا؟


    حتى يقول:
    من خلق الله؟
    فإذا بلغه فليستعذ بالله، وَلْيَنْتَهِ"


    . وفي لفظ
    "فليقل: آمنت بالله ورسله"
    متفق عليه.


    وفي لفظ
    "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولون:
    من خلق الله؟".



    احتوى هذا الحديث
    على أنه لا بد أن يلقي الشيطان هذا الإيراد الباطل:
    إما وسوسة محضة،
    أو على لسان شياطين الإنس وملاحدتهم.


    وقد وقع كما أخبر،
    فإن الأمرين وقعا،


    لا يزال الشيطان يدفع إلى قلوب من ليست لهم بصيرة
    هذا السؤال الباطل،


    ولا يزال أهل الإلحاد يلقون هذه الشبهة
    التي هي أبطل الشبه،
    ويتكلمون عن العلل وعن مواد العلم
    بكلام سخيف معروف.



    وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم
    في هذا الحديث العظيم
    إلى دفع هذا السؤال بأمور ثلاثة:


    بالانتهاء،
    والتعوذ من الشيطان،
    وبالإيمان.

    الحمد لله رب العالمين

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي رد: الحديث ( 8 )

    أما الانتهاء
    وهو الأمر الأول -:

    فإن الله تعالى جعل للأفكار والعقول حداً تنتهي إليه،
    ولا تتجاوزه.

    ويستحيل لو حاولت مجاوزته أن تستطيع،
    لأنه محال،

    ومحاولة المحال من الباطل والسفه،

    ومن أمحل المحال التسلسل في المؤثرين والفاعلين.
    فإن المخلوقات لها ابتداء،
    ولها انتهاء.

    وقد تتسلسل في كثير من أمورها
    حتى تنتهي إلى الله الذي أوجدها
    وأوجد ما فيها من الصفات والمواد والعناصر

    { وَأَنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهَى }[1]

    فإذا وصلت العقول إلى الله تعالى وقفت وانتهت،

    فإنه الأول الذي ليس قبله شيء،
    والآخر الذي ليس بعده شيء.

    فأوّليته تعالى لا مبتدأ لها
    مهما فُرضت الأزمان والأحوال.

    وهو الذي أوجد الأزمان والأحوال
    والعقول التي هي بعض قوى الإنسان.

    فكيف يحاول العقل أن يتشبث
    في إيراد هذا السؤال الباطل.


    فالفرض عليه المحتم في هذه الحال:
    الوقوف ، والانتهاء .




    *******************
    [1] سورة النجم – آية 42.


    الحمد لله رب العالمين

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 8 )

    الأمر الثاني:
    التعوذ بالله من الشيطان.

    فإن هذا من وساوسه وإلقائه في القلوب؛
    ليشكك الناس في الإيمان بربهم.


    فعلى العبد إذا وجد ذلك:

    أن يستعيذ بالله منه،
    فمن تعوذ بالله بصدق وقوة
    أعاذه الله وطرد عنه الشيطان،
    واضمحلت وساوسه الباطلة.


    الأمر الثالث:
    أن يدفعه بما يضاده من الإيمان بالله ورسله،

    فإن الله ورسله أخبروا
    بأنه تعالى الأول الذي ليس قبله شيء،

    وأنه تعالى المتفرد بالوحدانية،
    وبالخلق والإيجاد للموجودات السابقة واللاحقة.


    فهذا الإيمان الصحيح الصادق اليقيني
    يدفع جميع ما يضاده من الشبه المنافية له،

    فإن الحق يدفع الباطل.
    والشكوك لا تعارض اليقين.
    الحمد لله رب العالمين

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 8 )

    فهذه الأمور الثلاثة
    التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم

    تبطل هذه الشبه
    التي لا تزال على ألسنة الملاحدة،
    يلقونها بعبارات متنوعة.

    فأمر بالانتهاء الذي يبطل التسلسل الباطل،

    وبالتعوذ من الشيطان
    الذي هو الملقي لهذه الشبهة،

    وبالإيمان الصحيح
    الذي يدفع كل ما يضاده من الباطل.

    والحمد لله

    فبالانتهاء:
    قطع الشر مباشرة.

    وبالاستعاذة:
    قطع السبب الداعي إلى الشر.


    وبالإيمان
    اللجأ والاعتصام
    بالاعتقاد الصحيح اليقيني
    الذي يدفع كل معارض.

    الحمد لله رب العالمين

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 8 )

    وهذه الأمور الثلاثة
    هي جماع الأسباب
    الدافعة لكل شبهة تعارض الإيمان.

    فينبغي العناية بها
    في كل ما عرض للإيمان من شبهة واشتباه
    يدفعه العبد مباشرة
    بالبراهين الدالة على إبطاله،

    وبإثبات ضده
    وهو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال،

    وبالتعوذ بالله من الشيطان
    الذي يدفع إلى القلوب فتن الشبهات،
    وفتن الشهوات،
    ليزلزل إيمانهم،
    ويوقعهم بأنواع المعاصي.


    فبالصبر واليقين:
    ينال العبد السلامة من فتن الشهوات،
    ومن فتن الشبهات.

    والله هو الموفق الحافظ.
    الحمد لله رب العالمين

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 9 )

    الحديث التاسع

    عن عبد الله بن عمرو قال:
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

    "كل شيء بقَدَر حتى العَجْز والكَيْس"
    رواه مسلم.


    هذا الحديث متضمن لأصل عظيم
    من أصول الإيمان الستة.

    وهو الإيمان بالقدر
    خيره وشره،
    حلوه ومره،
    عامه وخاصه،
    سابقه ولاحقه،


    بأن يعترف العبد
    أن علم الله محيط بكل شيء،
    وأنه علم أعمال العباد خيرها وشرها،
    وعلم جميع أمورهم وأحوالهم،
    وكتب ذلك في اللوح المحفوظ.


    كما قال تعالى :
    { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
    مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ
    إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ
    إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }[1]


    ثم إن الله ينفذ هذه الأقدار في أوقاتها
    بحسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته،
    الشاملتان لكل ما كان وما يكون،
    الشاملتان للخلق والأمر،

    وأنه مع ذلك،
    ومع خلقه للعباد وأفعالهم وصفاتهم،

    فقد أعطاهم قدرة وإرادة
    تقع بها أفعالهم بحسب اختيارهم،
    لم يجبرهم عليها.

    وهو الذي خلق قدرتهم ومشيئتهم.
    وخالق السبب التام خالق للمسبب.

    فأفعالهم وأقوالهم تقع بقدرتهم ومشيئتهم
    اللتين خلقهما الله فيهم،
    كما خلق بقية قواهم الظاهرة والباطنة.

    ولكنه تعالى يَسَّرَ كلاً لما خلق له.



    *******************
    [1] سورة الحج – آية 70.
    الحمد لله رب العالمين

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 9 )

    فمن وَجَّه وجهه وقصده لربه:
    حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه،
    وكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان،
    وجعله من الراشدين،

    فتمت عليه نعم الله من كل وجه.


    ومن وجّه وجهه لغير الله،
    بل تولى عدوه الشيطان:
    لم ييسره لهذه الأمور،
    بل وَلاَّه الله ما تولى، وخذله،
    ووكله إلى نفسه،

    فضَلَّ وغـوى وليس له على ربه حجة،

    فإن الله أعطاه جميع الأسباب
    التي يقدر بها على الهداية،
    ولكنه اختار الضلالة على الهدى،

    فلا يلومن إلا نفسه.


    قال تعالى:
    { فَرِيقًا هَدَى
    وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ
    إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء
    مِن دُونِ اللّهِ }[1]


    وقال:
    { يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ
    وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ
    وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }[2]



    *******************
    [1] سورة الأعراف – آية 30.
    [2] سورة المائدة – آية 16.



    الحمد لله رب العالمين

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 9 )

    وهذا القدر يأتي على جميع أحوال العبد
    وأفعاله وصفاته،
    حتى العجز والكيس.

    وهما الوصفان المتضادان
    الذي ينال بالأول منهما
    وهو العجز -:
    الخيبة والخسران،

    وبالثاني
    وهو الكيس -:
    الجد في طاعة الرحمن.


    والمراد هنا:

    العجز الذي يلام عليه العبد،
    وهو عدم الإرادة،
    وهو الكسل،

    لا العجز الذي هو عدم القدرة.


    وهذا هو معنى الحديث الآخر
    "اعلموا؛
    فكل مُيَسَّرٌ لما خُلِق له".


    أما أهل السعادة:

    فييسرون لعمل السعادة،
    وذلك بكيسهم وتوفيقهم
    ولطف الله بهم.


    والكيس والعاجز
    هما المذكوران

    في قوله صلى الله عليه وسلم :
    "الكَيِّس من دان نفسه
    وعمل لما بعد الموت،

    والعاجز من أتبع نفسه هواها،
    وتمنى على الله الأماني".



    الحمد لله رب العالمين

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 10 )

    الحديث العاشر

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    "من دعا إلى هُدَى
    كان له من الأجر مثل أجور من تبعه،
    لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً.

    ومن دعا إلى ضلالة
    كان عليه من الإثم
    مثل آثام من تبعه،
    لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً"
    رواه مسلم.


    هذا الحديث
    وما أشبهه من الأحاديث فيه:

    الحث على الدعوة إلى الهدى والخير،
    وفضل الداعي،

    والتحذير من الدعاء إلى الضلالة والغيّ،
    وعظم جرم الداعي وعقوبته.

    والهدى:
    هو العلم النافع، والعمل الصالح.

    فكل من علم علماً
    لو وَجَّه المتعلمين إلى سلوك طريقة
    يحصل لهم فيها علم:
    فهو داع إلى الهدى.

    وكل من دعاء إلى عمل صالح
    يتعلق بحق الله،
    أو بحقوق الخلق العامة والخاصة:
    فهو داع إلى الهدى.

    وكل من أبدى نصيحة دينية أو دنيوية
    يتوسل بها إلى الدين:
    فهو داع إلى الهدى.

    وكل من اهتدى في علمه أو عمله،
    فاقتدى به غيره:
    فهو داع إلى الهدى.

    وكل من تقدم غيره بعمل خيري،
    أو مشروع عام النفع:
    فهو داخل في هذا النص.


    وعكس ذلك كله:
    الداعي إلى الضلالة.


    فالداعون إلى الهدى:
    هم أئمة المتقين،
    وخيار المؤمنين.


    والداعون إلى الضلالة:
    هم الأئمة الذين يدعون إلى النار.


    وكل من عاون غيره على البر والتقوى:
    فهو من الداعين إلى الهدى.


    وكل من أعان غيره
    على الإثم والعدوان:
    فهو من الداعين إلى الضلالة.

    الحمد لله رب العالمين

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 11 )

    الحديث الحادي عشر

    عن معاوية رضي الله عنه قال:
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

    "من يرد الله به خيراً
    يفقهه في الدين"

    متفق عليه.


    هذا الحديث من أعظم فضائل العلم،

    وفيه:
    أن العلم النافع علامة على سعادة العبد،
    وأن الله أراد به خيراً.


    والفقه في الدين يشمل الفقه في أصول الإيمان،
    وشرائع الإسلام والأحكام،
    وحقائق الإحسان.
    فإن الدين يشمل الثلاثة كلها،

    كما في حديث جبريل
    لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم
    عن الإيمان والإسلام والإحسان،
    وأجابه صلى الله عليه وسلم بحدودها.

    ففسر الإيمان بأصوله الستة.
    وفسر الإسلام بقواعده الخمس.

    وفسر الإحسان
    بـ "أن تعبد الله كأنك تراه،
    فإن لم تكن تراه فإنه يراك"


    فيدخل في ذلك التفقه في العقائد،
    ومعرفة مذهب السلف فيها،
    والتحقق به ظاهراً وباطناً،

    ومعرفة مذاهب المخالفين،
    وبيان مخالفتها للكتاب والسنة.


    ودخل في ذلك :
    علم الفقه، أصوله وفروعه،
    أحكام العبادات والمعاملات،
    والجنايات وغيرها.


    ودخل في ذلك :

    التفقه بحقائق الإيمان،
    ومعرفة السير والسلوك إلى الله،
    الموافقة لما دل عليه الكتاب والسنة.


    وكذلك يدخل في هذا:

    تعلُّم جميع الوسائل المعينة
    على الفقه في الدين كعلوم العربية بأنواعها.

    فمن أراد الله به خيراً
    فقهه في هذه الأمور،
    ووفقه لها.


    ودلّ مفهوم الحديث

    على أن من أعرض عن هذه العلوم بالكلية
    فإن الله لم يرد به خيراً،

    لحرمانه الأسباب التي تنال بها الخيرات،
    وتكتسب بها السعادة.


    الحمد لله رب العالمين

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي رد: بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار

    الحديث الثاني عشر

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

    "المؤمن القوي خير، وأحب إلى الله
    من المؤمن الضعيف.
    وفي كلٍّ خير.


    احرص على ما ينفعك،
    واستعن بالله ولا تَعْجَز ..

    وإن أصابك شيء فلا تقل:
    لو أني فعلت كذا،
    كان كذا وكذا،


    ولكن قل:
    قدَّر الله، وما شاء فعل،
    فإن لَوْ تفتح عمل الشيطان
    "

    رواه مسلم.


    هذا الحديث اشتمل على أصول عظيمة وكلمات جامعة.

    فمنها:

    إثبات المحبة صفة لله،
    وأنها متعلقة بمحبوباته وبمن قام بها

    ودلّ على أنها تتعلق بإرادته ومشيئته،

    وأيضاً تتفاضل.
    فمحبته للمؤمن القوي أعظم
    من محبته للمؤمن الضعيف.


    ودلّ الحديث على أن الإيمان يشمل العقائد القلبية
    والأقوال والأفعال،
    كما هو مذهب أهل السنة والجماعة

    فإن الإيمان بضع وسبعون شعبة،
    أعلاها: قول: "لا إله إلا الله"
    وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق.
    والحياء شعبة منه.


    وهذه الشعب التي ترجع إلى الأعمال الباطنة والظاهرة
    كلها من الإيمان.

    فمن قام بها حق القيام،
    وكَمَّل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح،

    وكمَّل غيره بالتواصي بالحق،
    والتواصي بالصبر:


    فهو المؤمن القوي
    الذي حاز أعلى مراتب الإيمان.



    ومن لم يصل إلى هذه المرتبة:
    فهو المؤمن الضعيف.

    الحمد لله رب العالمين

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 12 )

    وهذا من أدلة السلف على أن الإيمان يزيد وينقص.

    وذلك بحسب علوم الإيمان ومعارفه،
    وبحسب أعماله.

    وهذا الأصل قد دلّ عليه الكتاب والسنة
    في مواضع كثيرة:

    ولما فاضل النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين
    قويهم وضعيفهم
    خشي من توهم القدح في المفضول،

    فقال: "وفي كل خير"

    وفي هذا الاحتراز فائدة نفيسة،
    وهي أن على من فاضل بين الأشخاص
    أو الأجناس أو الأعمال
    أن يذكر وجه التفضيل ،
    وجهة التفضيل.

    ويحترز بذكر الفضل المشترك بين الفاضل والمفضول،
    لئلا يتطرق القدح إلى المفضول



    وكذلك في الجانب الآخر إذا ذكرت مراتب الشر والأشرار،
    وذكر التفاوت بينهما.
    فينبغي بعد ذلك
    أن يذكر القدر المشترك بينهما
    من أسباب الخير أو الشر.
    وهذا كثير في الكتاب والسنة.

    الحمد لله رب العالمين

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 12 )

    وفي هذا الحديث:

    أن المؤمنين يتفاوتون في الخيرية،
    ومحبة الله والقيام بدينه،
    وأنهم في ذلك درجات

    { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ }[1]

    ويجمعهم ثلاثة أقسام:
    السابقون إلى الخيرات،
    وهم الذين قاموا بالواجبات والمستحبات،
    وتركوا المحرمات والمكروهات،
    وفضول المباحات
    وكملوا ما باشروه من الأعمال،
    واتصفوا بجميع صفات الكمال.

    ثم المقتصدون
    الذين اقتصروا على القيام بالواجبات
    وترك المحظورات.

    ثم الظالمون لأنفسهم،
    الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيِّئاً.




    *******************
    [1] سورة الأحقاف – آية 19.

    الحمد لله رب العالمين

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 12 )

    وقوله صلى الله عليه وسلم :
    " احرص على ما ينفعك
    واستعن بالله
    "

    كلام جامع نافع،
    مُحِتوٍ على سعادة الدنيا والآخرة.

    والأمور النافعة قسمان:
    أمور دينية، وأمور دنيوية.

    والعبد محتاج إلى الدنيوية كما أنه محتاج إلى الدينية.
    فمدار سعادته وتوفيقه على الحرص والاجتهاد
    في الأمور النافعة منهما،
    مع الاستعانة بالله تعالى،

    فمتى حرص العبد على الأمور النافعة واجتهد فيها،
    وسلك أسبابها وطرقها،
    واستعان بربه في حصولها وتكميلها:
    كان ذلك كماله،
    وعنوان فلاحه.

    ومتى فاته واحد من هذه الأمور الثلاثة:
    فاته من الخير بحسبها،

    فمن لم يكن حريصاً على الأمور النافعة،
    بل كان كسلاناً لم يدرك شيئاً.

    فالكسل هو أصل الخيبة والفشل.
    فالكسلان لا يدرك خيراً،
    ولا ينال مكرمة،
    ولا يحظى بدين ولا دنيا،



    ومتى كان حريصاً،
    ولكن على غير الأمور النافعة:

    إما على أمور ضارة،
    أو مفوتة للكمال
    كان ثمرة حرصه الخيبة، وفوات الخير،
    وحصول الشر والضرر،

    فكم من حريص على سلوك طرق وأحوال غير نافعة
    لم يستفد من حرصه
    إلا التعب والعناء والشقاء.
    الحمد لله رب العالمين

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 12 )

    ثم إذا سلك العبد الطرق النافعة،
    وحرص عليها،
    واجتهد فيها:

    لم تتم له إلا بصدق اللجأ إلى الله،
    والاستعانة به على إدراكها وتكميلها
    وأن لا يتكل على نفسه وحَوْله وقوته،

    بل يكون اعتماده التام بباطنه وظاهره على ربه.

    فبذلك تهون عليه المصاعب،
    وتتيسر له الأحوال محتاج
    بل مضطر غاية الاضطرار
    إلى معرفة الأمور التي ينبغي الحرص عليها،
    والجد في طلبها.
    الحمد لله رب العالمين

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 12 )

    فالأمور النافعة في الدين ترجع إلى أمرين:
    علم نافع، وعمل صالح.

    أما العلم النافع:

    فهو العلم المزكي للقلوب والأرواح،
    المثمر لسعادة الدارين.

    وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم
    من حديث وتفسير وفقه،
    وما يعين على ذلك من علوم العربية
    بحسب حالة الوقت
    والموضع الذي فيه الإنسان،


    وتعيين ذلك يختلف باختلاف الأحوال.


    والحالة التقريبية:

    أن يجتهد طالب العلم في حفظ مختصر
    من مختصرات الفن الذي يشتغل فيه.

    فإن تعذر أو تعسر عليه حفظه لفظاً،
    فليكرره كثيراً، متدبراً لمعانيه،
    حتى ترسخ معانيه في قلبه.

    ثم تكون باقي كتب هذا الفن
    كالتفسير والتوضيح والتفريع
    لذلك الأصل الذي عرفه وأدركه،



    فإن الإنسان إذا حفظ الأصول
    وصار له ملكة تامة في معرفتها
    هانت عليه كتب الفن كلها:
    صغارها وكبارها.

    ومن ضيع الأصول حرم الوصول.

    فمن حرص على هذا الذي ذكرناه،
    واستعان بالله: أعانه الله،
    وبارك في علمه،
    وطريقه الذي سلكه.


    ومن سلك في طلب العلم غير هذه الطريقة النافعة:

    فاتت عليه الأوقات،
    ولم يدرك إلا العناء،
    كما هو معروف بالتجربة.
    والواقع يشهد به،

    فإن يسر الله له معلماً يحسن طريقة التعليم،
    ومسالك التفهيم:
    تم له السبب الموصل إلى العلم.



    الحمد لله رب العالمين

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 12 )

    وأما الأمر الثاني
    وهو العمل الصالح -:

    فهو الذي جمع الإخلاص لله،
    والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم ،


    وهو التقرب إلى الله:
    باعتقاد ما يجب لله من صفات الكمال،
    وما يستحقه على عباده من العبودية،
    وتنزيهه عما لا يليق بجلاله،
    وتصديقه وتصديق رسوله
    في كل خبر أخبرا به عما مضى،
    وعما يستقبل عن الرسل،
    والكتب والملائكة،
    وأحول الآخرة،
    والجنة والنار،
    والثواب والعقاب
    وغير ذلك


    ثم يسعى في أداء
    ما فرضه الله على عباده:

    من حقوق الله، وحقوق خلقه
    ويكمل ذلك بالنوافل والتطوعات،
    خصوصاً المؤكدة في أوقاتها،
    مستعيناً بالله على فعلها،
    وعلى تحقيقها وتكميلها،
    وفعلها على وجه الإخلاص
    الذي لا يشوبه غرض من الأغراض النفسية.



    وكذلك يتقرب إلى الله بترك المحرمات،

    وخصوصاً التي تدعو إليها النفوس،
    وتميل إليها.
    فيتقرب إلى ربه بتركها لله،
    كما يتقرب إليه بفعل المأمورات،


    فمتى وفّق العبد بسلوك هذا الطريق في العمل،
    واستعان الله على ذلك
    أفلح ونجح.

    وكان كماله بحسب ما قام به من هذه الأمور،
    ونقصه بحسب ما فاته منها.
    الحمد لله رب العالمين

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 12 )

    وأما الأمور النافعة في الدنيا:

    فالعبد لا بد له من طلب الرزق.
    فينبغي أن يسلك أنفع الأسباب الدنيوية اللائقة بحاله.
    وذلك يختلف باختلاف الناس،
    ويقصد بكسبه وسعيه القيام بواجب نفسه،
    وواجب من يعوله ومن يقوم بمؤنته،

    وينوي الكفاف والاستغناء بطلبه عن الخلق.

    وكذلك ينوي بسعيه وكسبه
    تحصيل ما تقوم به العبوديات المالية:
    من الزكاة والصدقة،
    والنفقات الخيرية الخاصة والعامة
    مما يتوقف على المال،

    ويقصد المكاسب الطيبة،

    متجنباً للمكاسب الخبيثة المحرمة.

    فمتى كان طلب العبد وسعيه في الدنيا
    لهذه المقاصد الجليلة،
    وسلك أنفع طريق يراه مناسباً لحاله
    كانت حركاته وسعيه قربة
    يتقرب إلى الله بها.

    ومن تمام ذلك:

    أن لا يتكل العبد على حوله وقوته وذكائه ومعرفته،
    وحذقه بمعرفة الأسباب وإدارتها،
    بل يستعين بربه متوكلاً عليه،
    راجياً منه أن ييسره لأيسر الأمور وأنجحها،
    وأقربها تحصيلاً لمراده.


    ويسأل ربه أن يبارك له في رزقه،

    فأول بركة الرزق:

    أن يكون مؤسساً على التقوى والنية الصالحة.

    ومن بركة الرزق:

    أن يوفق العبد لوضعه في مواضعه الواجبة والمستحبة،

    ومن بركة الرزق:

    أن لا ينسى العبد الفضل في المعاملة،

    كما قال تعالى:
    { وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ }[1]

    بالتيسير على الموسرين،
    وإنظار المعسرين،
    والمحاباة عند البيع والشراء،
    بما تيسر من قليل أو كثير.
    فبذلك ينال العبد خيراً كثيراً.




    *******************
    [1] سورة البقرة – آية 237.

    الحمد لله رب العالمين

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 12 )

    فإن قيل:
    أي المكاسب أولى وأفضل؟

    قيل:
    قد اختلف أهل العلم في ذلك.
    فمنهم من فضل الزراعة والحراثة.
    ومنهم من فضل البيع والشراء.
    ومنهم من فضل القيام بالصناعات والحرف ونحوها.
    وكل منهم أدلى بحجته.

    ولكن هذا الحديث هو الفاصل للنزاع،
    وهو أنه صلى الله عليه وسلم
    قال :
    "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله"

    والنافع من ذلك
    معلوم أنه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.
    فمنهم من تكون الحراثة والزراعة أفضل في حقه،

    ومنهم من يكون البيع والشراء
    والقيام بالصناعة التي يحسنها أفضل في حقه.

    فالأفضل من ذلك وغيره الأنفع.

    فصلوات الله وسلامه
    على من أعطي جوامع الكلم ونوافعها.

    الحمد لله رب العالمين

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,447

    افتراضي الحديث ( 12 )

    ثم إنه صلى الله عليه وسلم
    حضّ على الرضا بقضاء الله وقدره،
    بعد بذل الجهد،
    واستفراغ الوسع في الحرص على النافع.

    فإذا أصاب العبد ما يكرهه
    فلا ينسب ذلك إلى ترك بعض الأسباب
    التي يظن نفعها لو فعلها،

    بل يسكن إلى قضاء الله وقدره ليزداد إيمانه،
    ويسكن قلبه وتستريح نفسه؛

    فإن " لو " في هذه الحال
    تفتح عمل الشيطان
    بنقص إيمانه بالقدر،
    واعتراضه عليه،
    وفتح أبواب الهم والحزن والمضعف للقلب.



    وهذه الحال التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم
    هي أعظم الطرق لراحة القلب،
    وأدعى لحصول القناعة والحياة الطيبة،
    وهو الحرص على الأمور النافعة،
    والاجتهاد في تحصيلها،
    والاستعانة بالله عليها،
    وشكر الله على ما يسره منها،
    والرضى عنه بما فات،
    ولم يحصل منها.
    الحمد لله رب العالمين

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •