التحقيق والبيان في وقائع الأعيان
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: التحقيق والبيان في وقائع الأعيان

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,498

    افتراضي التحقيق والبيان في وقائع الأعيان

    حدُّ واقعة العين لغة واصطلاحًا:
    الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بدعوته واستنّ بسنته إلى يوم الدين.

    وبعدُ:
    يقع كثيراً في إطلاقات الفقهاء والأصوليين، وبحثهم في دلائل الشرع وما يدخل فيها من المنع والمعارضة، اصطلاح واقعة عين، ومنهم من يقول: قضية عين أو قضية في عين، وبعضهم يطلق مصطلح: حكاية عين أو حكاية حال، ثم يتبعون هذا الإطلاق أو الاصطلاح بنفي العموم عنه.

    ويقع هذا في الكلام على الأحاديث والآثار التي يحتج بها الخصم لمذهبه، فيدفع المعارض احتجاجه بالحديث والأثر، بعلة كونه واقعة عين أو حكاية حال لا عموم لها، وبالتالي: رد نفس الحديث الذى احتج به، من جهة نفي العموم عنه؛ أي: إن هذا الحديث في مدلوله لا يتناول مطلوب الخصم ومذهبه.

    فلننظر قبل البحث في وقائع الأعيان وحكايات الأحوال، وهل يحكم عليها بسلب العموم عنها مطلقًا أو لا؟ في حد هذا الاصطلاح وتعريف هذا الإطلاق، لغة واصطلاحًا.

    فالواقعة لغة: الحادثة النازلة، ومنه سميت القيامة بها في قوله تعالى: ﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴾ [الواقعة 1][1].

    والواقعة اصطلاحًا: الحادثة التي تحتاج إلى استنباط حكم شرعي لها، والواقعات: الفتاوى المستنبطة للحوادث المستجدة[2].

    والحكاية: أن تفعل مثل ما يفعل الغير، أو تقول كقوله سواء، على صفته دون أن تجاوزه.

    أصله: حكي، تقول: حاكيت فلانًا أو حكيته، وتطلق الحكاية ويراد بها: الواقعة، تقول: احتكى الشيء في صدري، أي وقع فيه.

    وفى الحديث: (ألا أحكي لكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟)؛ أي: أفعله كما فعله [3].

    والعين في اللغة: لها معان كثيرة، والمراد منها هنا: نفس الشيء وشخصه وأصله، والجمع أعيان، وعين كل شيء: نفسه وحاضره وأصله[4].

    والعين: الإنسان، ومنه: ما بها عين، أي أحد، ويقال: لأشراف الناس وأفاضلهم كالعلماء والأمراء ونحوهم: أعيان[5].

    والحال: كذلك له معان منتشرة في اللغة، ولكن: المراد منه هنا: حال الدهر؛ أي: صروفه وحوادثه، والحال أيضا: الوقت الذى أنت فيه، وحال الإنسان: ما كان عليه من خير أو شر، والحال: الساعة والوقت الذى أنت فيه، ومنه قول الشاعر:
    لو كنت أعقل حالي عقل ذى نظر
    لكنت مشتغلاً بالوقت والحال
    وقوله: لكنني بلذيذ العيش مغتبط
    كأنما هو شهد شيب بالحال[6]

    والقضية: جمع قضايا، أصله: قضي: وهو الحكم، والقضية: الحكومة، بمعنى: إحكامها وإمضائها[7].

    فإذا قالوا: قضية عين أو في عين؛ أي: حكومة متعلقة في شخص بعينه، فلا تعم غيره.

    وإذا قالوا: قضية حال، فالمراد: حكومة متعلقة في حالة أو حادثة أو ظرف ما، يتعلق بمعين أو معينين.

    وحكاية الحال: أن تحكي واقعة أو حادثة نزلت في حال مختصة بمعين أو بمعينين، وقضي فيها بحكم ما، وواقعة العين نحوها، لكن: حكاية الحال أعم من وجه؛ لأنها قد لاتختص بمعين، بل تشمل أعيانًا آخرين اشتركوا في نفس الحال.

    أي: إنها من قبيل عموم الخاص أو عموم الخصوص، ويسميه بعض الأصوليين: الخاص الإضافي.

    فتحصل عندنا مصطلحان:
    الأول: واقعة العين أي: الحادثة والنازلة المختصة بمعين، أو قضية العين؛ أي: الحكومة في تلك الواقعة المختصة بمعين، فهذه لا تعم.

    الثاني: واقعة الحال؛ أي: الحادثة والنازلة المختصة بحال يختص بمعين أو بأشخاص معينين، وقضية الحال: الحكم أو الحكومة في تلك الواقعة، وحكاية الحال: أعم؛ أي: توصيف الناقل لتلك الواقعة والحادثة، ونقلها كما حدثت من غير زيادة ولا نقصان، سواء قضي فيها بحكم أم لا.

    وهذه الثانية لا يتصور انتفاء العموم عنها مطلقًا، وإنما هى من الخاص الإضافي؛ أي: عموم الخاص.

    وبيانه: أن واقعة أو قضية العين، تطرق انتفاء العموم إليها أقوى من واقعة أو حكاية الحال، بمعنى: أن واقعة العين في الأصل تختص بالشخص المعين الذى وقعت لأجله، فلا تعم في حكمها غيره، وهذا لابد فيه من ضوابط تضبطه، بحيث يقصر الحكم عليه، فإن الأصل في أحكام الشارع ونصوصه العموم، فإذا قام الدليل على عدم اختصاص الحكم في تلك الواقعة بهذا الشخص، فهو خاص بالنوع، فيعم والحالة هذه كل من كان نوعه وحاله، كنوع وحال من وردت لأجله الواقعة، وإلا فهو خاص بالشخص فلا يعم غيره.

    أما حكاية الحال أو واقعة أو قضية الحال، فهي في الأصل تعم كل من كان نوع حاله كنوع حال ذلك المعين أو المعينين الذى وردت لأجلهم حكومة تلك الواقعة، إلا إن قام الدليل على اختصاص الحكم بهم دون غيرهم.

    فيتحصل من ذلك أن الفرق بين واقعة الحال وواقعة العين من وجوه:
    الأول: واقعة الحال أعم.

    الثاني: واقعة الحال: الأصل فيها العموم في الأحوال والأنواع إلا بدليل، وواقعة العين على العكس؛ أي: إن الأصل فيها الاختصاص في الحكم بذلك المعين إلا بدليل.

    الثالث: أن وقائع الأعيان نادرة، وحكايات الأحوال أكثر ورودًا.

    ففى خبر تضحية البراء رضي الله عنه بالجذع من المعز، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (ضح بها ولا تصلح لغيرك)[8]، فهذا نص صريح يفيد أن هذه واقعة عين لا عموم لها، ونحوه خبر شهادة خزيمة وأنها تعدل شهادة رجلين[9]، فإن الأصل فيه أنه واقعة عين لا عموم لها، فيختص بشخصه إلا بدليل ولا دليل.

    ونظيره حديث ابن أم مكتوم الأعمى السابق في العذر عن حضور الجماعة، وهو خاص به؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما لم يرخص له لعلمه بجلده، وقدرته على شهودها، فلم يرد حرمانه من الأجر، فإنه كان يستعمله على المدينة، وشهد القادسية وهي أشد، والعذر في ترك شهودها الثابت بنص الكتاب أظهر منه في شهود الجماعة، ألاترى أنه عليه السلام رخص لعتبان بن مالك الأعمى في الصلاة بمسجد داره، وترك الجماعة، مع أن ما ذكره من العذر من جنس عذر ابن أم مكتوم ولا فرق[10].

    فى حين إن قصة هند في سؤالها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن جواز أخذها من مال أبي سفيان لشحته وكونه لا يعطيها من النفقة ما يكفيها وولدها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك)[11].

    فهذا ليس واقعة عين، وإنما هو حكاية حال أو واقعة وقضية حال فلا تعم مطلقًا، ولا تختص بالشخص كواقعة العين، بل هى من الخاص النوعي، بمعنى أنه يعم في حكمه كل من كان نوع حاله كنوع حال هند.

    ونظيره حديث جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، فرأى زحاماً، ورجلاً قد ظلل عليه فقال: (ما هذا)؟ فقالوا: صائم، فقال: (ليس من البر الصوم في السفر)[12].

    فهذا لا يختص بالشخص، ولا يعم مطلقًا كل صائم في السفر، إنما يختص بالنوع والحال، فيعم النهي كل من كان نوع حاله كنوع حال هذا الصائم الذى ورد بسببه الحديث؛ أي: إذا كان لا يطيق الصوم في السفر والحر[13]، وهذا مرجعه إلى قاعدة العام الوارد على سبب، هل يختص بسببه أم لا؟ وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية أن أحدًا من علماء المسلمين لم يقل أن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: أنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ، قال: (والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرا أو نهيا، فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبرا بمدح أو ذم، فهي متناولة لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته أيضا)[14].

    وهذا التعريف الذى هو نتيجة مدلول اللفظ لا يظهر أنه معتبر في استعمالات الفقهاء والأصوليين، وإطلاقاتهم واصطلاحًاتهم، ولا أظن أنهم يراعونه.

    ومما سبق يمكن أن نصوغ حدًّا، يتعرف به على ماهية قضية العين أو واقعة العين، فهي:(الحكومة المتعلقة بحادثة تنزل في قضية تختص بشخص معين)، وحكاية أو واقعة الحال: (الحكومة التي تتعلق بحادثة تنزل في حال شخص معين أو أشخاص معينين).

    وضوابط الحكم على خبر بكونه واقعة عين لا عموم لها:
    الأول: التنصيص على الخصوصية والتصريح بها، كحديث البراء السابق في الأضحية بالحذع من المعز.
    الثاني: التصريح باسم من يختص به الحكم، كخبر شهادة خزيمة السابق.[15]
    الثالث: التصريح بنفي الحكم عما سوى المعين.

    وأما ضوابط الحكم على الخبر بكونه واقعة حال، فلا تعم إلا في تلك الحال:
    الأول: مجيء النص جوابا عن سؤال خاص بحالة خاصة، كحديث قصة هند السابق.

    الثاني: التخصيص للحكم بزمان أو مكان معينين، فلا يعم إلا في تلك الأزمنة والأمكنة، كصيام البيض وعاشوراء ونحوها[16].

    ومن الضوابط ما يكون مشتركا بين واقعة العين وحكاية الحال، وهو مخالفة الحكم في الواقعة والحكاية للأحكام المستقرة الثابتة في الشرع أو وروده في واقعة ولم يستمر العمل عليه[17].

    وهذا بحسب ورود النص، فإن ورد في واقعة مختصة بمعين، حكم بكونه من وقائع الأعيان التي لا عموم لها؛ أي: إنه خاص بالشخص، كما سبق في حديث حذيفة في الأكل للصائم بعد الفجر، وإن ورد في واقعة أو حكاية حال، حكم بأنه من حكايات وقضايا الأحوال، فيعم في تلك الحال، أي إنه خاص بالنوع، وسيأتي له شواهد كثيرة، فإن غالب ما يدعى فيه من النصوص أنه واقعة عين، يكون في حقيقته من قضايا وحكايات الأحوال، وقد تبين الفرق بينهما واتضح أثره في قبول النصوص أو ردها.

    ولابد من التأني في قبول دعوى من يدعى في خبر ثابت أنه واقعة عين لا عموم لها، فإنه إن لم تصح هذه الدعوى، كان ذلك ذريعة إلى رد الأخبار وتعطيل العمل بالآثار،[18] وفيه من الفساد ما سبق بيانه، كما أنه لابد من التأني في العمل بالنصوص التي يحتمل فيها دعوى واقعة العين، فلا تقبل إلا بعد فحص ومحص، ولا سيما الأحاديث التي يخالف ظاهرها العمل المستمر والنصوص أو الأحكام المستقرة الثابتة المشهورة عند العلماء، وقد تقرر في الأصول أنه إذا ثبتت قاعدة شرعية عامة أو مطلقة، فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال، قاله أبو إسحاق الشاطبي، وعلله بأن القواعد التي هذا شأنها، قطعية كلية وغير محتملة، وقضايا الأعيان مظنونة جزئية ومحتملة، ومحال أن يتعارض هذا وهذا، فضلاً عن أن يؤثر فيه، وأيضا: فلا يخلو الحال من العمل بهما معا في محل المعارضة أو إهمالهما معا، وكلاهما باطل، فلم يبق إلا العمل بالكلي القطعي وترك الظني الجزئي، ولا يتصور العكس لأنه خلاف الأصل والقاعدة[19].

    وذكر أبو إسحاق رحمه الله عن أهل الأصول أن قضايا الأعيان لا تكون بمجردها حجة، ما لم يعضدها دليل آخر، لاحتمالها في أنفسها، وإمكان أن لا تكون مخالفة لما عليه العمل المستمر[20].

    والعجب أن الأصوليين لم يفرقوا في اصطلاحهم وإطلاقهم بين قضايا الأعيان وقضايا الأحوال، فيطلقون الاصطلاحين، ويستعملونهما في موضع واحد، ومعنى واحد، ولكنهم فى (باب التخصيص) فرقوا بينهما، واتفقوا على أن الاستثناء مخصص للأحوال والأعيان، واختلفوا في الشرط: هل يخصص الأعيان، كما يخصص الأحوال أم لا؟ فحكى محمود الحمصي[21] في (المصادر) المنع عن الشريف المرتضى[22] واختاره هو وابن العارض[23] المعتزلي في (النكت) والجمهور على أنه يخصص الأعيان كما يخصص الأحوال، فإذا قلت: أكرم بني فلان إن كانوا علماء، فهو كقولك: أكرمهم إلا أن يكونوا جهالا[24]، فكان يلزم التفريق في الوقائع والقضايا كما فرقوا هنا، والوجه فيه ما سبق.

    وأكثر الأصوليين على جواز تخصيص العموم بقضايا الأعيان، إلا في قول لبعض الحنابلة كما في إذنه صلى الله عليه وآله وسلم للزبير وعبدالرحمن بن عوف في لبس الحرير للحكة[25]، فهو مخصص لعموم الأخبار القاضية بتحريم الحرير على الرجال.

    قلت: وعندي أن هذه واقعة حال لا قضية عين، بدليل أن التخصيص بها متناول لمورد الحال، فهو خاص بالنوع وليس خاصا بالشخص، أعنى أن الإذن بلبس الحرير للحكة ليس عاما بإطلاق، ولا خاصا بشخص الزبير وابن عوف رضي الله عنهما، أي إن كل من احتاج إلى لبسه للحكة جاز له لبسه وإلاَّ فلا، فهو من عموم الصلاحة البدلي، وليس من عموم الشمول.

    وقرر القرافي في كتابه الذى صنفه في (الخصوص والعموم)، جواز تخصيص العموم بقرائن الأحوال كما تقول: رأيت إخوتك، وقرينة حاله دالة على أنه ما رأى بعضهم، قال: وهذا أمر يدرك بالعقل، ولا تفي به العبارات،[26] قلت: مثاله مسألة القرآن وقد سبقت.

    وتخصيص العموم بقرائن الحال، دليل على أن حكايات الأحوال لا ينتفي عنها العموم مطلقًا، كواقعة العين، ولا تعم مطلقًا، بل تعم في تلك الحال، فهي من الخاص النوعي.

    واشتهر عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قوله: (حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال)، وعنه عبارة أخرى: (ترك الاستفصال في حكايات الأحوال، مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، ويحسن بها الاستدلال)[27].

    واستشكل هذا منه، لأن ظاهره التعارض، حتى إن القرافي حكى أنه سأل بعض فضلاًء الشافعية عنه، فقال: يحتمل أن يكون عنه قولان في المسألة[28].

    وبعض الشافعية كالأصفهاني في (شرح المحصول) منع صحة النقل عن الشافعي في هذا، ثم أجاب بتقدير الصحة بنفي التناقض بين العبارتين؛ لأن العبارة الثانية المراد منها: ترك استفصال الشارع، والأولى: كون الواقعة في نفسها لم تنقل بتفصيل، بل نقلا مجملا لوجوه يختلف الحكم باختلافها، فلا استدلال بتلك الواقعة، كذا قال، ونحوه توجيه ابن دقيق العيد في (شرح الإلمام)، وصوبه الزركشي[29].

    وذكر القرافي أن مراده بالاحتمال المانع من الاستدلال بالحكاية: الاحتمال المساوي أو القريب منه، والاحتمال الذى يمنع من الاستدلال هو المرجوح فلا عبرة به، وهذا معنى قول الشيخ تقي الدين المقترح[30]، أن الشافعي لم يرد مطلق الاحتمالات، إنما أراد احتمالا واقعا، فلا عبرة بالتجويز العقلي حينئذ، لأنه يفضي إلى رد معظم الوقائع[31].

    وأجاب القرافي بنفي التعارض، ووجهه بأن الاحتمال تارة يكون في دليل الحكم، وتارة يكون في محل الحكم، فالأول هو الذى يسقط به الاستدلال دون الثاني كذا قال، ورده الزركشي بأن هذا لا يتبين به الفرق بين المقامين، لأن غالب وقائع الأعيان، الشك واقع فيها في محل الحكم، وذكر أن ما قاله القرافي من الفرق يخالف طريقة الشافعي، فإنه يقول بالعموم في مثل هذه الحالة بالقياس[32].

    وحكى الزركشي في تنزيل الواقعة على العموم في حال ترك الاستفصال، أربعة مذاهب:
    الأول: أنه على العموم في جميع محامل الواقعة، وعليه نص الشافعي.

    الثاني: الوقف، لأنه مجمل.

    الثالث: قول إلكيا الهراسي، أنه ليس من العموم، بل يكفى الحكم فيه من حاله عليه السلام، لا من دلالة الكلام.

    الرابع: يعم إذا علم صلى الله عليه وآله وسلم تفاصيل الواقعة، ولا يعم إذا لم يعلم، وهو قول إمام الحرمين وأبي نصر بن القشيري[33]، وهو كالتقييد للمذهب الأول[34]، قلت: وحكى نحوه الإمام ابن دقيق العيد في (شرح الإلمام) عن بعض المتأخرين، وزاد أنه إن التبس، هل علم أم لا؟ فالوقف، ثم دفعه بأن الأصل عدم العلم فيصار إليه، حتى يظهر الراجح، وقريب منه تقسيم أبي الحسن بن الإبياري[35].

    وقد نبه الزركشي على أن المراد بسقوط الاستدلال في وقائع الأعيان، إنما هو بالنسبة إلى العموم في أفراد الواقعة، لا سقوطه مطلقًا، فإن التمسك بها في صورة ما، مما يحتمل وقوعها عليه، غير ممتنع، كحديث الجمع في الحضر، فإنه يحتمل كونه في مطر أو مرض، ولا عموم له في جميع الأحوال، فلهذا حملوه على البعض وهو المطر[36]، قلت: وأحسن منه ما سبق من حمله على حالة الحاجة والحرج، ومما مضى يتبين أن حكايات الأحول إذا تطرق إليها الاحتمال، فإن كان راجحًا لم يتم الاستدلال بعمومها، وهو معنى قوله (حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال)، والأولى أن يقال: لا يتم أو يضعف بها الاستدلال.

    وإن كان الاحتمال مرجوحا، فإن استفصل الشارع فلا يعم مدلولها بل يقصر على مورد الاستفصال، وإن ترك الاستفصال فتعم عموما مخصوصا بنوع الحال أو الواقعة، وهو معنى قوله (ترك الاستفصال في قضايا الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال)، فالمراد عموم البدل المقصور على نوع حكاية الحال لا العموم الشمولي.

    وليعلم أن إعلال الحديث بكونه واقعة عين أو حال من منهج نقاد الحديث وحفاظه، ولاسيما الأئمة الكبار منهم الذين عرف عنهم البصر بدقائق علل الأسانيد والمتون، فهذا الترمذي يروي من طريق جرير بن حازم عن ثابت - هو البناني - عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكلم بالحاجة إذا نزل عن المنبر)[37]، ثم نقل عن البخاري أنه أعله بقوله: (وهم جرير بن حازم في هذا الحديث، والصحيح ما روي عن ثابت عن أنس قال: أقيمت الصلاة، فأخذ رجل بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم... قال: والحديث هو هذا، وجرير بن حازم ربما يهم في الشيء، وهو صدوق) [38].

    وبين وجه إعلال البخاري لهذا الحديث، الكشميري في (شرح الترمذي) فقال: (ومتن الحديث أعله البخاري، ووجه الإعلال أنه كان واقعة عين وعبره الراوي بلفظ يدل على أنه عادة) [39].

    آخره.

    والحمد لله رب العالمين

    [1] لسان العرب 15/260 (وقع).
    [2] معجم لغة الفقهاء ص 497.
    [3] لسان العرب 4/188 (حكى)، المصباح المنير 1/226، المطبعة الأميرية، مجمع البحرين للطريحي 1/105، مكتبة الهلال 1985م.
    [4] لسان العرب 10/359 (عين).
    [5] تاج العروس للزبيدي 9/288-289 (عين)، دار ليبيا بنغازي.
    [6] لسان العرب 4/277، 278 (حول)، والبيتان بلا نسبة. المعجم المفصل 6/388.
    [7] اللسان 12/131 (قضى)، تاج العروس 10/296-297.
    [8] أخرجه البخاري فى الأيمان باب إذا حنث ناسيًا 6673، ومسلم فى الأضاحي باب وقتها رقم 1961.
    [9] أخرجه الحاكم 2/18، والبيهقي 10/146، وابن أبي حاتم فى "الآحاد والمثاني" 2084، والطبراني 3730 وصححه الحاكم والذهبي.
    [10] رواه البخاري في الصلاة باب المساجد في البيوت 425، ومسلم في المساجد باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر 263.
    [11] أخرجه البخاري فى البيوع باب من أجرى أمر الأنصار... رقم 2211، ومسلم فى الأقضية باب قضية هند رقم 1714.
    [12] أخرجه البخاري فى الصوم باب قول النبي صلى الله عليه وسلم... رقم 1946، ومسلم فى الصيام باب جواز الصوم والفطر رقم 1115.
    [13] وقد سلك هذا المسلك فى توجيه الحديث بحمله على هذا المعنى الإمام أبو جعفر بن جرير فى "تهذيب الآثار" 1/159 من مسند ابن عباس رضي الله عنهما.
    [14] مقدمة فى أصول التفسير لابن تيمية ص 59-60، مكتبة التراث الإسلامي.
    [15] انظر بحث الدكتور محمود عبدالرحمن: وقائع الأعيان والأحوال ص 844.
    [16] وقائع الأعيان للدكتور محمود عبدالرحمن ص 847-886-889.
    [17] وقائع الأعيان 852-863.
    [18] وقائع الأعيان للدكتور محمود عبدالرحمن 772.
    [19] الموافقات 3/751.
    [20] الموافقات 3/631.
    [21] محمود بن علي بن الحسن الحمصي فاضل من فقهاء الإمامية ومتكلميهم بالشام صنف "التعليق العراقي" و"المصادر فى الأصول" وعليه يعول الزركشي فى "بحره" فى نقل مذاهب الإمامية كما نص عليه فى "مقدمته". لم أقف على وفاته وكان فى القرن السادس الهجري. أعيان الشيعة 10/105، دار التعاون.
    [22] أبو القاسم علي بن الحسين العلوي الحسيني الموسوي جامع كتاب "نهج البلاغة" على الأشهر وقيل جمعه أخوه الرضي، كان من الأذكياء الأولياء المتبحرين فى الكلام والاعتزال والأدب والشعر، جلداً فى مذهب الإمامية له كتب منها "الشافي فى الإمامة" و"إبطال القياس"، وكان يكفر من يقول بتحريف القرآن توفى 436ه. أعيان الشيعة 8/213، الدرجات الرفيعة للشيرازي 458، مؤسسة الوفاء، روضات الجنات 4/294، دار المعرفة.
    [23] لم أجده فى طبقات المعتزلة ولا فى غيرها، وفى الشافعية أبو سعيد العارض عبدالرحمن بن محمد الواعظ توفى 448 ه. انظر السياق من تاريخ نيسابور للفارسي 3/484 رقم 1025، طبقات ابن السبكي 5/116، وذكر الزركشي فى مقدمة البحر أن كتابه فى أصول المعتزلة.
    [24] البحر المحيط 3/333-334
    [25] البحر المحيط 3/405، إرشاد الفحول 1/578، المسودة 117، والحديث أخرجه البخاري فى اللباس باب ما يرخص للرجال من الحرير للحكمة رقم 5839، ومسلم فى اللباس باب إباحة لبس الحرير للرجل إذا كان به حكمة رقم 2076 ،ولابن القيم رسالة مفردة في هذا الحديث بعنوان (التحرير فيما يحل ويحرم من لبس الحرير).
    [26] العقد المنظوم فى الخصوص والعموم للقرافي 2/295، دار الكتبي 1420ه.
    [27] القواعد والفوائد الأصولية 235، دار الكتب العلمية 1403ه.
    [28] العقد المنظوم 1/533-534، نقائس الأصول 4/1970، وقاله الزركشي فى البحر 3/154
    [29] الكاشف شرح المحصول للأصفهاني 4/371، دار الكتب العلمية، البحر المحيط 3/153، شرح الإلمام 1/211 ، دار أطلس.
    [30] المقترح هو مظفر بن عبدالله بن علي المصري الشافعي، جد الإمام ابن دقيق العيد لأمه، والمقترح لقب له لأنه حفظ مقترح البروي فى الجدل وشرحه، كان فقيها أصوليا صنف "النكت على البرهان" ودرس بمدرسة السلفي بالإسكندرية توفى 612ه. طبقات ابن السبكي 8/372، حسن المحاضرة 1/345 رقم 64
    [31] البحر المحيط 3/152-153، القواعد والفوائد الأصولية 235.
    [32] العقد المنظوم 1/534 وبعدها، البحر المحيط 3/153.
    [33] عبدالرحيم بن عبدالكريم بن هوازن الفقيه الأصولي الواعظ، كان شافعيا متكلما صنف تفسيرا مشهورا، تخرج بوالده وإمام الحرمين. توفى 514ه. طبقات ابن السبكي 7/159.
    [34] البحر المحيط 3/148-149.
    [35] شرح الإلمام 1/213، البحر المحيط 3/150.
    [36] البحر المحيط 3/154.
    [37] الترمذي في الجمعة باب ما جاء في الكلام بعد نزول الإمام عن المنبر، رقم 517.
    [38] سنن الترمذي 2/394.
    [39] العرف الشذي شرح جامع الترمذي للكشميري 2/72، مؤسسة الضحى.
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/69591/#ixzz34k8i0xk3
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,512

    افتراضي رد: التحقيق والبيان في وقائع الأعيان

    أحسنت ، كتبت فأجدت وأفدت

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,498

    افتراضي رد: التحقيق والبيان في وقائع الأعيان

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حامد الأنصاري مشاهدة المشاركة
    أحسنت ، كتبت فأجدت وأفدت
    بارك الله فينا وفيكم وفي كاتب الموضوع الأصلي
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,498

    افتراضي رد: التحقيق والبيان في وقائع الأعيان

    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,498

    افتراضي رد: التحقيق والبيان في وقائع الأعيان

    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    11,439

    افتراضي رد: التحقيق والبيان في وقائع الأعيان

    بارك الله في الجميع
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,235

    افتراضي رد: التحقيق والبيان في وقائع الأعيان

    نقولات موفقة أبا أسماء .

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    11,439

    افتراضي رد: التحقيق والبيان في وقائع الأعيان

    وقائع الأعيان والأحوال في الفقه الإسلامي / عبد المنعم جمعة
    ا

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.
    فإن شرف علم الفقه لا يخفى، وهو درجات ومنازل يبلغها السائرون، ويعلمها المحبون لهذا العلم، ذلك هو البحر الذي يبحث عمن يغوص في أعماقه ليخرج اللؤلؤ والمرجان.
    إن موضوع وقائع الأعيان له صلة وثيقة فى علم أسباب النـزول والرخصة وربما الإستثناء، وهو مما يحتج بسببه الفقهاء أحيانا في رد دليل خصوم المذهب بكونه واقعة عين أو حكاية حال لا عموم لها.
    ويمكن أن يتسائل سائل هل الحكم في واقعة على علة تقتضي التعدي إلى غير تلك الواقعة أم لا؟ وإذا تعدت إلى غيرها هل تتعدى قياساً أم لفظاً(1)، وما أشار إليه الشافعي في ترك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال ينـزل منـزلة العموم في المقال(2).
    هذه التساؤلات وغيرها يمكن أن نجد لها بعض الإجابة بين ثنايا وسطور هذه الورقات التي سنتاول فيها، تعريف واقعة العين وواقعة الحال، والفرق بينهما، وبعض الأمثلة عنهما.
    أولاً : تعريف واقعة العين لغة واصطلاحا
    الواقعة لغة: من وقع يقع بعضهما وقوعاً أي سقط، والواقعة النازلة الشديدة، وتطلق على القيامة، وعلى صدمة الحرب، وتجمع واقعات ووقائع(3).
    الواقعة اصطلاحا: الحادثة التي تحتاج إلى استنباط حكم شرعي لها، والواقعات الفتاوى المستنبطة للحوادث المستجدة(4)
    العين لغة: لها معان متعددة فيراد بها ذات معينة تقول ما بها عين أي أحد، وتطلق على الجاسوس وعلى جريان الماء(5) ، وماله قيام بذاته، والجمع أعيان(6).
    اصطلاحاً: هي المسألة أو الحادثة التي وقعت في شخص معين، أو هي النازلة العينية التي تخص شخصاً بعينه.
    ثانياً: الحال لغة: من حل المكان وبه يحل حلاً، ونزل به فهو حالّ(7)، وقيل: كل ما حجز بين شيئين(8)، والمراد به هنا حال الدهر وصروفه، وحال الانسان ما كان عليه من خير وشر.
    اصطلاحا: هي المسألة أو الحادثة لحالة خاصة تلبس بها حين نزول السورة(9)، فواقعة الحال حال أو ظرف ما تعلق أو اختص بهذه الحالة المعينة، وبعد هذا يتبين ويتضح لنا أن واقعة العين تكون في شخص معين أو معينين وبسببه شرع الحكم، وأما واقعة الحال فهي تحكي حادثة نزلت في شخص معين أو معينين وتعلق الزمن والحال بها، بمعنى أن واقعة الحال تعم بخلاف واقعة العين، أي لا تختص بمعين، وإنما تشمل آخرين لهم نفس الحال، وبيان ذلك \"أن واقعة أو قضية العين، تطرق انتفاء العموم إليها أقوى من واقعة أو حكاية الحال، بمعنى أن واقعة العين في الأصل تختص بالشخص المعين الذي وقعت لأجله فلا تعم في حكمها غيره، وهذا لا بد فيه من ضوابط تضبطه، بحيث يقصر الحكم عليه، فإن الأصل في أحكام الشرع ونصوصه العموم، فإذا قام الدليل على عدم اختصاص الحكم في تلك الواقعة بهذا الشخص فهو خاص بالنوع فيعم ......
    وأما واقعة الحال فهي في الأصل تعم كل من كان نوع حاله كنوع حال ذلك المعين الذي وردت لأجلهم حكومة تلك الواقعة، إلا إن قام الدليل على اختصاص الحكم بهم دون غيرهم\"(10).
    ثالثاً: ضوابط الحكم على الخبر بأنه واقعة عين أو حال يمكن إجمال بعض الضوابط لمعرفة كيفية الحكم على الخبر بكونه واقعة عين أو واقعة حال، ومنها:
    1. التنصيص على الخصوصية والتصريح بها.
    2. التصريح باسم من يختص به الحكم، كشهادة خزيمة.
    3. التصريح بنفي الحكم عما سوى المعين.
    وأما ضوابط الحكم على الخبر بكونه واقعة حال، فهي:
    1. مجيء النص جوابا على سؤال خاص كما في قصة هند لما أذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من مال زوجها دون علمه ما يسد حاجتها.
    2. التخصيص للحكم بزمان أو مكان معينين، فلا يعم إلا في تلك الأزمنة والأمكنة، كصيام الأيام البيض أو عاشوراء وغيرها(11).
    رابعاً: الفرق بين واقعة العين وواقعة الحال:
    1. واقعة الحال أعم.
    2. واقعة الحال الأصل فيها العموم في الأحوال والأنواع إلا بدليل، وواقعة العين الأصل فيها الاختصاص في الحكم بذلك المعين إلا بدليل.
    3. وقائع الأعيان نادرة، ووقائع الأحوال أكثر ورودا(12).
    خامساً: علاقة واقعة العين مع سبب النـزول :
    كل واقعة عرف الحكم فيها بالسبب لا بدليل آخر من الأدلة السمعية فلله تعالى فيها حكمان أحدهما: الحكم المعرف بالسبب.
    والثاني: الحكم المعرف بالسببية المحكوم بها على الوصف المعرف بالحكم\"(13)، وقد اختلف علماء الأصول في هذا على ثلاثة أقوال: الأول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبهذا قال الحنفية وأكثر الشافعية، واستدلوا بأن آيات نزلت لأسباب، ثم تعدت إلى غير أسبابها كآية الظهار واللعان، ومن الأدلة على اعتبار عموم اللفظ احتجاج الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم في وقائع بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة شائعاً ذائعاً بينهم(14)، ومن الأدلة العقلية التي استدلوا بها فيما ذهبوا إليه حمل اللفظ العام على سبب خاص يؤدي إلى إبطال لدلالة العموم وفائدته، فمعظم الأحكام في الشريعة الإسلامية عامة غير خاصة ولو أراد الله تعالى اختصاص الحكم بالواقعة التي نزل فيها لما أنزله نصاً عاماً وإنما أُريد للنص أن يكون قانوناً عاماً يجري على كل الأشباه والنظائر لتلك القصة التي نزلت الآية لأجلها ولهذا جاءت القاعدة الشرعية العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب(15) فإذا ورد اللفظ العام على سبب خاص فهو على عمومه حتى يدل دليل على إرادة القصر على السبب فكل آية نزلت جواباً لسؤال ، أو فصلاً في واقعة ، وكل حديث ورد على نحو ذلك فلا تأثير لذلك السبب في إجراء الحكم على كل ما أفاده لفظ العموم والحكم عام للأمة بناءً على هذا الأصل، ومن الأدلة العقلية أيضاً مما يؤكد هذه القاعدة الشرعية عدم مجئ أكثر النصوص، خصوصاً نصوص القرآن التي نزلت لأسباب بتسمية من كان سبباً في نزولها بل يأتي اللفظ عام كحديث ابن مسعود رضي الله عنه (أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، قال فنـزلت ((وأقم الصلوة طرفى النهار وزلفاً من الليل إن الحسنت يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذكرين))(16)، قال: فقال الرجل إليَّ هذه يا رسول الله، قال: لمن عمل بها من أمتي (17)، وفي رواية لمسلم فقال: رجل من القوم يا نبي الله هذا له خاصة، قال: بل للناس كافة) فإذا ما ورد لفظ عام على سبب خاص لم يقصر على السبب بل يعمل بعمومه.
    الثاني: العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، وقال بهذا الرأي المالكية وبعض الشافعية(18).
    الثالث: الواقعة العينية ليست دائما خاصة، إنما تكون كذلك عندما يأتي الدليل على التخصيص، كما في قصة أبي بردة رضي الله عنه عندما رخصَّ له النبي صلى الله عليه وسلم في التضحية بجذعة من المعز (... اذبحها ولن تصلح لغيرك)(19)، فواقعة العين بينها تشابه مع الرخصة الحاصلة لشخص معين وقد ثبت النص بتخصيصه كما مر علينا وبينهما اختلاف في الرخصة العامة مثل رخصة التيمم فهي عامة ولا يعتبر فيها شأن من شرع الحكم بسببه (والخطاب الخاص بواحد من الأمة إن صرح فيه بالاختصاص كما في قصة أبي بردة رضي الله عنه فلا شك في اختصاصه بذلك المخاطب) (20).
    سادساً: علاقة واقعة العين بالاستثناء قد يظن البعض أن هناك فرق كبير بين الاستثناء والتخصيص الذى يبنى غالباً على الرخصة أو التيسير أو رفع الحرج فالاستثناء هو تخصيص بعض الشئ من جملة أو إخراج شئ ما مما أدخلت فيه شئ آخر، ولهذا يرى ابن حزم أنه لا فرق كبير عندما يقال استثناء أو تخصيص؛ لأن الاستثناء هو بحقيقته تخصيص. وإن كان الاستثناء فيه خلاف هل ينصرف إلى كل ما ذكر بعده من المتعاطفات، أم أنه ينصرف إلى أقرب مذكور، فمن قال بالأول المالكية والشافعية، ومن قال إنه يعود إلى أقرب مذكور الحنفية، وسبب الخلاف في هذا هل هذه الجمل في حكم الجملة الواحدة للعطف الذي فيها، أو لكل جملة حكم نفسها في الاستقلال(21).
    سابعاً : تعليق الشارع حكماً في واقعة على علة تعريف العلة: إنها وصف ظاهر منضبط مناسب غير ملغي ولا مخصوص، وقيل: إنها الوصف الباعث على الحكم ، أي مشتملة على حكمة صالحة تكون مقصودة للشارع في شرع الحكم(22).
    وقد اختلف علماء الأمة فيما إذا علق الشارع حكماً في واقعة على علة فهل تقتضي التعدي إلى غير تلك العلة، أم أن الحكم مقصور على تلك العلة، فهناك من يرى أنها لا تتعدى إلى غيرها، وهناك من يرى أنها تتعدى إلى غيرها، واختلفوا في سبب هذا التعدي هل يكون بالقياس أم باللفظ، كما في التفصيل الآتي.
    القول الأول: يتعدى الحكم بالقياس، وهو قول جمهور الأصوليين من الحنفية والشافعية.
    الثاني: أن الحكم يعم باللفظ، وهو قول الحنابلة، كما في قصة المحرم الذي وقصته ناقته ومات فلما سمع بذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيباً ... )(23)، وهذا الحديث من حكاية الحال الذي يعم بالنوع أي أنه خاص بالنوع لا بالشخص فيشمل كل من مات ملبيا محرما، دون غيره من الموتى(24).
    ثامناً: ترك الإستفصال في وقائع الأحوال قال الإمام الشافعى ترك الاستفصال فى وقائع الأحوال مع قيام الإحتمال ينـزل منـزلة العموم فى المقال وهذه المسألة فيها أربعة أقوال:
    أ*) اللفظ ينـزل منـزلة العموم في جميع محامل الواقعة وهذا ما نص عليه الشافعي.
    ب*) أنه مجمل فيبقى على الوقف.
    ج*) ليس من أقسام العموم بل إنما يكفي الحكم فيه من حاله عليه السلام لا من دلالة الكلام وهو قول إلكيا الهراس .
    د) يعم إذا لم يعلم عليه السلام تفاصيل الواقعة أما إذا علم فلا يعم وكأنه قيد المذهب الأول وهو قول إمام الحرمين(25).
    تاسعاً: أمثلة لوقائع الأعيان والأحوال.
    أولا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة إذا وقع من راحلته فاقصعته أو قال فاقعصته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (غسلوه بماء وسدر وكفنوه فى ثوبين ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً)(26) نظر الفقهاء إلى الحديث واختلفوا في هذا الأمر هل يشمل كل من مات محرماً أم هو خاص بهذا الرجل، فقال بعض المالكية إثبات الحنوط في هذا الخبر بطريق المفهوم من منع الحنوط للمحرم ولكنها واقعة حال يتطرق الاحتمال إلى منطوقها فلا يستدل بمفهومها، ونظر بعض الحنفية إليه أنه ليس عاماً بلفظه لأنه فى شخص معين ولا يتعدى حكمه إلى غيره إلا بدليل منفصل(27)، ومنهم من ذهب إلى تعديته إلى غيره فيشمل بهذا كل محرم مات فلا يغطى رأسه ولا يحنط إذا مات وإلى هذا ذهب الشافعية، وسبب اختلافهم هذا يعود فى تعليلهم للإحرام هل يبقى قائماً أم يبطل إحرامه بموته، فمن رأى أنه لا يبطل حكم إحرامه بموته ويجنب ما يجنب المحرم من الطيب وتغطية الرأس ولبس المخيط وغيرها وإلى هذا ذهب الإمام عثمان وعلي وابن عباس وعطاء والثوري رضي الله عنهم وبه قال الشافعي واسحاق، وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة يبطل إحرامه بموته ويصنع به ما يصنع بغيره وهذا مروى عن عائشة وابن عمر وطاووس رضي الله عنهم وعللوا ذلك بأنها عبادة شرعية فبطلت بالموت كالصلاة والصيام(28)، ونظروا إلى حديث ابن عباس على أنه خاص له لأنه يبعث يوم القيامة ملبياً وقيل إن إخباره صلى الله عليه وسلم بأن يبعث ملبياً شهادة بأنه حجه قبل(29) ومما يستدل به أيضاً على تخصيص هذا الحديث بالأعرابي ما روى عن علي رضي الله عنه أنه قال في المحرم إذا مات انقطع إحرامه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له)(30)، والإحرام ليس من هذه الثلاثة وما روى معارض بما روينا في المحرم فبقي لنا الحديث المطلق الذى روينا أن هذا العمل منقطع على أن ذلك الحديث محمول على محرم خاص جعله النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصاً به بدليل ما روي(31) ومما يجاب على أدلة القائلين بالتخصيص ما يلى: أولا: أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم في واحد حكمه في مثله إلا أن يرد تخصصه ولهذا ثبت حكمه في شهداء أحد وفي سائر الشهداء(32).
    ثانيا: قال ابن دقيق العيد بأن هذه العلة إنما تثبت لأجل الإحرام فتعم كل محرم، وأما القبول من عدمه فإنه غيب(33) وكذلك يقال بأن الحديث ظاهر في أن العلة هى كونه في نسك وهي عامة في كل محرم والأصل أن كل ما ثبت لواحد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت لغيره حتى يثبت التخصيص(34).
    وهذا الحديث من حكاية الحال الذي يعم بالنوع أي أنه خاص بالنوع لا بالشخص فيشمل كل من مات ملبيا محرما، دون غيره من الموتى _ كما سبق _
    وخلاصة الأمر: أن قول من يعمم الحكم مقدم على قول من ذهب للتخصيص لعدم وجود الدليل على ما ذهب إليه، ثم إن رحمة الله واسعة فلم هذا التخصيص، وعمل الإنسان هنا في عبادة وليس عملاً دنيوياً محضاً حتى يقصر عليه، ولإن الإنسان يحكم على الظاهر والله سبحانه يتولى السرائر والله أعلم. ثانياً: ما يقطع الصلاة كما جاء في حديث عائشة رضي الهن عنها قالت: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم فيصلي من الليل وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله(35)، وقد ذكرت هذا بعد ما ذكر عندها ما يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة فقالت شبهتمونا بالحمار والكلاب، وكذلك يروى في هذا الباب حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه قيد آخرة الرجل الحمار والكلب الأسود والمرأة ... )(36)
    فبوجود هذين الحديثين ذهب العلماء إلى فريقين فمن قائل أن الصلاة لا يقطعها شيء، ومن قائل يقطع الصلاة الحمار والكلب والمرأة.
    قال ابن حجر رحمه الله: لو ثبت أن حديث عائشة رضي الله عنها متأخر عن حديث أبي ذر لم يدل إلا على نسخ الاضطجاع فقط، وقد نازع بعضهم في الاستدلال به مع ذلك من أوجه: أحدها أن العلة في قطع الصلاة لها ما يحصل من التشويش، وثانيها أن المرأة في حديث أبي ذر مطلقة وفي حديث عائشة مقيدة بكونها زوجته فقد يحمل المطلق على المقيد، ويقال بتقييد القطع بالأجنبية لخشية الافتتان بها بخلاف زوجته، وثالثاً أن حديث عائشة رضي الله عنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال بخلاف حديث أبي ذر فإنه مسوق مساق التشريع العام(37) .
    ومما يروى عن الإمام أحمد قوله: يقطعها الكلب الأسود وفي قلبى من الحمار والمرأة شيء ، وذكر الإمام النووي رحمه الله أن جمهور العلماء من السلف والخلف يرون عدم بطلان الصلاة بمرور شيء من هؤلاء وتأولوا هذا الحديث أن المراد بالقطع نقص الصلاة لشغل القلب بهذه الأشياء وليس المراد إبطالها(38)، وهنا يتضح أن القائلين بعدم إبطال الصلاة أولوا القطع بالنقص وهذا ما يراه الإمام الطحاوى رحمه الله أيضاً فيقول: \"فقد تواترت هذه الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدل على أن بني آدم لا يقطعون الصلاة وقد قيل لابن عمر أن عبد الله بن عياش بن ربيعة يقول يقطع الصلاة الكلب والحمار ... )، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: (لا يقطع صلاة المسلم شيء)، فهذا ابن عمر قد قال هذا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سمع ذلك منه فدل هذا على ثبوت نسخ ما كان قد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار ما قال به من هذا أولى عنده من ذلك(39)، وقال ابن عبد الله والصحيح عندنا أن الصلاة لا يقطعها شيء مما يمر بين يدي المصلي بوجه من الوجوه ولو كان خنـزيراً وإنما يقطعها ما يفسدها من الحدث وغيره مما جاءت به الشريعة(40)، وبالنظر إلى الحديثين إن أمكن الجمع بينهما فيقال: لا يصار إلى النسخ حتى يعرف التاريخ ويتعذر الجمع ولم ينقل تاريخ حديث عائشة رضي الله عنها، وإن كان الظاهر تأخره فقد جمع بعضهم بين الحديثين فقال الخطابى، يحتمل أن يتأول حديث أبي ذر رضي الله عنه على أن هذه الأشخاص إذا مرت بين يدي المصلي قطعته عن الذكر وشغلت قلبه عن مراعاة الصلاة فذلك معنى قطعها دون إبطالها من أصلها، وقال الجمهور أنهم تأولوه بأن ذلك مبالغة في الخوف على قطعها وإفسادها بالشغل بهذه المذكورات(41) ولعل سبب هذا الخلاف معارضة القول للفعل(42)، فإن حديث عائشة رضي الله عنها فعل وحديث أبي ذر رضي الله عنه قول والفعل على رأي بعض الأصوليين أقوى أثراً في النفوس من القول فيقدم قول الجمهور والله أعلم. ثالثا: الأضحية بالجذعة عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : ضحى خال لي يقال له أبو بُردة قبل الصلاة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: شاتك شاة لحم، فقال يا رسول الله إن عندي داجناً جَذعة من المعز، قال: اذبحها ولن تصلح لغيرك، ثم قال من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين(43) وعن عقبة ابن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه غنماً يقسمها على أصحابه ضحايا فبقي عنود فذكره لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ضح به أنت وبرواية فأصابني جذع فقال ضح به(44)، قال ابن حجر _ رحمه الله _ وقد وقع فى كلام بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة واستشكل الجمع وليس بمشكل فإن الأحاديث التي وردت في ذلك ليس فيها التصريح بالنفى إلا في قصة أبى بردة في الصحيحين وعقبة ابن عامر لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الأمر ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزئ واختص أبو بردة وعقبة بالرخصة في ذلك وإن تعذر الجمع فحديث أبى بردة أصح مخرجاً والله أعلم(45) .
    وفي الحديث من الفوائد أن مرجع الأحكام هو إلى النبى صلى الله عليه وسلم وأنه قد يخص بعض أمته بحكم ويمنع غيره منه ولو كان بغير عذر وأن خطابه للواحد يعم جميع المكلفين حتى يظهر دليل الخصوصية؛ لأن السياق يشعر بأن قوله لأبي بردة ضح به أي بالجذع ولو كان يفهم منه تخصيصه بذلك لما أحتاج إلى أن يقول له (ولن تجزئ عن أحد بعدك) ويحتمل أن يكون فائدة ذلك قطع الحاق غيره به فى الحكم المذكور لا أن ذاك مأخوذ من مجرد اللفظ وهو قوي(46) وقال النووي رحمه الله: \"وفيه أن جذعة المعز لا تجزئ في الأضحية وهذا متفق عليه وإلا فجذعة الضأن تجزئ\"(47)، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البراء بأنها لا تبلغ غيره ولا تجزئ أحداً بعده(48) والخطاب الخاص بواحد من الأمة إن صرح فيه بالاختصاص به كما في قوله تجزئك ولا تجزئ أحداً بعدك) فلا شك في اختصاصه بذلك المخاطب وإن لم يصرح فيه بالاختصاص بذلك المخاطب وغيره، وذهب الجمهور إلى أنه مختص بذلك المخاطب ولا يتناول غيره إلا بدليل من خارج وقال بعض الحنابة وبعض الشافعية أنه يعم بدليل ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم (إنما قولى لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة)(49) ولا يخفى أن الاستدلال بهذا خارج عن محل النـزاع فإنه لا خلاف أنه إذا دل دليل من خارج على أن حكم غير ذلك المخاطب كحكمه كان له حكمه بذلك الدليل وإنما النـزاع في نفس تلك الصيغة هل تعم بمجردها أم لا(50).
    والذي يظهر مما تقدم أن صيغة الخطاب تدل على الخصوصية ولعل هذا من باب التيسير لأبي بردة؛ لأنه لم يجد غيرها وهذا ما يفهم من خلال سياق الحديث، وأما من استدل بحديث ( إنما قولى لأمراة ... ) فلا حجة لهم فيه؛ لأن الحديث هنا في حكم عام فيشمل جميع النساء والمسألة لا تتعلق بامرأة واحدة بخلاف قضية أبى بردة رضي الله عنه والله أعلم. رابعا: لبس الحرير عن أنس _ رضي الله عنه _ قال رخص النبي صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير لحكة بهما(51)، وعند الإمام مسلم رخص الحرير في السفر لمن حكة كانت بهما أو وجع كان بهما، قال ابن حجر: عن الطبري في الحديث دلالة على النهي عن لبس الحرير لا يدخل فيه من كان به علة يخففها لبس الحرير ويلتحق بذلك ما بقي من الحر والبرد حيث لا يوجد غيره، وخصص بعضهم الرخصة بالحكة، وقيل بالقمل أيضاً، وذكر عن الشافعية أن الرخصة خاصة بالزبير وعبد الرحمن(52) وقيل يجوز تخصيص العموم بقضايا الأعيان، ويحتمل أن يمنع منه إذا منعنا من تخصيص العموم بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخطاب له بلفظ يخصه، وكلام أحمد يحتمله في الحرير للحكة(53)، وقد ضعف الإمام النووي رأي من خص هذا بالسفر دون الحضر فقال ويجوز لبس الحرير للحكة ونحوها في السفر والحضر جميعاً، وفي هذا الحديث دليل على جواز لبس الحرير عند الضرورة كمن فاجأته الحرب ولم يجد غيره(54) ومما يجاب عمن خصص هذا الحديث للزبير وعبد الرحمن _ رضي الله عنهما _ ما قاله ابن قدامة أن ما ثبت في حق صحابي ثبت في حق غيره ما لم يقم دليل التخصيص، وقيل لا يباح لبسه للمرض لاحتمال أن تكون الرخصة خاصة لهما وهو قول مالك، والتخصيص على خلاف الأصل(55) فلبس الحرير للحكة والجرب علم أنه ابيح لمطلق الحاجة والحاجة للتداوي أقوى من الحاجة إلى تزين النساء بخلاف المحرمات من النجاسات، ثم الفرق بين الحرير والطعام بأن باب الطعام يخالف باب اللباس لأن تأثير الطعام فى الأبدان أشد من تأثير اللباس، فالمحرم من الطعام لا يباح إلا للضرورة التي هي المسغبة والمخمصة، والمحرم من اللباس يباح للضرورة والحاجة أيضاً، وهكذا جاءت السنة ولا جمع بين ما فرق الله بينه، والفرق بين الضرورات والحاجات معلوم في كثير من الشرعيات(56). والذي يتضح بعد بيان هذه الأقوال أن رأي التخصيص مرجوح والقائلين بالعموم هو الراجح؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وما ثبت بحق صحابي يثبت بحق غيره إلا أن يأبى دليل التخصيص، ولأن العلة التي من أجلها رخص لهما بلبس الحرير قد تتكرر في غيرها على مرور الزمن، ولأن الأصل في التشريع دفع الضرر وحفظ النفس والتيسير على الأمة فهذا لا يعقل أن ينحصر بإنسان دون آخر، والحديث حجة على اباحة الحرير لعلة \"ولا يجوز أن يلغى العمل بنص قد ظهر وجه الدلالة منه بوجه من الظنون فهذا يقع به رد كثير من النصوص الواردة على أسباب بمجرد الهوى\"(57)، والخلاصة أن هذه واقعة حال لا قضية عين، بدليل أن التخصيص بها متناول لمورد الحال فهو خاص بالنوع وليس خاص بالشخص، بمعنى أن كل من احتاج إلى لبسه بسبب الحكة جاز له لبسه وإلا فلا .
    بعد هذه الوقفة القصيرة مع قضايا الأعيان يتضح لنا الآتي:
    1- أن واقعة العين هي التي تخص شخصاً بعينه، أما واقعة الحال فهي لا تخص شخصا بعينه وإنما تلبس بها حال أو زمن ذلك الفعل.
    2- إذا علق الشارع حكماً في واقعة على علة فالراجح تعدية الحكم إلى غيرها طالما تشترك في العلة كما فى قصة المحرم الذى وقصته ناقته.
    3- الأصل في الحكم الذى يبنى على واقعة العين أو الحال أنه عام إلا إذا جاء دليل التخصيص.
    4- لا عبره برأى من ذهب إلى التخصيص بقضايا الأعيان؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأنه تبطل كثير من الأحكام والعمل بها بمجرد هذه الدعوى.
    5- ثروة علمية واسعة تركها علماء هذه الأمة رحمهم الله هي محل ثناء الخلف عليهم.
    6- يمكن تقسيم وقائع الأعيان والأحوال حسب الأبواب الفقية كباب الطهارة والصلاة والجنائز إلخ ودراستها دراسة مقارنة لتعم الفائدة فيها للجميع.
    الهوامش ـــــــــــــــ ـــــــــــ
    (1) فذهب إلى الشافعية إلى تعديتها بالقياس، وذهب الحنابلة إلى تعديتها باللفظ، ينظر: البحر المحيط،الإمام بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، بتصرف 3/146-147، (تحقيق: الدكتور عمر سليمان الأشقر، وزارة الأوقاف، الكويت 1409هـ ، 1988م).
    (2) المصدر السابق: 3/148 .
    (3) لسان العرب لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور المصري: 15/260، ( دار صادر، بيروت، ط الأولى، 2000م)، القاموس المحيط، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي: 772 (إشراف: محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، ط الثامنة، 1426 هـ، 2005م)، الكليات لأبى البقاء أيوب بن موسى الكفوي: 5/50 (تحقيق: الدكتور عدنان درويش ، محمد المصري ، دار الكتاب الإسلامي ، القاهرة، ط2، 1413 هـ، 1992م). (4) الكليات: 3/258 .
    (5) معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي، حامد صادق: 497 (دار النفائس، بيروت، ط1، 1405هـ، 1985م).
    (6) لسان العرب: 10/357 ، القاموس المحيط: 1218 .
    (7) الكليات: 3/258 .
    (8) القاموس المحيط: 986 .
    (9) الكليات: 2/186 .
    (10) انظر التحرير والتنوير، العلامة محمد الطاهر بن عاشور: 29/294 بتصرف ، (الدار التونسية للنشر، 1984م).
    (11) علل الأصوليين في رد متن الحديث والاعتذار عن العمل به، بلال فصيل البحر: 396 (دار المحدثين، القاهرة، ط1، 1431هـ، 2010م).
    (12) وقائع الأعيان وأثرها في تعميم الأحكام، للدكتور محمود عبد الرحمن: 844 ـ 847 (بحث منشور، مجلة كلية دار العلوم، العدد 16، الجزء الاول).
    (13) علل الأصوليين في رد متن الحديث والاعتذار عن العمل به، بلال فيصل البحر 396.
    (14) الإحكام في أصول الأحكام لسيف الدين بن محمد الآمدي 1/103 (تحقيق: عبد المنعم إبراهيم، مكتبة مصطفى الباز، الرياض، ط1، 1421 هـ، 2000م).
    (15) انظر الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي 1/85 (تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط3، 1405 هـ، 2001م).
    (16) المقدمات الأساسية في علوم القرآن، عبد الله يوسف الجديع 47، (مؤسسة الريان، ط3، 1427 هـ، 2006م).
    (17) سورة هود 114 .
    (18) رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة كفارة، ومسلم في كتاب التوبة، باب إن الحسنات يذهبن السيئات.
    (19) المسودة، مجد الدين وشهاب الدين بن تيمية 117 (تقديم محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني، القاهرة).
    (20) رواه البخاري في كتاب الأضاحي، باب قول النبي لأبي بردة ضح بالجذع، ومسلم في كتاب الأضاحي، باب وقتها.
    (21) إرشاد الفحول، محمد بن علي الشوكاني 1/469 (تحقيق: الدكتور شعبان محمد إسماعيل، مطبعة المدني ، ط1، 1413 هـ، 1992م).
    (22) الإحكام لابن حزم الظاهري 1/429 (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405 هـ، 1985م)، الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد القرطبي 12/149 (تحقيق: عماد زكي البارودي، خيري سعيد، المكتبة التوفيقية، القاهرة، بدون سنة طبع).
    (23) الإحكام لابن حزم الظاهري 1/429 (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405 هـ، 1985م)، الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد القرطبي 12/149 (تحقيق: عماد زكي البارودي، خيري سعيد، المكتبة التوفيقية، القاهرة، بدون سنة طبع).
    (24) الإحكام للآمدي 2/256.
    (25) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب الحنوط للميت.
    (26) انظر: البحر المحيط للزركشي 3/146-147، وعلل الأصوليين لبلال البحر 435.
    (27) انظر: البحر المحيط 3/148-149 .
    (28) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب الحنوط للميت ومسلم في كتاب الحج باب ما يفعل بالمحرم إذا مات.
    (29) انظر: فتح الباري 3/136 .
    (30) انظر: المغني، محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة 6/332 (عناية جماعة من العلماء ، دار الكتاب العربي، 1403 هـ، 1983م)، المجموع شرح المهذب، أبو زكريا محي الدين بن شرف النووي 5/207- 210 ( دار الفكر، بيروت .
    (31) انظر: فتح الباري لابن حجر 3/136 .
    (32) رواه الترمذي في كتاب الأحكام، باب في الوقف رقم 1376، 3/651 .
    (33) انظر: بدائع الصنائع، علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفى 1/308 (دار الكتب العلمية، بيروت)
    (34) انظر: المغنى 6/332 ، المجموع شرح المهذب للنووي 5/210، بداية المجتهد 1/246.
    (35) انظر: فتح الباري 3/136.
    (36) انظر: هامش نيل الأوطار 5/2040 .
    (37) رواه البخاري في كتاب الصلاة، باب لا يقطع الصلاة شيء.
    (38) رواه أبو داود في كتاب الصلاة باب ما يقطع الصلاة.
    (39) انظر: فتح الباري 1/590، عون المعبود 2/394 .
    (40) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي 4/473 ، وعون المعبود 2/394 .
    (41) انظر: شرح معاني الآثار للطحاوي 1/460 .
    (42) انظر: التمهيد، يوسف بن عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد البر القرطبى 4/190 ، 191 (تحقيق: محمد التائب، سعيد أحمد، 1394 هـ، 1974م).
    (43) انظر: طرح التثريب لزين الدين عبد الرحيم بن الحسين المعروف بالحفاظ العراقي 2/602 (تحقيق: حمدي الدمرداش محمد، مكتبة نزار مصطفى الباز، الرياض، ط1، 1419 هـ، 1998م).
    (44) انظر: بداية المجتهد 1/190 .
    (45) رواه البخاري في كتاب الأضاحى باب، قول النبي لأبي بردة ضح بالجذع، ومسلم في كتاب الأضاحي، باب وقتها.
    (46) رواه مسلم، في كتاب الأضاحي، باب سن الأضحية.
    (47) انظر فتح الباري 10/14-15 .
    (48) فتح الباري 10/16 .
    (49) شرح صحيح مسلم للنووي 13/12 .
    (50) شرح صحيح مسلم للنووى 10/124 ، إكمال المعلم بفوائد مسلم لأبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي 6/403 (تحقيق: الدكتور يحيى إسماعيل، دار الوفاء، ط1 1419 هـ 1، 1998م.)
    (51) رواه النسائي عن أميمة بن رقيقة في كتاب البيعة، باب امتحان النساء والترمذي في كتاب السير، باب ما جاء في بيعة النساء.
    (52) انظر: ارشاد الفحول 1/470.
    (53) رواه البخاري في كتاب اللباس ، باب ما يرخص للرجال من الحرير للحكة، ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب إباحة لبس الحرير للرجل إذا كانت به حكة.
    (54) انظر فتح الباري 10/295 .
    (55) المسودة صـ 106 .
    (56) شرح مسلم للنووي 14/297 .
    (57) المغني 1/627، فتح الوهاب لأبي يحيي زكريا الأنصاري، دار احياء الكتب العربية 1/82.
    (58) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية كتاب الطهارة، حكم التداوي 21 /567.
    (59) تيسير أصول الفقه لعبد الله الجديع صـ 254. علل الأصوليين لبلال البحر 401.
    <span style="font-family:traditional arabic;"><font size="5"><font size="4"><span style="color:#ff0000;">http://www.iraq-amsi.net/ar/news_view_73720.html


    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •