مرحباً بالواعظين


لم تكن التغيرات التي طرأت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م مؤثرةً على الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية فحسب، بل سرى التأثير على القنوات الإعلامية بمختلف أوعيتها، تمثّل ذلك في هجوم عنيف من قِبَل بعض الأقلام الليبرالية على الخطاب الديني بمختلف مساراته، وكان من هذه المسارات التي صوّبوا سهامهم إليها: الخطاب الوعظي؛ كونه –بزعمهم- يبثّ الرعب في نفوس النشء، وينشر "ثقافة الموت"، إلى غير ذلك من الدعاوى!
ولم يقتصر الهجومُ على نقد مضامين خطبة الجمعة ـ التي من أعظم مقاصدها الوعظ ـ أو المحاضرات والكلمات الوعظية، بل توسعت رقعة الهجوم إلى الأناشيد والمقاطع "الممنتجة" التي تحمل ذات الصبغة!
وعقلاءُ الناس -فضلاً عن أهل العلم فيهم- لم يكونوا يتأثرون بمثل هذا الهجوم؛ لعلمهم بمن يقف وراءه، لكنه -للأسف- صادف عقولاً خاويةً من فهم هذه الخلفيات الأيديولوجية لتلك الأقلام والمنابر، خصوصاً من بعض الشباب الذين تفتحت أعينُهم على هذا الهجوم، مما سهّل تأثره بتلك الدعاوى وتقبّله لها، فصار يردد كلماتهم بسذاجة بالغة، فلا يكاد يسمع واعظاً، أو خطيباً يهز أعواد المنابر إلا انتقد هذا الخطاب دون وعي، بدليل أنك إذا طلبت منه البرهان، لم يجد سوى تلك الشنشنة التي يُردّدها أصحابُ تلك الأقلام.
ولو كان النقد موجهاً بعدل وإنصاف لبعض أساليب الوعّاظ؛ لما استنكف عاقلٌ من قبوله، لكن الواقع أنه هجوم منظّم على هذا الأسلوب الشرعي، الذي طفحت النصوص بفضله والحث عليه؛ بغية تحجيمه وإيقافه! والسؤال الذي يفرض نفسه: ماذا لو أن أعداداً من الأطباء أخطأوا في ممارسة الطب ـ كما هو الواقع ـ فهل يقول عاقل بأنه يجب أن يقلّص دور الطب أو يحارب؛ لوجود وفيات من جراء تلك الأخطاء؟ أم أن العقل والفطرة يناديان بتصحيح الخطأ، وتوجيه المسار؟
لو نظرنا بإنصاف إلى واقع الشباب والفتيات لوجدنا أن الحاجة للخطاب الوعظي أشدّ ما تكون في هذا الوقت، فسهام الأعداء على بلاد الإسلام وشبابهم بالذات تزداد كثافةً، فالمخدرات متفشية، وألوان الانحراف العقدي والسلوكي الموجّهة لهم تزداد ضراوة.
والوعظُ ـ كما تدل عليه التجارب والواقع ـ من أهمّ أساليب تخفيف أثر هذا الغزو المنظّم، ذلك أن الإيمان إذا وقر في القلب، صار كالصخرة التي تتكسر عليها نصال سهام الأعداء، ولعل في هذه التجربة التي سطرتها يراعة الشيخ محمد رشيد رضا ما يجلّي هذه الحقيقة؛ من جهة مصدر تحجيم الوعظ، وجهة أثر ضعفه، فيقول رحمه الله:
"ومن عجيب أمر حكومتنا المصرية، أنها تقلد الإفرنج في نظام التعليم، وفي إطلاق الحرية الشخصية، وتغفل عما يجب من التربية الدينية! حتى إن أداء الصلاة في مدارسها اختياري لا يطالَب به التلاميذ والطلاب، ولا يُنْكَرُ عليهم تركه! وقد فشت في البلاد الجرائم من قتل وسلب وإفساد زرع وفسق وفجور، وقد اتخذت عدة وسائل لتقليل هذه الجنايات بعد أن عُقدت عدة لجان لدرسها، ولكنها لم تأت أدنى عملٍ لمقاومتها بالتربية الدينية للنابتة، وبث الوعظ والإرشاد في العامة، وهو أقرب الوسائل لمنع الفساد في الأرض؛ لأن الوازع النفسي أقوى وأعم من الوازع الخارجي. وإن كان لا بد من الجمع بينهما"([1]).
ولعظيم منزلة الوعظ وكبير أثره تولّى الله وعظ عباده بنفسه في عدة مواضع من كتابه، منها: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾[النور: 17]([2])، ووصف الله كتبه المنزّلة في آيات كثيرة بأنها كتبُ وعْظ.
وحين بعث الله موسى قال له: ﴿وَذَكِّرْهُ ْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾[إبراهيم: 5]، ولما كان هود - عليه الصلاة السلام - مداوماً على هذه الوظيفة الجليلة، قال له الملأ بكل كبرياء: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾[الشعراء: 136]، وحين تتأمل في تنوع خطاب مؤمن آل فرعون، وجدته يعود إلى مقصد واحد، وهو الوعظ، وإذا قرأتَ أمر الله لرسونا صلى الله عليه وسلم: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾[النساء: 63] تحققتَ ـ من خلال تأمل كل ما سبق ـ عظيمَ أثر هذه الوسيلة في الدعوة إلى الله تعالى.
ولأجل ذا قال الإمام أحمد: "ما أحوج الناس إلى قاص صدوق"([3])، وقال مَرةً: "يعجبني القصاص؛ لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر، قلت لأبي عبد الله: فترى الذهاب إليهم؟ فقال: أي لعمري إذا كان صدوقاً لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر"([4]).
إنها دعوةٌ لتكثيف الوعظ وفق المنهج الشرعي، ومراعاة آدابه([5])، وقطعِ الطريق على المتربصين بالوعظ وأهله، فمرحباً بالواعظين الذين يضعون نصب أعينهم قول ربهم تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّك َ الَّذِينَ لَا يُوقِنُون﴾[الروم: 60].


([1]) تفسير المنار (8/ 474).
([2]) وتنظر الآيات الكريمة في سور: البقرة (231)، النساء (58)، النحل (90)، النور (17).
([3]) الآداب الشرعية والمنح المرعية (2/ 82).
([4]) المصدر السابق.
([5]) لأخينا الشيخ المسدد، فضيلة د.محمد بن إبراهيم الحمد، رسالة قيمة عنوانها "أدب الموعظة" تحسن مراجعتها.

د/عمر المقبل.