فقه المياه وبعض ما يتعلق بها من أحكام - الجزء ( 1 ) - إعداد / عبدرب الصالحين العتموني
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: فقه المياه وبعض ما يتعلق بها من أحكام - الجزء ( 1 ) - إعداد / عبدرب الصالحين العتموني

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    المشاركات
    12

    Lightbulb فقه المياه وبعض ما يتعلق بها من أحكام - الجزء ( 1 ) - إعداد / عبدرب الصالحين العتموني

    فقه المياه وبعض ما يتعلق بها من أحكام
    الجزء الأول
    إعداد / العبد الفقير إلى الله
    أبو معاذ / عبدرب الصالحين أبو ضيف العتموني

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
    وبعد
    خلق الله سبحانه الأرض وغطى ثلثيها بالماء وخلق الحيوان والنبات - وهما طعام الإنسان - خلقهما من الماء وتوَّج مخلوقاته بالإنسان وجعل ثلاثة أرباع بدنه ماء وصدق الله إذ يقول { وجَعَلْنا من الماءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ }
    الأنبياء : 30 .
    فالله سبحانه قد كرَّم الماء إذ جعل مدار الحياة في الأرض عليه وجعله طهوراً وعلق به وبوجوده العديد من العبادات فبالماء يزيل المسلم جنابته وبه يتوضأ لتكتمل بذلك طهارته من الحدثين كي يتسنى له الوقوف أمام ربه في أجلِّ وأعظم عبادة من العبادات وهي الصلاة وبالماء يزيل ما يصيب بدنه وثوبه ومكانه من النجاسات .

    والطهارة من الحدث والنجس شرط من شروط صحة الصلاة .

    فلما كانت هذه الصلاة لا تصح إلا بطهارة المصلي من الحدث والنجس حسب القدرة على ذلك صار الفقهاء رحمهم الله يبدؤون بكتاب الطهارة لأنها لما قدمت الصلاة بعد الشهادتين على غيرها من بقية أركان الإسلام ناسب تقديم مقدماتها ومنها الطهارة فهي مفتاح الصلاة كما في الحديث : "مفتاح الصلاة الطهور" وذلك لأن الحدث يمنع الصلاة على المحدث .
    فالطهارة أوكد شروط الصلاة والشرط لا بد أن يقدم على المشروط .
    فالمسلم في أشد الحاجة إلى تعلم أحكام المياه قبل غيره من أبواب الطهارة .

    ولذلك يبدأ الفقهاء بباب المياه في مصنفاتهم في كتاب الطهارة لأن هذه الطهارة وهي ( رفع الحدث وزوال الخبث ) تحتاج إلي شيء يُتطهر به وهذا الشئ هو الماء أو ما يقوم مقامه .

    ومن الأحكام التي تتعلق بالمياه ما يلي :

    تعريف المياه : المياه في اللغة : جمع ماء والماء معروف والهمزة فيه مبدلة من الهاء وأصله موه بالتحريك تحولت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً ثم أبدلت الهاء همزة .
    ويجمع على أمواه جمع قلة وعلى مياه جمع كثرة .

    وفي الاصطلاح : الماء جسم لطيف سيال به حياة كل نام .
    صفة الماء التي خُلق عليها وحُكم استعماله :
    خُلق الماء طهوراً أي طاهراً في نفسه ومطهراً لغيره قال الله تعالى : ( وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ) .
    وقال تعالى : ( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ )
    والطهور بفتح الطاء على وزن فعول وفعول : اسم لما يفعل به الشيء .
    فالطهور بالفتح : اسم لما يتطهر به والسحور بالفتح : اسم للطعام الذي يتسحر به وأما طهور وسحور بالضم فهو الفعل .

    وهذا الماء يطلق عليه أيضاً ( ماء مطلق ) لأنه عاري عن القيود والإضافة اللازمة .
    فخرج بقول ( عاري عن القيود ) قوله تعالي ( مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ) وقوله ( مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ) وخرج بقول ( والإضافة اللازمة ) ماء الورد وماء الزعفران والماء المعتصر من شجر أو ثمر وكذلك الماء المستعمل عند أكثر الفقهاء لأنها مياه مقيدة بقيد لازم لا يطلق الماء عليه بدونه واحترز بالإضافة اللازمة عن الإضافة غير اللازمة كماء النهر وماء البحر ونحو ذلك لأن هذه الإضافة لا تخرج الماء عن كونه طاهراً مطهراً لبقاء الإطلاق عليه وتستعمل بدونها فهي مياه مطلقة .
    وقيل : سمي مطلقاًَ لأن الماء إذا اطلق انصرف اللفظ إليه .

    وقيل : هو الذي لم يضف إلي شئ من الأمور التي تخالطه فإن خالطه شئ أوجب إضافته إليه .

    وهذا الماء يستعمل في رفع الحدث ويزال به النجس ويستعمل في العادات مثل الأكل والشرب ونحو ذلك
    والمراد بارتفاع الحدث : إزالة الوصف المانع من الصلاة باستعمال الماء في جميع البدن إن كان الحدث أكبر وإن كان حدثاً أصغر يكفي مروره على أعضاء الوضوء بنية وإن فقد الماء أو عجز عنه استعمل ما ينوب عنه وهو التراب على الصفة المأمور بها شرعاً .
    والمراد بزوال الخَبَث :
    أي : زوال النجاسة من البدن والثوب والمكان .
    أما حُكم استعماله في الطهارة من الحدث :
    فقد أجمع العلماء على أن الطهارة من الحدث بنوعيه ( الأكبر والأصغر ) لا تكون إلا بشيئين :
    الأول : أصل وهو ( الماء الطهور ) .
    الثاني :
    ما يقوم مقام الماء عند تعذر استعماله وهو ( التيمم بالصعيد الطاهر ) .
    والدليل على وجوب استعمال الماء عند القدرة على ذلك في الطهارة من الحدث بنوعيه
    قوله تعالى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } المائدة : 6

    وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير ) رواه الترمذي وأحمد وصححه الشيخ الألباني رحمه الله .

    فأمر الشارع الحكيم بالعدول إلى التيمم في حالة عدم وجود الماء ولو وجد غيره من المائعات والسوائل ولو كان ثََّم مائع غيره يجوز التطهر به لنقل إليه فدل هذا علي أنه عند عدم الماء ينتقل إلي البدل وهو التيمم ولا ينتقل إلي غيره من المائعات لعدم وجود ما يدل علي ذلك .
    فكل شيء سوى الماء من المائعات لا تحصل به الطهارة من الحدث كالخل والبنزين والعصير والليمون وما شابه ذلك .

    أما دليل وجوب ( التيمم ) بالصعيد الطاهر وهو ( بدل عن الطهارة بالماء ) إذا تعذر استعمال الماء في جميع أعضاء الطهارة أو بعضها لعدم وجوده أو لخوف ضرر باستعماله مع وجوده .

    قوله تعالي : ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ... ) النساء : 43
    وعن عمران بن حصين رضي الله عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم فقال : يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم فقال يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء قال : عليك بالصعيد فإنه يكفيك ) رواه البخاري . وعن سعيد بن عبدالرحمن بن أبزى عن أبيه قال ( جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال إني أجنبت فلم أصب الماء فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت فصليت فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه ) رواه البخاري ومسلم ... وهذا هو التيمم .
    حُكم استعمال الماء في الطهارة من الخبث ( النجاسة ) :
    تنقسم النجاسة الحسية إلي قسمين :
    1- نجاسة عينية :
    وهي العين التي حكم الشارع الحكيم بنجاستها مثل البول والغائط ونحو ذلك من النجاسات العينية ويطلق عليها العين النَجسة .
    2- نجاسة حُكمية أو نجاسة طارئة :
    وهي النجاسة العينية التي وردت على محل طاهر فنجسته سواء كان هذا المحل بدن أو ثوب أو مكان فهي إذن العين الطاهرة التي حلت بها نجاسة عينية فنجستها ويطلق عليها العين المُتنجسة .
    أولاً : النجاسة العينية :
    ذهب جمهور العلماء إلى أن النجاسة العينية لا تطهر بحال من الأحوال لا يطهرها لا الماء ولا غيره ولكن هل تطهر بالإستحالة ؟ فيها خلاف بين العلماء على قولين :
    القول الأول :
    أن نجس العين يطهر بالاستحالة وهو مذهب الحنفية والمالكية وهي رواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو مذهب الظاهرية .
    القول الثاني :
    أن النجاسة العينية لا تطهر بالإستحالة وهو قول الشافعي وأحد القولين في مذهب مالك وهو إحدى الروايتين في مذهب أحمد .
    والاستحالة هي : تغير العين وانقلاب حقيقتها إلى حقيقة أخرى .
    أو هي : تغير يحصل في العين النجسة يؤدي إلى زوال أعراضها وتبدل أوصافها كالعذرة تصبح رماداً والخمر ينقلب خلاً والخنزير ملحاً .
    والعلماء متفقون على هذا المضمون للاستحالة وإن اختلفت عباراتهم .

    وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله في أحكام النجاسات وإزالتها .

    ثانياً : النجاسة الطارئة :
    اختلف العلماء في الطهارة من النجاسة الطارئة علي محل طاهر بما تحصل على قولين :
    القول الأول :

    ذهب جمهور العلماء مالك والشافعي في الجديد وأحمد في المشهور عنه وهو قول محمد بن الحسن وزفر من الأحناف إلي تعيين الماء في إزالة النجاسة الطارئة علي محل طاهر وأن غير الماء لا يجزئ وانتصر له الشوكاني رحمه الله ورجحه الشيخ ابن باز رحمه الله .
    واستدلوا :
    بحديث أسماء رضي الله عنها قالت : ( جاءت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع قال تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه ) رواه البخاري ومسلم .
    والشاهد قوله : ( بالماء ) فهذا دليل على تعين الماء لإزالة النجاسة .
    وبحديث أبوهريرة رضي الله عنه قال قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ( دعوه وهريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ) رواه البخاري .
    وبحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت ( أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه ) رواه البخاري .

    فقوله صلى الله عليه وسلم في الأعرابي الذي بال في المسجد : ( أهريقوا على بوله سجلاً من ماء ) ( ولما بال الصبي على حجره دعا بماء فأتبعه إياه ) فيه دلالة على أنه لا يزيل النجس إلا الماء فلو أزلنا النجاسة بغير الماء لم تطهر .
    القول الثاني :

    بينما ذهب أبوحنيفة وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما إلي أن النجاسة إذا زال وصفها بغير الماء بالشمس أو الاستحالة أو الريح أو بأي شئ آخر بشرط أن يكون طاهراً فإن ذلك كاف فلو أن النجاسة تركت حتى زالت أوصافها بذلك فإن المحل يعود حكمه إلى الطهارة .

    واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ورجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله .

    واستدلوا :
    بحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ) رواه البخاري ومسلم .
    فأطلق الغسل ولم يقيده بالماء وتقييده بالماء يحتاج إلي دليل .

    وكذلك حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : ( كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك ) رواه البخاري .

    ولأن إزالة النجاسات ليست من باب المأمور بل من باب اجتناب المحظور فإذا حصل بأي سبب ثبت الحكم ولأن المقصود هو إزالة عين النجاسة فمتي زالت بأي مزيل طاهر غير الماء مثل الخل أو البنزين أو الصابون أو بتأثير الشمس أو الريح ونحو ذلك صار المحل المتنجس طاهراً لأن ( الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً ) فإذا زالت العلة زال الحكم وإذا وجدت العلة وجد الحكم وهذه قاعدة من قواعد الأصول فإذا زالت النجاسة بأي مزيل طاهر فإن المحل يعود إلي حكمه الأصلي وهو الطهارة . وأما ذكر الماء في التطهير في الأدلة فلا يدل تعيينه على تعينه لأن تعيينه لكونه أسرع في الإزالة وأيسر على المكلف .
    أقسام المياه :
    اختلف العلماء في تقسيم المياه على قولين :
    القول الأول :

    أنه ينقسم إلي قسمين ( طهور ونجس ) وهذا قول الثوري وأحمد في رواية عنه واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشوكاني وغيرهم ورجحه الشيخ ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله .

    قال شيخ الإسلام رحمه الله : ( وإثبات ماء طاهر غير مطهر لا أصل له في الكتاب والسنة ) أهـ .

    وقال الشيخ ابن باز رحمه الله : ( الصواب : أن الماء المطلق قسمان : طهور ونجس ) أهـ

    وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ( الصحيح أن الماء قسمان فقط : طهور ونجس فما
    تغير بنجاسة فهو نجس وما لم يتغير بنجاسة فهو طهور وأن الطاهر قسم لا وجود له في الشريعة وهذا اختيار شيخ الإسلام والدليل على هذا عدم الدليل إذ لو كان قسم الطاهر موجوداً في الشرع لكان أمراً معلوماً مفهوماً تأتي به الأحاديث بينة واضحة لأنه ليس بالأمر الهين إذ يترتب عليه إما أن يتطهر بماء أو يتيمم فالناس يحتاجون إليه كحاجتهم إلى العلم بنواقض الوضوء وما أشبه ذلك من الأمور التي تتوافر الدواعي على نقلها لو كانت ثابتة ) . أهـ
    قال الشيخ حمد بن عبد الله الحمد : ( الصواب والصحيح أن المياه إنما تنقسم إلى قسمين : مياه طاهرة يصح للمسلم أن يتطهر بها ومياه نجسة وأما أن يكون هناك ماء يسمى ماءً وهو مع ذلك لا يطهر فهذا ليس بصحيح ) أهـ .

    وقال وليد بن راشد السعيدان : ( اختلف العلماء في تقسيم المياه وهذا التقسيم إنما باعتبار الوارد عليه فقط أما الماء باعتبار أصله فلا يقسم إلى أقسام ذلك لأن الأصل فيه أنه طهور مطهر فالماء باعتبار أصله قسم واحد لكن باعتبار الطارئ عليه لا يخلو إما أن يكون الطارئ نجساً أو طاهراً فإن كان نجساً وغيره فهو الماء النجس وإن كان طاهراً وغير وصفه واسمه المطلق فهو الطاهر لأنه يخرج حينئذ عن مسمى الماء أصلاً والذي أريد إثباته هنا هو أن الماء باعتبار أصله قسم واحد وهو أنه طهور مطهر .
    العلماء يبحثون في أقسامه باعتبار ما يطرأ عليه مما يخرجه عن أصله الأول والراجح من تقسيمهم هو أن الماء قسمان طهور ونجس هذا هو ما دلت عليه الأدلة ) أهـ .
    القول الثاني :
    أنه ينقسم إلي ثلاثة أقسام ( طهور وطاهر ونجس ) وهو قول الجمهور .

    أولاً : الماء الطهور :

    الماء الطهور هو : ( كل ماء نزل من السماء أو نبع من الأرض وبقي على أصل خلقته ) أي لم تتغير أحد أوصافه الثلاثة وهي "اللون والطعم والريح" بشيء من الأشياء التي تسلب طهورية الماء .
    وعرفه الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله بقوله : ( والماء الطهور هو ( الماء الباقي على خلقته حقيقة بحيث لم يتغير شيء من أوصافه أو حكماً بحيث تغير بما لا يسلبه الطهورية ) فمثلاً : الماء الذي نخرجه من البئر على طبيعته ساخناً لم يتغير . وأيضاً : الماء النازل من السماء طهور لأنه باقٍ على خلقته هذان مثالان للباقي على خلقته حقيقة .
    وقولنا : ( أو حكماً ) كالماء المتغير بغير ممازج أو المتغير بما يشق صون الماء عنه فهذا طهور لكنه لم يبق على خلقته حقيقة وكذلك الماء المسخن فإنه ليس على حقيقته لأنه سخن ومع ذلك فهو طهور لأنه باق على خلقته حكماً ) أهـ

    وعبر الفقهاء عن هذا الماء بالطهور إلا أنهم اختلفوا في المراد بالطهور على قولين :
    القول الأول :
    أن الطهور هو الطاهر المطهر وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة .

    واستدلوا بما يلي :

    أولاً : أن لفظة طهور جاءت في لسان الشرع للمطهر ومن هذا :
    1- قول اللّه تعالى : { وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُوراً } فقوله : ( طَهُوراً ) يراد به ما يتطهر به يفسر ذلك قوله تعالى { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ } فهذه الآية مفسرة للمراد بالأولى .

    2- وما ورد عن جابر بن عبداللّه رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ... ) رواه البخاري ومسلم .

    فوجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة إذ لو كان المراد بالطهور الطاهر فقط لم يكن فيه مزية لأنه طاهر في حق كل أحد والحديث إنما سيق لإثبات الخصوصية فقد اختص الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته بالتطهر بالتراب .
    3- وما رواه أنس مرفوعاً : ( جعلت لي كل أرض طيبة مسجداً وطهوراً ) .

    فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن كل أرض طيبة جعلت له مسجداً وطهوراً والطيبة الطاهرة فلو كان معنى طهوراً : طاهراً للزم تحصيل الحاصل وتحصيل الحاصل بالنسبة له محال فتعين أن يكون المراد به المطهر لغيره .
    4- وما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن التوضؤ بماء البحر فقال : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) رواه أبوداود والترمذي .

    وجه الدلالة : أنهم سألوا عن التطهر بماء البحر لا عن طهارته وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله هذا عن سؤالهم عن حكم التطهر بماء البحر ولولا أنهم يفهمون من الطهور أنه المطهر لم يحصل الجواب .

    ثانياً : أن العرب فرقت بين اسم الفاعل وصيغة المبالغة فقالت : قاعد لمن وجد منه القُعود وقَعود : لمن يتكرر منه ذلك فينبغي أن يفرق بين الطهور والطاهر من حيث التعدي واللزوم فالطهور من الأسماء المتعدية وهو الذي يطهر غيره والطاهر من الأسماء اللازمة .

    القول الثاني :

    إن الطهور هو الطاهر وهو المذهب عند الحنفية واختيار الخرقي من الحنابلة وهو محكي عن الحسن البصري وسفيان وأبي بكر الأصم وابن داود قول بعض أهل اللغة .

    واحتجوا بما يلي :
    أولاً : قول اللّه تعالى : { وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } .
    وجه الدلالة : أن هذه الآية في بيان نعيم أهل الجنة ومعلوم أن أهل الجنة لا يحتاجون إلى التطهير من حدث ولا نجس فعلم أن المراد بالطهور الطاهر .

    ثانياً : قول جرير في وصف النساء :
    خليلي هل في نظرة بعد توبة أداوي بها قلبي علي فجور إلى رجح الأكفال هيف خصورها عذاب الثنايا ريقهن طهور وجه الدلالة : أنه وصف الريق بأنه طهور والريق لا يتطهر به وإنما مراده أنه طاهر .
    ثالثاً : والطهور يفيد التطهير من طريق المعنى وهو أن هذه الصيغة للمبالغة فإن في الشكور والغفور من المبالغة ما ليس في الغافر والشاكر فلا بد أن يكون في الطهور معنى زائد ليس في الطاهر ولا تكون تلك المبالغة في طهارة الماء إلا باعتبار التطهير لأن في نفس الطهارة كلتا الصفتين سواء فتكون صفة التطهير له بهذا الطريق لا أن الطهور بمعنى المطهر .

    وقد أجاب الجمهور عن أدلتهم :
    1- أما قوله تعالى : { وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا } .
    فيجاب عنه بأن الله تعالى وصف الشراب بأعلى الصفات وهي التطهير 2- وقول جرير أجابوا عنه بقولهم : إنه حجة لنا لأنه قصد تفضيلهن على سائر النساء فوصف ريقهن بأنه مطهر يتطهر به لكمالهن وطيب ريقهن وامتيازه على غيره ولا يصح حمله على ظاهره فإنه لا مزية لهن في ذلك فإن كل النساء ريقهن طاهر بل البقر والغنم وكل حيوان غير الكلب والخنزير .
    ● أخي الحبيب :

    ● أكتفي بهذا القدر وللحديث بقية في الجزء الثاني إن شاء الله .

    ● وأسأل الله عز وجل أن يكون هذا البيان شافياً كافياً في توضيح المراد وأسأله سبحانه أن يرزقنا التوفيق والصواب في القول والعمل .

    ● وما كان من صواب فمن الله وما كان من خطأ أو زلل فمنى ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان والله الموفق وصلي اللهم علي نبينا محمد وعلي آله وأصحابه أجمعين .

    أخوكم
    أبومعاذ / عبدرب الصالحين أبوضيف العتمونى وشهرته / عبدربه العتموني
    ج . م . ع / محافظة سوهاج / مركز طما / قرية العتامنة
    01002889832 / 002

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,506

    افتراضي رد: فقه المياه وبعض ما يتعلق بها من أحكام - الجزء ( 1 ) - إعداد / عبدرب الصالحين العت

    وفقكم الله
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,471

    افتراضي رد: فقه المياه وبعض ما يتعلق بها من أحكام - الجزء ( 1 ) - إعداد / عبدرب الصالحين العت

    الحمد لله وبعد
    ما قرأت موضوعك كله لقلة الهمة
    ولكني أجلس في وسط البدو بالسعودية
    فدائما أقول هات ميه بلغتنا العامية بمصر حرسها الله
    فلا يفهمني صبيانهم ويقولون لهم هاتم مويه
    فأعجبني تأصيلك في أصل الماء
    فإذا هي كلمة أصيلة محرفة قليلا إلم أكن جاهلا بغيرها
    موه -ماه-ماء
    مويه
    والسلام

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •