الصبر.
النتائج 1 إلى 10 من 10

الموضوع: الصبر.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي الصبر.

    الحمد لله وبعد
    مقالات في الصبر
    أذكرها للنفع العام وتكون مادة لي أراجعها عند الحاجة

    من أقوال السلف عن الصبر


    قال عمر بن الخطاب: أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريمًا.

    وقال علي بن أبي طالب: الصبر مطيَّة لا تكبو.وقال أيضًا: "ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قُطِع الرأس بار الجسم، ثم قال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبْر له".
    وقال الحسن: "الصبر كنز من كنوز الجنة لا يُعطيه الله إلا لعبد كريم عنده".

    وقال عمر بن عبدالعزيز: "ما أنعم الله على عبد نعمةً فانتزعها فعاضه مكانه الصبر إلا كان ما عوَّضه خيرًا مما انتزعه.

    وقال بعض السلف: كلنا يكره الموت وألم الجراح، ولكن تتفاضل بالصبر.

    قال ابن المبارك: مَن صبر فما أقلَّ ما يصبر، ومَن جزع فما أقل ما يتمتَّع.

    وقال سفيان بن عُيينة في قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ﴾ [السجدة: 24]، لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤوسًا.



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي رد: الصبر.

    أهمية الصبر


    ما أعظم الصبر، وما أجمل التمسك به، فالنفس إن عوَّدتها على الصبر فلن تخذلك أبدًا، والبدن إن عوَّدته على الصبر فلن يضرك أبدًا، وبالصبر لن تفتنَك الدنيا بمفاتنها، ولن يتملَّكك الشيطان بوساوسه، وستنجو من مآزق شتى، ولن يضرَّك مَن خذلك، ولن تستعين بغير الله -تعالى- وسيأتيك النصر من تحت قدميك ما دمت صابرًا على طاعة الله -تعالى- صابرًا على ابتلاء الله -تعالى- صابرًا عن معصية الله -تعالى- صابرًا على عمل تبتغي به وجه الله -تعالى- "فالصبر هو الأساس الأكبر لكل جميل، والتنزه من كل خُلق رذيل، وهو حبس النفس على ما تكره، وعلى خلاف مرادها؛ طلبًا لرضا الله وثوابه، ويدخل فيه الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقدار الله المؤلمة، فلا تتم هذه الأمور الثلاثة التي تجمع الدِّين كله إلا بالصبر"[1].
    الصبر نصف الإيمان، والنصف الآخر الشكر، وعليه "فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر؛ كما وردت به الآثار، وشهدت له الأخبار، وهما أيضًا وصفان من أوصاف الله -تعالى- واسمانِ من أسمائه الحسنى؛ إذ سمَّى نفسه صبورًا وشكورًا؛ فالجهل بحقيقة الصبر والشكر جهلٌ بكلا شطري الإيمان، ثم هو غفلة عن وصفين من أوصاف الرحمن، ولا سبيل إلى الوصول إلى القرب من الله - تعالى - إلا بالإيمان، وكيف يُتصوَّر سلوك سبيل الإيمان دون معرفة ما به الإيمان، ومَن به الإيمان؟ والتقاعد عن معرفة الصبر والشكر تقاعد عن معرفة مَن به الإيمان، وعن إدراك ما به الإيمان؟
    اعلم أن الإيمان تارةً يختص في إطلاقه بالتصديقات بأصول الدين، وتارة يختص بالأعمال الصالحة الصادرة منها، وتارة يطلق عليهما جميعًا، وللمعارف أبواب، وللأعمال أبواب، ولاشتمال لفظ الإيمان على جميعها، كان الإيمان نيِّفًا وسبعين بابًا، ولكن الصبر نصف الإيمان باعتبارين، وعلى مقتضى إطلاقين:أحدهما: أن يطلق على التصديقات والأعمال جميعًا، فيكون للإيمان ركنان؛ أحدهما اليقين والآخر الصبر، والمراد باليقين: المعارف القطعية الحاصلة بهداية الله - تعالى - عبده إلى أصول الدين، والمراد بالصبر: العمل بمقتضى اليقين؛ إذ اليقين يعرِّفه أن المعصية ضارة، والطاعة نافعة، ولا يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطاعة إلا بالصبر، وهو استعمال باعث الدين في قهر باعث الهوى والكسل، فيكون الصبرُ نصف الإيمان بهذا الاعتبار؛ ولهذا جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما فقال: ((مِن أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومَن أعطي حظه منهما لم يبالِ بما فاته من قيام الليل وصيام النهار، ولأنْ تَصبِروا على ما أنتم عليه أحبُّ إليَّ من أن يوافيَني كل امرئ منكم بمثلِ عمَلِ جميعكم، ولكني أخافُ أن تُفتحَ عليكم الدنيا بعدي، فينكر بعضكم بعضًا، وينكركم أهل السماء عند ذلك، فمَن صبر واحتسب ظفِر بكمال ثوابه، ثم قرأ قوله -تعالى-: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ ﴾ [النحل: 96] الآيةَ، وبهذا النظرِ قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "الإيمان نصفان، نصف صبر ونصف شكر، وقد يرفع أيضًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم"[2].
    قال - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153]، فبالصبر يكونُ الله -تعالى- معنا ولن يخذلنا أبدًا، ولن يترك عدونا يزداد جبروتًا على جبروته وطغيانًا على طغيانه، بل يشفي صدور قوم مؤمنين، "ولا تتحقَّق الآمال، ولا تهون الصعاب إلا بالصبر، فلولا الصابرون في أعمالهم ما أنتجوا، ولولا الصابرون في زرعهم ما حصدوا، ولولا الصابرون في طلب العلم ما حصَّلوا، ولولا الصابرون في ميادين القتال ما انتصروا"[3].
    ولأن الصبر فيه من المشقَّة ما فيه، وفيه من الهوان ما فيه، وفيه من الأمر الشديد ما فيه، فلا بدَّ من تدريب النفس والبدن على الصبر حتى يأتي النصر، فلن يأتي النصر إلا إذا ذُقْنا مرارة الصبر، فبالصبر ننتصر على الأعداء في ميادين القتال، وفي الاستعداد للقتال، وفي إعداد القوة التي بها ننتصر على الأعداء، قال - تعالى -: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ [الأنفال: 60]، وجاء في الخبر: ((واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرَجَ مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا))، وقال -تعالى-: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 146 - 148].
    وعن أبي إبراهيم عبدالله بن أبي أَوفَى - رضي الله عنهما - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى مالت الشمس ثم قام فيهم، فقال: ((يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإن لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف))، ثم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((اللهم مُنزِل الكتاب، ومُجريَ السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم))؛ (متفق عليه)، وقال -تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴾ [الأنفال: 15].
    "أمر الله - تعالى - عباده المؤمنين بالشجاعة الإيمانية، والقوة في أمره، والسعي في جلب الأسباب المقوِّية للقلوب والأبدان، ونهاهم عن الفرار إذا التقى الزحفان... فلا تولُّوهم الأدبار، بل اثبتوا لقتالهم، واصبروا على جلادهم؛ فإن ذلك نصرةٌ لدين الله، وقوة لقلوب المؤمنين، وإرهابٌ للكافرين، فالصبر هو المعونة العظيمة على كل أمر، فلا سبيل لغير الصابر أن يدرك مطلوبه، خصوصًا الطاعات الشاقة المستمرة، فإنها مفتقرة أشد الافتقار إلى تحمُّل الصبر وتجرع المرارة الشاقة، فإذا لازم صاحبُها الصبرَ فاز بالنجاح، وإن ردَّه المكروه والمشقة عن الصبر والملازمة عليها لم يُدرِك شيئًا وحصل على الحرمان، وكذلك المعصية التي تشتدُّ دواعي النفس ونوازعها إليها، وهي في محل قدرة العبد، فهذه لا يُمكِن تركها إلا بصبرٍ عظيم، وكف لدواعي قلبه ونوازعها لله -تعالى- واستعانة بالله على العصمة منها، فإنها من الفتن الكبار، وكذلك البلاء الشاق خصوصًا إن استمرَّ، فهذا تضعف معه القوى النفسانية والجسدية، ويوجد مقتضاها إن لم يقاومها صاحبها بالصبر لله، والتوكل عليه، واللجوء إليه، والافتقار على الدوام؛ فعَلِمت أن الصبر محتاج إليه العبد، بل مضطر في كل حال من أحواله؛ فلهذا أمر الله -تعالى- به وأخبر أنه ﴿ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153]؛ أي: مع مَن كان الصبر لهم خلقًا وصفة وملَكة بمعونته وتوفيقه وتسديده، فهانت عليهم بذلك المشاق والمكاره، وسهَّل عليهم كل عظيم، وزالت عنهم كل صعوبة"[4].
    وعلَّق الله -تعالى- النصرة على الصبر، فقال - تعالى -: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران: 125]، ولن يتوقَّف الأمر عند هذا الحد، بل إن الله -تعالى- مع الصابرين؛ لذلك فإنه -تعالى- لن يخذل الصابرين في وقت الحرب وعند الاستعداد للحرب؛ قال -تعالى-: ﴿ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46]، ولا بدَّ أن يعلم المسلمُ أن الصبر طريق للإيمان، فقد ورد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((الصبر نصف الإيمان))، ومن الإيمان يأتي النصر، وهذا ليس من عندي، بل هو من عند الله -تعالى- حيث قال: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم: 47].
    وفي حديث عطاء عن ابن عباس: لما دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الأنصار، فقال: ((أمؤمنون أنتم؟))، فسكتوا، فقال عمر: نعم يا رسول الله، قال: ((وما علامة إيمانكم؟))، قالوا: نشكر على الرخاء، ونصبر على البلاء، ونرضى بالقضاء، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((مؤمنون ورب الكعبة)).
    فالصبر دليل على الإيمان، ولذلك إن كنت مؤمنًا فلن يضيعك الله - تعالى - وسينصرك نصرًا عزيزًا على الأعداء، وأولهم الشيطان، "ولهذا، الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمَن لا صبر له، كما أنه لا جسد لمَن لا رأس له"[5]، قال - تعالى -: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَة ِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]، وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس مات الجسد".

    [1] فتح الرحيم الملك العلام.

    [2] إحياء علوم الدين للغزالي.

    [3] الصبر في ضوء الكتاب والسنة.

    [4] تيسير الكريم الرحمن.

    [5] مدارج السالكين.





  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي رد: الصبر.

    شرح باب الصبر من رياض الصالحين

    عن _عبدالله _مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها !* قالوا: يا رسول الله،فما تأمرنا!قال: تؤدُّون الحق الذي عليكم ، وتسألون الله الذي لكم ))
    (164) [ متفق عليه] .

    (( والأثرة )) الانفراد بالشيء عمن له فيه حقٌ .
    52 - وعن أبي يحيى أُسيد بن حضير - رضي الله عنه - أن رجلا من الأنصار قال : يا رسول الله ، ألا تستعملني كما استعملت فلانا ؟ فقال (( إنكم ستلقون بعدي أثرةً ، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ))(165) [متفق عليه] .
    (( وأُسَيْدٌ )) بضم الهمزة . (( وحُضَيْرٌ )) بحاء مهملة مضمومة وضاد معجمة مفتوحة ، والله أعلم.

    الشرح




    هذان الحديثان : حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وحديث أسيد بن حضير - رضي الله عنه - ذكرهما المؤلف في باب الصبر لأنهما يدلان على ذلك .
    أما حديث عبد الله بن مسعود فأخبر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إنها ستكون بعدي أثرة )) والأثرة يعني : الاستئثار بالشيء عمن له فيه حق .
    يريد بذلك صلى الله عليه وسلم أنه سيستولي على المسلمين وُلاةٌ يستأثرون بأموال المسلمين يصرفونها كما شاؤوا ويمنعون المسلمين حقَّهم فيها .
    وهذه أثرة وظلم الولاة ، أن يستأثروا بالأموال التي للمسلمين فيها الحق ، ويستأثروا بها لأنفسهم عن المسلمين . ولكن قالوا : ما تأمرنا ؟
    قال : ((تُؤدُّون الحق الذي عليكم)) يعني: لا يمنعكم استئثارهم بالمال عليكم أن تمنعوا ما يجب عليكم نحوهم من السمع والطاعة وعدم الإثارة وعدم التشويش عليهم ، بل اصبروا واسمعوا وأطيعوا ولا تنازعوهم الأمر الذي أعطاهم الله ((وتسألون الله الذي لكم)) أي: اسألوا الحق الذي لكم من الله ، أي : اسألوا الله أن يهديهم حتى يؤدوكم الحق الذي عليهم لكم ، وهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ علمَ أن النفوس شحيحة ، وأنها لن تصبر على من يستأثر عليهم بحقوقهم ، ولكنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أرشد إلى أمر قد يكون فيه الخير ، وذلك بأن نؤدِّي ما علينا نحوهم من السمع والطاعة وعدم منازعة الأمر وغير ذلك ، ونسأل الله الذي لنا ، وذلك إذا قلنا : اللهم اهدهم حتى يعطونا حقنا ، كان في هذا خير من جهتين .
    وفيه دليل على نبوَّة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه أخبر بأمر وقع ، فإن الخلفاء والأمراء منذ عهد بعيد كانوا يستأثرون المال، فنجدهم يأكلون إسرافا ، ويشربون إسرافا ، ويلبسون إسرافا ، ويسكنون ويركبون إسرافا ، وقد استأثروا بمال الناس لمصالح أنفسهم الخاصة ، ولكن هذا لا يعني أن ننزع يدا من طاعة ، أو أن نُنابِذَهم ، بل نسأل الله الذي لنا ، ونقوم بالحق الذي علينا .
    وفيه ـ أيضا ـ استعمال الحكمة في الأمور التي قد تقتضي الإثارة ، فإنه لا شك أن استئثار الولاة بالمال دون الرَّعيَّة يوجب أن تثور الرعية وتطالب بحقها ، ولكن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أمر بالصبر على هذا ، وأن نقوم بما يجب علينا ، ونسأل الله الذي لنا .
    أما حديث أسيد بن حضير ـ رضي الله عنه ـ فهو كحديث عبد الله بن مسعود أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ((إنها ستكون أثرة)) ولكنه قال : ((اصبروا حتى تلقوني على الحوض)) .
    يعني: اصبروا ولا تنابذوا الولاة أمرهم حتى تلقوني على الحوض ، يعني أنكم إذا صبرتم فإن من جزاء الله لكم على صبركم أن يسقيَكم من حوضه ، حوض النبى صلى الله عليه وسلم ، اللهم اجعلنا جميعا ممن يرده ويشرب منه .
    هذا الحوض الذي يكون في يوم القيامة في مكان وزمان أحوج ما يكون الناس إليه ؛ لأنه في ذلك المكان وفي ذلك الزمان ، في يوم الآخرة ، يحصل على الناس من الهم والغم والكرب والعرق والحر ما يجعلهم في أشد الضرورة إلى الماء ، فيَرِدونَ حوض النبي صلى الله عليه وسلم ، حوض عظيم طوله شهر وعرضه شهر ، يصب عليه ميزابان من الكوثر ، وهو نهر في الجنة أُعْطِيَهَ النبي صلى الله عليه وسلم ، يصبَّان عليه ماء ، أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، وأطيب من رائحة المسك ، وفيه أوان كنجوم السماء في اللمعان والحسن والكثرة ، من شرب منه شربة واحدة لم يظمأ بعدها أبدًا . اللهم اجعلنا ممن يشرب منه .
    فأرشده النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى أن يصبروا ولو وجدوا الأثرة ، فإن صبرهم على ظلم الولاة من أسباب الورود على الحوض والشرب منه .
    وفي هذين الحديثين : حث على الصبر على استئثار ولاة الأمور في حقوق الرعية ، ولكن يجب أن نعلم أن الناس كما يكونون يُوَلَّى عليهم ، إذا أساؤوا فيما بينهم وبين الله فإن الله يُسَلِّط عليهم ولاتهم ، كما قال تعالى :﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[الأنعام:129] ، فإذا صلحت الرعية يَسَّرَ الله لهم ولاة صالحين ، وإذا كانوا بالعكس كان الأمر بالعكس .
    ـ ويذكر أن رجلا من الخوارج جاء إلى علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وقال له : يا علي ، ما بال الناس انتقضوا عليك ولم ينتقضوا على أبي بكر وعمر ؟
    فقال له : إن رجال أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ أنا وأمثالي ، أما أنا فكان رجالي أنت وأمثالك ، أي: ممن لا خير فيه ؛ فصار سببا في تسلُّط الناس وتفرقهم على علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وخروجهم عليه ، حتى قتلوه رضي الله عنه .
    ـ ويذكر أن أحد ملوك بني أمية سمع مقالة الناس فيه ، فجمع أشراف الناس ووُجَهاءهم وكلَّمهم ـ وأظنه عبد الملك بن مروان ـ وقال لهم: أيها الناس ، أتريدون أن نكون لكم مثل أبي بكر وعمر ؟
    قالوا : نعم ! فال إذا كنتم تريدون ذلك فكونوا لنا مثل رجال أبي بكر وعمر !! فالله سبحانه وتعالى حكيم ، يولي على الناس من يكون بحسب أعمالهم ، إن أساؤوا فإنه يُساء إليهم ، وإن أحسنوا أحسن إليهم .
    ولكن مع ذلك لاشك أن صلاح الراعي هو الأصل ، وأنه إذا صلُحَ الراعي صلحت الرعية ، لأن الراعي له سلطة يستطيع أن يُعَدِّلَ من مال ، وأن يُؤدِّب من عالَ وجَار . والله الموفق.



    شرح رياض الصالحين المجلد الأول - باب الصبر

    المصدر : باب الصبر

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي رد: الصبر.

    الصبر، الصبر

    فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الصبر


    قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعا وهو واجب بإجماع الأمة وهو نصف الإيمان فإن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر


    وهو مذكور في القرآن على ستة عشر نوعا.


    1- الأول: الأمر به نحو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [ البقره: 153 ]وقوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [ البقره: 45 ]
    وقوله: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا} [ آل عمران: 20 ]
    وقوله: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [ النحل: 127 ]



    2- الثاني: النهي عن ضده كقوله: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} [ الأحقاف: 35 ]
    وقوله: {فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} [ الأنفال: 15 ]
    فإن تولية الأدبار: ترك للصبر والمصابرة وقوله: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} 0 [ محمد: 33 ]
    فإن إبطالها ترك الصبر على إتمامها وقوله: فلا تهنوا ولا تحزنوا [ آل عمران: 139 ]
    فإن الوهن من عدم الصبر.



    3- الثالث: الثناء على أهله كقوله تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ } الآية [ آل عمران: 17 ]
    وقوله: {وَالصَّابِرِين فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}[ البقره: 177 ] وهو كثير في القرآن.



    4- الرابع: إيجابه سبحانه محبته لهم كقوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [ آل عمران: 146 ]


    5- الخامس: إيجاب معيته لهم وهي معية خاصة تتضمن حفظهم ونصرهم وتأييدهم ليست معية عامة وهي معية العلم والإحاطة كقوله: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [ الأنفال: 46 ] وقوله: {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [ البقره: 249 الأنفال: 69 ].


    6- السادس: إخباره بأن الصبر خير لأصحابه كقوله: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [ النحل: 126 ]
    وقوله: {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [ النساء: 25 ].



    7- السابع: إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم كقوله تعالى: {وَلَنَجْزِيَنّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [ النحل: 96 ]


    8- الثامن: إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب كقوله تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ الزمر: 10 ]


    9- التاسع: إطلاق البشرى لأهل الصبر كقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنّ كُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [ البقره: 155 ]


    10- العاشر: ضمان النصر والمدد لهم كقوله تعالى: بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ} [ آل عمران: 125 ]
    ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: واعلم أن النصر مع الصبر



    11- الحادى عشر: الإخبار منه تعالى بأن أهل الصبر هم أهل العزائم كقوله تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [ الشورى: 43 ]


    12- الثاني عشر: الإخبار أنه ما يلقى الأعمال الصالحة وجزاءها والحظوظ العظيمة إلا أهل الصبر كقوله تعالى: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [ القصص: 80 ]
    وقوله: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [ فصلت: 35 ]



    13- الثالث عشر: الإخبار أنه إنما ينتفع بالآيات والعبر أهل الصبر كقوله تعالى لموسى: {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [ إبراهيم: 5 ]
    وقوله في أهل سبأ: {فَجَعَلْنَاهُم أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُم ْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [ سبأ: 19 ]
    وقوله في سورة الشورى: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [ الشورى: 3233 ]



    14- الرابع عشر: الإخبار بأن الفوز المطلوب المحبوب والنجاة من المكروه المرهوب ودخول الجنة إنما نالوه بالصبر كقوله تعالى: {وَالْمَلائِكَة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [ الرعد: 2324 ]


    15- الخامس عشر: أنه يورث صاحبه درجة الإمامة سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ثم تلا قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} [ السجده: 24 ]


    16- السادس عشر: اقترانه بمقامات الإسلام والإيمان كما قرنه الله سبحانه.
    -------------------------



    منقول من كتاب مدارج السالكين الجزء التاني للامام ابن القيم.

    المصدر : الصبر، الصبر

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي رد: الصبر.

    ما الصبر الجميل ؟!
    كأني بهذه كلمات في نسمات السحر تُطلُّ علينا ؛ لتُذهب بعض آثار الآلام والجراح ، بل قُل لتضمّدها ؛ فإنها موجودة ..!



    ---------------------------
    بسم الله الرحمن الرحيم ..



    (( الصبر الجميل ليس مجرد كلمة تُرددها الألسنة مع ضيق الصدر وتململ القلب ..!



    كلا .. كلا ..



    إنما..
    ..
    ..
    ..
    الصبر الجميل : (( هو الصبر المطمئن الذي لا يُصاحب السخط ولا القلق ولا الشكَّ في صدق الوعد ، صبر الواثق مِن العاقبة ، الراضي بقدر الله ، الشاعر بحكمته مِنْ وراء الابتلاء ، الموصول بالله ، المحتسب كل شيء عنده مما يقع به ..



    الصبر جميل: هو الترفّع على الألم ، والاستعلاء على الشكوى ، والثبات على تكاليف الدّعوة ، والتسليم لله عز وجل ، والاستسلام لما يُريد من الأمور ، والقبول لحكمه والرضا به ..



    الصبرُ الجميل: هو الذي يكون ابتغاء وجه الله جل وعلا ، لا تحرجاً من الناس حتى لا يقولوا جزعوا ، ولا تجملاً للناس حتى يقولوا صبروا ..



    الصبرُ الجميل : هو الثبات على طول الطريق دون عجلةٍ أو قنوط ..



    ولنقف أمام لفتةٍ تستحق التدبر العميق ، ألا وهو أنّ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي يُلاقي ما يُلاقي مِنَ الأذى والتكذيب والكبر والكنود يُقال له: {فاصبر إنَّ وعد الله حق فإمَّا نُرينك بعض الذي نعدهم أو نُتوفينك فإلينا يرجعون} : أدَّ واجبك وفقط ؛ فأمَّا النتائجُ فليست لك ، حتى شفاء صدره بأن يشهد تحقق وعيد الله للمتكبرين والمكذبين ليس له أن يعلق به قلبه .. إنه يعمل وكفى .. يؤدِّى واجبه ويمضى .. فالأمر ليس أمره ، والقضية ليست قضيته – بأبي هو وأمي – ولكن الأمر كله لله ، والله يفعل به ما يريد ، ولمثل هذه اللفتة العميقة ينبغي أن تتوجه قلوب الدعاة إلى الله في كل حين ؛ فهذا هو حزام النجاة في خضم الرغائب التي تبدو بريئة في أول الأمر ثم يخوض فيها الشيطان بعد ذلك ويعوم ..!



    نعم .. فإنه من السهل جِّداً على صاحب الدعوة أن يغضب ؛ لأن الناس لا يستجيبون لدعوته فيهجر الناس .. إنه عمل مريح قد يفتأ الغضب ويهدئ الأعصاب .. ولكن أين هذه الدعوة ؟



    إن الدعوة هي الأصل لا شخص الداعية فليضق صدره .. ولكن ليكظم غيظه ، وليمضِ في دعوته ، والله أرعى لدعوته وأحفظ .. فليؤدِّ الداعية واجبه في كل ظرفٍ وفى كل جو ، والهدى هدى الله عز وجل ، وإن في قصة ذي النون – عليه السلام – لدرساً لأصحاب الدعوات ..



    * فمن مسه الضر في فتنةٍ من الفتن ، وفى ابتلاء من الابتلاءات ؛ فليثبت ولا يتزعزع، وليستبق ثقته برحمة الله وعونه وقدرته على كشف الضراء وعلى العوض والجزاء ، فأما مَن يفقد ثقته في نصر الله في الدنيا والآخرة ، ويقنط من عون الله له فى المحنة حين تشتد المحنة ،
    فدونه فليفعل بنفسه ما يشاء ..!
    وليذهب بنفسه كل مذهب ..!



    فما شيء من ذلك بمبدل ما به من البلاء: {مَن كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يُذهبن كيده ما يغيـظ} والذي ييأس في الضر من عون الله ، يفقد كل نافذةٍ مضيئة ، وكل نسمة رخية ، وكل رجاء في الفرج ، ويستبد به الضيق ويثقل على صدره الكرب ، فيـزيد هذا كله مِنْ وقع الكرب والبلاء ..
    إلا أنه لا سبيل في احتمال البلاء إلا : بالرجاء في نصر الله ..
    ولا سبيل إلى الفرج إلا : بالتوجه إلى الله ..
    ولا سبيـل إلى الاستعلاء على الضر والكفاح للخلاص إلا : بالاستعانة بالله ..
    وكل حركة يائسة لا ثمرة لها ولا نتيجة إلا زيادة الكرب ، ومضاعفة الشعور به، والعجز عن دفعه بغير عون الله ..



    * والذي يجبُ أن يكون راسخًا في القلب ؛ لا تعصف به الرياح ولا تزعزعه الأهواء ، أن نعلم يقينًا أنه ليس أحدٌ أغير على الحقِّ وأهله من الله ـ جلَّ وعلا ـ وحاشا لله الرحمن الرحيم أن يعذب أولياءه من المؤمنين بالفتن أو أن يُؤذيهم بالابتلاءات .



    (( ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة ، فهي في حاجةٍ إلى إعدادٍ خاصٍّ لا يتم
    إلا بالمعاناة العملية للمشاق ..
    وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات ..
    وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام ..
    وإلا بالثقة الحقيقة في نصر الله أو في ثوابه على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء ،
    والنفس تصهرها الشدائد ، فتنفي عنهـا الخبث ، وتستجيش من قواها المذخورة .. فلا يكفي أن يقول الناس : آمنَّـا وهم لا يُتركون لهذه الدعوى حتى يتعرضوا للفتنة ، فيثبتوا عليهـا ويخرجوا منها صافيةً عناصرهم ، خالصةً قلوبهم ، كما تفتن النار الذهب ؛ لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به .. وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب ..
    قال تعالى : { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمَّنا وهم لا يفتنون } ..
    هذه الفتنة على الإيمان أصلٌ ثابت وسنة جارية .. في ميزان الله سبحانه { ولقد فتّنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمنَّ الكاذبين } ..



    فالفتنة سنة جارية ؛ لامتحان القلوب ، وتمحيص الصفوف ؛ لأن الإيمان أمانة الله في الأرض ، لا يحملها إلا من هُم لها أهل ، وفيهم على حملها قدرة ، وفى قلوبهم تجرُّد لها وإخلاص ، لا يحملها إلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة ، وعلى الأمة والسلامة ، وعلى المتاع والإغراء ، وإنها لأمانة الخلافة في الأرض ، وقيادة الناس إلى طريق الله وتحقيق كلمته في عالم الحياة ؛ فهي أمانة كريمة ، وهى أمانة ثقيلة ، ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء ، ولله الحكمة البالغة ، فإن برزوا المجرمين لحرب الدعوات ، يقوى عودها ويطبعها بطابع الجد ، الذي يناسب طبيعتها ، وكفاح وجهاد أصحاب الدعوات للمجرمين الذين يتصدون لها مهما كلفهم من مشقة وكلفة ، هو الذي يميز الدعوات الحقة من الدعاوى الزائفة ، وهو الذي يُمحص القائمين عليها ، ويطرد الزائفين عنها ؛ فلا يبقى إلا العناصر القوية المؤمنة المتجردة ، التي لا تبتغى المغانم ، ولا تريد إلا الدعوة خالصة تبتغى بها وجه الله تعالى ، مؤثرين دعوتهم على الراحة والمتاع وأعراض الحياة الدنيا ، بل على الحياة نفسها حين تقتضيهم دعوتهم أن يستشهدوا في سبيلها ، وهؤلاء بجدارة هم أصحاب الأهلية لحمل راية هذه الدعوة والسير بها بين الأشواك والصخور، وهم واثقون فيما عند الله تعالى من إحدى الحسنيين ! إما النصر وإما الشهادة )) اهــ



    --------------------------------



    كلمات من كتاب : ((خواطر على طريق الدعوة )) (261) وما بعدها ..



    المصدر : الصبر (الجميـل) .. ما هو ..؟!

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي رد: الصبر.

    كيف يصبر بعض الناس على مر الألم؟


    إن لوجع الجسم لألَمًا عميقًا يخترق القلب، أجسادنا ضعيفة جدًّا، قد لا تقوى على تحمل ضرباته المنهكة، يفتك بالنفس رويدًا رويدًا قبل أن يفتك بالعضو، إنه الضعف الإنساني الذي لا نقوى على إخفائه.
    يلازمون الفراش بالمستشفيات، يقاسون آلامهم، وربما وَحْدتهم المرَضِيَّة أيضًا، أراد لهم القدرُ أن يألموا في هذه الحياة لحكمةٍ يعلمها ربهم الذي خلقهم، هم أولئك الذين أقعدتهم أسقامهم عن سيرورتهم، فَأُلْفُوا باحثين عن سبيلٍ ما يخفف بعضًا من كمدهم.
    عندما تنظر في وجه المرضى تستشفُّ معالم الضعف والانكسار، يحاولون إخفاءها لكن هيهات هيهات أن يتأتى لهم ذلك، فالعينان تخونان فتنطقان قبل اللسان، يحاولون الصبر والتجلّد ليوثِّقوا رباطة جأشهم، مؤمنون بالحياة أكثر من أي وقت مضى، إرادتهم في الوجود لا تلين.
    يفتك المرض بالجسم فتكًا، تحاصرهم الفاقة من كل جانب، يولِّي عنهم الأحبابُ والخلاَّن مدبرين؛ فصلاحيتهم قد أزفت، هم ضعفاء ومساكين الآن، لا، وألف لا، بل هم أقوى وأعظم، دموعهم التي يُخفونها هي السبب الحقيقي في قوتهم، متيقنون من أن شيئًا جميلاً ينتظرهم، معاني الصبر النقية قد تجذَّرت في أعمق أعماقهم، البلاء الذي يزلزل أركان الأجساد أبدًا لا يكسر روحًا مفعمة بإرادة الحياة.
    واعجباه لصبرهم، وواعجباه لابتساماتهم المضيئة! رغم قواصم الظهر المنهالة عليهم هم مستمسكون بعرى يقين الإيمان، "لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس" درس أبديٌّ لكل إنسان آتاه الله من نعمه الجليلة غير أنه افتقد أثمن شيء، إن القدرة على الصبر في الإحن والمحن سرٌّ يهديه الله لأَحَبِّ أحبَّائه.

    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/culture/0/62931/#ixzz36klSJr1J

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي رد: الصبر.

    من أقسام الصبر

    صبر النفس


    أقسام الصبر:"اعلم أن الصبر مقام من مقامات الدين، ومنزلٌ من منازل السالكين، وجميع مقامات الدين إنما تنتظم من ثلاثة أمور: معارف، وأحوال، وأعمال؛ فالمعارف هي الأصول، وهي تورث الأحوال، والأحوال تثمر الأعمال، فالمعارف كالأشجار، والأحوال كالأغصان، والأعمال كالثمار، وهذا مطَّرِد في جميع منازل السالكين إلى الله - تعالى - واسم الإيمان تارة يختص بالمعارف، وتارة يطلق على الكل، وكذلك الصبر لا يتم إلا بمعرفة سابقة وبحالة قائمة، فالصبر على التحقيق عبارة عنها، والعمل هو كالثمرة يصدر عنها، ولا يعرف هذا إلا بمعرفة كيفية الترتيب بين الملائكة والإنس والبهائم، فإن الصبر خاصية الإنس، ولا يُتصوَّر ذلك في البهائم والملائكة، أما في البهائم فلنقصانها، وأما في الملائكة فلكمالها.وبيانه أن البهائم سلِّطت عليها الشهوات، وصارت مسخرة لها، فلا باعث لها على الحركة والسكون إلا الشهوة، وليس فيها قوة تصادم الشهوة، وتردُّها عن مقتضاها حتى يسمَّى ثباتُ تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبرًا.وأما الملائكة - عليهم السلام - فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية بدرجة القرب منها، ولم تسلط عليهم شهوة صارفة صادة عنها، حتى يحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر يغلب الصوارف.وأما الإنسان، فإنه خُلق في ابتداء الصبا ناقصًا مثل البهيمة لم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه، ثم تظهر فيه شهوة اللعب والزينة، ثم شهوة النكاح، على الترتيب، وليس له قوة الصبر ألبتة؛ إذ الصبرُ عبارة عن ثبات جندٍ في مقابلة جند آخر، قام القتال بينهما لتضاد مقتضياتهما ومطالبهما، وليس في الصبي إلا جند الهوى كما في البهائم، ولكن الله - تعالى - بفضله وسَعَة جوده أكرَمَ بني آدم ورفَع درجتهم عن درجة البهائم، فوكل به عند كمال شخصه بمقاربة البلوغ ملكين؛ أحدهما يهديه، والآخر يقويه، فتميز بمعونة الملكين عن البهائم؛ فلنُسَمِّ هذه الصفة التي بها فارق الإنسانُ البهائمَ في قمع الشهوات وقهرها باعثًا دينيًّا، ولنُسَمِّ مطالبة الشهوات بمقتضياتها باعثَ الهوى، وليفهم أن القتال قائمٌ بين باعث الدين وباعث الهوى، والحرب بينهما سجال، ومعركة هذا القتال قلب العبد، ومدد باعث الدين من الملائكة الناصرين لحزب الله - تعالى - ومدد باعث الشهوة من الشياطين الناصرين لأعداء الله - تعالى - فالصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة، فإن ثبت حتى قهره واستمر على مخالفة الشهوة، فقد نصر حزب الله، والتحق بالصابرين، وإن تخاذل وضعُف حتى غلبته الشهوة ولم يصبر في دفعها، التحق بأتباع الشياطين"[1].ومن خلال حقيقة الصبر نجد أن الصبر ينقسم إلى قسمين، الأول: صبر النفس، والثاني: صبر البدن، وبالرغم من التقارب بينهما والارتباط ببعضهما، فلا ينفك الأول عن الثاني والثاني عن الأول، إلا أن هناك بعض الاختلافات يجب ذكرها.الأول: صبر النفس:لن ترضى بما قسمه الله - تعالى - لك، ولن تتحقَّق آمالك إلا إذا كانت نفسُك صابرة وقانعة بما في يدك، ولن تصلَ إلى أعلى الدرجات إلا إذا كانت النفس مؤمنةً بقضاء الله - تعالى - فلن يكونَ لديك عزيمة إلا إذا كانتْ نفسُك صابرة على الطاعات والابتلاءات، تصبر على منازل الدنيا، وترضى بقضاء الله - تعالى؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس))، فالنفس غير الصابرة قلب بلا روح، عقل بلا تفكير، عين بلا إبصار، أذن بلا سمع.عوِّد نفسك على الصبر؛ لأن النفس الصابرة لا تخضع لوساوس الشيطان، ولن تركن إلى دنيا فانية، فالنفس الصابرة قوة لا يستهان بها، ننتصر بها على الأعداء، وعلى رأسهم دولة بني صِهيون، فالنصر قريب إذا كانت النفس صابرة، هل تعلم - يا مسلم - أن النصر على الأعداء لن يأتي إلا إذا انتصرت نفسُك على شهوات الدنيا؟ ولن يأتي ذلك إلا إذا كانت نفسك صابرة راضية تحمد الله - تعالى - في السرَّاء والضرَّاء، فلا تتبع الهوى، حتى لا تندرج تحت أعوان الشيطان.قال الإمام الغزالي عن هذا الضرب، وهو صبر النفس:(هذا الضرب محمود، وهو الصبر النفسي عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى، ثم هذا الضرب إن كان صبرًا على شهوة البطن والفرْج سمِّي عفة، وإن كان على احتمال مكروه اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي غلب عليه الصبر، فإن كان في مصيبة اقتصر على اسم الصبر، وتضاده حالة تسمى الجزع والهلع وهو إطلاق داعي الهوى؛ ليسترسل في رفع الصوت، وضرب الخدود، وشق الجيوب، وغيرها، وإن كان في احتمال الغِنَى سُمِّي: ضبط النفس، وتضاده حالة تسمى البطر، وإن كان في حرب ومقاتلة سمِّي: شجاعة ويضاده الجبن، وإن كان في كظم الغيظ والغضب سمِّي: حِلمًا، ويضاده التذمُّر، وإن كان في نائبةٍ من نوائب الزمان مضجرة سمِّي: سَعَة الصدر، ويضاده الضجر والتبرم وضيق الصدر، وإن كان في إخفاء كلامٍ سمِّي: كتمان السر، وسمي صاحبه: كتومًا، وإن كان عن فضول العيش سمي: زاهدًا، ويضاده الحرص، وإن كان صبرًا على قدر يسيرٍ من الحظوظ سمِّي: قناعة ويضاده الشَّرَه، فأكثر أخلاق الإيمان داخل في الصبر، وقد جمع الله - تعالى - أقسام ذلك وسمى الكل صبرًا، فقال - تعالى -: ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ ﴾؛ أي: المصيبة، ﴿ وَالضَّرَّاءِ ﴾؛ أي: الفقر، ﴿ وَحِينَ الْبَأْسِ ﴾؛ أي: المحاربة، ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]؛ فإذًا هذه أقسام الصبر باختلاف متعلقاتها، ومَن يأخذ المعاني من الأسامي يظن أن هذه الأحوال مختلفة في ذواتِها وحقائقها من حيث رأى الأسامي مختلفة، والذي يسلك الطريق المستقيم وينظر بنور الله - تعالى - يلحظ المعاني أولاً، فيطلع على حقائقها، ثم يلاحظ الأسامي، فإنها وضعت دالة على المعاني، فالمعاني هي الأصول، والألفاظ هي التوابع، ومَن يطلب الأصول من التوابع لا بد وأن يزل، وإذا دامت التقوى، وقوي التصديق بما في العاقبة من الحسنى تيسر الصبر؛ ولذلك قال - تعالى -: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ [الليل: 5 - 7]، ومثال هذه القسمة قدرة المصارع على غيره، فإن الرجل القوي يقدر على أن يصرع الضعيف بأدنى حملة وأيسر قوة، بحيث لا يلقاه في مصارعته إعياء ولا لغوب، ولا يضطرب في نفسه ولا ينبهر، ولا يقوى على أن يصرع الشديد إلا بتعب، ومزيد جهد، وعرق جبين؛ فهكذا تكون المصارعة بين باعث الدين وباعث الهوى، فإنه على التحقيق صراع بين جنود الملائكة وجنود الشياطين، ومهما أذعنت الشهوات وانقمعت، وتسلط باعث الدين واستولى، وتيسر الصبر بطول المواظبة، أورث ذلك مقام الرضا.اعلم أن جميع ما يلقَى العبدُ في هذه الحياة لا يخلو من نوعين: أحدهما هو الذي يوافق هواه، والآخر هو الذي لا يوافقه، بل يكرهه، وهو محتاج إلى الصبر في كل واحد منهما، وهو في جميع الأحوال لا يخلو عن أحد هذين النوعين، أو عن كليهما؛ فهو إذًا لا يستغني قط عن الصبر:النَّوْعُ الأول: ما يوافقُ الهوى؛ وهو: الصحة، والسلامة، والمال، والجاه، وكثرة العشيرة، واتساع الأسباب، وكثرة الأتباع والأنصار، وجميع ملاذ الدنيا، وما أحوج العبد إلى الصبر على هذه الأمور؛ فإنه إن لم يضبط نفسه عن الاسترسال، والركون إليها، والانهماك في ملاذها المباحة منها، أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان... فالصبر على الطاعة شديد؛ لأن النفس بطبعها تنفِر عن العبودية، وتشتهي الربوبية؛ ولذلك قال بعض العارفين: ما من نفسٍ إلا وهي مضمرة ما أظهر فرعون من قوله: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 24]، ولكن فرعون وجَد له مجالاً وقبولاً فأظهره؛ إذ استخفَّ قومَه فأطاعوه، وما من أحد إلا وهو يدَّعِي ذلك مع عبده وخادمه وأتباعه، وكل مَن هو تحت قهره وطاعته، وإن كان ممتنعًا من إظهاره، فإن استشاطته وغيظه عند تقصيرهم في خدمته واستبعاده ذلك، ليس يصدر إلا عن إضمار الكبر ومنازعة الربوبية في رداء الكبرياء، فإذًا العبودية شاقة على النفس مطلقًا... فما أحوج العبد إلى الصبر عن المعاصي، وقد جمع الله - تعالى - أنواع المعاصي في قوله - تعالى -: ﴿ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ﴾ [النحل: 90]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((المهاجر مَن هجر السوء، والمجاهد مَن جاهد هواه))، والمعاصي مقتضى باعث الهوى... وأشد أنواع الصبر: الصبر عن المعاصي التي صارت مألوفة بالعادة، فإن العادة طبيعة خامسة، فإذا انضافتِ العادة إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند الله - تعالى - فلا يقوى باعث الدين على قمعِها، ثم إن كان ذلك الفعل مما تيسَّر فعله كان الصبر عنه أثقل على النفس؛ كالصبر عن معاصي اللسان)؛ انتهى.حاول - يا مسلم - أن تُرضِي نفسك، فلن يأتيك إلا ما كتبه الله - تعالى - لك، واعلم أن صبر النفس مرتبط بالقلب والروح والعقل، وهذا بخلاف صبر البدن، فكلما صبر قلبك على الحزن، وكلما صبرت رُوحُك على الألم، وكلما صبر عقلُك على التفكير بمقدرات الله - تعالى - أصبحتْ نفسُك صابرة راضية لن تغلبها الشهوات والوساوس، درِّب نفسك على الصبر بالرضا بقضاء الله؛ قال - تعالى -: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾ [الحديد: 22]، "جفَّ القلم، رفعت الصحف، قضي الأمر، كتبت المقادير، ﴿ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ [التوبة: 51]، ((ما أصابك لم يكن ليخطئَك، وما أخطأك لم يكن ليصيبَك))، إن هذه العقيدة إذا رسخت في نفسك وقرَّت في ضميرك، صارت البلية عطية، والمحنة منحة، وكل الوقائع جوائز وأوسمة، ((ومَن يُرِدِ الله به خيرًا يُصِبْ منه))، فلا يصيبك قلق من مرض، أو موتِ قريب، أو خسارة مالية، أو احتراق بيت، فإن الباري قد قدَّر، والقضاء قد حل، والاختيار هكذا، والخيرة لله، والأجر حصل، والذنب كفِّر، فهنيئًا لأهل المصائب صبرهم ورضاهم عن الآخذ المعطي، القابض الباسط، ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 23]، ولن تهدأ أعصابك، وتسكن، وتذهب وساوس صدرك، حتى تؤمن بالقضاء والقدر، جف القلم بما أنت لاقٍ، فلا تذهب نفسُك حسراتٍ، لا تظنَّ أنه كان بوسعك إيقاف الجدار أن ينهار، وحبس الماء أن ينسكب، ومنع الريح أن تهب، وحفظ الزجاج أن ينكسر، هذا ليس بصحيح على رغمي ورغمك، وسوف يقع المقدور، وينفُذ القضاء، ويحل المكتوب، ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [الكهف: 29]، استسلم للقَدَر قبل أن تطوَّقَ بجيش السخط والتذمُّر والعويل، اعترفْ بالقضاء قبل أن يدهمك سيل الندم، إذًا فليهدأ بالك إذا فعلت الأسباب، وبذلت الحيل، ثم وقع ما كنت تحذر، فهذا هو الذي كان ينبغي أن يقع، ولا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدَرُ الله وما شاء فعل"[2].قال - تعالى -: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 155]، وقال - تعالى -: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]؛ فعند فَقْد الأولاد ومَن تحب، فإن القلب يكون حزينًا، والروح تائهة، والعقل مشتت، ولكن إذا ملكتَ نفسَك كل هذا أمام فضل الله - تعالى - في قضائه وثوابه العظيم عند الحساب، لانتصرتَ على الحزن والتشتت، وتعود الروح إلى سكنها، وتهدأ الأعصاب، وتغلب الصبر على الفقدان؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يقول الله - تعالى -: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه، إلا الجنة))؛ (رواه البخاري)، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النساء قلن للنبي - صلى الله عليه وسلم -: اجعل لنا يومًا، فوعظهن، وقال: ((أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا لها حجابًا من النار))، قالت امرأة: واثنان؟ قال: ((واثنان))؛ (متفق عليه)، فلن نجد أفضل من صبر النفس؛ لأنه يؤدِّي إلى الجنة.صبر النفس والنصر:ومن هنا نستنتجُ أن لصبرِ النفس دورًا عظيمًا في النصر على الأعداء، ومنهم بنو صِهْيَون؛ حيث إن الإنسان لن يخذل الله - تعالى - في أن يرمي بأولاده وأحبابه في ميادين القتال لنصرة دين الله - تعالى - ولن يتردَّد أن يفقد أحبابَه إذا لم يكن هو قادرًا على القتال، فالمسلم يقدِّم حبيبه للموت ليكون شهيدًا في الحرب، ولن يفكر بُرْهَة في أن يستسلم لقضاء الله - تعالى - عند فَقْد صفيِّه؛ لأن المقابل عظيم، وهو الجنة، الجنة التي نحيا من أجلها، ونصلي من أجلها، ونزكي من أجلها، ونحجُّ من أجلها، ونطيع الله - تعالى - من أجلها، ونصبر من أجلها، فصبر النفس طريق النصر.وتذكر - يا مسلم - أن صبر النفس لا يقوى إلا بنوازل الدنيا، وأحزان القلب، وأوجاع الروح، وتشتُّت العقل، فدرِّب نفسك على الصبر، حتى تصبر نفسك لتستخدمها وقت الحرب وفي ميدان المعركة أنت ومَن تحب، فلن يخذلك الله - تعالى - لأن الأجر عظيم، والثواب كبير، والجنة في انتظارك، فكلما كان البلاء عظيمًا، كان لنفسك يقينٌ بأن النصر واقع لا محالة، أو الشهادة لا محالة، فانصرْ نفسك بصبر نفسك.واعلم أن ما عند الله - تعالى - عظيم؛ لأن ما عند الله - تعالى - باقٍ، ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 96]، فهذا فيه بيان بحُسن الجزاء بأحسن الأعمال، فاليقين بحسن الجزاء وتحصيل الأجر من عوامل تخفيف مرارة المصيبة والبلاء على النفس، وكلما كان اليقين قويًّا كان الصبر قويًّا... فمتى عَرَف وعَلِم الإنسانُ أن هذه الأشياء لا بدَّ أن تقع كما قدَّر الله - تعالى - استراح قلبه، وساعده ذلك على صبره على بلائه؛ لأنه إذا صبر نفذت فيه المقادير وله الأجر، وإن لم يصبر نفذت فيه المقادير وعليه الوزر"[3]؛ فمَن تعوَّدت نفسُه على الصبر فلن يتردَّد في تقديم مَن يحبُّ لنصرةِ الدِّين في أوقات الحرب.هل تعلم - يا مسلم - أن المكروهَ والبلاء للنفس يعدُّ أمرًا في مصلحة النفس، قال شيخنا ابن القيم - رحمه الله تعالى - في الفوائد: (فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها كما أن عامة مضارها وأسباب هَلَكتها في محبوباتها، فانظر إلى غارس حبَّة من الحبات خبير بالفلاحة، غرس حبة، وتعاهد بالسقي والإصلاح، حتى أثمرت أشجارها فأقبل عليها بفصل أوصالها، وبقطع أغصانها؛ لعلمه أنها لو خلِّيَت على حالها لم تَطِبْ ثمرتها، فيطعمها من شجرة طيبة الثمرة، حتى إذا التحمت بها واتحدت وأعطت ثمرتها، أقبل يقلِّمها، ويقطع أغصانها الضعيفة، التي تذهب قوَّتها، ويُذِيقها ألَمَ القطع والحديد لمصلحتها وكمالها؛ لتَصلُح ثمرتُها أن تكون بحضرة الملوك، ثم لا يَدَعها ودواعي طبعِها من الشرب كل وقت، بل يعطشها وقتًا، ويسقيها وقتًا، ولا يترك الماء عليها دائمًا، وإن كان ذلك أنضر لورقها، وأسرع لنباتها، ثم يعمد إلى تلك الزينة التي زيِّنت بها من الأوراق فيُلقِي عنها كثيرًا منها؛ لأن تلك الزينة تحُول بين ثمرتها وبين كمال نضجها واستوائها، كما في شجر العنب ونحوه، فهو يقطع أعضاءها بالحديد ويقطع عنها كثيرًا من زينتها، وذلك عين مصلحتها، فلو أنها ذات تمييز وإدراك كالحيوان، لتوهَّمت أن ذلك إفسادٌ لها وإضرار بها، وإنما هو عين مصلحتِها.وكذلك الأب الشفيق على ولده، العالم بمصلحته، إذا رأى مصلحته في إخراج الدم الفاسد عنه، بضَّع جلده وقطع عروقه، وأذاقه الألم الشديد، وإن رأى شفاءه في قطع عضو من أعضائه، كل ذلك رحمة به وشفقة عليه، وإن رأى مصلحته في أنه يُمسِك عنه العطاء لم يُعْطِه، ولم يوسِّع عليه؛لعلمه أن ذلك أكبر الأسباب إلى فساده وهلاكه، وكذلك يمنعه كثيرًا من شهواته؛ حمية له ومصلحة، لا بخلاً عليه.فأحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأعلم العالمين، الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم، ومن آبائهم وأمهاتهم، إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرًا لهم من ألا ينزله بهم؛ نظرًا منه لهم، وإحسانًا إليهم، ولطفًا بهم، ولو مكِّنوا من الاختيار لأنفسهم لعَجَزوا عن القيام بمصالحهم، علمًا وإرادة وعملاً، لكنه - سبحانه - تولَّى تدبير أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته، أحبوا أم كرهوا، فعَرَف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته، فلم يتَّهِموه في شيء من أحكامه، وخفي ذلك على الجهَّال به وبأسمائه وصفاته فنازعوه تدبيرَه، وقدحوا في حكمته، ولم ينقادوا لحكمه، وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسدة، وآرائهم الباطلة، وسياساتهم الجائرة، فلا لربهم عَرَفوا، ولا لمصالحهم حصلوا)؛ انتهى.صبر النفس واجب على كل مسلم؛ لأنه سبيل كل الواجبات التي أنزلها الله - تعالى - وقد عرَّف العلماء الصبرَ في اللغة بأنه الحبس، وفي الشرع حبس النفس على ثلاثة أمور:الأول: طاعة الله - تعالى.والثاني: عن محارم الله - تعالى.والثالث: على أقدار الله - تعالى - المؤلمة.وبهذا التعريف يتبيَّن أن الأمر الأول والثاني مرتبطٌ بصبر الأبدان وصبر النفس معًا، والأمر الثالث مرتبط بصبر النفس فقط، فأقدار الله - تعالى - المؤلمة لا تحتاج إلى صبر البدن، بل تحتاج إلى صبر النفس؛ لأن القلب والروح والعقل هي ما يتأثَّر بأقدار الله - تعالى - كفقدِ حبيبٍ، أو فقد مال، فهذا يحتاج إلى صبر النفس حتى لا يجزع المسلم، ولا يتحدث اللسان بما يُسخِط الله - تعالى - ولا يفعل بجوارحه ما يُغضِب الله - تعالى - ولا يكون في قلبه شيء على الله - تعالى - ويكون منشرحَ الصدر بهذه المصيبة ويرضى بها رضاءً تامًّا، وكأنه لم يُصِبْه شيء، ومِن أقدار الله - تعالى - نزولُ الفقر على المسلم، فهنا تقومُ النفس منتفضةً تكلِّم الجوارح بالصبر، وعدم الجزع، والرضا بهذا الأمر، والصبر على بُعْد حبيب من الأقدار المؤلمة أيضًا؛ لذلك فإن النفس تُمسِك عن الانفلات، ومِن الأقدار المؤلمة الإهانة والذل، ولكن النفس تمسك عن الغضب، ولا تنزلق تحت تبعات الشيطان، فتعطي للجوارح رسالة مُفَادها أن الله - تعالى - قادرٌ على كل شيء، وتتخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قدوة، فقد قال الله - تعالى - له: ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ﴾ [المزمل: 10]، وقال - تعالى -: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 155]، فالخوف هنا يدخل تحت أنواع البلاء، ويحتاج إلى صبر النفس، لا صبر البدن؛ لأن الخوف اقشعرار القلب وارتجافه؛ لفقده الأمن، وهو أعظم من الجوع.وإذا سألني سائل: ما علاقة الصبر على الخوف بالنصر على الأعداء؟أجيب بكل يسر: إن الصبر على الخوف بأن يمتلك الإنسان قلبه، ولا ينظر إلى ما يقدره الله - تعالى - له، فإن القلب ينبض ويتحرك، ولا يضره أذى أو ارتجاف أمام الأعداء، فترى الإنسان واقفًا في ميدان المعركة كالأسد الجسور، فلا ينظر إلى الأهوال وعظام الأمور، فيتقبل الموت بصدر رحب يهاجم الأعداء دون خوف أو تردُّد.وإذا سألني سائل أيضًا، وقال: هناك من الأقدار المؤلمة التي هي في الأصل تحتاج إلى صبر الأبدان؛ كالمرض، أو الأذى الذي يحدث للبدن؛ كاصطدامه بشيء، أو شوكة يشاكها، فماذا تقول في ذلك؟أجيب قائلاً: بأن هذا النوع من الأقدار يحتاج بشدة إلى صبر البدن، ولكن كما قلتُ سابقًا - وسأوضح ذلك لاحقًا في النوع الثاني من الصبر وهو صبر البدن - إن صبر الأبدان يحتاج إلى صبر النفس؛ لأن النفس هي التي تساعده وتعينه، لأنها هي التي تحدِّثه بالإمساك عن ألمه، وعدم الجزع حتى تخف الآلام والأوجاع بالبدن؛ لأنه بدون صبر النفس لا يمكن للبدن أن يستمر في الإمساك عن الأوجاع، فالنفس هي المفتاح لصبر البدن، فضلاً عن أنها هي التي تتحدَّث مع البدن في مصابه، وتخفِّف عنه الآلام، وهذا يشبه احتياج الإنسان إلى داعٍ يدعوه إلى الخير، فصبر النفس هو الصديق لصبر البدن.تذكَّر - يا مسلم - أن لصبرِ النفس عليك حقًّا، فهو الوقاية والحماية والدرع والسلاح أمام الأعداء في ميدان المعركة، وعلى رأسهم بنو صهيون.

    [1] إحياء علوم الدين للغزالي.

    [2] لا تحزن للدكتور عائض القرني.

    [3] الصبر في ضوء الكتاب والسنة لابن الحقيل.




    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/64884/#ixzz36kldKGn5

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي رد: الصبر.

    من أقسام الصبر

    صبر البدن




    كما ذكرنا أن الصبر في الشرع حبس النفس على ثلاثة أمور:

    الأول: طاعة الله - تعالى.

    الثاني: عن محارم الله - تعالى.

    الثالث: على أقدار الله - تعالى.



    فالأمر الأول مرتبط بصبر النفس فقط، أما الأمر الأول والثاني مرتبط بصبر البدن ومعه صبر النفس، فلا ينفك البدن عن

    النفس؛ لأنهما مرتبطان برباط وثيق، فالنفس تحدِّث البدن بالصبر، فيقوم البدن بالانصياع لأوامر النفس للقيام بمهامه

    للوصول إلى درجة قبول الواجبات المفروضة، بلا جزع حتى مع المشقة، وقبول كل الأقدار المؤلمة التي تصيب البدن حتى

    مع الوجع.


    فطاعة الله - تعالى - تحتاج إلى صبر البدن؛ كالصلاة مثلاً، تحتاج إلى تحمُّل الوقوف والركوع والسجود، ومثلها الحج والصيام،

    ولكن لا ننسى أن صبر النفس له تأثير على صبر البدن؛ حيث إنها تحثُّ البدن على التحمل والاستمرار في الطاعة، والإمساك

    عن كل ما يدفع المسلم إلى الخروج من طاعته؛ لذلك فإن صبر البدن أمر عظيم؛ لأنه قبل أن يساعدَ على الطاعة، فإنه

    يساعد على تحمل الصعاب، بالإضافة إلى حب الله - تعالى - للصابر، قال - تعالى -: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران:

    146]، فما أعظم حب الله - تعالى - فهذا الحب يقوِّي الصابر، ويمكِّنه من النفس، حتى تنقاد للحق، وتذعن لتحمل الشدة.


    ومع تحمل الطاعة لله - تعالى - وتحمل الأذى والمرض والصبر عن محارم الله، فإن الله - تعالى - أعطى الإنسان فضلاً ما

    بعده فضل، إذا تمسكوا بالصبر؛ فعن أبي سعيد سعد بن سنان الخدري - رضي الله عنه -: أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول

    الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نَفِد ما عنده، قال: ((ما يكن عندي من خير فلن أدَّخِره

    عنكم، ومَن يستعفِفْ يعفَّه الله، ومَن يستغنِ يُغنِه الله، ومَن يتصبَّر يصبِّره الله، وما أُعطِي أحدٌ من عطاء خير وأوسع من

    الصبر))؛ (متفق عليه).

    ولن يجدَ المؤمنُ أفضلَ من الصبر؛ لأن الخير فيه وبه؛ فعن أبي يحيى صهيب بن سنان - رضي الله عنه - قال: قال رسول

    الله - صلى الله عليه وسلم -: ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْه سرَّاء شكر فكان

    خيرًا له، وإن أصابتْه ضرَّاءُ صبر، فكان خيرًا له))؛ (رواه مسلم).




    "اعلم أن الصبرَ ضربانِ: أحدهما ضرب بدني؛ كتحمل المشاق بالبدن، والثبات عليها، وهو إما بالفعل؛ كتعاطي الأعمال

    الشاقة، إما من العبادات أو من غيرها، وإما بالاحتمال؛ كالصبر على الضرب الشديد، والمرض العظيم، والجراحات الهائلة،

    وذلك قد يكون محمودًا إذا وافق الشرع"[1].




    والصبر عن محارم الله - تعالى - يحتاج إلى صبر البدن الذي لا ينفك عن صبر النفس، فمِن محارم الله: الكذب، والغِيبة،

    والغش، والنميمة، وأكل الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل مال اليتيم، والزنا، والقتل، وشرب الخمر، ولعب الميسر، وغير

    ذلك من المحرَّمات، فإذا وقع في النفس فعلٌ من هذه المحرَّمات كان للبدن دورٌ آخر ومهم، وهو فعل هذا المحرم، فالنفس

    أمَّارة بالسوء، فإن تُرِكت وقع البدن في شرِّها، ولكلٍّ من الصبر بالبدن على الطاعة، والصبر بالبدن عن محارم الله - تعالى -

    ثمرةٌ، وهذه الثمرة هي النصر على الأعداء؛ لأن مَن يصبر على الطاعة ويصبر عن الشهوات ومحارم الله - تعالى - فإنه يصبر

    أمام العدو في ميدان المعركة، ولا يولي دبرَه كما يفعل المنافقون والخبثاء والمتسلطون؛ لأنهم لم يتمرَّنوا على الصبر في

    الطاعة وعن محارم الله - تعالى - أما المؤمن المتمرن على الطاعة باستمرار، فإنه يوم المعركة يكون قويَّ البنيان، يتحمل

    المشقة ولو كان ضعيف البدن، لا ينظر إلى ضربة سهم في جسده، ولا قطع شيء منه؛ لأنه يعلم أن نهاية الأمر جنة أو نصر،

    فالنصر على الأعداء يأتي من الصبر على الطاعة وعن محارم الله - تعالى - فهما البداية.




    وزيادة على ذلك أن المسلم الصابر على الطاعة، وعن محارم الله - تعالى - فإن ثوابه عظيم في الدنيا والآخرة، فهو مغفرة

    للذنوب؛ فعن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من مسلم يُصِيبه أذًى

    من مرض فيما سواه، إلا حطَّ الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها))؛ (متفق عليه)، وعن أبي سعيد وأبي هريرة - رضي

    الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما يُصِيب المسلمَ من نصبٍ، ولا وَصَب، ولا هَمٍّ، ولا حَزَن، ولا أذًى، ولا

    غَم، حتى الشوكة يشاكُها إلا كفَّر الله بها من خطاياه))؛ (متفق عليه)، فمن كسرت يده أو قدمه، أو أصيب بضربة سهم، أو

    سيف، أو رمح، وصبر على ذلك، فإن الله - تعالى - يمحو بهذا الخطايا والذنوب، وقد جمع الله - تعالى - الصبر في الجهاد،

    قال - تعالى -: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 110].




    والصبر بالبدن واجبٌ عند لقاء العدو، ولن يولِّي أحدٌ ظهره عند لقاء العدو، إلا إذا كان جازعًا لا يستطيع الصبر، وهذا إن دلَّ

    فإنما يدل على أن المسلم الذي لا يستطيع الصبر في القتال فهو في الأصل لا يستطيع الصبر على طاعة الله - تعالى -

    وعن محارمه، أما المؤمن الصابر على طاعة الله - تعالى - وعن محارمه، فهو الذي يقاتل بشجاعة وبرجولة، دون خوف من

    قتل أو أذى، قال - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴾ [الأنفال: 15]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

    آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
    ﴾ [الأنفال: 45]، وكما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((يا

    أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)).




    فلن يأتي النصر إلا بالصبر؛ صبر النفس، وصبر النفس مع البدن، ولن يَنَال ذلك إلا مَن كان صابرًا على طاعة الله - تعالى -

    وعن محارمه وعلى أقدار الله - تعالى - فالنصر لا يأتي لقوم تركوا الصبر وانغمسوا في وساوس الشيطان الذي يحاول إقناعهم بأن الطاعة ثقيلة على البدن والنفس؛ لِما فيها من مشقة وتعب وجهد، ليوقعهم في محارم الله - تعالى - والتي

    يزيِّنها لهم ويجزعهم من أقدار الله - تعالى - ولن ينال النصرَ إلا مَن صبر ببدنه ونفسه، فالعدو يستعدُّ بالقوة المسلحة، ونحن

    نستعد بالقوة النفسية والبدنية، والغلبة لقوة النفس والبدن، ((المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف))، فلا يُنصَر على

    الأعداء - وعلى رأسهم بنو صهيون - إلا مَن درَّب نفسه على الصبر مستعينًا بقوة الله - تعالى - وفضلِه وجنَّته.




    وهناك رسالةٌ أبعثها لمَن يريد الإمامة والزعامة والقيادة، ولن أجد أفضل مما قاله الدكتور خالد أبو شادي في كتابه (صفقات

    رابحة
    )، عن استحقاق الإمامة في الدين: (... قال - تعالى -: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ﴾ [السجدة: 24]،


    فجعل الله - سبحانه وتعالى - الصبرَ شرطًا للإمامة في الدين، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إمام الأئمة، كان جبل

    صبرٍ يتحرَّك، بل لو كان الصبر رجلاً لغار من النبي - صلى الله عليه وسلم - صبر على الفقر والجوع، حتى يربط على بطنه

    الحجر والحجرين، وصبر على فَقْد الزوج والولد، وصبر على إيذاء قومه له سبًّا وضربًا، وصبر على إخراجِه من بلده، وصبر على

    فَقْد أصحابه أمام عينيه والتمثيل بهم، وصبر على قَذْفه في عرضه، واتِّهامه في أحب الخلق إليه عائشة - رضي الله عنها -

    صبر على كل هذا، وترك لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه التَّرِكة، ولكلٍّ من ورثته فيها نصيب، بحسب قربه منه،

    فعلى قدر صبرِك تحدَّد درجة قرابتك.




    وكان الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - آية من آيات الله في الثبات على الحق، والصبر على البلاء أثناء محنة القرآن، حتى

    قيل: نصَر الله هذا الدين بأبي بكر يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة، واستحقَّ بهذا الصبر أن ينصب إمامًا للعامة، ولئن حال

    بطش الظالمين دون ظهور ذلك في حياته فقد جُلِّي في مماته؛ فالإمام كان خيرًا للبشرية جمعاء، وهذا شرف والله لهو

    شرف الدنيا قبل شرف الآخرة، ولم تكن جنازة الإمام جنازةً ساقها مشيِّعوها إلى قبرها، بل موكب عرس زَفَّ فيه المحبُّون

    محبوبَهم إلى الجنة المنتظرة له على شوق، فالْمَحْ آخرَ طريق الصبر تسلكْ أوله، وتصل إلى ما وصل إليه أحمد وإخوان

    أحمد)؛ انتهى.




    ومن هذا المنطلق لا بدَّ أن نقول: إن الصبر طريق للنصر في ميدان المعركة أمام الأعداء، وطريق النصر في ميدان المعركة

    أمام الشيطان وأعوانه من الظالمين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ


    بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
    ﴾ [التوبة: 38].




    مأثورات عن الصبر:



    قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((قال الله - عز وجل -: إذا وجَّهت إلى عبدٍ من عبيدي مصيبةً في بدنه، أو ماله، وولده،

    ثم استقبل ذلك بصبر جميل، استحييتُ منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانًا أو أنشر له ديوانًا)).




    وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((انتظار الفرج بالصبر عبادة)). موضوع؛ السلسلة الضعيفة (1572).




    وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما من عبد مؤمنٍ أُصِيب بمصيبة، فقال كما أمر الله - تعالى -: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾،

    اللهم آجِرْني بمصيبتي، وأعقبني خيرًا منها، إلا فعل الله به ذلك)).




    كما روي عن الرُّمَيصاء أم سليم - رحمها الله - أنها قالت: توفِّي ابن لي، وزوجي أبو طلحة غائب، فقمت فسجَّيته في ناحية

    البيت، فقَدِم أبو طلحة، فقمت فهيأت له إفطاره، فجعل يأكل، فقال: كيف الصبي؟ قلت: بأحسن حال بحمد الله ومنه، فإنه

    لم يكن منذ اشتكى بأسكن منه الليلة، ثم تصنَّعتُ له أحسن ما كنت أتصنَّع له قبل ذلك، حتى أصاب مني حاجته، ثم قلت: ألا

    تعجب من جيراننا! قال: ما لهم؟ قلت: أُعِيروا عاريةً فلما طُلِبت منهم واستُرجِعت جَزَعوا، فقال: بئس ما صنعوا! فقلت: هذا

    ابنُك كان عارية من الله - تعالى - وإن الله قد قبضه إليه، فحمِد الله واسترجع، ثم غدا على رسول الله - صلى الله عليه

    وسلم - فأخبره، فقال: ((اللهم بارك لهما في ليلتهما))، قال الراوي: فلقد رأيت لهم بعد ذلك في المسجد سبعة أفراد، كلهم

    قد قرؤوا القرآن.




    وروى جابر أنه - عليه السلام - قال: ((رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرُّمَيْصاء امرأة أبي طلحة)).




    وقال داود - عليه السلام -: (يا رب، ما جزاء الحزين الذي يصبر على المصائب ابتغاء مرضاتك؟ قال: جزاؤه أن ألبسه لباس

    الإيمان، فلا أنزعه عنه أبدًا).
    قال بعض الصحابة - رضوان الله عليهم -: "ما كنا نعدُّ إيمان الرجل إيمانًا إذا لم يصبِر على الأذى".


    قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه: صبر على أداء فرائض الله - تعالى - فله ثلاثمائة

    درجة، وصبر عن محارم الله - تعالى - فله ستمائة درجة، وصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى فله تسعمائة درجة".

    قال أبو سليمان: "والله، ما نصبر على ما نحب، فكيف نصبر على ما نكره؟".
    قال عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - في خطبته: "ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً فانتزعها منه وعوَّضه منها الصبر، إلا كان ما عوضه منها أفضل مما انتزع، وقرأ: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]".



    سئل الفضيل عن الصبر، فقال: هو الرضا بقضاء الله، قيل: وكيف ذلك؟ قال: الراضي لا يتمنَّى فوق منزلته.


    قيل: حُبِس الشبلي - رحمه الله - في المارستان، فدخل عليه جماعة، فقال: مَن أنتم؟ قالوا: أحباؤك جاؤوك زائرين، فأخذ يرميهم بالحجارة فأخذوا يهربون، فقال: لو كنتم أحبائي لصبرتم على بلائي.
    كان بعض العارفين في جيبه رقعةٌ يُخرِجها كل ساعة ويطالعها، وكان فيها: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ [الطور: 48].أرسل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أبي موسى الأشعري رسالةً جاء فيها: "عليك بالصبر، واعلم أن الصبر صبران،


    أحدهما أفضل من الآخر: الصبر في المصيبات حسن، وأفضل منه الصبر عما حرم الله - تعالى - واعلم أن الصبر ملاك

    الإيمان، وذلك بأن التقوى أفضل البر، والتقوى بالصبر.

    قال علي - رضي الله عنه -: "بني الإيمان على أربع دعائم: اليقين، والصبر، والجهاد، والعدل"، وقال أيضًا: "الصبر من

    الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا جسد لمن لا رأس له، ولا إيمان لمن لا صبر له".

    كان عمر - رضي الله عنه - يقول: "نِعْم العدلان، ونِعْمَت العلاوة للصابرين؛ يعني بالعدلين الصلاة والرحمة، وبالعلاوة ما يحمل فوق العدلين على البعير، وأشار به إلى قوله - تعالى -: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 157].
    كان حبيب بن أبي حبيب إذا قرأ هذه الآية: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [ص: 44]، بكى وقال: واعجباه، أعطَى

    وأثنَى؛ أي: هو المعطي للصبر، وهو المثني.
    قال أبو الدرداء: ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر.يقال: إن امرأة فتحٍ الموصلي عثرت فانقطع ظفرها فضحكت، فقيل لها: أما تجدين الوجع؟ فقالت: إن لذة ثوابه أزالت عن

    قلبي مرارة وجعه.
    يروى عن بعض الصالحين أنه خرج يومًا وفي كمه صرَّة، فافتقدها، فإذا هي قد أخذت من كمه، فقال: بارك الله له فيها،

    لعله أحوج إليها مني.
    وروي عن بعضهم أنه قال: مررتُ على سالم مولى أبي حذيفة في القتلى، وبه رمق، فقلت له: أسقيك ماءً؟ فقال: جرَّني

    قليلاً إلى العدو، واجعل الماء في الترس، فإني صائم، فإن عشت إلى الليل شربته.
    كتب ابن أبي نجيح يعزِّي بعض الخلفاء: إن أحق مَن عَرَف حق الله - تعالى - فيما أخذ منه مَن عظم حق الله - تعالى - عنده

    فيما أبقاه له، واعلم أن الماضي قبلك هو الباقي لك، والباقي بعدك هو المأجور فيك، واعلم أن أجر الصابرين به فيما

    يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه.

    قال الجُنَيد: السير من الدنيا إلى الآخرة سهلٌ على المؤمن، وهجران الخلق في حب الحق شديد، والسير من النفس إلى

    الله - تعالى - صعب شديد والصبر مع الله أشد.


    [1] إحياء علوم الدين للغزالي.




    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/65167/#ixzz36knEVJCT

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي رد: الصبر.

    من مشاهد الإيمان في شهر رمضان

    مشهد الصبر



    قال تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45].
    قال ابن جرير في تفسيره: "وقد قيل: إن معنى الصبر في هذا الموضع الصوم، والصوم بعض معاني الصبر عندنا" [1].
    فالصوم تجتمع فيه معاني الصبر الثلاثة:1- الصبر على ألم الجوع والعطش.
    2- الصبر عن المعاصي، وقد علَّمنا النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك حيث قال: ((من لم يدع قولَ الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه))؛ متفق عليه.
    وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن سابَّه أحد أو قاتله أحد، فليَقُل: إني امرؤ صائم))[2].
    فليصبر الإنسان عن معصية الله - عز وجل - في هذا الشهر، ولا يَبِع حظَّه مع الله بشهوة تَذهَب لذاتها وتبقى تَبِعتها، تذهب الشهوة وتبقى الشقوة، ويُعينه على صبره عن شهواته مشهدُ قهره لشيطانه والظِّفَر به، ومشهد العِوض وهو ما وعد الله - سبحانه - من تعويض مَن ترَك الحرام، ومشهد البلاء والعافية، فإن البلاء ليس إلا الذنوب، والعافية المُطلَقة هي الطاعات وعوافيه
    3- الصبر على طاعة الله - عز وجل - وهو يتحقَّق في رمضان بكثرة العبادة، ففيه الصوم، وفيه المحافظة على الصلاة، وفيه التهجد، وفيه تلاوة القرآن، وفيه الصدقة والجود، وفيه الإحسان إلى الخَلق، وفيه بِر الوالدين، وغير ذلك من أنواع الطاعات.
    واعلم أن صبر المؤمن إنما يكون لله وبالله، كما قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ [النحل: 127].
    فالصيام يُربِّي المؤمنَ على تحمُّل المشاق بصبره، وهو بذلك يستطيع أن يَثبُت أمام المِحن مهما بلغت واشتدت، قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ﴾ [الأنعام: 34].
    وقال تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّك َ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ﴾ [الروم: 60]، والاستخفاف: الحمل على الخفَّة والطيش بعدم الصبر.

    [1] تفسير ابن جرير الطبري (1: 259).
    [2] متفق عليه.







  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي رد: الصبر.

    تأملات قرآنية: الصبر

    (27) وسيلة للوصول إلى الصبر والتشبث به

    ما أكثر ما نسمع من يقول لنا عند وقوع المصاب والبلية: "اصبر...، ما لك إلا الصبر".فما هو الصبر وكيف نصل إليه؟الصبر لغةً: يعني الحبس والمنع، أما اصطلاحًا: فهو يطلق على حبس النفس ومنعها من التشكي والتذمر من مصائب ومتاعب الدنيا وهمومها، وهنا المنع عن الشكوى يكون لأحد غير الله - تعالى - أما الله - عز وجل - فيمكن لك أن ترتمي بين يديه، وتدعوه خوفًا وتضرعًا ورجاءً، ولك أن تبث له حزنك وبثك؛ كما فعل نبي الله - تعالى - يعقوب - عليه السلام - عندما فقد ولده يوسف؛ قال - تعالى - على لسان يعقوب - عليه السلام -: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 86].قال العلماء: إن الصبر أنواع، منه الصبر على الطاعة، والصبر على المعصية، والصبر على البلية، أو المصيبة في النفس والصحة، والأهل، والمال، أو غيره.فالصبر هو أن يلتزم الإنسان بما يأمره الله - تعالى - به فيؤديه على أكمل وجه، وأن يجتنب ما ينهاه عنه، وأن يتقبَّل بنفس راضية ما يصيبه من مصائب وشدائد، متجملاً بالصبر، ومتحمِّلاً للمشقة؛ أملاً في أجر الله - تعالى - وفرَجه.لقد ذكرت كلمة الصبر ومشتقاتها: "اصبر، اصبروا، والصابرين" 103 مرة في القران الكريم، تأمل في قول الله - تعالى -: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200].فنجد في هاتين الآيتين الكريمتين أن الله - تعالى - ربط الصبر بالصلاة التي هي عماد الدين، وربط الصبر بالتصبُّر والمرابطة والتقوى من أجل الوصول إلى الفلاح.سبحان الله، كأن الصبر صار جزءًا مهمًّا من أجل القيام بهذين الأمرين: الصلاة والمرابطة، وهي الثبات على الطريق المستقيم، فمن كان له نصيب من هاتين، نال السعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة.تأمَّل أيضًا أمره - عز وجل - في محكم كتابه: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: 48]؛ أي: اصبر "يا محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام - وهو أسوة لنا وللمؤمنين"، على قضاء الله وما قدَّره لك.لكن الصبر صعب، فكيف لنا أن نتحصل عليه ونحتفظ به من دون أن يتفلَّت من بين أيدينا وقلوبنا؟لعل الجواب يكون أولاً في التفكر والتأمل في القناعات التالية:1- أن الملك كله لله - عز وجل -: قال - تعالى -: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23].يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: أي: "هو الحاكم الذي لا معقِّب لحكمه، ولا يعترض عليه أحد؛ لعظمته وجلاله وكبريائه، وعلوه وحكمته وعدله ولُطفه"، وقال - عز من قائل -: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 40]، وهو تذكير لنا بأن الله - تعالى - هو الآمر الناهي المقدِّر لكل شيء، والحاكم على كل شيء، وقال - سبحانه -: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [آل عمران: 109]، فكلنا وكل أمر نَملكه وكل ما في السموات والأرض وما بينهما - هو ملك لله - تعالى - يتصرَّف بهم كيفما يشاء.2- أن كل شيء مكتوب في علم الغيب عند الله؛ أي: إن الإيمان بالقضاء والقدر "الركن السادس من أركان الإيمان"، هو حافز ومُعين على تقبُّل حكم الله - تعالى - ومشيئته لخلقه، عندما يفكر المرء أن كل شيء يصيبه - سواء من خير أو من شر، من فرح أو حزن، من مرض أو صحة، من غنًى أو فقر - هو أمر مكتوب مقدَّر لا مفرَّ منه، يهوِّن المصاب ويزداد الرضا؛ قال - تعالى -: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 22 - 23].ما أعظم الله - عز في علاه - وهو يطمئننا ويقول لنا: لا تَفرحوا أو تحزنوا بما أصابكم من خير أو شر، فكل مقدَّر مكتوب.3- أن المصيبة حق واقع على كل مخلوق:الخوف والبلاء أمر واقع على البشر؛ ليمتحن الله - تعالى - الصابرين، ويُمحِّص المتقين، ويعطيهم الجنة جزاءً لهم بما عملوا، ويكفر عن سيئاتهم؛ قال - تعالى -: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155 - 157].يقول الشيخ الشعراوي - رحمه الله تعالى - في تفسير كلمة "المصيبة": "المصيبة: هي الأمر الذي ينال الإنسان منه المشقة والألم، وهي مأخوذة من إصابة الهدف"، ويستدرك الإمام - رحمه الله -: في شرح أن المصيبة واقعة على المرء لا محالة، وأنه ليس للإنسان أن يمنع وقوع المصيبة، أو أن يدفعها.4- أننا كخلْق ملك لله - تعالى -: يقول الإمام الشعراوي في تفسيره لكلمة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾: "إن كلمة: إنا لله؛ أي: إننا ملك له، وإننا راجعون إليه، فنحن لله بالملكية، ونحن لله نهاية في المرجع"؛ أي: إن له الحكم والتصرف فينا في البداية والنهاية، وما بين النهاية والنهاية.ومن هنا جاء تعليم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لنا أن نسترجع عند وقوع المصيبة بقول: ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾، وأن نقول كذلك: "اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها"؛ كما فعلت أم سلمة - رضي الله عنها - عند وفاة زوجها أبي سلمة، فعوضها الله - تعالى - عن فقْد زوجها بأن تزوَّجت الرسول الكريم - صلوات الله تعالى وسلامه عليه.5- الإيمان بأن الله - تعالى - هو الحاكم وهو المقدر: الإيمان الجازم بأننا عباد الله - تعالى - وهو خالقنا، وله نعود يوم الدين للحساب، وأن له تدبير شؤوننا، وكشْف الضر عنا، أو جلْب الخير لنا؛ قال - عز وجل - في مُحكم كتابه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: 107].6- الإيمان بقصور الإنسان:إنَّ فهْم الإنسان قد يكون قاصرًا عن معرفة ما يجلب الخير له، أو يبعد الشر عنه؛ قال - تعالى -: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].ولطالما سمعنا عن أناس ظنوا أن ما أصابهم كان شرًّا لهم، فإذا بهم ومع مرور الوقت والزمن يكتشفون أن ما أصابهم فيه الخير لهم.7- الإيمان بقوة الإنسان:تأمَّل في هذه الآية العظيمة من سورة البقرة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286].سبحان الله، ما أعظم الله - عز وجل - في رحمته وعطائه، فهو لا يكلفنا من الأمور والعبادات ما لا طاقة لنا به، كما أنه لا يكلفنا ويرمي إلينا من المصائب والشدائد، إلا ما هو عالم بأنه في قدرتنا ووُسعنا، ربما تكون هذه دعوةً من الله - تعالى - إلينا نحن البشر إلى أن ننظر إلى أعماق أنفسنا ونتفكَّر: "ماذا عندي من القوة والطاقة والقدرة الذي أهَّلني لأن يبتليني ربي بهذا الأمر؛ "سواء مرض أو فقر، أو فِقدان عزيز، أو سجن أو غيره"؟ربما نحن في ساعة العسرة نظن أنْ لا طاقة لنا بما رماه الله - تعالى - إلينا، ولكن لنتذكر: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.استأنس أيضًا بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجِز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت، كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل؛ فإن "لو" تفتح عمل الشيطان)).فكن قويًّا في إيمانك وفي يقينك بأن الله - تعالى - عالم بكل شيء، وأنه ما كان ليُعطيك ما لا طاقة لك به.8- القناعة التامة أن الدنيا هي محطة:قال - صلى الله عليه وسلم -: ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر))، وفيه تذكير لنا أن من رحمة الله - تعالى - أنه كما يرزق ويطعم المؤمن، يُطعم الكافر أو غير المؤمن، وكما يبتلي المؤمن يبتلي الكافر، ولكن المؤمن يُجزى على عمله وصبره ما لا يلقاه الكافر يوم الحساب.9- الإيمان بأن الدنيا قلابة:فلا تدوم الدنيا لأحد، وأن كل شيء متغيِّر، وأن الأيام يداولها الله - تعالى - ما بين الناس، فنجد الفقير يصبح غنيًّا أو العكس، والمريض يصبح معافًى بإذن الله أو العكس، فما علينا إلا السعي والمجاهدة والنتيجة بيد الله - عز وجل.وبعد تحصيل القناعات التسعة الماضية، يمكن تحصيل الصبر مع التأمل والسعي في تطبيق الأمور التالية:1- المجاهدة في تحصيل الرضا بأمر الله تعالى:الإيمان بأن أمر الله - تعالى - واقع لا محالة، وإنما الفرق في كيفية تعامُلنا مع المصيبة أو الحدث؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله - تعالى - إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضِي فله الرضا، ومن سخِط، فله السخط)).وأمرنا الله - تعالى - بالصبر في الشدة وفي اليسر، كدليل على صدق الإيمان وقوة اليقين بأمر الله؛ قال - تعالى -: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]، نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا مع أولئك الصابرين الصادقين المتقين.2- التفكير الإيجابي:اسمع لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المليء إيجابيةً: ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر، فكان خيرًا له))، فجاهد نفسك أن ترى الخير والإيجابية في كل ما يحدث معك.3- التفكُّر في أنواع الصبر وفهْم طبيعة كل نوع منها:فالصبر أنواع كما قلنا؛ منه: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على النوازل والمصائب، فالصبر على الطاعة في الاستمرار عليها وعلى أدائها على أكمل وجه، والصبر عن المعصية بالابتعاد عنها وتجنُّبها، والصبر على البلاء بعدم الاعتراض على حكم الله، والصبر حتى يفعل الله ما يشاء.4- التفكر في أنوع المصيبة:هل المصيبة أو البلاء الذي وقع علي، وقع في أمور الدين أم الدنيا؟تأمل في حكمة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وتفكيره الإيجابي عندما قال: "ما أصابتني من مصيبة إلا وكان لي بها أربعة نعمٍ: أولها: أنها لم تكن بديني، وثانيها: أنها لم تكن بأعظم منها، وثالثها: أن الله - عز وجل - ألهمني الصبر عليها، ورابعها: أن الله - عز وجل - وعدني بالثواب عليها في الآخرة".5- لا تشكو لغير الله ولا تستعن بغير الله:هذه النقطة مهمة للغاية، وصعبة للغاية، ولكن ما علينا إلا أن نتصبَّر؛ حتى نصل إلى مرحلة الصبر بإذن الله - تعالى.عن عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: كنت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - يومًا، فقال: ((يا غلام أو يا غليم! احفظ الله يَحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم يكتبه الله لك، لم يقدروا على ذلك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا على ذلك، قضي القضاء، وجَفَّت الأقلام، وطُويت الصحف))؛ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.وفي رواية الإمام أحمد: ((احفظ الله تجده أمامك، تعرَّف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا)).6- التقرب إلى الله - تعالى - بالعبادات:أكثِر من العبادات، وخاصةً الصلاة والصوم، والصدقة وقيام الليل؛ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله - تعالى - قال: "ما تقرَّب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يَبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأُعطينه، ولئن استعاذني لأُعيذنه"))؛ رواه البخاري.7- الدعاء:الزم الدعاء، واجعل لسانك رطبًا بذكر الله - تعالى - والإكثار من الاستغفار؛ قال - تعالى -: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 10 - 12].ولنا في رسول الله - عليه أفضل الصلاة والسلام - أسوة حسنة، عندما مرَّ في محنة الطائف، وكيف أنه شكا إلى الله ربه في أروع دعاء تلين له القلوب، فقال: ((اللهم إليك أشكو ضَعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى مَن تكلني، إلى بعيد يتجهَّمني، أو إلى عدو ملَّكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي، فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلَح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحلَّ علي غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)).ما أجمل هذا الدعاء، وما أروع الإحساس بالقرب من الله - عز وجل - ونحن نتضرَّع إليه ونتوسل إليه!8- الإكثار من الاسترجاع:وخاصة عند المصيبة، فلكلمة: ﴿إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون﴾، قوة وبلسم للجروح، وفرَج بإذن الله - تعالى.والإكثار من قول: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"؛ لكونها كنزًا من كنوز الجنة، كما وصفها الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم..9- الإكثار من الاحتساب:المداومة على قول: "حسبي الله، لا إله إلا الله، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم" سبع مرات، صباحًا ومساءً، كما أوصانا بذلك رسولنا الكريم - عليه أفضل الصلاة والسلام.10- حسن الظن بالله تعالى وتعزيز الثقة به - عز وجل:عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يقول الله - تعالى -: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرَّب إلي بشبر، تقرَّبت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا، تقرَّبت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولةً))؛ رواه البخاري، ومسلم.11- التركيز على اليوم واللحظة في العلم والعمل والمتعة:علِّم نفسك ألا تفكر في الماضي كثيرًا، إلا كطريقة لتعلُّم الخطأ، وطلب المغفرة من رب العالمين، وألا تقلق على المستقبل، فهو في علم الغيب، وإنما أن تركز على الوقت الحالي؛ قال - عليه أفضل الصلاة والسلام -: ((من أصبح معافًى في جسمه، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا)).12- اقتران الصبر بالعمل:أي: إن الصبر وحده لا يكفي، وإنما ينبغي السعي والعمل في التغلب على المشاق التي نمر بها؛ قال - تعالى -: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: 11]، فهذه الآية الكريمة تدعو المؤمنين بأن يتوكلوا على الله - تعالى - ويعملوا الصالحات، وألا يتواكلوا، وأن يصبروا ويَقرنوا الصبر بالعمل الصالح، فهذه الآية الكريمة هي رد لكل من قال: "أنا جالس أنتظر الفرج من رب العالمين"، فهي تعلمنا أن الصبر وحده كما أن الإيمان وحده من دون اقترانه بالعمل الصالح - هو إيمان ناقص، وأن السعي نحو التغيير وإيجاد الحلول لمشاكل وأمراض وهموم البشر - هو من نعمة الله - تعالى - على بني البشر.13- الصحبة الصالحة:فالصحبة الصالحة تعين المرء على الثبات على الطريق السليم؛ قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)).ولقد أوصانا الله - تعالى - بأن نتواصى بالصبر ويعين بعضنا البعض بالصبر، وقرنه بالرحمة، فقال - تعالى -: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 17].الشكر على نعم الله تعالى:بالتفكر في نعم الله - تعالى التي لا تُعد ولا تحصى، الماضية والحاضرة، انظر كيف ذكَّر الله - تعالى - رسوله الكريم بنعمه، فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 6 - 8].وقال - عز من قائل -: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 1 - 4].فإن كان هذا حال الرسول الكريم ومكانته عند ربه الذي قرن اسمه باسمه في الشهادة، فما حالنا نحن البشر؟!حاول في وقت المحنة أن تفكر في النعم المحيطة بك، من الصحة والمال، والأهل والأمان، وغيره، ومما يعين على شكر النعمة قوله - عز وجل -: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34].فالإنسان بطبعه جاحد للنعمة، فاستعن بالشكر لتدوم النعمة؛ قال - تعالى -: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم ْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7].فيا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.15- التفكر في خلق الله وأحوالهم:مما يعين على الصبر هو النظر الى من هو أقل حظًّا منك في الدنيا، وأكثر عملاً منك في أمور الآخرة؛ عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: ((إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخلق، فلينظر إلى مَن هو أسفل منه))، وهذه دعوة من الله - تعالى - إلى رسوله الكريم بأن يفعل الشيء نفسه، فقال - عز وجل -: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131].لقد أراد الله - تعالى - للإنسان أن يقنع بما رزقه، وأن يشكر الله على عطائه؛ حتى لا يكون هناك حسد أو غَيرة في المجتمع، وهذا الأمر لا ينفي جواز التنافس النظيف المشروع؛ من أجل تطوير النفس وتحسين الحال من حال إلى خير منه - بإذن الله تعالى.16- الأمل والرجاء:بأن الله - تعالى - سوف يجعل لك من بعد كل عسر يسرًا؛ قال - تعالى -: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5، 6].وهنا قال المفسرون: إن العسر يَتبعه يُسر، وقالوا أيضًا: إن العسر نفسه فيه يُسر، ولكن ربما لا يكون هذا الأمر ظاهرًا للعيان، فعلى الإنسان أن يستبشر برحمة الله، وينتظر الفرج، وألا يكون ممن يقنطون من رحمة الله؛ قال - تعالى -: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 56]، حاول أن تتصبَّر عندما يَبتليك الله - تعالى - بعُسر؛ لأن رب العزة وعدك باليسر معه أو بعده، والله لا يخلف الميعاد.17- التشوق الى أجر الله تعالى للصابرين ووعده لهم:قال - تعالى -: ﴿وبَشِّر الصَّابِرينَ﴾ [البقرة: 155]، وقال - عز وجل - على لسان يوسف - عليه السلام -: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]، وقال أيضًا: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 96].جعَلنا الله - تعالى - ممن قرن الصبر بالتقوى؛ لننال درجة المحسنين.18- الوصول الى حب الله ومعيَّته:وما أعظمه من أجر؛ قال ربنا في محكم كتابه: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]، وقال: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46].اللهم اجعلنا من الصابرين المرابطين في سبيلك.





الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •