روح المبادرة- مقال ماتع- د. محمد بن إبراهيم الحمد
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: روح المبادرة- مقال ماتع- د. محمد بن إبراهيم الحمد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    2,194

    افتراضي روح المبادرة- مقال ماتع- د. محمد بن إبراهيم الحمد


    الحياة فرص، والفرص ثمينة، وفواتها لا يعوض، وانتهازها دليل الحزم، وعنوان العقل.
    ومهما كانت قوة الإنسان العلمية، ونياته الصالحة _ فلن ينهض بنفسه إلا إذا انتهز الفرص السانحة له، قال البارودي:
    بادر الفرصةَ واحذرْ فوتَها***فبلوغُ العزِّ في نيلِ الفُرصْ
    فابتدرْ مسعاك واعلم أن من ** بادرَ الصيدَ مع الفجرِ قَنَصْ


    والذي يلاحظ أن فرصاً كثيرة تطير من بين أيدينا، دون أن نهتبلها، فتضيع سدىً، وتذهب دون رجعة.
    والحديث ههنا عن معنى من معاني انتهاز الفرص ألا وهو روح المبادرة؛ فمن الناس مَنْ جُبِلَ على امتلاك تلك الخصلة، فتراه يبادر إلى الإصلاح، ويحرص على تقديم النافع من الاقتراحات، ويسعى سَعْيَهُ لإيجاد الحلول؛ فيكون بذلك سبباً لإسعاد نفسه وقومه.
    والتاريخ حافل بأناس من هذا القبيل ممن يمتلكون زمام المبادرة؛ فهذه حرب داحس والغبراء استمرت قُرابةَ أربعين سنة؛ فلما بادر الحارث بن عوف، والهرم بن سنان إلى القيام بإصلاح ذات البين بين عبس وذبيان انتهت تلك الحربُ العَوَانُ التي أكلت الأخضر واليابس.
    وقد خلَّد زهيرُ بن أبي سلمى تلك المبادرةَ في معلقته المشهورة حيث قال في الحارث والهرم:

    يميناً لنعم السَّيدانِ وُجِدْتُما *** على كل حال من سحيل ومبرم([1])
    تداركتما عبساً وذبيانَ بعدما ***تفانوا ودقوا بينهم عطر مَنْشم([2])


    وجاء في الصحيحين أن أبا هريرة قال: (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( يدخل من أمتي زمرة هم سبعون ألفاً، تضيء وجوههم إضاءةَ القمر ليلة البدر )) .
    قال أبوهريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي، يرفع نَمِرَةً عليه، فقال: يا رسول الله! ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم اجعله منهم )) .
    ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله! ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( سبقك بها عكاشة )) .
    وهذا أحد ألفاظ مسلم.
    فانظر إلى روح المبادرة كيف دفعت عكاشة رضي الله عنه إلى اغتنام الفرصة، والتقدم بذلك الطلب الذي حازَ بِهِ السعادةَ العظمى بتلك البشارة الكبرى.
    ومن ذلك ما جاء في خبر مشورة الحباب بن المنذر رضي الله عنه في غزوة بدر، ومما جاء في ذلك الخبر أن الله _عز وجل_ بعث السماء، فأصاب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ماءٌ لبَّدَ لهم الأرض، وأصاب قريشاً ماءٌ لم يقدروا أن يرتحلوا معه، ثم رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين، وقال لهم: (( سيروا على بركة الله؛ فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين؛ فكأني أنظر إلى مصارع القوم )) .
    ثم مضى يبادر قريشاً إلى الماء حتى إذا جاء أدنى من ماء بدر نزل به.
    فجاء الحباب بن المنذر بن الجموح أحد بني سلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟
    أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
    قال:(( بل هو الرأي والحرب والمكيدة )) .
    قال: يا رسول الله؛ فإن هذا ليس بمنزل؛ فانهض حتى نأتي أقرب قليب القوم، ثم نُغَوِّر ما سواه من القُلُب، ثم نبني حوضاً؛ فنملأه، ثم نقاتل، فنشرب، ولا يشربون.
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قد أشرت بالرأي )) .
    ثم أمر بإنفاذه؛ فلم يجئ نصفُ الليل حتى تحولوا كما رأى الحباب، وامتلكوا مواقع الماء.([3])
    ففي هذه القصة أدب نبوي عظيم من آداب الحوار؛ حيث استمع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مبادرة الحباب، وفيه أدب الحباب مع الوحي؛ حيث سأل هل هذا من قبيل الوحي والنص الذي لا اجتهاد معه؟
    أو هو من قبيل الرأي القابل للأخذ، والرد، والمداولة؟
    ولما تيقن الحباب أنه من قبيل الرأي أبدى رأيه بكل صراحة وأدب.
    ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وجاهة رأي الحباب قَبِلَه، وعَدَلَ عما كان مقبلاً عليه.
    وفي هذا رفعة لشأن الحباب، وإشادة برجاحة رأيه، ونفاذ بصيرته، وامتلاكه روح المبادرة.
    وقد وقع ذلك موقعه من الحباب؛ فصار ذلك من مفاخِرِه التي يتحدث بها؛ فقد روى الحاكم في المستدرك أن الحباب بن المنذر قال:(( أشرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر بخصلتين فقبلهما مني؛ خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة بدر، فعسكر خلف الماء، فقلت: يا رسول الله! أَبِوَحْيٍ أو برأي؟
    قال: (( برأي يا حباب )) .
    قلت: فإن الرأي أن تجعل الماء خلفك؛ فإن لجأت لجأت إليه؛ فقبل ذلك مني )).
    وإذا تأملت كثيراً من المشروعات العظيمة أو المؤلفات النافعة وجدت أن وراءها مبادرةً صادقةً وقعت موقعها من صاحب الشأن؛ فكان من جَرَّاء ذلك خير كثير.
    ومن أمثلة ذلك ما جاء في سبب تأليف أعظم وأصح كتاب في الإسلام بعد كتاب الله _عز وجل_ وهو صحيح البخاري؛ فقد أُلِّفَ بسبب مبادرة صادقة كانت هي الباعثَ الأول لتأليف ذلك الكتاب، ألا وهي ما سمعه البخاري من شيخه إسحاق بن راهويه؛ حيث لَمس إسحاق من تلميذه النجابةَ، والقوةَ العلميةَ، والذكاءَ المُفْرِطَ، فبادر إلى ذلك الاقتراح المبارك.
    يقول ابن حجر رحمه الله: (( فحرك هِمَّته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه)) .
    ثم ساق ابن حجر بسنده إلى إبراهيم بن معقل النسفي قوله: (( قال أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    قال: فوقع ذلك في قلبي؛ فأخذت في جمع الجامع الصحيح)) .
    فانظر إلى بركة تلك المبادرة العظيمة التي ما زالت الأمة تجني ثمارها اليانعة.
    هذا وإنَّ عصرنا الحاضر لا يكاد يعرف أحداً يمتلك ناصية هذه الخصلة العظيمة كما يمتلكها شيخُنا الإمام العلامة الشيخ عبدالعزيز ابن عبدالله بن باز؛ فلقد كان رحمه الله سبَّاقا إلى الخير في شتى الميادين، ومِنْ سَبْقِه، ومسارعته في الخير أنه كان يغتنم كل مناسبة تمر على الناس، فيبادر فيها إلى التوجيه بما يناسب تلك الحال.
    وإليك ذكراً لبعض تلك المبادرات المباركة التي كان يقوم بها رحمه الله :
    1_ إذا أقبل شهر رمضان وجه كلمة إلى عموم المسلمين يحثهم فيها على اغتنام شهر رمضان بالتوبة النصوح، وبالإقبال على الله بشتى القربات، من كثرة ذكر، وقراءة قرآن، وقيام ليل، وصيانةٍ للصيام من الغيبة والنميمة، وما يفسد الصوم، أو ينقص أجره، مع توصيته بالمحافظة على أنواع الطاعات، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع بيانه بعض أحكام الصيام، وتحذيره من إضاعة الوقت باللهو، والاستماع إلى الأغاني، ونحو ذلك.
    2_ وإذا جاء موسم الحج أعدَّ كلمة أو كلمات، وفتاوى كثيرة تنشر في وسائل الإعلام يبين فيها أهمية هذا الركن العظيم، ويوضح بعض الأحكام المتعلقة به، ويحذر من البدع والأخطاء التي يقع فيها بعض الحجاج، وهكذا
    3_ وإذا بلغه من بعض الناس أن هناك تهاوناً في أداء الصلاة جماعة كتب نصيحة في هذا الشأن، تتضمن بياناً بأهمية الصلاة، وعظم منزلتها من الدين، وعقوبة من تركها، أو تهاون بها، وهكذا، ثم يرسل هذه الكلمة إلى وسائل الإعلام؛ لتبثها.
    4_ وإذا بلغه أن الناس تهاونوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن المنكرات قد كثرت، وأن الناس تهاونوا في إنكارها_وَجَّه نصيحة عامة يحثهم على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويبين لهم خطر شيوع المنكرات، ومغبة ذلك.
    5_ وإذا احتبس المطر عن الناس، وتأخر نزوله مع شدة حاجة الناس إليه وجَّه نصيحة للمسلمين يدعوهم من خلالها إلى التوبة النصوح، ويبين لهم أن المعاصي من أعظم أسباب حبس المطر، ويحضهم على الصدقات، وإخراج الزكوات المفروضة، ويحذرهم من الظلم وسائر أنواع الذنوب.
    6_ وكان يوجه التهاني ببلوغ رمضان، وإتمامه، وبالعيد لكبار المسؤولين كالملك، وولي العهد، وغيرهم.
    7_ وكان يكتب مهنئاً بسلامة الوصول، أو السلامة من المرض لاسيما لكبار المسؤولين.
    8_ وإذا صدر أمر بتعيين بعض الأمراء أو الوزراء وجه كلمة إليهم؛ لتهنئتهم ونصيحتهم، وحثهم على مضاعفة الجهود.
    9_ وإذا صدر أمر من الملك أو غيره من المسؤولين، وكان فيه مصلحة للمسلمين، أو دفع ضرر عنهم وجه كلمة تتضمن الشكر والدعاء.
    10_ وإذا اعتدى معتدٍ على المسلمين في أي مكان_وجه سماحته كلمة يستنفر فيها المسلمين لنصرة إخوانهم بالمستطاع، ويبين لهم ما يجب من حق إخوانهم عليهم، ويستنكر خلالها العدوان على بلاد المسلمين، ونحو ذلك مما يناسب الحدث.
    11_ وإذا كان هناك خلاف بين بعض المسلمين من مجاهدين، أو طلبة علم، أو نحوهم، وظهرذلك الأمر_وَجَّه كلمة بهذا الصدد يحث فيها الأطراف المختلفة على الاجتماع، والألفة، ويحذرهم من الافتراق والعداوات.
    12_ وإذا حضر مناسبة من المناسبات العامة كولائم الزواج والدعوات الخاصة بادر إلى اغتنامها بالنافع المفيد، وملءِ المجلس علماً، وحكمة، وفائدة.
    13_ وكثيراً ما يوجه كلمات عامة تشتمل على تذكير بأمر معين كأذكار الصلاة، أو تحذر من معصية بعينها كالتحذير من الربا، والمعاملات الربوية، ونحوها.
    14_ وربما بادر إلى توجيه كلمة للمعلمين والمتعلمين يحثهم فيها على بذل الجهد، وإخلاص النية.
    15_ وكان يوجه الكتابات لرؤساء المحاكم، والقضاة، ونحوهم، يحثهم على إقامة الدروس العلمية.
    وقبل خمس سنوات من وفاته رحمه الله كتب لأكثر من ثلاثين ما بين رئيس محاكم، ورئيس محكمة، وقاضٍ يحثهم على إقامة الدروس العلمية، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه من كتب، ودروس في العقيدة، والتفسير، والحديث.
    16_ وإذا طُلب منه الدخول في إصلاح أمر من الأمور بادر دون تردد.
    وكان ذلك دأبه من قديم.
    وبعد: فهذه جملة يسيرة جداً من الأمثلة على روح المبادرة، وما تحمله من خير عظيم، ونفع عميم.
    وهي ترشد الناصح لنفسه ولأمته أن يكون ذا نفس مبادِرَةٍ، تسعى إلى الخير، وتدل عليه بنية صادقة، وذوق مرهف، واغتنام للفرص.


    ---------------------------------------------------
    1 - السحيل: هو الغزل الذي لم يُبرم، والمُبْرَم: هو الحبل الذي جمع بين مفتولين، فَفُتِلا حبلاً واحداً.
    2 - مَنْشِم: هذه الكلمة اختُلف فيها، وذُكر لها عدة معان، فقيل: مَنْشِم: امرأة عطارة قيل: إنها من خُزاعة، وقيل: من هَمْدَان، وقيل: من حِمْيَر.
    قيل: كانوا إذا تطيبوا من ريحها اشتدت الحرب؛ فصارت مثلاً في الشر، وقيل: كانت خزاعة وجُرْهُم إذا أرادوا القتال تطيبوا من طيبها، وكانوا إذا فعلوا ذلك كثر القتل فيما بينهم، فكان يُقال: أشأم من عطر منشم؛ فصار مثلاً.
    وقيل: منشم: الشَّرُّ بِعَينه، وقيل: هو شيء من سنبل العطر، وهو سُمُّ ساعة.
    3 - رواه ابن هشام 2/366 عن ابن إسحاق قال: " فحدثت عن الرجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب... "
    وقال الألباني في تخريج فقه السيرة للغزالي ص240:"وهذا سند ضعيف؛ لجهالة الواسطة بين ابن إسحاق والرجال من بني سلمة، وقد وصله الحاكم 3/26_27 " .
    حسابي على تويتر https://twitter.com/mourad_22_

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,414

    افتراضي رد: روح المبادرة- مقال ماتع- د. محمد بن إبراهيم الحمد

    الحمد لله رب العالمين

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •