بدعة الأربعين
للشيخ العلامة
أبي طارق البويحياوي
عبد الله حشروف
حفظه الله

راجعها العلامة الفقيه :
محمد شارف
إمام و خطيب جامع الكبير سابقا

إعتنى بها تلميذه:
نسيم الجزائري

اعتاد الناس أن يقوموا بإحياء يوم الأربعين من الوفاة على المرحوم، إما باستحضار الطلبة لقراءة القرآن و إما بالتصدق بأجفان من الطعام على الفقراء و المساكين في هذا اليوم بالذات، و إما بتأبينه باستدعاء بعض أئمة المساجد و من ينتمي إلى الدين احترافا بإلقاء كلمة عن حياته و عمله و مآثره، و في هذا اليوم يتعين أساسا تجصيص قبره.
و عادة الأربعين بدعة محرمة لا أساس لها من الشرع باتفاق العلماء، فلم أجد – على ما قرأت قديما و حديثا من نوّه بها و أباحها و كلهم يستنكرونها لأنها تصادم أصلا من أصول الشرع، إذ لا يوجد أثر عن النبي صلى الله عليه و سلم و لا عن السلف الصالح من الصحابة رضوان الله عليهم، و لا عن العلماء العاملين المحققين، و اتفقوا على أن كل بدعة ضلالة و إن رآها الناس حسنة، لأنها توحي بأن الدين شابه النقص و هم بذلك يضيفون إليه ما به يكمل في رأيهم و زعمهم، و إذا كانت كالمتمم فقد اعتقد نقص الشريعة و هذا ضلال و بهتان مبين، ويقول النبي عليه الصلاة و السلام:" كل محدثة بدعة..." و هو كل شيء أحدث على غير مثال أصل من أصول الدين و على غير مقياسه، و قال النبي صلى الله عليه و سلم :" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ" و في رواية " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ " و قد حدد النبي عليه الصلاة و السلام مدة الحزن ثلاثة أيام من حين الوفاة إلا على صنفين من الناس و هما: المسافر الذي يقدم بعد غياب فله أن يقدم العزاء لعائلة الميت بعد قدومه، و المرأة المعتدة بعدة الوفاة أربعة أشهر و عشرة أيام.
و عليه فلا يجوز لمسلم أن يجدد الحزن على وفاة و على ما فات لباسا و دموعا و ركونا إلى اليأس و القنوط و تذمرا لقضاء الله و قدره " و من يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه".
و انطلاقا من هذا النص الثابت فالدول العربية الإسلامية التي تنكس علمها إعلانا بالحداد على رئيس دولة مات أكثر من ثلاثة أيام فليس من الإسلام في شيء، و إنما هو إتباع و تقليد للكافرين.
و زوال بدعة الأربعين مرهون بتجنيد الأئمة و الوقوف صفا واحدا في محاربتها، و لكن الغرابة أن بعض الأئمة من بقايا الكفر الفرنسي هم الذين يطعنون في الدّين بطواعيتهم لعامة الناس الذين يسوقونهم لحضور حزن الأربعين فيلبون الدعوة مسرعين، إما لجهلهم بالتحريم لأن مستواهم العلمي لم يصل إلى فهم ما يقرؤون في كتب الدّين إن كانوا يقرؤون و ما أكثرهم !!، و إما لعلمهم بالتحريم سماعا و يتعمدون الحضور طمعا في مكاسب دنيوية فانية.
و مما زاد الطين بلة أن البعض ممن وظفوا أخيرا من متقاعدي التعليم الابتدائي ليسوا في المستوى المطلوب دينيا و علميا و أخلاقيا، و هم إلى الجهل و البدع أقرب منه إلى المعرفة و الالتزام.
و عندما يتقاعد هذا الإمام المبتدع و يأتي مكانه أحد الأئمة الملتزمين بالشرع و ينادي بحرمة الأربعين و غيرها من البدع المعمول بها و يحاول إبطالها و يرفض الانقياد لعاداتهم غير المشروعة يحاجونه بالشيوخ السابقين، و من ثم يجد صعوبة في التغيير و في القيام بمهمته الوعظية نظرا لتأصل هذه البدع في دمائهم و أرواحهم و خاصة إذا كان في هذه البدع مكاسب نفعية مادية، و يحدث بين الإمام و الجماعة من عامة الناس تنافر و عدم الانسجام و يحتاج الموقف إلى الحسم فيكون الإمام الملتزم هو الضحية، ويفتقر إلى الحماية و لا يحمى و هو على حق.
و كثيرا ما نسمع بعض الأئمة المعتبرين بالمعرفة الدينية يستملح بدعة معينة و يحتج لها بما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جمع المصلين في صلاة التراويح وراء الصحابي الجليل أبيّ بن كعب رضي الله عنه، و لما رأى اصطفافهم و توحيد وجهتهم قال مقولته المشهورة: "نعمت البدعة هذه"
مع أن ما فعله عمر له أصل في السنة النبوية الشريفة، فقد حث النبي عليه الصلاة و السلام على قيام رمضان إيمانا و احتسابا و فعله هو صلى الله عليه و سلم حيث صلى بهم جماعة ثم امتنع عن الحضور في اليوم الثالث خشية أن تفرض و لا مجال لجعل هذه المقولة مستندا يقاس عليها جميع البدع غير المشروعة.
و الإمام الذي يقوم بإحيائها بماذا يجيب إذا سئل عن الأربعين ما حكم الشرع فيه ؟ أيجيب بالكراهة و التحريم فيكون قد ناقض قوله فعله أو يجيب بالإباحة فيكون قد خالف نصا شرعيا و خالف إجماع العلماء الذين اتفقوا على عدم شرعية الأربعين، و ما أفقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال :" الإسلام يهدمه زلة العالم و جدال المنافق بالآيات و حكم الأئمة المضلين "
و بدعة الأربعين عادة فرعونية و هي أن الميت يدفن بعد أربعين يوما من تحنيطه، و يبدو أن خبراء التحنيط ممن لهم خبرة و ممارسة قد رأوا أن هذه المدة كافية في أن تتخلل مواد التحنيط في جسم المومياء، و تبعد عنه التعفن و التحلل بعد دفنه، و يتقبلون العزاء مرتين: مرة عند الوفاة و مرة ثانية بعد الدفن، و بقيت هذه العادة في مصر بعد اعتناق المسيحية الوثنية، و بين عوام الناس من أهل التقليد الأعمى بعد دخول الإسلام مصر ثم انتشرت إلى العالم الإسلامي.
و هكذا تهافت المسلمون إلى تبني هذه البدعة حتى ألبسوها "عمامة " الإسلام.
09 صفر 1420 هـ
25 ماي 1999 مـ
أبو طارق البويحياوي الجزائري



http://www.merathdz.com/play.php?catsmktba=1540