دعوة الحق بين الدعوات والدعاوى
دعوة الحق
كفر بالطاغوت ...... إيمان بالله

{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ }النحل36
في هذه الآية الكريمة بين الله عز وجل أن مهمة الرسل عليهم السلام كانت دعوة أممهم إلى توحيد الله والذي لا يتم إلا بالكفر بالطاغوت والإيمان بالله وحده، الكفر بالطاغوت بجميع أشكاله وألوانه، سواء كان شجرًا أم حجرًا أم بشرًا أم هوًى . . أم غير ذلك فقد كان أهل الجاهلية يعبدون الأشجار، ومن ضمن ذلك (العزى)، فقد ذكر ابن كثير في التفسير نقلاً عن ابن جرير رحمهما الله تعالى 4/271 : أن العزى كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة وهي مكان بين مكة والطائف وكانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم أحد : لنا العزى ولا عزى لكم، وقد هدم البناء وقطع الشجر خالد بن الوليد ررر لما بعثه النبي إلى نخلة لأجل هذا الأمر وجعل يقول :
يا عُزَّى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك
وكذلك (اللات) كانت صخرة بيضاء منقوشة وعليها بيت بالطائف وسدنه وحوله فناء معظم عند أهل الطائف وهم ثقيف ومن تابعها يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش .
وقد قال الله عز وجل عن أهل المشركين من أهل الكتاب : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون } التوبة(31) .
وهكذا كان قوم فرعون يعبدونه من دون الله عز وجل كما في قصة الماشطة وقد انتشرت عبادة المتجبرين والمتألهين من بني آدم، كما اتخذ أهل الفجور الهوى إلهًا يعبد من دون الله عز وجل، قال تعالى : { أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً } الفرقان(43)، وقال سبحانه :{ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم } الجاثية(23)
ومن استجاب لدعوة الحق فكفر بالطاغوت وآمن بالله وحده فقداستمسك بحبل نجاته في الأولى والآخرة، قال سبحانه : { . . فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم * الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } البقرة(256-257) .
ولكن ما هي حقيقة الكفر بالطاغوت ؟ . . وما هي لوازمه ؟ وما هي ثمرته ؟ وما هي حقيقة الإيمان بالله ؟ . . وما هي لوازمه ؟ . . . وما هي ثمرته ؟ ! ! .
قبل الإجابة على هذه الأسئلة لابد من معرفة مفهوم هذه الكلمة (الطاغوت) : [ الطاغوت : يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث . . وقال أبو إسحق : كل معبود من دون الله عز وجل جبت وطاغوت، . . وقال الشعبي وعطاء ومجاهد : الجبت : السحر، والطاغوت : الشيطان والكاهن وكل رأس في الضلال، قد يكون واحدًا، قال تعالى : { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به }، وقد يكون جمعًا قال تعالى : { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم . . }، وقال الأخفش : الطاغوت يكون للأصنام، والطاغوت مكون من الجن والإنس . . . والطاغية : ملك الروم، الليث : الطاغية : الجبار العنيد، ابن شميل : الطاغية : الأحمق المستكبر الظالم، وقال شمر : الطاغية : الذي لا يبالي ما أتى، يأكل الناس ويقهرهم لا يثنيه تَحَرَّجٌ ولا فَرَقٌ ] لسان العرب(15/9-10) .
مما سبق يتبين لنا أن الطاغوت اسم مشتق من (طغا) أي تجاوز العد ومنه قوله تعالى : { وأنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية }
فمن ذلك نخلص إلى ما يلي :
الطاغوت هو : ما يعبد من دون الله عز وجل من شيطان أو جبت أو إنس أو رؤوس الضلال، والجبابرة العنيدون المستكبرون الظالمون الذين يسومون الناس خسفًا وجورًا، وعلى ذلك فحقيقة الكفر بالطاغوت هي: (البراءة من جميع الطواغيت ظاهرًا وباطنًا، قلبًا وقالبًا، مع إعلان ذلك بالقول والفعل دون مواربة)،ويدل على ذلك :
قول الله تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا * وإليك المصير ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم * لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد}الممتحنة( 4-6) .
وقوله سبحانه : { لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباؤهم أو أبناءهم أو إخوانـهم أو عشيرتـهم أولئك كتب في قلوبـهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنـهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون }المجادلة(22) .
ولهذا أمر الله نبيه بإعلان البراءة في قوله سبحانه: {قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون}الأنعام(19 )، وأيضًا في قوله سبحانه: {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين}
والمؤمن يجتنب الأصنام وعابديها والطواغيت ومريديها، قال سبحانه: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنًا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام * رب إنـهن أضللن كثيرًا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم}إبراهيم(35-36)، بل ويعتزل وحده فرارًا بدينه كما في قوله جل وعلا: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيًا * فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبيًا}مريم(48-49)،{ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}النحل(36) {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور * حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خرَّ من السماء فتخطفه الطير أو تـهوي به الريح في مكان سحيق}الحج(30-31)،
وبذلك يدخل في هذا التعريف للطاغوت :
1- الأشجار والأحجار والأصنام والشياطين والجن المعبودون من دون الله عز وجل .
2- المدعون للألوهية والربوبية من الملوك والزعماء وغيرهم .
3- الجبابرة المستبدون أو المستكبرون القاهرون للناس بلا مبالاة ولا خوف .
4- الحكام بين الناس بالهوى والتشريعات الظالمة والأحكام الجائرة .
5- القوانين والأنظمة والتشريعات والأحكام البشرية الوضعية، قال الله تعالى : { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيدًا } النساء(60)
والكفر بالطاغوت يستلزم ما يلي :
المعاداة القلبية للطواغيت، وإظهار وإعلان تلك العداوة، قال الله عز وجل: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمـون * فإنـهم عدو لي إلا رب العالمين}الشعرا (75-77) .
#اجتناب مواضع وأماكن تلك الطواغيت وهجران عابديها والعاكفين حولها، فعن جرير بن عبد الله ررر قال: بعث رسول الله سرية إلى خثعمٍ فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي e: فأمر لهم بنصف العقل وقال: {أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين، قالوا : يا رسول الله لِمَ ؟ قال : لا ترايا ناراهما}رواه أبو داود، وهذا كان شأن الرسل والأنبياء عليهم السلام وأتباعهم في كل زمان وآخرهم محمد e وأصحابه المهاجرون رضي الله عنهم فقد هجروا كل شيء في سبيل الله إلا ما هو سبب إلى طاعته والقرب منه
عدم التحاكم إلى الطواغيت وشرائعهم وأحكامهم وقوانينهم وأنظمتهم، قال سبحانه وتعالى: { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيدًا}النساء(60) وقال سبحانه: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون}المائدة(50 )، فالمسلم لا يرضى بغير شريعة الله بديلاً، ولا يريد عنها انتقالاً ولا تحويلاً، وكل الشرائع والقوانين البشرية هي اعتداء على سلطان الله وأحكامه، ولا يجوز للمسلمين الرضا بـها ولا التحاكم إليها، ويدخل في ذلك ما يسمى بالشرعية الدولية والقانون الدولي وما يزعم من نظام عالمي جديد وعولمة وغير ذلك من كلمات ومصطلحات خادعة زائفة يراد بـها الكيد والمكر، فكلها من أحكام الجاهلية الآخرة التي هي أشد ضلالاً من الجاهلية الأولى .
عدم موالاتـهم وعدم إلقاء المودة إليهم،
قال سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضلَّ سواء السبيل * إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون * لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير}الممتحنة(1-3)، وقال جلت قدرته: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ويقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}المائدة(51-52)،
وثمرة الكفر بالطاغوت بجميع أشكاله تتجلى في :
1- تطهيـر القلب والنـفس من الأرجاس والأنجاس، فقد وصف الله عز وجل الأوثان بأنـها رجس، قال سبحانه: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان}الحج(30)، كما وصف الله عز وجل المشركين بأنـهم نجس، قال عز من قائل: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}التوبة(28)،
وقد ثبت عن عمر بن الخطاب رررأنه سمع رسول الله يقول: {لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا}رواه مسلم .
2- التحرر من عبودبة الطواغيت سواء عبودية العبادة، كما قال سبحانه وتعالى: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد}الزمر(17)، أم عبودية القهر والتسلط، كما قال سبحانه: {وتلك نعمة تمُنُّها عليَّ أن عبَّدت بني إسرائيل}الشعراء( 22)، وهذا في خطاب موسى لفرعون .
3- وإذا تحقق ذلك كله تهيأ الإنسان الذي كفر بالطاغوت بجميع المعاني السابقة إلى الثمرة العظمى والسعادة الكبرى فما هي ؟ ..
الإيمان بالله
حديثنا الآن عن الإيمان بالله فما هي حقيقته ؟ . . وما هي لوازمه ؟ . . وما هي ثمرته ؟، هذه الحلقة المباركة نتناول فيها حياة المهج والأرواح، والتي بها تتحقق حياة الأبدان والأشباح، نعم . . الإيمان بالله عز وجل دون سواه، وهو الركن الثاني لمن أراد أن يتمسك بالعروة الوثقى، وهذا ما جاء في قوله تعالى : {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم}البقرة(256) . فهذان الركنان (الكفر بالطاغوت والإيمان بالله) هما كجناحي طائر لمن أراد السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة .
الإيمان بالله صلة مقدسة تصل المؤمن بالله عزوجل، وحقيقته أنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ومما يدل على ذلك قوله تعالى : {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون}الأنفال( 2)
يقول القرطبي رحمه الله : ( ليس المؤمن بالذي يخالف الله ورسوله، ويترك اتباع ما أنزله إليه في كتابه من حدوده وفرائضه والانقياد لحكمه ؛ ولكن المؤمن هو الذي إذا ذكر الله وجل قلبه وانقاد لأمره وخضع لذكره ) ا.هـ.، وقال ابن كثير رحمه الله : ( . . . وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب ) ا.هـ.
وأما الإقرار والعمل ففي قوله تعالى : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون * أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون } الأحقاف(13-14) .
وقوله تعالى : { ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين }فصلت(33)
وقد جاء عن النبيقوله وقد سأله رجل يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك قال : { قل آمنت بالله ثم استقم }، ومن ذلك حديثه المروي في الصحيحين :
{ الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق } هذا لفظ مسلم . فتأمل يرحمك الله قول لا إله إلا الله أعلى شعبة في الإيمان وهو عمل اللسان المعبر عما في جوانح المؤمن، وإماطة الأذى عن الطريق وهي الترجمة العملية بالجوارح لهذا القول فلا ينفع القول دون العمل، ولا ينفع القول والعمل دون الإخلاص والنية، ولذلك جاء أن النبي سأل حارثة ررركيف أصبحت يا حارثة ؟ قال : أصبحت مؤمناً حقاً، فقال له : إن لكل قول حقيقة فما هي حقيقة إيمانك ؟ فقال : يا رسول الله : أسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، فأصبحت كأني أرى ملائكة ربي، قال : عرفت فالزم، وقد كان عمر ررر يقول لأصحابه : ( هلموا نَزْدَدْ إيمانًا ) . فيذكرون الله عز وجل . وقد سمعت مرارًا شيخي الشيخ حماد الأنصاري - رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه آمين - يذكر عن الإمام البخاري قوله : ( كتبت عن ألف رجل كلهم يقولون الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص )ا.هـ. وقد لازمت أنا العبد الضعيف راقم هذه السطور شيخي الشيخ حماد رحمه الله في دروسه في بيته ثلاث سنين في ثلة من علماء المدينة وطلبتها نطلب العلم عليه، وقد آثرني من بينهم بالقراءة بين يديه من كتاب الموطأ للإمام مالك رحمه الله، وقد كان يشرحه لنا شرحًا مستفيضًا أثابه الله خير الثواب، وقد سمعته يقول في دروسه غير مرة : ( الإيمان خمس نونات : تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة الشيطان ) ا.هـ.
ومن وقرت حقيقة الإيمان في قلبه، ظهرت علامات الخير، وأمارات الفضيلة على محياه، وصار الإحسان رفيقه صباحه ومساه، فقلبه :
1- منيب إلى الله، قال سبحانه: {هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ*من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب}ق(32-33) .
2- وهو بهذا مطمئن بذكر الله:
{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}الرع (28) .
3- وهو ملازم للطاعات بالغداة والعشي يريد وجه الله: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا . . . }الكهف(28) .
4- ولسانه لسان صدق لا كذب، قال تعالى : { ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليًا} مريم(50)، وقال سبحانه : { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } الشعراء(84) .
5- وسمعه سمع خير، كما قال تعالى : { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } الروم(23) .
6- وبصره بصر عبرة وحق، كما قال سبحانه : { إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } آل عمران(13)،
وذلك لأنه : { ما زاغ البصر وما طغى } النجم(17) .
7- ويداه يسعى بينها النور يوم القيامة لأنهما كانتا على الهدى في الدنيا، قال جل شأنه : { نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم }التحريم(8) .
8- ورجلاه تمشي دائمًا إلى مواطن الهدى والخير، قال تعالى : { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا } الإسراء(19)، ولذلك إذا سمع النداء للصلاة سعى إليها، قال سبحانه : { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله . . . }الجمعة(9) .
وإذا كان الإيمان بهذه الحقيقة وهذه اللوازم كلها مستقرًا في القلب والجوارح أثمر الثمرة الكبرى ففي الحديث القدسي الذي رواه البخاري بسنده إلى أَبِي هُرَيْرَةَ t عن رسولِ اللَّهِ e فيما يرويه عن رب العزة قال : { . . . وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ . . .} .
فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من المؤمنين
الذين أحبوا الله فأحبهم، رضي عنهم و رضوا عنه .