حين تكتشف الدخائل الوافدة, وتسعى الى تحديدها, تجابه ابتداء بتعمية عزلية, حركية قائمة على منهجية الإبقاء بدون حقوق, وهذا يجعلنا ننسى الروابط المخترقة, ولا ننتبه إلى حركة الحياة والأحياء, لأن الانشغال بالحقوق الأساسية يُنسي الكثير من الروابط وامتداداتها المخترقة, المتكيفة في الجسم الحركي بتناغم ذكي, ويعمل ذلك على إفشال المعرفة الفاحصة القائمة على إدراك علاقات الارتباطات ونوعيتها, ولغتها السياسية في صمتها وفي مناداة بعضها بأسماء مستعارة.
إغفال هذه المسألة يؤدي إلى إحلالات اختراقية, تثبت الاستثناءات, الوافدة, وتبقي الأسس الحاملة للفكرة والمشروع, والمنحازة للخير والعقيدة, دون وجود حياتي سوي, أي ان هناك اختراقات تلعب دورها بتناسق وتعاضد قائمة على الضد من داخل الجسم الحركي, وتساندها الغفلة السياسية بدون وعي, فالانفتاح لا يعني النحت من التكوين, والإحلال المكين للدخائل, بقدر ما يعني وضع الدخائل على محك تكتيكي لمعرفة ما إذا كانت مع بإخلاص, أو مع بمكر, وهذا يحتاج الى مقاييس أساسية, بعيدا عن التمظهرات المجاملاتية, وتكايا الثرثرة التي تنتج تأثيرات جزئية وتمنيجات متدرجة تحريفية, وتنسج العلاقات التوافقية بسلية اختراقية, تفرغ الحركة من أدمغتها, ومن عناصرها الطليعية الحية, وتصنع التواثق الخطير الذي يرخي عرى التماسك الحي للحركة .
يبدو أن هناك خلف كواليس التخطيط السياسي لدى قوى اليسار المندمجة مع بعضها خطة ما قائمة على التمثل المتمظهر للقيم, وهي تمثلات سياسية ذات أساس فكري مغاير لأسس الحركة وغاياتها, يتغيا صناعة اطمئنانات زائفة, بهدف النحت, والتسكين, النحت من الجسم الحركي,وتسكين عناصر دخيلة بدلها, بمعنى ان العمل الذي يجرى قائم على مبدا التوافق والتداخل الذي ينتج تشابه في المظاهر يجعل الأمور كبقرة بني اسرائيل كما يقال, وهو تداخل يستهدف الحركة الإسلامية أساسا, إن تضخيم الأشخاص, والاستقطاب السياسي الذي لا يركز على الكيفية الداخلية للأفراد,ولا يختبر مضامين الأسس الفكرية المستقرة في أعماقهم,ودون وزن الحضور القيمي والعقائدي في مسلكهم, سيؤدي الى تفاقم حالة الاختراق والتفريغ للحركة, في مسعى خطير لتثبيت هذه الدخائل لذاتها وشخوصها مستقبلا, إن نظرية نفي النفي,ونظرية البقاء للأصلح,في اشتراكيتها القومية المندمجة جارية, وهي تستهدف الكيان الحي, برموزه الحية, كي تميت الحيوية الفكرية والاستكشافية المتمثلة في العناصر الحية الروحية, داخل الحركة الإسلامية, أي أنه يجب التنبه المبكر لمثل هذه الاختراقات, فمن يتم نفيه خارج الحركة من أبنائها الذين أعيتهم حيلة البقاء أمام فعل النفي الماكر, يجب أن لا يهملوا, لأن الإهمال يؤدي الى انحرافات جارفة بعيدا عن الأسس القيمية حتى, فالناحتون يقومون بإنتاج الإطارات الاستيعابية التي تستغل حالة الإهمال وغياب العمل المشترك للصالحات, والتواصي عليها, في محاولة إعادة تشكيل الفرد أو والأفراد الذين ساهموا في نحتهم من الجسم الحركي حسب مضمونهم الفكري والفلسفي, إذ أن الإهمال يؤدي الى غياب روح التماسك والثبات “فالأجيال لا تصمد على الثوابت,إلا إذا كان لتلك الثوابت الخاصية الروحية المتعالية والمتسامية عن النظرة المرحلية,الضيقة وعن رهانات النشأة الأولى ” كما وينتج النفسية الساخطة, التي تجد في الإطار المتلقي لها مجالا تنفسيا ضد انتماءه الأساسي, وبالشكل الذي يوحي إليه ابتداء بانه قائم على النقد, فتنشأ إثر ذلك تعقيدات وحواجز عزل نفسي, بفعل التعاطفات الزائفة للقوى المستغلة ذات النصف استقطاب من أجل توظيف الفرد سياسيا للنحت في تكوين الحركة وإكسابها مصداقية من خلاله, إذ يتعرض الفرد لغسيل دماغ, و “تمنيج فكري ” على شكل تطعيمات جزئية يؤدي إلى انحراف كلي في العقيدة والتصورات والرؤى .
وهذا يتطلب من الحركة إنتاج إطار استيعابي جديد, يمثل أرضية تثبيت يتلقف الخارجين ويحافظ على تماسك الحركة, ويحول دون استنزافها من الداخل, لأن معظم من خرجوا لم يخرجوا لأنهم أرادوا ذلك, ولكن لأن ضغط الفعل الماكر بتوالية وتكراره أنتج حالة لا شعورية قائمة على قناعة مزيفة مفادها “أنا لست مرغوبا به ” لأن الفعل الخفي المستمر القائم على إستراتيجية الحصار في الأساسيات والاحتياجات الضرورية يضر بالفرد نفسيا, ويستنزف جهد الثبات لديه, لأن الثبات تنميه قيم التآلف والتواد الجماعي .
كما تحتاج الحركة إلى صناعة تبادل أدوار الاستيعاب والتلقف, عبر الأشخاص والأماكن, فالخروج في بعضه, لا يعني تمرد, بل تجاوز تجديدي لم يستوعب فكريا وحركيا, ولذلك تحرك دون وعي بالظروف المحيطة التي تستوجب الالتزام, لإنتاج أفق جديد, فوقع في فخ الترصد المقصود للآخر, الذي يحاول دائما إعاقة امتداد الفكرة والمشروع, ويصنع فجوات أمامه,والحيلولة دون أي تجديد في مسار الحركة, وحركتها, ليفقدها أحد مفاتيح التحدي والانطلاق الواعي, إذ أن حالة العمى الحركي تتمثل في الجمود الذي ينافي معنى الثبات والحركة, إن الترابط بين السياسي والمفكر, وبين المربي والمستوعب عملية بنائية وتحصينية, مترابطة, تحبط عمل إستراتيجية جرف الفاعليات الحية،وطلائع الحركة وعناصرها المنحازة للخير والعقيدة, ويبقي الفرد والمجموع في حالة تماسك منتج,وحركة نهضوية تصب في مجرى الأهداف الإستراتيجية الكبرى.
بناء الإطار الاستيعابي المتلقي كفيل بتوفير تحصينات جديدة, فحين تستنزف القلاع الحركية من عناصرها الحيوية تكون قد بنت قلاع تحصينية جديدة, ذات حركة هجومية مضادة ن ومستكشفة تسكن في جسم الاخر, وترصد أهدافه على المستوى الفكري والسياسي, والادبي والمعرفي بشكل عام, وتقرأ من خلال مساحة التوافق مراميه, وأبعاده التفكيكية, والتكييفية, إذ لابد من إدراك أبعاد محاولة تحطيم الإطارات التي يمارسها على مستوى الفكر, لينتج ليبرالية فكرية تنسف الأنساق الضابطة لحركة الفرد والمجموع الاعتقادية, والتي تعمل على تحديد أسس يقينية تدلك على الثابت والمنحرف, وليس المتجدد,لأن ثمة فرق بين المنحرف والمتجدد, فالانحراف حالة تبدأ تدريجيا وتمتد الى الأساس العقائدي ومظاهره العملية, والذي تنبثق منه مجمل التصورات والسلوكيات, فكل إنسان هو ابن ما يعتقد كما يقال, والتجدد له أصله الثابت وجذوره العميقة, المقيمة في القلب والضمير والوجدان،وهو حركة ايجابية تواكب التحديات, ولا تتنكب الثوابت.
إن اخطر عوامل التهجين الفكري تجرى في مساحة التعايش أو التوافق, أو التسامح الرخو, وتنتج الألفة الزائفة, والتواد الغافل, لأن الثقافة الغازية تبحث عن مرتكزات أساسية في الثقافة التي تريد أن تخترقها, وحين يقاوم الفرد الحي والعنصر الفاعل هذه المحاولات حين يجد ان أثرها بدا يمتد إليه, تقمعه العناصر المخترقة بثقافتها من خلال تكوينه, وتعمل على نفيه وإحكام حصاره, كي يزاح إلى إطاراتها, فإذ وجدت أنه لم يندمج من قبل, وأنه كان صعب التأقلم مع فلسفتها في الحياة, كان مصيره المعاناة التي تراهن على أنها ستجعله راضخا يقبل بوجوده معها على النحو الذي تحياه هي, بمعنى انها تراهن على إجبارات خارجية, وكبتيه ذاتية, لكن التجارب تقول أن النفس السوية ذات الفطرة الصافية, صعبة المراس, وغير قابل ذووها العيش بأدنى شروط الحياة, ما لم تكن هذه الحياة كريمة وسوية, قائمة على الشرع ومنهج الدين القيم.
إن إهمال عالم الداخل, “تزكية النفس ” يؤدي الى تحكم الشيطان والعالم الخارجي المادي عليها, فالفكر المادي يتجسد من خلال إهمال التنمية الروحية للإنسان, فيتحقق الفكر القائم على نظرية مفادها :فكر يجادل الداخل بالخارج ” لأن الاستجابة الواعية لتحديات الخارج منشأها التغذية الروحية المستمرة والتربية الإيمانية الخالصة والمتجددة في القلب, فالروح هي الأساس ومن أجلها تشكل العالم الخارجي المادي وحين نفخ الله فيها من روحه تحركت, ولذلك فالروح الحية هي التي تشكل الواقع لمادي وليس هو من يشكلها, فاختراق العالم الخارجي للداخل يأتي كنتيجة منطقية لانزهاق العالم الداخلي من الروح الحية, والاسس الايمانية الصلبة وتجلياتها العبادية العملية, نتيجة غياب قاعدة “قد أفلح من زكاها “، لأن التزكية المستمرة للنفس لها ثمارها الدنيوية قبل الاخروية, فكلما زكى أبناء الحركة الاسلامية نفوسهم, كلما زكت أفهامهم نوقويت الملكات الاستكشافية,ومن وا خاصية التركيز الحيوي في حركة الاحياء والكائنات فيها,وأدركوا العلاقات والارتباطات فيما بينها, والنفاذ الى مظاهر الاشياء, ومعرفة حقائقها.
إن الفكر القائم على جدلية التناقظ, لا يخلوا من الصراع الذاتي مع بعضه, ويمكن توظيف ذلك سياسيا لتفتيته, لأنه اوهن من بيت العنكبوت, لأن فكرنا كأسلاميون فكر لا يقوم على جدلية التناقظ, بل جدلية التعاون والتساند, والتعارف, والانسجام والاختلاف المبدع القائم على التفاني فيما ينفع الناس ويمكث في الارض, في نظر مستمر الى ما عند الله, وهذه هي أسس القوة لدينا, فيما ضعف الاخر قائم على الاشراك بالله, وانحرافاته على مستوى الفكر والسلوك والإلحاد “والله غالب على أمره,ولكن أكثر الناس لا يعلمون”