باسم الله الرحمان الرحيم و الصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


أضع بين أيديكم هذا البحث الذي نشرته في مجلة المنار الإسلامية (الإماراتية) سنة 1982. و بدى لي من الضروري أن أنشره مجددا عسى أن ينتفع به الناس. فحال المسلمين اليوم في أمس حاجة من ذي قبل إلى الإرشاد.
يحتج بعض المسؤولين في الدول الإسلامية لوجود المؤسسات الربوية بأن فيها "منافع اقتصادية"، فبماذا يحتجون لوجود مؤسسات القمار و الميسر ؟

ربما لأنهم ليسوا بحاجة إلى حجة، لأنهم لا يعيرون اهتماما لذلك.

و ربما احتجوا بقول بعض "العلماء" المعاصرين كالذي قرأت للشيخ حمزة بوبكر ( المسؤول حينئذ عن المسجد الأعظم بباريس) القائل أن : الإسلام حرم القمار و الميسر و المخاطرة و المراهنة بصفة عامة، ورخص بكيفية خاصة في المخاطرة على سباق الخيل و الرمي في ترجمته للقرآن إلى اللغة الفرنسية.
فقد كتب الشيخ معقبا على ترجمة الآية 219 من سورة البقرة "يسألونك عن الخمر و الميسر..." أن الإسلام حرم القمار و الميسر... و رخص بصفة خاصه في المخاطرة ( أو الرهان ) على سباق الخيل و الرمي". و لم يزد الشيخ عن هذا الكلام لا بتوضيح و لا بإشارة إلى أصل هذا القول، كأن ذلك أمر ثابت في الشريعة الإسلامية.

فأخذتني الغيرة على ديني و قمت أبحث في كتب التفسير والفقه عن قول ضعيف يعتذر للشيخ حمزة بوبكر عن تصريحه، فلم أجد إلا ما يثبت تحريم الرهان عامة لأنه قمار و أكل مال بالباطل.
و تحريم رهان الخيل خاصة في أحاديث نبوية ( سأذكرها فيما بعد ) تصرح أن رهان الخيل قمار بل إن الفرس التي اتخذت للرهان سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرس الشيطان، و قال إن ثمنها وزر و ركوبها وزر.

ولكن قبل أن نتكلم عن رهان الخيل، يجب أن نوضح ما يشتبه على بعض الناس في أمر الرهان عامة، و ذلك لأنهم يذكرون حكاية رهان أبي بكر الصديق رضي الله عنه رغم علمهم أن الرهان هو من جنس الميسر، فلا يفهمون كيف لمثل أبى بكر الصديق رضي الله عنه، أن يراهن فيختلط عليهم الأمر.

عن المراهنة عامة

نعم، لقد راهن الصديق رضي الله عنه جماعة من المشركين، و كان ذلك بمكة قبل الهجرة و قبل تحريم الميسر لأن الآيات المتعلقة بهذا التحريم نزلت بالمدينة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها.

و كان رهان أبى بكر رضي الله عنه مع المشركين بصدد ما " تنبأت" به الآيات الأولى من سورة الروم، و هذ ا من معجزات القرآن التاريخية. كتب ابن كثير رحمه الله في تفسيره:
لما نزلت " آلم ،غلبت الروم في أدنى الأرض و هم من بعد غلبهم سيغلبون" قال المشركون لأبى بكر، ألا ترى إلى ما يقول صاحبك يزعم أن الروم تغلب فارس، قال صدق صاحبي، قالوا هل لك أن نخاطرك، فجعل بينه و بينهم أجلا، فحل الأجل قبل أن تغلب الروم فارس، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و على آله و سلم و ساءه ذلك وكرهه و قال لأبى بكر ما دعاك إلى هذ ا؟ ، قال: تصديقا لله و رسوله، قال : تعرض لهم و أعظم لهم الخطر و اجعله إلى بضع سنين فأتاهم أبابكر فقال : لكم في العود فإن العود أحمد ؟ قالوا نعم، فلم تمض تلك السنين حتى غلبت الروم فارس و ربطوا خيولهم بالمدائن و بنوا الرومية، فجاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه و على آله و سلم فقال: هذ ا السحت ،قال تصدق به. (ابن كثير).

فهذا الحديث يفيدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كره رهان أبى بكر و ساءه و إن كان ذلك قبل تحريم الرهان، و إن كان ذلك تصديقا لله و رسوله. ثم إن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه لم يقدم على ذلك إلا لأن إيمانه القوى بالله سبحانه وتعالى، وتصديقا لرسوله صلى الله عليه وسلم جعلاه يثق بأن الله لا يخلف وعده لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره تحديد الأجل الذي حدده مع المشركين ( مراهنيه ) وقال له "... اجعله إلى بضع سنين لأن الله عز و جل إنما قال: ... في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ..." ، و لم يحدد سبحانه وتعالى موعدا، و لذلك لم يكن لأبي بكر الصديق رضي الله عنه أن يحدده.

و يذكرنا هذا بما وقع للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حين جاءه مشركو قريش بثلاث أسئلة من يهود المدينة ليختبروا نبوته، فسألوه عن أصحاب الكهف، و ذي القرنين، والروح، فقال لهم: أخبركم غدا عما سألتم عنه و لم يستثن (لم يقل إن شاء الله) فلم ينزل عليه الوحي خمسة عشرة يوما، ثم نزلت سورة الكهف بالجواب و فيها تأديب للنبي صلى الله عليه و سلم (... و لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت و قل عسى أن يهديني ربى لأقرب من هذا رشدا... (ابن كثير)

فهذا أبوبكر الصديق وحالة رهانه خاصة لأنه كان متأكد بأن الله لا يخلف وعده، و لكن لم يكن له أن يراهن لأن هذا إن لم يكن مخاطرة من جانبه، فهو أكل مال بالباطل وسحت، كما اعترف به رضي الله عنه في آخر الحديث.
وذكر ابن كثير أيضا حديثا آخر رواه الترمذي عن مكرم الأسلمي و قد أشار هذا الأخير إلى أن الرهان المذكور عن أبى بكر كان قبل التحريم، لأن سورة الروم مكية وأبو بكر راهن المشركين في مكة وآيات تحريم الخمر و الميسر نزلت بعر سنوات بالمدينة وآخرها الآيات التالية من سورة المائدة: " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 )
و نلاحظ بأن الله سبحانه و تعالى في الآية الثانية زاد في النهي، خاصة عن الخمر و الميسر و بين أن ذلك يسبب العداوة و البغضاء بين الناس، و يشغل المؤمنين عن ذكر الله وعن الصلاة.

و في هذا الباب أحاديث صحيحة تحرم اللعب بالنرد وما يشابهه و إن لم يكن فيه قمار لأنه يصد عن ذكر الله و عن الصلاة فما بالكم بمراهنة على مال أو على أي شيئ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته امرأته فإنهن من الحق (ابن تيمية الفتاوى الكبرى 2/12 طبعة دار المعرفة بيروت )
و استثنى هنا النبي صلى الله عليه و آله و سلم الرمي بالقوس و تأديب الفرس، لأن هذ ا تدريب و تمرين المجاهد في سبيل الله... فإن لم يكن لغاية نافعة و اتخذ ذلك للعب، فيصبح لهوا و باطلا.
كما يدل على ذلك و يستخلص من عدة أحاديث في احتباس الخيل للجهاد في سبيل الله...

و نذكر منها على سبيل المثل حديث يهم مسألتنا رواه الإمام أحمد بسند حسن عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال "الخيل في نواصيها الخير معقود إلى يوم القيامة، فمن ارتبطها عدة في سبيل الله و أنفق عليها احتسابا في سبيل الله فإن شبعها وجوعها و ريها وظمأها و أوراثها و أبوالها فلاح في موازينه يوم القيامة، و من ارتبطها رياء وسمعة و مرحا و فرحا، فإن شبعها وجوعها و ريها وظمأها و أوراثها و أبوالها خسران في موازينه يوم القيامة (المنذري حديث 1835 في كتاب الجهاد) و روى في نفس المعنى البخاري و مسلم و غيرهم.

عن المراهنة في سباق الخيل

و الكلام عن الخيل يسوقنا أخيرا إلى الكلام عن رهان الخيل. فأما رهان الخيل الذي يشير أو يلمح إليه كلام الشيخ بوبكر، فهو الرهان المشهور باسم "تيرسي" (Tiercé) في فرنسا و معظم الدول الغربية وفي الدول العربية التي تقلدها.
و من شأن هذا الرهان أن يجمع المال من بعض الناس ( بل كثير من الناس ) في المخاطرة على المجموعة الثلاثية من الخيل ( أو كوكبة الخيل المكونة من ثلاث خيول) التي ستصل الأولى في السباق... و لهذا أطلق عليه اسم "تيرسي" لأنه مشتق من العدد ثلاثة بالفرنسية. و لكن هناك أيضا رهان أقل شهرة و هو الرهان على الخيل الأربعة الأولى التي ستسبق ... أو أنواع أخرى من رهان الخيل و ما يشابهه، التي تدخل في نفس الصورة أو في نفس المعنى.

فالرهان على الخيل كما يبدو واضحا في صورة "تيرسي" هو القمار بعينه و هو حرام في الشريعة الإسلامية، بل و يعد من الكبائر التي لا تغتفر لصاحبها إلا إذا تاب عنها و عدل عنها.
فكيف سمح الشيخ بوبكر لنفسه أن يخرج كلام الله هذا التخريج بدون تحر وجميع الفقهاء مجمعون على تحريم مثل هذا الرهان.

دخول "محلل" في المراهنة

و إنما اختلف بعض الفقهاء في حالة ما إذا كان ثلاث متسابقين و أخرج اثنان المال للرهان، و معهما ثالث لم يخرج شيئا و هو المحلل، فجعلا له المال إن كان سابقا و ليس عليه شيء إن كان مسبوقا، فأجاز ذلك ابن المسيب و الشافعي ومنعه مالك (ابن جزي القوانين الفقهية الباب 10 في المسابقة و المرمى من كتاب الجهاد).
فهاته الصورة التي اختلف فيها الفقهاء بعيدة عن صورة "تيرسي" أو أي صورة من صور الرهان المعروفة في عصرنا...

و ذكروا حال ما إذا سبق المحلل ... و هو حال أضعف توقعا من حال فوز أحد الآخرين لأن الحال الأول له حظ على ثلاث متسابقين، و الحال الثاني له حظان. ويكون إذا الكلام عليه أولى بالتخصيص. و بناء على القول بالمحلل، إن الذي يحدث في هاته الحالة التي يسبق فيها أحد مخرجي المال، هو أن يذهب الفائز بمال صاحبه و هذا هو القمار وأكل المال بالباطل.
ماذا يكون إذا دور المحلل ؟ لا شيء، إلا أن ينقص قليلا ( كما بينته ) من حظ الوقوع في حال القمار. كيف يكون إذا هذا الأمر حلالا عند بعض الفقهاء علما بأن مبدأ المراهنة و المخاطرة نفسه حرام... والقاعدة عندهم أن كل شيء يمكن أن يوقع في المحظور فهو حرام، وكم من شيء حرموا فقط سدا للذريعة.

و الجدير بالإشارة أن الإمام مالك نبه على تحريم المراهنة في السباق و إن دخل فيه "محلل" رغم أنه هو الذي روى في الموطأ كلام سعيد بن المسيب. و الذين جوزوا القول بالمحلل إنما تناقلوا كلام سعيد بن المسيب، و هو كما في الموطأ:
" و حدثني عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول :
ليس برهان الخيل بأس إذا دخل فيها محلل، فإن سبق أخذ السَّـبَـقَ و إن سُبقَ لم يكن عليه شيء"
و أما من ظن من الفقهاء أن أصل كلام سعيد بن المسيب هو حديث :
"من أدخل فرسا بين فرسين ( يعني و هو لا يؤمن أن يسبق ) فليس بقمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار" (ابن جزي القوانين الفقهية الباب 10 في المسابقة و المرمى من كتاب الجهاد).

لا أصل لدخول "المحلل" في السباق لتحليل المراهنة

فهذا الحديث "من أدخل فرسا بين فرسين..." رواه أبو داود في السنن بسند عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة، عن النبي صلى ألله عليه وسلم. و لكن أبا داود زاد فأخرج سند آخر لهذا الحديث ولم يرفعه إلى النبي صلى الله علبه وسلم، ونص أبو داود على أن هذا الحديث ليس من كلام النبي صلى الله عليه و سلم، بل من كلام عن رجال من أهل العلم فقال:
حدثنا محمود بن خالد ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن سعيد بن بشير ، عن الزهري بإسناد عباد ومعناه ، قال أبو داود : ، رواه معمر ، وشعيب ، وعقيل ، عن الزهري ، عن رجال من أهل العلم وهذا أصح عندنا . ( سنن أبي داود كتاب الجهاد، باب المحلل).
فهذا أبو داود الذي روى لنا حديث "من أدخل فرسا" قد صحح السند الثاني لهذا الحديث والذي ينتهي إلى الزهري عن رجال من أهل العلم.

و قد أشار ابن تيمية إلى هذ ا في فتاويه و شرح قائلا:
"... (فصل) في أحاديث يحتج بها بعض الفقهاء على أشياء و هي باطلة. (و منها) حديث محلل السباق: من أدخل فرسا بين فرسين...، فإن هذا معروف عن سعيد بن المسيب من قوله. هكذا رواه الثقات من أصحاب الزهري عن الزهري عن سعيد. وغلط سفيان بن حسين فرواه الزهري عن سعيد عن أبى هريرة مرفوعا.
و أهل العلم بالحديث يعرفون أن هذا ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر ذلك أبو داود السجستاني وغيره من أهل العلم، وهم متفقون على أن سفيان بن حسين هذا يغلط فيما يرويه عن الزهري، وأنه لا يحتج بما ينفرد به. ومحلل السباق لا أصل له في الشريعة، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بمحلل السباق، وقد روي عن أبى عبيدة بن الجراح وغيره أنهم كانوا يتسابقون بجعل ولا يجعلون بينهم محللا. و اللذين قالوا هذا من الفقهاء ظنوا أنه يكون قمارا، ثم منهم من قال بالمحلل يخرج عن شبه القمار، و ليس الأمر كما قالوه، بل المحلل مؤد إلى المخاطرة. وفي المحلل ظلم لأنه إذا سَبَقَ أخد، و إذا سُبقَ لم يعط، وغيره إذا سبق أعطى، فدخول المحلل ظلم لا تأتى به الشريعة."

فهذا كلام ابن تيمية الذي له قيمته عند العلماء و الفقهاء، و هو واضح. و قد جاءنا بعنصر جديد، يؤكد على أن الحديث المذكور ( من أدخل فرسا ...) ليس من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، و هو أن سفيان بن حسين الذي انفرد برواية هذا الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، معروف عند العلماء و المحدثين بكثرة غلطه.

و من جهة أخرى، و قبل أن ننتقل من هاته النقطة أريد إثارة الا نتباه إلى أن سفيان بن حسين إن كان من أصحاب الزهري فكذلك معمر و شعيب وعقيل، هم الثلاثة من أصحاب الزهري، و قد سمعوا هذا الحديث من الزهري كما سمعه سفيان بن حسين، إلا أن هذا الأخير غلط فرفعه إلى النبي صلى الله عليه و سلم، و الثلاثة رووه عن الزهري عن رجال من أهل العلم، و هذا الذي صححه و رجحه أبو داود في السنن كما ذكرناه.

كل هاته الحجج تبرهن على أن "محلل السباق" ليس فيه نص و لا أثر عن النبي صلى الله عليه و سلم و لا عن الصحابة و لا عن أحد من التابعين إلا رأي سعيد بن المسيب (رضي الله عنه و عنهم جميعا).

و أما سعيد بن المسيب، و الفقهاء الذين نقلوا عنه القول بمحلل السباق فإنه من الراجح (و الله أعلم) أنهم قالوا هذا الكلام لكثرة ما روي عن مدى اهتمام النبي صلى الله عليه و سلم بالخيل و لأنه كان يشجع المسلمين على سباق الأقدام و سباق الخيل، كما كان يحثهم على تعلم الرمي، و يحضهم على رباط الخيل، و كل ذلك استعدادا للجهاد في سبيل الله.

و أعطى رسول الله صلى الله عليه و سلم المثل بنفسه، و كان يتسابق مع المسلمين على فرس له. فقد روى الإمام أحمد عن أنس: "قيل له، أكان النبي صلى الله عليه و سلم يراهن؟ قال نعم، و الله لقد راهن على فرس يقال لها سبحة، فسبق الناس، فهش لذلك و أعجبه".
و هذا حديث ربما تبادر منه إلى الذهن أن رسون الله صلى الله عليه و سلم كان يتراهن على الخيل بمعنى يخاطر و يقامر، و نبي الله منزه عن ذلك. فلا ينبغي أن يعزب عن البال أن في اللغة العربية: راهنه على الخيل، هو بمعنى سابقه عليها بدون أن يشترط في هذا المعنى أن تكون المسابقة بعوض.

و يكون إذا ما أراد أن يقوله أنس ( رضي الله عنه ) في حديثه: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يركب الخيل و يتسابق مع أصحابه و ذلك كما ذكرته لتشجيعهم على الاستعداد للجهاد في سبيل الله، و ليس لمخاطرة و لا مراهنة و لا مفاخرة بفوز.

و مما يؤيد هذا الكلام و القول السابق، الأحاديث التالية التي أنقلها عن المنذري من كتاب الجهاد في مصنفه الترغيب و الترهيب:
(أ) "رقم 1836 - وروي عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: الخيل ثلاثة، ففرس للرحمان، و فرس للإنسان، و فرس للشيطان، فأما فرس الرحمان فما اتخذ في سبيل الله، وقتل عليه أعداء الله، وأما فرس الإنسان فما استبطن و تحمل عليه، و أما فرس الشيطان فما روهن عليه، وقومر عليه (رواه الطبراني)

(ب) رقم 1837- و عن رجل من الأنصار رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "الخيل ثلاثة، فرس يرتبطه الرجل في سبيل الله عز و جل، فثمنه أجر و ركوبه أجر، و عاريته أجر، و فرس يغالق عليه الرجل و يراهن، فثمنه وزر، و ركوبه وزر، و فرس للبطنة، فعسى أن يكون سدادا من الفقر إن شاء الله" رواه أحمد و رجاله رجا ل الصحيح.

(ت) رقم 1838- و عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الخيل ثلاثة، فرس للرحمان، وفرس للإنسان، و فرس للشيطان، فأما فرس الرحمان فالذي يرتبط في سبيل الله عز وجل، فعلفه وبوله وروثه – و ذكر ما شاء الله -، وأما فرس الشيطان فالذي يقامر عليه ويراهن، وأما فرس الإنسان، فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها فهي ستر من فقر" رواه أحمد أيضا بإسناد حسن. و الحديثان في مسند عبد الله بن مسعود.

أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم صريحة في هذ ا الباب، لم تترك مجالا لمخاطرة و لا مراهنة على سباق الخيل خاصة، و هذا يكفي لرد ما زعم به الشيخ حمزة بوبكر.

كي نحتفظ بصورة واضحة لما قيل في هذ ا الباب عن المراهنة والمخاطرة على سباق الخيل نلخص ما تعرضنا له في النقط التالية:
المراهنة والمخاطرة عامة هي قمار وهي حرام بإجماع العلماء

المراهنة و المخاطرة على سباق الخيل عامة هي كذلك قمار وحرام بإجماع العلماء

المراهنة على سباق الخيل ما بين المتسابقين فقط إذا دخل بينهم "محلل" فهي حرام عند جمهور العلماء وجائزة عند البعض من الذين أخذوا برأي سعيد بن المسيب، القائل: "ليس برهان الخيل بأس، ..." ودعموه بحديث: من أدخل فرسا بين فرسين ... معتقدين أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم

حديث "من أدخل فرسا بين فرسين ..." قطعا ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم بل من كلام بعض العلماء بحجة الإمام أبى داود الذي أخرج هذا الحديث في سننه. و من الراجح أنه من كلام سعيد بن المسيب أيضا ( و الله أعلم ).
كلام سعيد بن المسيب يخالف أحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم تحرم المراهنة (المخاطرة بالمال أو عوض) على سباق الخيل مطلقا، بل حتى اتخاذ الخيل للعب و الفرح و المرح.
وفي عصرنا لا تربط الخيل غالبا إلا لهاته الغاية و لا سيما في الدول الصناعية الغربية و العربية التي تقلدها.