خطوات الظهيرة



لا يشبه المشي إلى صلاة الفجر بعدِ النومِ العميقِ وفي ظلمةِ الليل ـ في غير شهر رمضان ـ إلا خطواتُ الصائمِ وهو يمشي في حرّ الظهيرة، بعد نومٍ عميق، وجسدٍ منهك، إلى بيت من بيوت الله، يبتغي الأجرَ من الله.

نعم.. المشي في حر الصيف اللاهب شاقٌ، ومجهِدٌ للبدن والنفس، وخصوصاً إذا كان يسبقه قيامٌ من نومٍ عميق! لكن أيظنُّ أحدُنا أن بلوغَ المنازل العالية في الجنة، ونيلَ رضوان الله تعالى يأتي دون جهد أو تعب؟! هيهات هيهات.
بَصُرتَ بالراحة الكبرى فلم ترها ** تُنال إلا على جسرٍ من التعب

لقد بذل طالبو الجنة أنفسَهم وأموالهم، وباعوها لله، واسترخصوا كل غالٍ في سبيلها، بل كانت هي ثمن أعظم صفقة سمعت بها الدنيا: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[التوبة: 111] "هيهات ما وصل القوم إلى المنزل إلا بعد مواصلة السُرى، ولا عَبَروا إلى مقرّ الراحة إلا على جسر التعب"([1]).
من ثَقُلَ عليه القيام من الفراش، وتذمر من لهيبِ الشمس، ولفحِ الهجير؛ فليتذكر هذه الغنائم التي وعد بها الصادقُ المصدوق صلى الله عليه وسلم:"فإن أحدكم إذا توضأ فأحسن، وأتى المسجد، لا يريد إلا الصلاة؛ لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة، حتى يدخل المسجد، وإذا دخل المسجد، كان في صلاة ما كانت تحبسه، وتصلي -يعني عليه الملائكة- ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث فيه"([2])، وليحسبها: كم سيفوته منها إذا صلاها في بيته؟!
يستطيل بعضُهم الطريقَ وبُعْدَ الخطواتِ عن المسجد، فهل بلغه ما قاله جابر بن عبدالله ـ رضي الله عنهما ـ: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا، فنقترب من المسجد، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن لكم بكل خطوة درجة»([3])، بل قال صلى الله عليه وسلم في مقام آخر: "وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة"([4])! فكم من صدقة ستفوت عليه بتركه الصلاة في بيت الله تعالى؟!
ومع كثرة ما يخسره المتخلِّف عن صلاة الجماعة؛ فليحذر أن يكون ممن لا يبالي بفواتها، أو يفرح بتخلّفه عنها، فتلك مرتبة متقدمة من النفاق! ذلك أن الله تعالى قال عن قومٍ فرحوا بتخلفهم عن داعي الجهاد في سبيل الله: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾[التوبة: 81، 82].
فإن كسلتَ عن الصلاة في المسجد؛ فإياك أن تفرح بتخلفك عن داعي الفلاح، فكفى غبناً ما يفوته وهو يصليها في بيته.. وكم يستشعر المؤمنُ شدةَ التخلف عن الجماعة بلا عذر وهو يقرأ قول الصحابي الفقيه: «من سره أن يلقى الله غدا مسلماً؛ فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته؛ لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم،...ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادَى بين الرجلين حتى يُقام في الصف»([5]).
ومهما يكن من أمر، فإنْ كسلَ الإنسان وتقصيرَه في أداء الصلاة جماعةً، ينبغي ألا يتبعه فقدانٌ لسعة الندم على فوات هذه الغنائم العظيمة، فإن بقاء تقريع النفس على التقصير مظنةُ الأوبة والعودة إلى بيوت الله، والخوف كل الخوف ألا يمرّ على القلب وارد الندم والألم على التفريط في هذه الشعيرة الظاهرة من شعائر الإسلام.


([1]) بدائع الفوائد (3/ 218).
([2]) البخاري ح(477) واللفظ له، مسلم ح(649).
([3]) مسلم ح(664).
([4]) البخاري ح(2891)، مسلم ح(1009).
([5]
) مسلم ح (654).




* رابط المقال على الموقع: http://almuqbil.com/web/?action=arti...r&show_id=1417