العمرة في رمضان خاصة أم عامة؟ د. فهد بن عبد الرحمن اليحيى
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: العمرة في رمضان خاصة أم عامة؟ د. فهد بن عبد الرحمن اليحيى

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    2,201

    افتراضي العمرة في رمضان خاصة أم عامة؟ د. فهد بن عبد الرحمن اليحيى

    العمرة في رمضان خاصة أم عامة؟
    بحث للدكتور: فهد بن عبد الرحمن اليحيى

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فقد استشكل البعض ما ورد عن سعيد بن جبير رحمه الله من اختصاص فضل العمرة في رمضان بالمرأة التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، ومن أجل ذلك راجعت كلام أهل العلم فتبين لي ما يلي :

    أولا الحديث في الصحيحين عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لامرأة من الأنصار يقال لها أم سنان «ما منعك أن تكوني حججت معنا؟» قالت: ناضحان كانا لأبي فلان - زوجها - حج هو وابنه على أحدهما، وكان الآخر يسقي عليه غلامنا، قال: «فعمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي» البخاري برقم (1782) ومسلم برقم (1256) ، واللفظ لمسلم .

    ثانياً الفضل الوارد في الحديث (كحجة) عام في كل أحد لم يرد ما يخصصه ، وعلى هذا عامة أهل العلم نص طائفة منهم عليه من شراح الحديث وفي كتب الفقه من جميع المذاهب ، وبعضهم يذكر الحديث تاركاً فضله على عمومه دون تخصيص وبعضهم بّوب عليه تبويباً عامة ، وكثير منهم لم يذكر أصلا مخصصا له أو قائلا بالتخصيص .

    تبويب الأئمة على الحديث :

    في دوواين السنة الأبواب التالية على الحديث :

    صحيح البخارى (3 / 603) باب عمرة فى رمضان .

    صحيح مسلم (2 / 917) باب فضل العمرة في رمضان .

    سنن الترمذي (4 / 7):عمرة في رمضان تعدل حجة .

    سنن ابن ماجه (2 / 233):عمرة في رمضان تعدل حجة .

    صحيح ابن حبان (9 / 12):ذكر البيان بأن العمرة في رمضان تقوم مقام حجة لمعتمرها .

    مصنف ابن أبي شيبة (3 / 158):في عمرة رمضان وما جاء فيها .

    وسيأتي ما في صحيح ابن خزيمة .

    وكذلك في الكتب الجامعة مثل :

    الترغيب والترهيب (2 / 114) : الترغيب في العمرة في رمضان.

    فيض القدير (4 / 361):عمرة في رمضان تعدل حجة .

    وجاء عن بعض السلف العموم والعمل فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (3 / 158):عن الشعبي سئل: هذا الحج الأكبر، فما الحج الأصغر؟ قال: «عمرة في رمضان» .

    وفي الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (6 / 49) برقم (3246) عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: كنت من ركب مع مروان حين ركب إلى أم معقل وكنت فيمن دخل عليها من الناس فسمعها حين حدثت بهذا الحديث فكان أبو بكر لا يعتمر إلا في العشر الأواخر من رمضان حتى لقي الله عز وجل لما سمع من أم معقل. وذكره ابن حزم في حجة الوداع (1 / 129) .

    وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه مختصراً (3 / 159):عن أبي بكر بن عبد الرحمن: «لا يعتمر إلا في رمضان» .

    ما جاء في شروح الحديث :

    قال ابن حجر في فتح الباري (3 / 605):"والظاهر حمله على العموم" .

    وقال العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (10 / 117):"والظاهر حمله على العموم".

    وقال في دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (7 / 77):"ولا تخصيص بكونه وارداً في امرأة تخلفت عن الحج معه - صلى الله عليه وسلم - فقال لها: اعتمري إن عمرة إلخ، وذلك؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" .

    وفي شرح النووي على مسلم (9 / 2) وعون المعبود (5 / 322) وتحفة الأحوذي (4 / 7) وحاشية السندي (2 / 233) ونيل الأوطار (4 / 358) لم يذكروا قائلا بالخصوص .

    ما جاء في كتب الفقه :

    الحنفية :

    في البحر الرائق شرح كنز الدقائق (3 / 62):واختلفوا في أفضل أوقاتها فبالنظر إلى فعله - عليه السلام - فأشهر الحج أفضل وبالنظر إلى قوله فرمضان أفضل للحديث الصحيح «عمرة في رمضان تعدل حجة» .

    المالكية :

    في مواهب الجليل (3 / 23):أن العمرة لا تختص بزمن معين كالحج فقد اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أشهر الحج وأمر عبد الرحمن بن الصديق أن يعمر عائشة في ذي الحجة «، وقال: عمرة في رمضان تعدل حجة» أو قال: «حجة معي» ، ثم قال في (3 / 29):وقد رغب الشرع في العمرة في رمضان لما يرجى من تضاعف الحسنات ففي الموطإ .. فذكر الحديث ، وفي مختصر الواضحة، ونقله ابن فرحون أفضل شهور العمرة رجب ورمضان انتهى. وقال في القوانين: وتجوز في جميع السنة إلا لمن كان مشغولا بالحج وأفضلها في رمضان انتهى. والحديث في فضلها في رمضان، وأنها تعدل حجة معه - عليه الصلاة والسلام - ثابت في صحيح البخاري وغيره، وقد استمر عمل الناس اليوم على الإكثار منها في رجب وشعبان ورمضان وبعد أيام منى لآخر الحجة، والله أعلم.

    الشافعية :

    في المهذب للشيرازي (1 / 367):فصل: وأما العمرة فإنها تجوز في أشهر الحج وغيرها لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين في ذي القعدة وفي شوال وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة" .

    قال في المجموع شرح المهذب (7 / 148): يستحب الإكثار منها بلا خلاف عندنا ، قال أصحابنا : ويستحب الاعتمار في أشهر الحج وفي رمضان للأحاديث السابقة قال المتولي وغيره : والعمرة في رمضان أفضل منها في باقي السنة للحديث السابق .

    الحنابلة :

    قال ابن قدامة في المغني (3 / 221): فصل: وروى ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عمرة في رمضان تعدل حجة» . متفق عليه. قال أحمد: من أدرك يوما من رمضان، فقد أدرك عمرة رمضان.

    وقال في الفروع (5 / 320):فصل: العمرة في رمضان أفضل, فذكر الحديث .. ثم قال : وفي غير أشهر الحج أفضل عندنا, ذكره في الخلاف, قال: لأنه يكثر القصد إلى البيت في كل السنة ويتسع الخير على أهل الحرم, وحكي عن أحمد, نقل ابن إبراهيم هي في رمضان أفضل, وفي غير أشهر الحج أفضل, وكذا نقله الأثرم, قال: لأنها أتم; لأنه ينشئ لها سفرا, ...وظاهر كلام جماعة التسوية.

    ثالثاً هذا الحديث ورد من طرق كثيرة ، فقد روى الترمذي كما في السنن (3 / 267) الحديث بسنده إلى أم معقل، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة» ثم قال الترمذي :وفي الباب عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وأنس، ووهب بن خنبش ، ويقال: هرم بن خنبش ، ... وحديث أم معقل حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقال أحمد وإسحاق: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن عمرة في رمضان تعدل حجة» ، قال إسحاق: معنى هذا الحديث مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قرأ: قل هو الله أحد فقد قرأ ثلث القرآن ".

    وقال ابن عبد البر في التمهيد (22 / 55):"وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم عمرة في رمضان تعدل حجة من وجوه كثيرة من حديث علي بن أبي طالب وأنس وابن عباس ووهب بن خنيش وأبي طليق وأم معقل "

    وانظر في طرقه أيضاً مسند الإمام أحمد (23 / 107) ،سنن ابن ماجه (2 / 996) ، مصنف ابن أبي شيبة (3 / 158) ، وغيرها .

    ووروده من طرق يؤيد العموم وأنه لا يخص المرأة ، ولا سيما أن بعضها ليس فيه قصة بل ورد بلفظ عام .

    قال الزرقاني في شرحه على الموطأ (2 / 403): "ووقعت لأم طليق قصة مثل هذه، أخرجها ابن السكن، وابن منده في الصحابة، والدولابي في الكنى من طريق طلق بن حبيب: «أن أبا طليق حدثه أن امرأته أم طليق قالت له – القصة بطولها، وفي آخرها قال: فإنها تسألك ما يعدل الحج، قال: عمرة في رمضان» ، وسنده جيد.

    قال الحافظ: وزعم ابن عبد البر أن أم معقل هي أم طليق، لها كنيتان، وفيه نظر، لأن أبا معقل مات في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا طليق عاش حتى سمع منه طلق بن حبيب، وهو من صغار التابعين، فدل على تغاير المرأتين، ويدل عليه تغاير السياقين أيضا ، ثم ذكر قصة أم سنان الأنصارية في الصحيحين ، وقصة أم سليم عند ابن حبان ، قال :وبالجملة فهي وقائع متعددة " ا.هـ مختصرا .

    رابعا معنى الحديث أشار إليه إسحاق كما تقدم وكذلك في تبويب ابن خزيمة ففي صحيح ابن خزيمة (4 / 360):

    باب فضل العمرة في رمضان، والدليل على أنها تعدل بحجة، مع الدليل على أن الشيء قد يشبه بالشيء ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني، لا في جميعه، إذ العمرة لو عدلت حجة في جميع أحكامها لقضي العمرة من الحج، ولكان المعتمر في رمضان إذا كان عليه حجة الإسلام تسقط عمرته في رمضان حجة الإسلام عنه، فكان الناذر حجا لو اعتمر في رمضان كانت عمرته في رمضان قضاء لما أوجب على نفسه من نذر الحج .

    وقال ابن بطال في شرحه على صحيح البخارى (4 / 438):"قوله: (كحجة) يريد فى الثواب، والفضائل لا تدرك بقياس، والله يؤتى فضله من يشاء".

    وقال ابن عبد البر في الاستذكار (4 / 106):ي"ريد والله أعلم في التطوع لكل واحد منهما والثواب عليهما أنه سواء والله يوفي فضله من يشاء والفضائل ما تدرك بقياس وإنما فيها ما جاء في النص ".

    وقال النووي شرحه على مسلم (9 / 2):"تقضي حجة أي تقوم مقامها في الثواب لا أنها تعدلها في كل شيء فإنه لو كان عليه حجة فاعتمر في رمضان لا تجزئه عن الحجة ".

    وفي فتح الباري لابن حجر (3 / 604):"قال بن العربي :حديث العمرة هذا صحيح وهو فضل من الله ونعمة فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها ، وقال ابن الجوزي :فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت" .

    وقال في فيض القدير (4 / 361): "أي تقابلها وتماثلها في الثواب لأن الثواب يفضل بفضيلة الوقت ذكره المظهر. قال الطيبي: وهذا من باب المبالغة وإلحاق الناقص بالكامل ترغيبا وبعثا عليه وإلا كيف يعدل ثواب العمرة ثواب الحج" اه.

    وفي تحفة الأحوذي (4 / 7) وحاشية السندي على سنن ابن ماجه (2 / 233) نحو ما تقدم .

    خامساً أقدم من أشار لكونه خاصا بالمرأة هو سعيد بن جبير ؛بل لم أجد غيره قال بذلك ، ففي مسند أبي داود الطيالسي (3 / 238):

    بعد روايته للحديث قال شعبة: فحدثني أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم لتلك المرأة خاصة .

    نعم جاء في سنن أبي داود (2 / 204) برقم (1989) عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن جدته أم معقل ...الحديث قالت :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «.. فأما إذ فاتتك هذه الحجة معنا فاعتمري في رمضان فإنها كحجة» فكانت تقول: "الحج حجة، والعمرة عمرة، وقد قال: هذا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أدري ألي خاصة ؟"

    ولكن ذلك لا يعدو كونه احتمالا إن صح ذلك عنها حيث لم يرد في رواية الصحيحين ولهذا لم يصححها الألباني في صحيح أبي داود ، وعلى كل حال فعبارة " ما أدري ألي خاصة" جاء نحوها في أحاديث أخرى مع الإجماع على عمومها.

    سادساً ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية كلاماً قد يفهم منه نوع من التخصيص وإن كان أوسع مما جاء عن سعيد بن جبير حيث قال في مجموع الفتاوى (26 / 293):"ومعلوم أن مراده أن عمرتك في رمضان تعدل حجة معي فإنها كانت قد أرادت الحج معه فتعذر ذلك عليها فأخبرها بما يقوم مقام ذلك ، وهكذا من كان بمنزلتها من الصحابة ، ولا يقول عاقل ما يظنه بعض الجهال: أن عمرة الواحد منا من الميقات أو من مكة تعدل حجة معه فإنه من المعلوم بالاضطرار أن الحج التام أفضل من عمرة رمضان والواحد منا لو حج الحج المفروض لم يكن كالحج معه فكيف بعمرة ، وغاية ما يحصله الحديث: أن تكون عمرة أحدنا في رمضان من الميقات بمنزلة حجة ، وقد يقال هذا لمن كان أراد الحج فعجز عنه فيصير بنية الحج مع عمرة رمضان كلاهما تعدل حجة لا أحدهما مجردا " ا.هـ

    وينبغي لفهم كلام شيخ الإسلام أن نلاحظ ما يلي :

    1. كلامه كان في سياق مناقشة ما يسمى ( العمرة المكية ) وهو أن يخرج إلى التنعيم ليكرر العمرة وهو واضح لمن قرأ الصفحات السابقة لكلامه واللاحقة فقد أطال في ذلك ، وفرق بين تقرير مسألة ابتداء وبين ذكرها استطرادا .

    2. قد تبين من كلام أهل العلم السابق معنى الحديث في كون العمرة في رمضان تعدل حجة ، وكلامه هنا لا ينفي الفضل والثواب ولكنه ينفي المساواة المطلقة والتامة وهذا واضح وعليه يحمل كلامه وكلامهم رحمهم الله جميعا.

    3. صرح في الأخير بنفي الخصوصية بقوله :"غاية ما يحصله الحديث: أن تكون عمرة أحدنا في رمضان من الميقات بمنزلة حجة " وهذا موافق لقول عامة أهل العلم السابق وأما قوله :"وقد يقال ...الخ " فهذا احتمال لم يقف عنده كثيرا ولم يحرره ولم يقرره فلا ينسب إليه بإطلاق مع إشكاله لعدم الدليل عليه وهو أن الأصل العموم، وقوله الموافق لعامة العلماء أولى.

    سابعاً بقيت مسألة يسيرة وهي المفاضلة بين العمرة في رمضان والعمرة في أشهر الحج ، أيهما أفضل ؟

    قال ابن القيم في زاد المعاد (2 / 90):والمقصود أن عمره كلها كانت في أشهر الحج مخالفة لهدي المشركين، فإنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج ويقولون: هي من أفجر الفجور، وهذا دليل على أن الاعتمار في أشهر الحج أفضل منه في رجب بلا شك.

    وأما المفاضلة بينه وبين الاعتمار في رمضان، فموضع نظر، فقد صح عنه أنه أمر أم معقل لما فاتها الحج معه أن تعتمر في رمضان، وأخبرها أن عمرة في رمضان تعدل حجة.

    وأيضا: فقد اجتمع في عمرة رمضان أفضل الزمان، وأفضل البقاع، ولكن الله لم يكن ليختار لنبيه صلى الله عليه وسلم في عمره إلا أولى الأوقات وأحقها بها، فكانت العمرة في أشهر الحج نظير وقوع الحج في أشهره، وهذه الأشهر قد خصها الله تعالى بهذه العبادة، وجعلها وقتا لها، والعمرة حج أصغر، فأولى الأزمنة بها أشهر الحج وذو القعدة أوسطها، وهذا مما نستخير الله فيه فمن كان عنده فضل علم فليرشد إليه.

    وقد يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشتغل في رمضان من العبادات بما هو أهم من العمرة، ولم يكن يمكنه الجمع بين تلك العبادات وبين العمرة، فأخر العمرة إلى أشهر الحج ووفر نفسه على تلك العبادات في رمضان مع ما في ترك ذلك من الرحمة بأمته والرأفة بهم، فإنه لو اعتمر في رمضان لبادرت الأمة إلى ذلك، وكان يشق عليها الجمع بين العمرة والصوم وربما لا تسمح أكثر النفوس بالفطر في هذه العبادة حرصا على تحصيل العمرة وصوم رمضان، فتحصل المشقة، فأخرها إلى أشهر الحج، وقد كان يترك كثيرا من العمل وهو يحب أن يعمله خشية المشقة عليهم.

    ولما دخل البيت خرج منه حزينا، فقالت له عائشة في ذلك؟ فقال: «إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي» ، وهم أن ينزل يستسقي مع سقاة زمزم للحاج، فخاف أن يغلب أهلها على سقايتهم بعده. والله أعلم.

    وقال ابن حجر في فتح الباري (3 / 605): الذي يظهر أن العمرة في رمضان لغير النبي صلى الله عليه وسلم أفضل ، وأما في حقه فما صنعه هو أفضل لأن فعله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه فأراد الرد عليهم بالقول والفعل وهو لو كان مكروها لغيره لكان في حقه أفضل .

    وقد أشار الشوكاني في نيل الأوطار (4 / 358) إلى هذا الخلاف دون ترجيح .

    وقد تقدم في كتب المذاهب الفقهية ترجيح أكثرهم عمرة رمضان ، ونص الحنابلة على قولين عندهم أشهرها تفضيل عمرة رمضان ؛ بل عدم استحباب العمرة في أشهر الحج ، والقول الآخر عندهم التسوية بينهما ، كما تقدم في الفروع ، وكما في كشاف القناع (2 / 520) قال :"(وهي) أي: العمرة (في غير أشهر الحج أفضل) منها في أشهر الحج، نقله الأثرم وابن إبراهيم عن أحمد ،واختار في الهدي أن العمرة في أشهر الحج أفضل، وظاهر كلام جماعة التسوية " (وأفضلها في رمضان ويستحب تكرارها فيه) أي: في رمضان (؛ لأنها تعدل حجة) لحديث ابن عباس مرفوعا «عمرة في رمضان تعدل حجة» متفق عليه ، قال أحمد :من أدرك يوما من رمضان فقد أدرك عمرة رمضان ".

    والذي يظهر في مسألة التفضيل ما يلي :

    1. أنها مسألة يسيرة والأمر فيها واسع لا ينبغي التشويش على الناس في شأنها فالعمرة كلها خير ، كما أن المفضول قد يكون فاضلاً لأسباب أخرى ، فليس ثم فاضل مطلقاً إلا عند التماثل من كل وجه .

    2. لهذا فما أشار إليه ابن القيم في تعليل ترك النبي صلى الله عليه وسلم العمرة في رمضان وجيه جداً ، وله نظائر أخرى غير ما ذكر كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم».

    وكما هو جواب وجيه في عدم عمرته في رمضان فهو جواب أيضاً في مسائل أخرى كعدم صيامه عشر ذي الحجة مع حثه على العمل الصالح فيها والذي يشمل الصيام، وعدم تمتعه في الحج مع حثه وأمره وتأكيده ، وعدم صيامه شهر محرم مع قوله :"أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم " وغيرها .

    وأما قوله قبل ذلك :" لم يكن ليختار لنبيه صلى الله عليه وسلم في عمره إلا أولى الأوقات وأحقها بها" فهذا حين يتجرد الفعل من قول معارض أو مقابل له ؛ فأما مع وجود نص في الأفضلية فلا يمكن الإطلاق لأننا نقول : نعم هو في حقه صلى الله عليه وسلم هو الأفضل بخلاف سائر الناس ولهذا فضل كثير من المحدثين – ومنهم الإمام أحمد – التمتع في الحج مطلقاً أي سواء ساق الهدي أم لا ؛ مع أنه صلى الله عليه وسلم أحرم قارنا ؛وذلك لصريح قوله بفضيلة التمتع .

    3. من أراد في هذه المسألة تحرير القول في التفضيل فيها وفق القواعد فالذي يظهر والله أعلم تفضيل عمرة رمضان لورود فضلها أنها تعدل حجة (بل حجة معه صلى الله عليه وسلم إن صحت اللفظة للخلاف في ثبوتها) ، وهذا لم يرد مثله في العمرة في غير رمضان سواء في أشهر الحج أو غيرها ، ومجرد الفعل لا يقابل مثل هذا الفضل لاحتماله احتمالات كثيرة كما تقدم .

    أخيراً

    شاعت وسائل الاتصال وسهل الإرسال فبمجرد لمسة يمكن لطفل فضلا عن غيره أن يرسل للعشرات والمئات ما شاء ؛ جرّاء ذلك أصبح الناس يتناقلون أشياء كثيرة منها مسائل علمية قد يكون بعضها قاله بعض أهل العلم من غير قصد إشاعته ، إما لأنه في مجلس مدارسة ومذاكرة وقد كان أهل الحديث يفرقون بين رواية المذاكرة والرواية في مجلس الرواية ، وإما لأنه لم يحرر المسألة فذكرها استطرادا ، أو لغير ذلك ، فيتعجل البعض فيذكرها ويرسلها بل مع الوصية بنشرها ،ولو رجعنا إلى المنهج القرآني لوجدنا الله تعالى يقول : {وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ هُ مِنْهُمْ }، قال القرطبي في تفسيره (5 / 291):المعنى أنهم إذا سمعوا شيئا من الأمور فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم (أو الخوف) وهو ضد هذا (أذاعوا به) أي أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته ، قوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم) أي لم يحدثوا به ولم يفشوه حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به ويفشيه،أو أولوا الأمر وهم أهل العلم والفقه، (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) أي يستخرجونه، أي لعلموا ما ينبغي أن يفشى منه وما ينبغي أن يكتم.

    وقال ابن كثير في التفسير (2 / 365):قوله: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة. وقد قال مسلم في مقدمة صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" ا.هـ

    فالمقصود أن الواجب على عامة الناس حين يقفون على مسألة جديدة أو حكم مغاير للمشهور أن يسألوا عنه من هو أعلم منهم ، وقد تكون بعض المسائل مما يستساغ مناقشتها بين أهل العلم لكنها تحدث تشويشاً حين يتناقلها الناس .

    وهو منهج قرآني عظيم يجب التعامل به في الأخبار أيضاً وفي سائر العلم والمعلومات أن ترد إلى المختصين بها ولا نتعجل بنقل الشائعات ، ومن الطريف أن يرسل البعض الرسالة ليسأل عنها وهو بذلك شريك في إشاعتها حين يسأل من ليس مختصا في شأنها .



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    2,201

    افتراضي رد: العمرة في رمضان خاصة أم عامة؟ د. فهد بن عبد الرحمن اليحيى

    الخلاصة :

    فضل العمرة في رمضان ثابت أنها تعدل حجة وهو عام لم يصح تخصيصه وبعمومه قال عامة العلماء ومعناه أنها تعدل حجة في مطلق الفضل كسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن ، وما ورد فيها من فضل يجعلها أفضل من العمرة في ذي القعدة وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم إنما اعتمر في ذي القعدة لاحتمال فعله لاحتمالات وهذا قول أكثر أهل العلم .

    أ.د فهد بن عبد الرحمن اليحيى أستاذ الفقه بجامعة القصيم
     إشكالات
    بسم الله الرحمن الرحيم
    بعد نشر المقال (العمرة في رمضان خاصة أم عامة؟) وردت بعض التساؤلات ، وكنت أظن فيما نقلت عن أهل العلم كفاية ، ولكن يظهر أنه لابد من الإجابة عليها لتتبين المسألة ، وإن كان الخطب ولله الحمد يسيراً إذ هو في الفضائل ، ولعله تكون مضمنة في البحث عند إخراجه بحثاً بإذن الله :

    الإشكال الأول لم يثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم اعتمروا في رمضان

    والجواب من وجوه :

    أولاً كما قال العلماء : "عدم العلم ليس علماً بالعدم" ، فليس عدم نقله دليلاً على عدم وقوعه ، ولاسيما أنها عبادة سنوية ، قد تتيسر لبعضهم في سنة دون بقية السنوات ، وكان انشغالهم بالجهاد لا يخفى ، وغير ذلك من عوارض عدم فعلها أو عدم نقلها عنهم .

    ولو تتبعنا السنن والفضائل واشترطنا في كل منها أن نجد عن الصحابة رضي الله عنهم تطبيقاً لها لعسر ذلك ، وربما لم نجد نقلاً في بعض تلك السنن ، فهل نقول بعدم مشروعيتها لعدم وجود نص عن صحابي بفعلها ؟!

    ثم إنه شرط لم يشترطه العلماء للأخذ بالسنن ؛ بل طوائف منهم تساهلوا في الاستدلال للفضائل بحديث ضعيف بقيود ذكروها .

    ثانياً نسأل السؤال نفسه وهل ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم اعتمروا في ذي القعدة؟

    لم نجد لهم في المسانيد والمصنفات وكتب التراجم إشارة إليه ؛بل ثبت عنهم ضد ذلك كما في الوجه التالي.

    ثالثاً جاء عن الفاروق عمر رضي الله عنه النهي عن العمرة في أشهر الحج ففي الموطأ (2 / 234): عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال :افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإن ذلك أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج .

    وفي مصنف ابن أبي شيبة (3 / 159): في باب (العمرة في أشهر الحج) :حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال: سئل علقمة، عن العمرة في أشهر الحج فقال: «ويفعل ذلك أحد؟»، ثم روى أيضاً عن وكيع، عن يزيد، عن ابن سيرين قال: «ما أعلمهم يختلفون أن العمرة في غير أشهر الحج أفضل» .

    رابعاً في المقابل جاء عن بعض السلف العمرة في رمضان ، كما تقدم عن أبي بكر بن عبد الرحمن وهو من الفقهاء السبعة كان يعتمر في العشر الأواخر ، والشعبي سماها الحج الأصغر ، وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف (3 / 158) عن ابن نمير، عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: «خرجت أنا وعطاء في رمضان فأحرمنا من الجعرانة» وسنده صحيح إلى صاحب القصة وهو عبد الملك وهو من صغار التابعين من تلاميذ عطاء بن أبي رباح .

    بل العجيب ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً في المصنف (3 / 158) عن وكيع، عن سفيان، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، ومجاهد قال: «كان يعتمران في شهر رمضان من الجعرانة»ورجاله ثقات ماعدا ابن خثيم ، وهو عبد الله بن عثمان بن خثيم ، قال عنه ابن حجر : صدوق .

    فهذا سعيد بن جبير رحمه الله الذي سبق قوله بأن الحديث خاص بالمرأة يعتمر في رمضان .

    خامساً أين الأئمة والعلماء الذين سبقت الإشارة إلى بعضهم من مثل هذا الإيراد أعني القول بأن الصحابة رضي الله عنهم لم يثبت عنهم أنهم اعتمروا في رمضان ، وأن ذلك يدل على عدم الفضيلة فيها أو اختصاصها بالمرأة؟!

    ولاسيما أن منهم المحدثين الذين لا تخفى عليهم آثار الصحابة على رأسهم الإمام أحمد كما تقدم وهو من هو في السنة ومعرفة الآثار والعناية بها ، وإسحاق ، وابن عبد البر والنووي وابن حجر والعيني ، وغيرهم .

    وهو قول مشايخنا ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله ، وقالوا بأنها أفضل من ذي القعدة ؛ بل قال ابن باز : "وقد يقال باستحباب خروجه إلى خارج الحرم لأداء العمرة في الأوقات الفاضلة كرمضان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : عمرة في رمضان تعدل حجة" انظر :مجموع فتاوى ابن باز 16 / 363 ، الشرح الممتع 7/378 .

    سادساً لماذا لم يرشد النبي صلى الله عليه وسلم المرأة إلى العمرة في ذي القعدة بدلاً من رمضان ؟! وما وجه الخصوصية لها بعمرة في رمضان ؟!

    لو قال لها مثلاً :"قد كتبت لك حجة بسبب عذرك" لكان للخصوصية وجه أما أن يرشدها إلى شهر قادم بينه وبينه شهور فلا وجه للخصوصية .

    سابعاً قد تقدم أن الحديث جاء من طرق وفي بعضها بدون قصة ، وإذا ثبت ذلك انتفت شبهة الخصوصية من أصلها .

    أما ما ورد عن شيخ الإسلام رحمه الله فقد تقدم التعليق عليه لفهم كلامه ، ومن عبارته ما وافق فيه عامة أهل العلم بنفي الخصوصية بقوله :"غاية ما يحصله الحديث: أن تكون عمرة أحدنا فيرمضان من الميقات بمنزلة حجة " ، مع أني لم أجد الحنابلة وكل من اعتنى باختياراته ذكر ذلك عنه بل قال في الإنصاف 4/57 :" العمرة في رمضان أفضل مطلقا قال الإمام أحمد: هي فيه تعدل حجة قال: وهي حج أصغر " ولم يذكر قولاً لابن تيمية مع شديد عنايته بذكر قوله .

    الإشكال الثاني تشبيه هذا الحديث في عمرة رمضان بحديث عمرة عائشة رضي الله عنها

    وحديث عائشة مشهور جاء بألفاظ في الصحيحين وغيرها ، منها : عن عائشة رضي الله عنها، أنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: يوم النفر «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» فأبت، فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج .

    والجواب من وجوه :

    الأول هناك فرق ظاهر جداً فحديث ابن عباس بيّن الفضل "كحجة" ، وحديث عائشة ليس فيه ذلك .

    الثاني عائشة رضي الله عنها سألته العمرة بعينها فأجابها ، وأم معقل أو أم سنان لم تسأله العمرة ؛بل هو سألها عن الذي منعها من الحج فأخبرته ولو تركها لسكتت كما يظهر ؛ ولكنه أرشدها إلى فضل عظيم وهو العمرة في رمضان ، فأين هذا من هذا ؟

    الثالث في حديث عائشة مناقشة من النبي صلى الله عليه وسلم لها ؛ ولكنها ألحّت عليه فأجابها قيل تطييباً لخاطرها وقيل غير ذلك ثم اختلفوا فيما يترتب عليه من أحكام ، وأما أم سنان فقال لها ابتداءً وهو فرق مؤثر ، أي عائشة استأذنته فأذن لها فقال أكثر العلماء بمقتضى الإذن وهو الإباحة ، وأم معقل قال لها :"عمرة في رمضان تعدل حجة " فقال أكثر العلماء أيضاً بمقتضىاه .

    الإشكال الثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل حديث :"عمرة في رمضان تعدل حجة " ابتداء ؛ بل بسبب المرأة فلهذا لا يصبح عاماً.

    والجواب عن ذلك تقدم بعضه ، ولكني أزيده إيضاحاً فأقول :

    قد ناقشت الاستدلال بمثل ذلك ومثلها عبارة (لو كان كذا مأموراً به أو منهياً عنه لبينه النبي r بياناً شافياً) في بحث سابق خلاصته : أن اشتراط الدليل ابتداءً أو البيان الشافي على كل حكم نوع تحكم لا يستند إلى إجماع من الفقهاء ولا من الأصوليين؛ بل لو اشترطنا ذلك في كل حكم من أحكام الشريعة لسقطت جملة من الأحكام كثيرة .

    فكثير من العبادات وأحكام المعاملات وغيرها جاءت في شأن أفراد ، وبعضها جاء عن سؤال سائل ، أو على إثر حادث حدث .

    وهكذا من استقرأ السيرة النبوية وكيفية نزول الأحكام لأدرك أن الأحكام الشرعية ثبتت على أنحاء مختلفة وصور متنوعة وأساليب متعددة وتلقاها الصحابة رضي الله عنهم معتقدين وجوب الواجب منها دون أن يشترطوا البيان الشافي أو البيان العام أو لابد من بيانه ابتداءً .

    ولم يأت في القرآن ولا في السنة اشتراط نوعٍ معينٍ من البيان ليكون حجة في الأحكام ؛ بل المحققون من العلماء ومنهم شيخ الإسلام وابن القيم رحمة الله عليهما قد قرروا قبول خبر الواحد في العقائد فضلاً عن الأحكام .

    ولو استعرضنا الأمثلة لوجدنا الكثير ، من ذلك مثلاً : حديث المسئ صلاته جعله العلماء أصلاً لتقرير كثير من أركان الصلاة وأحكامها مع أنه قصة رجل دخل المسجد ورسول الله r جالس ولم يذكر أبو هريرة أنه كان جالساً في جمع من أصحابه بل ظاهر القصة أنه وحده وإنما رآه أبو هريرة لأنه كان من أهل الصفة ، فهذا الحديث ليس بياناً عاماً وإنما بسبب ما فعله الرجل ، ومع ذلك فهو أصل في باب الصلاة.

    ومنها الفطر بالحجامة للصائم, فقد قال به طائفة من العلماء (ومنهم من يعتمد عبارة (البيان الشافي أو العام)), وهذا المفطّر مما يحتاج إلى حكمه كثير من الناس, ومع ذلك فمن أثبت الفطر به لا يمكن أن يدعي أن دليله (بيانٌ شافٍ) أو (بيان عام) أو (بيان ابتداء) .

    ومنها جريان الربا في غير الأصناف الستة ، وليس فيها بيان عام ؛ ولذا اختلفوا في علة الربا فيها لإلحاق غيرها بها.

    ومنها اشتراط الخروج إلى الحل لمريد العمرة من المقيمين في مكة مع أن عموم الحديث المتفق عليه "حتى أهل مكة يهلون منها" يشمل العمرة؛ إلا أن عامة أهل العلم بل حُكي إجماعاً خصوا هذا العموم بقصة عائشة رضي الله عنها وهي إنما طلبت ذلك بعد قضاء المناسك، ولم يكن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بخطبة عامة مع حاجة الناس لمثل هذا البيان لا سيما والعموم السابق يخالفه .

    ومنها الكثير الكثير من الأحكام ؛ ومن رجع إلى مصنفات أحاديث الأحكام كبلوغ المرام وغيرها وجد كثيراً من الأحكام دليلها سؤال أو قصة وليس قولاً ابتداءً وأحياناً ليس في الباب غير ذلك .

    الإشكال الرابع أن الله سبحانه لم يختر لنبيه صلى الله عليه وسلم إلا الأفضل وهو العمرة في ذي القعدة ولم يعتمر في رمضان

    والجواب قد تقدم حول كلام ابن القيم رحمه الله ، وأن هذا حين يتجرد الفعل من قول معارض أو مقابل له ؛ فأما مع وجود نص في الأفضلية فلا يمكن الإطلاق لأننا نقول : نعم هو في حقه صلى الله عليه وسلم هو الأفضل بخلاف سائر الناس ، وأشار إليه ابن القيم نفسه ، وقد مضى حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم».

    بل هنا ملحظ مهم جداً وهو أن قصة سؤال المرأة كان بعد مقدمه صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ، أي في آخر حياته فلعله لم ينزل عليه فضل عمرة رمضان إلا حين ذلك ، ومات عليه الصلاة والسلام في ربيع من تلك السنة قبل أن يدرك رمضان ، فلا ترد المفاضلة بين فعله وقوله لأنا لا ندري فلعله لو أدرك رمضان اعتمر .

    وقد تقدم التمثيل بأمثلة لو طردنا مثل هذا الأصل بإطلاق لأشكل علينا ، وأضيف أيضاً :

    النبي صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا مرة واحدة ، فهل يقال هنا : لم يختر لنبيه صلى الله عليه وسلم إلا الأفضل فلا نحج إلا مرة ؟!

    النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم يوما ويفطر يوما، فهل يقال هنا : لم يختر لنبيه صلى الله عليه وسلم إلا الأفضل فنلغي أفضلية صوم وإفطار يوم؟!

    النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم شهر محرم، فهل يقال هنا : لم يختر لنبيه صلى الله عليه وسلم إلا الأفضل فلا فضيلة لصيام المحرم ؟!

    النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل أنه صام ست شوال ، فهل يقال هنا : لم يختر لنبيه صلى الله عليه وسلم إلا الأفضل فلا فضيلة لصيام الست ؟!

    وهكذا أمثلة أخرى ، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعمله هو الأفضل في حقه ، وقد أرشد أمته لأبواب من الخير والفضائل ، ولم يشترط لفضلها أن يفعلها بنفسه. والله أعلم .


    ولولا أن الجواب عن هذه الإشكالات يتضمن بعض التنبيهات في طرائق الاستدلال ما كتبته فالأمر واسع ولله الحمد ، وشأن الفضائل لا بستوجب الإطالة في المناقشة والله الموفق

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,560

    افتراضي رد: العمرة في رمضان خاصة أم عامة؟ د. فهد بن عبد الرحمن اليحيى

    نعم ، القول بالعموم هو الصحيح ، جزاك الله خيرا على نقلك .

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •