"مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 80

الموضوع: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    أشرع -إن شاء الله تعالى- في تنقيح وتصحيح "مباحث الأدلة" من محاضرات الشيخ العلامة/ أحمد بن عمر الحازمي من شرحه لكتاب (قواعد الأصول ومعاقد الفصول).
    وكنت قد قمت قبل ذلك بتصحيح وتنقيح المباحث اللفظية.
    وأقول كما قلت سابقا: بالنسبة لتفريغ هذه المحاضرات فهو من عمل موقع الشيخ حفظه الله تعالى، وجزاهم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء، لكن في الحقيقة المحاضرات المفرغة -وهي لم تراجع من قبل الشيخ- بها أخطاء كثيرة جدا، وهناك أخطاء شنيعة ما بين أخطاء نحوية وإملائية وعلمية، فقمت بتصحيحها وضبطها قدر المستطاع؛ بحيث تكون جاهزة للقراءة والمذاكرة لمن أراد، وفي نظري أنها نافعة جدا إن شاء الله لطلبة العلم، والله المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    مباحث الأدلة

    تعريف الدلالة:


    [المتن]:

    [الباب الثاني في الأدلة
    (1): أصل الدلالة: الإرشاد(2)، واصطلاحا قيل: ما يُتوصل به إلى معرفة ما لا يُعلم في مستقر العادة اضطرارا عِلما أو ظنا(3)].

    [الشرح]:

    (1)
    (الباب الثاني في الأدلة):

    انتقل إلى الباب الثاني، وهو باب الأدلة؛ لأنه لما عرف أصول الفقه قال: وذلك في ثلاثة أبواب:

    الباب الأول: في الأحكام. وبينها لك.

    (الباب الثاني في الأدلة)
    : ومناسبة ذكر الأدلة هنا أنه عرّف لك أصول الفقه بأنه أدلة الفقه الإجمالية.

    أصول دلائل الإجمال وطرق الترجيح قيد تالي
    أدلة الفقه الأصول مجملة وقيل معرفة ما يدل له

    إذًا أصول الفقه ما هو؟

    أدلة الفقه التي يستنبط منها المجتهدُ الأحكامَ الشرعية، حينئذ يرد السؤال ما هي الأدلة الشرعية؟ وما هي أنواعها؟ ما هو المتفق عليه منها؟ وما هو المختلف؟

    حينئذ لا بد من السؤال ولا بد من الجواب، لذلك عقد المصنف هذا الباب الثاني في الأدلة؛ أي الأدلة الشرعية.

    (2) (أصل الدلالة: الإرشاد):

    يقال: دَلالة، ودِلالة، ودُلالة؛ يعني مثلثة الدال، والأفصح: الفتح، ثم الكسر، ثم الضم، بل قال الشيخ الأمين -رحمه الله تعالى-: "وأردؤها الضم" كما في (المقدمة المنطقية)؛ يعني أدناها وإن ثبت لغة، لكن لو قيل دُلالة بالضم لا بأس، له وجه في اللغة.

    (أصل الدَّلالة): أو الدِّلالة.

    (الإرشاد): لأن الدليل في اللغة مشتق من الدلالة، والدليل يحصل به الإرشاد، فحينئذ نقول: الدلالة في اللغة -في أصل وضعها اللغوي- المراد بها: الإرشاد.

    وبعضهم يقول: الدلالة في الاصطلاح: "فهم أمر من أمر".

    وبعضهم يجعل هذا الضابط -أيضا- معناها اللغوي، لكن المشهور أنه معناها الاصطلاحي.

    "فهم": الفهم إدراك المعنى.

    "أمر من أمر"، أمر سواء كان لفظا أو ليس بلفظ، فيشمل اللفظ، ويشمل الإشارة، والكتابة، والنُّصُب، والعُقد، ولسان الحال؛ لأنه يُفهَم منها، تُدرَك المعاني من الألفاظ وتُدرَك من غير الألفاظ، إذًا فهم الشيء أو إدراكه لا يختص بالألفاظ، بل الإشارات، والكتابة، والعقد، والنصب، هذه كلها تكون محلا للفهم.

    "فهم أمر من أمر": أي إدراك معنى، الفهم مطلقا.

    إدراك معنى الكلام كما ذكرناه في حد الفقه، قلنا: الفقه في اللغة: الفهم، والمراد بالفهم إدراك معنى الكلام.

    لماذا قيّدنا الفهم هناك بإدراك معنى الكلام، وقلنا هنا: الدلالة فهم أمر؛ إدراك معنى مطلقا سواء كان لفظا أو لا؟

    هناك قيدناه، وذكرنا تعريف أبي هلال العسكري؛ أن الفهم هو العلم بمعاني الكلام عند سماعه مطلقا؛ لأن الفقه هناك المراد به فهم الأدلة، وهي لفظية، فناسب أن يُقيّد الفهم هناك؛ لئلا يرد تعارض بين ذكر الفهم هنا بـأنه مطلق؛ سواء كان من الألفاظ أو غيرها.

    كيف نقول في حد الفقه في أول الكتاب: هو لغة: الفهم، والمراد بالفهم إدراك معنى الكلام، ثم نأتي هنا ونقول: فهم أمر من أمر؛ الفهم هنا لا يختص بالكلام؟

    فليس بينهما تعارض، هنا الدلالة مطلقة، سواء كانت مأخوذة من النصوص، أو من غيرها، فحينئذ يُعمَم، وهناك الدلالة أو الفهم مُقيَد بالنصوص، والنصوص لفظية.

    "فهم أمر من أمر": هذا الحد يُفهَم منه أن الدلالة تكون دلالة إذا حصل الفهم بالفعل، وإذا لم يحصل الفهم منه بالفعل لا يُسمى دلالة.

    يتضح بالحد الثاني، أو نقول في حدها: "كون أمر بحيث يُفهَم منه أمر آخر فُهِم منه بالفعل أو لم يفهم".

    "كون أمر": يعني وجود شيء.

    "أمر": نكرة مطلق، سواء كان لفظا، أو كتابة، أو إشارة، أو أي شيء يمكن أن يكون دليلا يُوضع.

    "بحيث يُفهَم منه أمر آخر فُهِم بالفعل أو لم يُفهَم": يعني هل يُشترط في الحكم على الدَّلالة أو على الدليل أنه لا يسمى دلالة ولا دليلا إلا إذا حصل الفهم؟ وإذا لم يحصل الفهم انتفى الوصف بالدلالة أو الدليل؟ أيها أولى؟

    نقول: الأولى؛ أن يُعمَم الحكم، فيكون الدليل دليلا سواء فهمت منه المقصود أو لم تفهم، قد تقرأ آية أو حديثا لم تفهم حرفا واحدا، نقول: هذا دليل أو ليس بدليل؟

    دليل، لكن لم يحصل الفهم، والدلالة: "فهم أمر من أمر"!

    نقول: هو يُفهِم بالقوة لمن كان أهلا للنظر فنظر، فيحصل الفهم، ولكن لقصور الناظر لما نظر لم يفهم، لا لذات الدليل، وإنما لقصور الناظر، فنقول: يُسمى دليلا ولم لو يحصل الفهم بالفعل، وهذا أولى.

    والفرق بين التعريفين:
    أن يُقال: قولهم: "فهم أمر من أمر" أنه لا يسمى دلالة أو دليلا إلا إذا حصل الفهم بالفعل، وُجد الفهم، قرأت فهمت، حينئذ هذا هو الدليل، وما عداه ليس بدليل.

    نقول: لا، فلذلك الحد الأجمع أن نقول: "كون أمر بحيث يُفهَم منه أمر فُهم منه بالفعل أو لم يُفهَم"، الشيخ الأمين -رحمه الله تعالى- يذكر مثالين لما يحصل به الدليل ولو لم يحصل به الفهم، يقول: الصحابة -رضي الله عنهم- اختلفوا في الكلالة.

    ما هي الكلالة؟


    الورثة الذين لا أب ولا ولد، لا فرع ولا أصل، هذه اختلف فيها الصحابة ما المراد بها؟

    مع أن النص يدل، {يَسْتَفْتُونَك قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ}[النساء176]؛ يعني ليس له ولد، ثم ورَّث الأخت قال: {وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ}، كيف دلّ هذا النص على عدم الأب؟

    لأن الأخت لا ترث مع وجود الأب، فتوريث الأخت يستلزم عدم وجود الأب.

    إذًا بدلالة الالتزام دلّ النص على عدم وجود الأب الذي هو الأصل، وبدلالة المنطوق: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ}، دلّ على عدم وجود الفرع، حينئذ الدليل دليل ولو لم يحصل الفهم لبعض الصحابة.

    فعدم الفهم لما دلّ عليه النص لا يخرجه عن كونه دليلا، ولذلك نقول: "بحيث يُفهَم منه فُهم بالفعل؛ بالإيجاد، أو لم يُفهَم"؛ لأنه يُفهِم بالقوة وإن لم يُفهِم بالفعل.

    كذلك قصة يعقوب -عليه السلام- لما رأى الدم على قميص يوسف -عليه السلام- واستخلى قال: «سبحان الله متى كان الذئب حليما كيسا يقتل يوسف ولا يشق قميصه!» هكذا قيل، إذًا عدم شق القميص يعتبر دليلا في حق يعقوب -عليه السلام-، وإن لم يَفهم منه أولاد يعقوب ما فهمه يعقوب -عليه السلام-، فهو دليل، سواء فُهم منه بالفعل كما فهم يعقوب، أو لم يُفهَم منه بالفعل كما لم يفهم منه أولاد يعقوب، فهو دليل، حينئذ نقول: الدلالة أعم.

    (أصل الدلالة: الإرشاد)
    : وتطلق الدلالة على الدليل مجازا، الدليل: فعيل، مشتق من الدلالة، والدلالة تطلق على الدليل، لكن من جهة المجاز لا من جهة الحقيقة؛ لأن الدلالة مصدر، وإطلاق المصدر على اسم الفاعل هذا مجاز، ولذلك يُقال: "زيد عدل"، لا بد من التأويل؛ يعني "زيد ذو عدل"، أو "زيد عادل"، لا بد من التأويل، هنا الدلالة تطلق على الدليل، لكن تطلق مجازًا لا حقيقة.

    (3)
    (واصطلاحا قيل: ما يُتوصل به إلى معرفة ما لا يُعلم في مستقر العادة اضطرارا عِلما أو ظنا):

    (واصطلاحا):
    أراد أن يُعرف الدلالة اصطلاحا، والاصطلاح هو الذي ذكرناه سابقا، الدلالة في الاصطلاح: "فهم أمر من أمر"، لكن هنا أراد أن يفسر لنا الدلالة بمعنى الدليل.

    إذًا أُطلقت الدلالة مرادا بها الدليل مجازا، ولم يرد الدلالة في الاصطلاح الذي ذكرناه سابقا، وهو "فهم أمر من أمر"، أو "كون أمر بحيث يُفهَم منه أمر فُهِم منه بالفعل أو لم يُفهَم"، هذا في الاصطلاح للدلالة نفسها، في الحقيقة الاصطلاحية أو العرفية، وهنا الدلالة باعتبار كونها أُطلقت على الدليل؛ يعني بالنظر إلى كونها دليلا.

    (ما يتوصل به إلى معرفة ما لا يُعلم في مستقر العادة اضطرارا عِلما أو ظنا):
    المصنف يأتي بحدود بعيدة جدا، ويترك المشهور عند الأصوليين، والمشهور عندهم أن يقال: الدليل: "ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري"، هذا أوضح مما ذكره المصنف هنا.

    "
    ما": أي شيء.

    "يمكن التوصل": عبّر بالإمكان ولم يعبر بالفعل؛ لأن الدليل دليل ولو لم يحصل الفهم منه بالفعل، متى ما أمكن الفهم يسمى دليلا، سواء فهمت منه بالفعل أو لم تفهم.

    "بصحيح النظر": يعني بالنظر الصحيح، والنظر هو: "الفكر المؤدي إلى علم أو ظن"، والفكر هو: "حركة النفس في المعقولات"، وحركتها في المحسوسات تسمى تخييلا لا فكرا.

    إذًا نقول: النظر حدّه: "الفكر المؤدي"؛ المؤدي بمعنى الموصل.

    "إلى علم أو ظن": إذًا منتهى النظر قد يكون علما، وقد يكون ظنا، فلا يشترط في النظر أن يكون قطعيا، بل قد يكون قطعيا مؤداه ومقصوده، وقد يكون ظنيا.

    "ما يمكن التوصل بصحيح النظر": من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي النظر الصحيح، احترازا عن النظر الفاسد؛ لأن الناظر -مثلا- في الأدلة الموصلة إلى الفقه؛ إما أن ينظر بواسطة القواعد والأصول التي وضعها أهل العلم، وإما أن ينظر بهوى، وهذا كثير عند أهل الأهواء، ينظر في الكتاب والسنة بهواه، فحينئذ ماذا تكون النتيجة؟ نظر صحيح أو نظر فاسد؟

    نظر فاسد ولا شك.

    متى يكون النظر صحيحا؟


    إذا سار على الطريق المرسومة التي وضعها الأصوليون –مثلا- في مثل هذا الفن، ولذلك أصول الفقه يعتبر أساسا ومنهجا لمن أراد استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.

    "إلى مطلوب خبري": خبري؛ بمعنى النسبة الإسنادية التي تكون بين المبتدأ والخبر، أو الفعل والفاعل؛ لأن الإدراك المتعلق بالجملة الاسمية يسمى تصديقا، وكذلك الإدراك المتعلق بالجملة الفعلية يسمى تصديقا.

    إذًا "إلى مطلوب خبري": نسبة إلى الخبر، وهو الإسناد التام، احترز به عن مطلوبٍ تصوري، وهو إدراك المفرد.

    ولذلك الدليل عند الأصوليين لا يكون إلا مركبا؛ لأن الإدراك إما أن يكون متعلقا بمفرد (كلمة واحدة؛ اسم، أو فعل، أو حرف)، وإما أن يكون متعلقا بجملة تامة، إن كان متعلقا بجملة تامة؛ أدرك المعنى المراد والمقصود من الجملة الاسمية على وجه التمام، وأدرك المعنى والفائدة المترتبة أو المفهومة من الجملة الفعلية على وجه التمام؛ نقول: هذا تصديق، ما عدا ذلك فهو تصور.

    متى يكون النظر دليلا؟

    إذا كان موصلا إلى مطلوب خبري؛ بمعنى تصديق.

    فالدليل عند الأصوليين لا يكون إلا مركبا، هذا هو الدليل عندهم.

    فحينئذ قوله: "إلى مطلوب خبري": يعني إلى تصديق.

    نقول: هذا التصديق قسمان:

    قد يكون علما، وقد يكون ظنا.

    فحينئذ تخصيص الدليل بما أفاد القطع دون الظن تخصيص بلا مُخصص.

    فقولهم: "إلى مطلوب خبري" يشمل النوعين، فكل ما أوصل إلى مطلوب خبري سواء كان هذا المطلوب قطعيا -أي يفيد العلم-، أو ظنيا -يفيد الظن- يسمى دليلا.

    خلافا لما عليه أكثر المتكلمين -كما سيأتي- من تخصيص الدليل لما أفاد القطع والعلم، وما أفاد الظن هذا لا يسمى دليلا عندهم، بل يُسمى أمارة وعلامة.

    والتفريق هذا باطل فاسد؛ بدليل شمول الدليل للنوعين.

    (واصطلاحا قيل: ما يتوصل)
    :

    هو ما به للخبر الوصول
    بنظر صح هو الدليل
    والنظر الموصل من فكر إلى
    ظن بحكم أو لعلم مُسجلا
    إدراك من غير قضا تصور
    ومعْه تصديق وذا مشتهر
    (واصطلاحا قيل: ما يتوصل به إلى معرفة ما لا يُعلم في مستقر العادة اضطرارًا عِلما أو ظنا): لو أردنا خلاصة الحد نقول: "ما يُتوَصل به إلى معرفة علم أو ظن".

    (ما لا يُعلَم في مستقر العادة اضطرارا): مراده أن متعلَق الدليل لا يكون من العلوم الضرورية، وإنما لا بد وأن يكون نظريا.
    أما إن كان ضروريا فحينئذ في أي شيء ينظر؟!

    نقول: "الفكر المؤدي إلى علم أو ظن"، هذا هو النظر.

    "السماء فوقنا"، هل يحتاج إلى فكر وتأمل واستشارة واستخارة؟! ما يحتاج، "الأرض تحتنا"، لا تحتاج، "النار مُحرقة"، "الكل أكبر من الجزء".

    إذًا كل ضروري لا يحتاج إلى بحث، لا يوجد فقيه يأتي بالكتب الستة، ثم يبحث ويقول: صلاة الفجر واجبة أو لا؟ لا يمكن، إنما يبحث ما يحتمل البحث، وهو ما لم يكن ضروريا، فإن كان ضروريا لا يحتاج إلى بحث.

    لذلك قال: (ما لا يُعلم في مستقر العادة اضطرارا): اضطرارا هذا مفعول به لـ (يعلم).

    (في مستقر العادة)
    : يعني ما استقر عادة عند أصحاب كل فن، فالمستقر عادة عند النحاة أحكام تخصهم، والمستقر عادة عند الأصوليين أحكام تخصهم، وكذلك الفقهاء، إلخ.

    (ما):
    أي شيء.

    (يتوصل به)
    : يعني يُوصَل به ويؤدي إلى نتيجة.

    ما هي هذه النتيجة؟

    (إلى معرفة علم أو ظن):
    النتيجة التي تكون لازمة للمقدمتين، إما أن تفيد علما، وهذا فيما إذا كانت المقدمتان قطعيتين، أفادتا العلم واليقين.

    مثّلوا لذلك بالتغير، التغير قالوا: يدل على حدوث العالم، كيف؟

    قالوا: "العالم متغير"، "وكل مُتغير حادث"، "فالعالم حادث"، قالوا: هذه نتيجة قطعية، "العالم متغير"، "وكل مُتغير حادث"، هذا هو الدليل.

    تتأمل العالم، ما المراد بالعالم؟ تتصور، ثم "العالم متغير"، ثم ما المراد بالتغير هنا؟ ثم ما إثبات هذه المقدمة الصغرى؟ هل هي قطعية أو ظنية؟ هذا يحتاج إلى تأمل وبحث، ثم المقدمة الكبرى، "وكل متغير حادث" يحتاج إلى بحث ونظر وتصور، الموضوع والمحمول، ثم تثبت أن الأولى قطعية، والثانية قطعية -وهذا الكلام فيه نظر- تكون النتيجة لازمة للمقدمتين، فإن كانت المقدمتان قطعيتين لزم أن تكون النتيجة قطعية، فإن لازم المقدمات بحسب المقدمات، هكذا يقول المناطقة، فإن كانتا قطعيتين أفاد -الدليل- القطع، هذا نوع، فإن كانتا ظنيتين أفاد الظن، ولا إشكال، إن كانت إحداهما ظنية والأخرى قطعية أفاد الظن؛ لأن ما تركب من القطعي والظني ظن.

    حينئذ نقول: الدليل ما يُتوَصل به إلى معرفة علم، متى هذا؟

    إذا كانت كل من المقدمتين قطعيتين.

    (أو ظن)
    : فيما إذا كانت المقدمتان ظنيتين، أو إحداهما ظنية والأخرى قطعية، يذكرون مثالا للظن، الاستدلال بالغيم على نزول المطر قطعي أو ظني؟ إذا جاء غيم وعم الأرض نقول: المطر سينزل إن شاء الله. قطعي أو ظني؟

    ظني؛ لأن هذا غيب، العادة أن وجود الغيم يترتب عليه نزول المطر، هذه النتيجة ظنية ليست بقطعية؛ لأنه قد يتخلف نزول المطر مع وجود الغيم.

    (ما يتوصل به إلى معرفة ما لا يُعلَم في مستقر العادة اضطرارا عِلما أو ظنا):
    أي ما يُتوصَل به إلى معرفة علم أو ظن لما لا يُعلَم ضرورة، أما ما عُلِم ضرورة فليس متعلقا بالنظر الصحيح.

    إذًا عرفنا المراد بالدليل في اصطلاح الأصوليين: "ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري"، هذا أصح مما ذكره المصنف وأولى.

    وما ذكره هو للدلالة بمعنى الدليل، ولذلك يقول: دليل فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه يحصل به الإرشاد؛ لأنه المرشد حقيقة وما يحصل به الإرشاد مجازا؛ يعني يطلق الدليل على المرشد حقيقة؛ الذي وضع العلامة لترشد الناس، وعلى العلامة نفسها، لكنه من قبيل المجاز.
    إذًا يطلق في اللغة: الدليل على المرشد سواء باشر بنفسه أو لا، فَعَل الإرشاد أو لا، وعلى ما حصل به الإرشاد، وهو العلامة، لكن الثاني مجاز.

    فالمرشد هو: الناصب للعلامة، أو الذاكر لها، الناصب للعلامة؛ يعني في الحس، أو الذاكر لها إذا كانت باللسان ونحو ذلك.
    والذي يحصل به الإرشاد هو العلامة التي نصبت للتعريف.

    الإمام أحمد -رحمه الله- له كلمة مشهورة في رتب المذهب، يقول: "الدال: الله تعالى، والدليل: القرآن، والمُبين: الرسول، والمستدل: أولو العلم، هذه قواعد الإسلام".

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    تعريف الدليل:

    [المتن]:

    [والدليل يراد به إما الدال؛ كدليل الطريق، أو ما يستدل به من نص أو غيره(1)

    [الشرح]:

    (1)
    (والدليل يراد به إما الدال؛ كدليل الطريق، أو ما يستدل به من نص أو غيره):

    الدليل إما أن يُطلق ويُراد به الدال، من هو الدال؟

    الفاعل المرشد، الفاعل هو الدال، حينئذ يكون الدليل: "فعيل"؛ بمعنى فاعل؛ لأن "فعيل" يأتي بمعنى فاعل، ويأتي بمعنى مفعول، وهنا دليل يجوز أن يكون بمعنى فاعل، فحينئذ يكون المراد به الدال الذي نصب العلامة.

    (والدليل يراد به)
    : في اللغة.

    (إما الدال)
    : وهو الناصب للدليل، أو الفاعل.

    (كدليل الطريق)
    : دليل الطريق من هو؟

    الذي يدلك، تقول: أين طريق العتيبية مثلا؟ يقول لك: اذهب كذا وكذا، نقول: هذا دليل الطريق، أو يأخذ بيدك ويمشي، نقول: هذا يسمى دليل الطريق.

    (أو ما يستدل به)
    : فحينئذ يكون الدليل من "فعيل"، بمعنى اسم المفعول، الأول: الدال، والثاني: يستدل به، فحينئذ يكون الأول بمعنى فاعل، ويكون الثاني بمعنى مفعول.

    وانظر تطبيق العلماء على ما يعرفون من قواعد، هو الآن كأنه طبّق لك القواعد التي يعرفها دون أن يذكر لك "فعيل" يأتي بمعنى فاعل، ويأتـي بمعنى مفعول، وما الدليل على أن "فعيل" يأتي بمعنى فاعل؟ وما الدليل على أن "فعيل" يأتي بمعنى مفعول؟ وما الفرق بينهما من جهة المعنى؟ وما الذي ينبني عليهما من خلاف؟ هذه كلها قواعد تكون راسخة في الذهن، ثم شرح لك على ما يعلمه.

    (والدليل يراد به .. الدال .. أو ما يستدل به):
    يعني ويطلق الدليل على ما يستدل به.

    ما الذي يستدل به؟

    (من نص)
    : كتاب، أو سنة.

    (أو غيره)
    : كالإجماع، والقياس، وهذا هو الدليل في عرف الفقهاء، فإذا أُطلق الدليل في عرف الفقهاء يحمل على النص ونخوه.

    حينئذ يكون الدليل عند الفقهاء "فعيل" بمعنى مفعول، فإذا أُطلق صار حقيقة عرفية في فنهم، ولا يجوز تفسير مصطلحات الفنون بغيرهم، فإذا فسرت الدليل هنا عند الأصوليين تفسره بمعنى ما يمكن التوصل به .. إلى آخر التعريف، وإذا فسرت الدليل عند الفقهاء تفسره بالنص الذي هو الكتاب، والسنة، وكذلك القياس، والإجماع، والاستصحاب، ونحو ذلك.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    الألفاظ المرادفة للدليل:

    [المتن]:

    [ويرادفه ألفاظ منها: البرهان، والحجة، والسلطان، والآية(1)

    [الشرح]:

    (1)
    (ويرادفه ألفاظ منها: البرهان، والحجة، والسلطان، والآية):

    (ويرادفه)
    : بعد أن انتهى من الدليل ومتعلقات الدليل قال:

    (ويرادفه في المعنى ألفاظ متعددة، منها)
    : أي من هذه الألفاظ المرادفة للدليل.

    (البُرهان)
    بضم الباء، يُقال: بَرهن عليه؛ أي أقام البُرهان، فحينئذ تفسر البرهان بما فسرت به الدليل؛ لأن اصطلاح الأصوليين هنا -وهم المتكلمون- على أن هذه الألفاظ مترادفة من جهة المعنى، ولو كان ثم فرق بينها من جهة اللغة فلا يؤثر في المصطلحات.

    (ويرادفه .. ألفاظ .. منها: البُرهان)
    : والبُرهان حينئذ يكون بمعنى الحجة والدليل، وجاء استعماله في القرآن بمعنى الدليل: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة111]، {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} [المؤمنون117]، إذًا {لَا بُرْهَانَ}؛ أي لا دليل له عليه.

    (والحُجة)
    : يعني ومما يرادف الدليل في المعنى الحُجة، بضم الحاء، والحُجة بمعنى الدليل، وتطلق على ما تثبت به الدعوى: {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}[الأنعام149]، وسُمي الدليل بالحُجة للغلبة به على الخصم؛ لكونه إذا ذَكَر الدليلَ غلب خصمه، فحينئذ يسمى دليلا، ويسمى بهذا الاعتبار حجة.

    (والسلطان)
    : يعني ويرادف الدليلَ السلطانُ، فحينئذ يكون السلطان بمعنى الحجة والدليل، وجاء في القرآن {إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـذَا}[يونس68]، {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}[إبراهيم10]، إذًا جاء السلطان مستعملا في القرآن مرادا به الدليل، ولكن ليس هذا اشتقاق المناطقة، هم يستعملونه هكذا على حسب ما يصطلحون عليه، ليس تفرعًا عن القرآن، لم يثبتوا البرهان والحجة والسلطان لأنها وردت في القرآن، لا، هم أبعد الناس عن الكتاب والسنة.

    (والآية)
    : يعني تُرادف الدليلَ في المصطلح عندهم الآيةُ، فحينئذ تكون الآية بمعنى البرهان والدليل؛ كما في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}[الروم22]، {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ}[الشعراء197].

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    ألقاب ما يوجب العلم وما يوجب الظن:

    [المتن]:

    [وهذه تستعمل في القطعيات(1)، وقد تستعمل في الظنيات(2)، والأمارة والعلامة، وتستعمل في الظنيات فقط(3)].

    [الشرح]:

    (1)
    (وهذه تستعمل في القطعيات):

    (وهذه)
    : الخمسة؛ الدليل، والبرهان، والحجة، والسلطان، والآية.

    (تستعمل في القطعيات)
    : إذا أُطلقت فالمراد بها الأحكام القطعية، وقد تستعمل على قلة على غير وجهها في الظنيات.

    القطعيات مثل ماذا؟

    مثل المتواتر، الإجماع القطعي، قالوا: هذه قطعيات، فإذا كان الدليل إجماعا قطعيا، قالوا: هذا دليل، وحُجة، وبرهان، وسلطان، وآية؛ لأنها قطعيات تفيد العلم، وتفيد اليقين.

    (2)
    (وقد تستعمل في الظنيات):

    (وقد تستعمل)
    : على قلة، قد هنا للتقليل.

    (في الظنيات)
    : الخبر الواحد المختلف فيه يفيد الظن، هنا المختلف فيه -بهذا القيد- يفيد الظن، حينئذ إذا قيل في خبر الواحد المختَلف فيه: إنه دليل، هذا يعتبر مجازا عندهم؛ لأن استعمال الدليل في الأصل أنه على القطعيات، فإذا استعمل في الظنيات قالوا: هذا استعمال الشيء في غير موضعه، وهذا مجاز، فإذا أطلق الدليل أو البرهان أو السلطان على الإجماع الظني في السكوت مثلا، قالوا: هذا ليس بدليل في الأصل؛ لأن الإجماع الظني ليس بقطعي، حينئذ يكون استعمال الدليل، والحجة، والبرهان، والآية في الظنيات مجازا، فإذا أُطلق واحد من هذه المفردات يُحمل على الدليل القطعي عند الأصوليين، عند أكثر المتكلمين أنه خاص بالقطعيات.

    (3)
    (والأمارة والعلامة، وتستعمل في الظنيات فقط):

    (والأمارة)
    : هذا عطف على البرهان؛ (ويرادفه ألفاظ، منها: البرهان، والحجة، والسلطان، والآية، والأمارة): ولكن لما كانت هذه الألفاظ تختلف من حيث الإطلاقات فصَل بينهما، وعيّن الحكم بكون الأولى تُستعمَل في القطعيات، والثانية -وهي الأمارة والعلامة- لما فارقتها خصها بحكم خاص بها.

    (والأمارةَ):
    بفتح الهمزة، احترازا من الإمارة.

    (والعلامة)
    : الأمارة تأتي بمعنى الدليل؛ «أخبرني عن أماراتها»؛ يعني علاماتها وأدلتها التي تدل على وجودها، إذًا أمارة استعملت في الشرع، لكن لا أظن أن هذا مسلك المتكلمين؛ يعني أنهم أخذوه من الشرع، والأمارة والعلامة أيضا ألفاظ مرادفة للدليل، لكنها، قال:

    (وتستعمل في الظنيات)
    : يعني تستعمل فيما كان موصلا إلى حكم شرعي في الظنيات فقط؛ يعني ما كان مفيدا للظن فقط، فحينئذ يقولون: الدليل والأمارة.

    وأيهما أضعف؟

    الأمارة؛ لأنها تفيد أن مدلولها الظن، والدليل أعلى؛ لأنه يدل على القطع.

    (وتستعمل في الظنيات فقط):
    ولا تسمى دليلا، بل الدليل خاص بما كان قطعيا، فالأمارة حينئذ تكون أدنى من الدليل.

    وهذا التفريق باطل، لا دليل عليه لا من اللغة ولا من الشرع، بل في اللغة: "ما يُتوَصل به إلى معرفة علم أو ظن"، هذا مدلوله في الاصطلاح اللغوي، كذلك عند من يعرف الدليل بأنه: "ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري".

    نقول: المطلوب الخبري هذا عام يشمل الظن والعلم، حينئذ نقول: الأرجح أن ما أفاد العلم وما أفاد الظن يسمى دليلا وأمارة وعلامة، فالكل يطلق عليه أنه دليل؛ لأن كلا منهم مرشد إلى المطلوب، والعرب لا تفرق بين ما أفاد العلم وما أفاد الظن، هذه أمور دخيلة على اللغة، ما أفاد العلم وما أفاد الظن العرب لا تفرق، ولا ينظرون إلى هذه الأمور، وإنما كل ما أوصل إلى نتيجة فهو دليل، سواء كانت النتيجة ظنية أو قطعية؛ فحينئذ يسمى مرشدا إلى المطلوب، وإذا حصل أنه مرشد إلى المطلوب حصل الإطلاق، وهو أنه دليل.

    ثانيا: أن يُقال: مؤدّى كل منهما العمل بما دل عليه، فإذا استويا؛ إذا قيل: هذا دليل؛ بمعنى أنه أفاد القطع، والقطع يجب العمل به، والثاني: الظن؛ لأنه أفاد الظن، فما حكمه من جهة العمل؟

    يجب العمل به، إذًا استويا، لماذا نفرق؟ إذا كانت النتيجة أن العمل بالظن كالعمل بالقطع، نقول: لا فرق بينهما.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    أصول الأدلة:

    [المتن]:

    [وأصول الأدلة أربعة: (الكتاب والسنّة والإجماع) وهي سمعية(1)، ويتفرع عنها: القياس، والاستدلال. والرابع: عقلي، وهو (استصحاب الحال) في النفي الأصلي الدال على براءة الذمة(2)].

    [الشرح]:

    (1)
    (وأصول الأدلة أربعة: (الكتاب والسنّة والإجماع) وهي سمعية):

    (وأصول الأدلة)
    : التي يعتمدها الفقيه في الاستنباط نوعان: سمعية وعقلية.

    (سمعية)
    : هذه نسبة إلى السمع، ويُعبَر عنها بأنها نقلية؛ لأنها منقولة، يرويها البعض عن الآخر.

    وعقلية: نسبة إلى العقل، وإذا قيل: أصول الفقه تنقسم إلى سمعية وعقلية ليس المراد أن العقل مستقل بإدراك الأحكام، لا، وإنما عقلية نسبة إلى النظر والتأمل، وقصد به المصنف هنا الاستصحاب؛ لأنه ناشئ عن نظر وتأمل، وليس المراد أن العقل يستقل بإدراك الأحكام، ولذلك قلنا في السابق: لا حاكم إلا الله؛ بمعنى أن العقل أو الإنسان أو البشر مهما كان لا يمكن أن يكون مشرعًا، {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ}[الأنعام57].

    ...................... ................. فالأحق

    ليس لغير الله حكم أبدا .........................

    حينئذ نقول: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} هذا عام، فلا يثبت أي حكم شرعي -نسبة إلى الشرع- إلا ومصدره الكتاب والسنة، وما عداه فلا.

    إذًا فأصول الأدلة التي يعتمدها الفقيه في الاستنباط والتي يبحث فيها الأصوليون لتقرير القواعد العامة: نوعان: سمعية، وعقلية.
    والسمعية ذكر منها المصنف ثلاثة:

    (الكتاب والسنة والإجماع)
    : لذا قال:

    (وهي سمعية)
    : ويتفرع عن هذه الأدلة الثلاثة: القياس، لم يجعل القياس أصلا، وهل القياس أصل أو لا؟

    هذا مرده إلى الخلاف في إفادة القياس، بعضهم يرى أنه لا أصلَ يعتبر من أصول الأدلة إلا إذا كان قطعيا، وحينئذ القياس هل هو قطعي أو ظني؟

    من قال: إنه قطعي جعله أصلا رابعا، فقال الأصول: أربعة.

    ومن قال: إنه ظني لم يجعله أصلا، وفرّ إلى ما فر إليه المصنف هنا.

    والصواب: أن القياس قد يكون قطعيا، وقد يكون ظنيا، يختلف باختلاف أنواع القياس؛ وعليه حينئذ يعد رابعا، فيُقال: الأدلة أربعة -السمعية-: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

    والقياس يعتبر أصلا مستقلا، لكن ليس المراد باستقلاله أنه لا يعتمد على الكتاب والسنة، لا، وإنما المراد أنه له شروطه، وله ضوابطه الخاصة به، كما أن السنة هي أصل مستقل، وكذلك ليست خارجة عن الكتاب، ولذلك بعض أهل العلم عدّ الأصول واحدا، قالوا: الكتاب فقط؛ لأن السنة دلّ عليها الكتاب، والإجماع دلّ عليه الكتاب والسنة، والقياس دلّ عليه الكتاب والسنة والإجماع، لكن المراد هنا من باب التقسيم والتأصيل العلمي فقط، وليس من باب التدقيق الذي يُوصل لمثل هذه الأشياء.

    (وهي سمعية)
    : أي منسوبة إلى السمع؛ لأن متلقاها وطريقها السمع.

    (2)
    (ويتفرع عنها: القياس، والاستدلال. والرابع: عقلي، وهو (استصحاب الحال) في النفي الأصلي الدال على براءة الذمة):

    (ويتفرع عنها):
    عن هذه الثلاثة.

    (القياس):
    لأن الأصل فيه؛ لا بد من أصل، والأصل هو المقيس عليه، هذا المقيس لا يصح اعتباره والقياس عليه إلا إذا كان ثابتا بكتاب أو سنة أو إجماع، حينئذ صار فرعا عن الكتاب والسنة والإجماع، هذا وجه كون المصنف جعل القياس فرعا للكتاب والسنة والإجماع؛ لأن القياس يتألف من أربعة أركان، لا بد من أصل مقيس عليه، يُشتَرط في هذا الأصل أن يكون ثابتا بكتاب أو سنة أو إجماع، إذًا لم نخرج عن الثلاثة.

    (والاستدلال)
    : لأنه داخل في مفهوم الدليل، وهو متفرع عن الكتاب والسنة والإجماع، والإجماع منعقد على مشروعية استعماله في استنباط الأحكام من مظانها.

    (والرابع عقلي):
    يرجع إلى الرأي والنظر، وليس المراد أن العقل مستقل في إدراك الأحكام، بل العقل مستنبط فقط؛ له عمل، له مجال، كما هو في اللغة، في اللغة نقول: لا تثبت بالعقل وإنما تثبت بالنقل.

    وعُرفت بالنقل لا بالعقل فقط بل استنباطه بالنقل

    حينئذ العقل يستنبط هناك، وهنا العقل يستنبط أيضا.

    (والرابع: عقلي)
    وما هو؟

    قال: (وهو استصحاب الحال): قبل التكليف، المقصود به العدم الأصلي قبل التشريع، نقول: هذا دليل عقلي يستصحبه المجتهد، إذا لم يثبت دليل على تحريم شيء أو إيجاب شيء نقول: الأصل عدم الحكم، حينئذ نقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، إذا لم يرد دليل بتكليف المكلَّف بإيجاب أو تحريم نقول: الأصل العدم.

    ما هو الأصل العدم؟

    هو الدليل لاستصحاب العدم هذا الذي سيذكره مستقلا في باب خاص به.

    (وهو):
    أي الدليل العقلي.

    (استصحاب الحال)
    : أي قبل التكليف، ما هي الحال قبل التكليف؟

    براءة الذمة عن الإيجاب أو الندب.

    (في النفي الأصلي):
    يعني في العدم الأصلي؛ لأن الأحكام الشرعية إما أن تكون إثباتا أو نفيا، الإثبات لا يمكن أن يكون إلا بدليل سمعي، إذا قيل: يجب عليك فعل كذا، لا بد من الدليل، لكن النفي يمكن أن يدرك بالعقل، وهو مرادهم هنا، إذا قيل: يجب عليك، تقول: لا يجب، الأصل عدم الوجوب، فمن أوجب شيئا هو الذي يُطالَب بالدليل، والنافي لا يُطالَب بالدليل، ليس مطلقا، وإنما النافي يُطالَب بالدليل في مقام الجدل والمناظرة، أكثر أرباب الجدل على أن النافي لا يُطالَب بالدليل، بل المُثبت هو الذي يُطالب بالدليل.

    والصواب: أنه يُطالب بالدليل، {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ}[البقرة111]، {هاتوا برهانكم} على ماذا؟ على النفي أو الإثبات؟

    على النفي، إذًا النافي يُطالَب بالدليل كما يُطالَب المثبِت، هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- خلافا لأكثر المتكلمين وأكثر الأصوليين وأرباب الجدل والمناظرة؛ أن النافي لا يطالب بالدليل.

    والصواب: أنه يُطالب بالدليل.

    فحينئذ المجتهد إذا نظر في المسألة ولم يجد دليلا يدل على الوجوب أو على التحريم نقول: الأصل براءة الذمة.

    هل يعتبر قوله هذا دليلا أو لا؟

    يعتبر دليلا، هل هو سمعي أو عقلي؟

    نقول: عقلي، لا بد أن يكون مستنبطا على قواعد من الشرع، لكن بمعنى النظر والتأمل هو الذي أداه إلى هذا.

    (في النفي الأصلي)
    : أي العدم الأصلي.

    (الدال على براءة الذمة):
    من التكاليف الشرعية حتى يرد دليل شرعي، لو قال قائل: "وجبت علينا صلاة سادسة، الصلوات ستة لا خمسة"، ماذا نقول؟

    نقول: أين الدليل؟ فإذا لم يثبت دليلا نقول: الأصل عدم صلاة سادسة، الأصل عدم وجوب حج مرة ثانية، أليس كذلك؟!

    فحينئذ نستصحب العدم مطلقا في كل حكم أثبته الخصم ولم يثبت معه دليلا من الشرع.

    استدل بعضهم لاستصحاب العدم بقوله r: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه»، ما وجه الاستدلال؟

    يريد أن نستنبط من هذا الدليل على ثبوت استصحاب العدم، وأن ما لم ينهَ عنه ليس له حكم، بل باقٍ على الأصل العدمي، «ما أمرتكم به فأتـوا منه ... وما نهيتكم ..»، إذًا بعض الأشياء لم يأمر ولم ينه، فحينئذ يكون حكمها ألا حكم لها، وإنما يستصحب فيها العدم الأصلي، وهو الإباحة.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    تعريف الكتاب، وذكر بعض صفاته:

    [المتن]:

    [فالكتاب(1): كلام الله عزّ وجل، وهو القرآن المتلوّ بالألسنة المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور(2)، وهو كغيره من الكلام في أقسامه(3)].

    [الشرح]:

    (1)
    (فالكتاب):

    (فالكتاب)
    : الفاء هذه فاء الفصيحة.

    (2)
    (كلام الله -عزّ وجل-، وهو القرآن المتلوّ بالألسنة المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور):

    (فالكتاب كلام الله -عز وجل-، وهو القرآن المتلو بالألسنة):
    يُذكر الكتاب وهو الدليل الأول، وهو الأصل الأول، والدليل على أنه أصل قوله تعالى: {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ}[الأنعام155]، هذا أمر باتباع الكتاب، حينئذ جُعل الكتاب أصلا لكل الأدلة، وهذا أمر مُجمَع عليه.

    (فالكتاب كلام الله عز وجل
    ): يذكر الأصوليون مسائل كثيرة ليست من فن الأصول، يعني يذكرون في الكتاب حدّه (تعريفه)، ثم يختلفون فيه هل هو المعنى النفسي أو المعنى اللفظي على ما يذكره أرباب البدع؟ وثم يُذكَر فيه الحقيقة والمجاز، ويُذكر فيه المعَرَّب وغيره، ثم يذكرون الحروف المتعلقة بالكتاب، وكذلك السنة، وهذه كلها أبحاث الأصل أنها لا تُبحَث في أصول الفقه، طالب العلم إذا أراد أن يستفيد من هذه المباحث لا يأخذها من أصحاب الأصول، وإنما يأخذ كل فن من أربابه؛ من أصحابه، فيدرس المجاز والحقيقة -مثلا- في كتب البيانيين، ثم يتعرض كثير من أرباب علوم القرآن لبحث المعرب وغيره، والمجاز وموجود وغير موجود، موجود أيضا في بحث البيانيين، كذلك الحروف؛ يعني توسع فيها النُحاة؛ كابن هشام في (مغني اللبيب فتُدرَس الحروف، وتمر على كتب الأصول ليُعلَم هل من زيادة على ما ذكره أرباب الفنون أو لا فقط، وإلا تحقيق المسائل وإثبات المسائل وشرحها ليس هنا، وكذا تذكر باختصار في مثل هذه المواضع، ولذلك كل كتاب في أصول الفقه تجد الكلمة، والكلام، والصوت، واللفظ، وتعرف، وتقسم الكلمة، والجملة الفعلية، وهل بينهما علاقة أو لا؟ إلخ؟

    نقول: هذه تُؤخذ من مظانها، هذه المقدمة سنمر على مباحثها باختصار جدا، تعليق فقط، ومن أراد فليرجع إلى نفس الكتب.

    (فالكتاب)
    : فِعال مفعول؛ لأنه مشتق من الكَتْب، والكتب المراد به الجمع والضم: يقال: "تَكَتَب بنو فلان" إذا اجتمعوا، وسمي الكتاب كتابا لاجتماع الحروف والكلمات بعضها إلى بعض، والمراد بالكتاب هنا القرآن، وهذا بإجماع العلماء، ويسمى القرآن كتابا كما في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ}[الكهف1]، هنا سماه كتابا، ولكن كثير من الشُراح في هذا الموضع يقولون: الكتاب: اسم جنس، صار علما بالغلبة على القرآن، ولا أدري ما وجهه، لأنه إذا نصّ الرب على أنه الكتاب؛ صار من أسماء القرآن: الكتاب، فلا نقول: صار عَلمًا بالغلبة؛ لأن صيرورة الشيء علمًا بالغلبة عند أهل اللغة ليس من صنع الفاعل أصلا؛ يعني العبادلة أربعة، هل هم اتفقوا وقالوا: نحن العبادلة أم من صنع غيرهم؟

    من صنع غيرهم، حينئذ لو قيل: الكتاب لم يسمه الرب -جل وعلا- الكتاب، ثم جُعِل علما بالغلبة صار هذا الاسم ليس من عند الرب -سبحانه وتعالى-، وإنما من صنع العلماء، هم الذين إذا أطلقوا الكتاب صار علمًا بالغلبة؛ مثلما فعل النحاة، عدوا أسماء ستة، وقالوا: هذه الأسماء الستة، فإذا أطلقوا الستة انصرف إلى "أبوك"، "أخوك" .. إلخ.

    (الكتاب)
    : إذا قيل: هو علم على القرآن، علم بالغلبة أو علم بالشرع؟

    الظاهر أنه بالشرع، لكن كثير حتى من المعاصرين يقولون: علم بالغلبة، وينبني عليه فرق جوهري.

    إذًا الكتاب يكون اسما من أسماء القرآن، والأصل أنه جنس، وهو المراد به هنا كلام الله -عز وجل-.

    والكلام حقيقةً: الأصوات والحروف، فإذا قيل: القرآن هو كلام الله نفهم أنه بصوت وحرف بإجماع السلف، ويسمى القرآن كلام الله؛ لأنه بعض كلام الله، ليس كل كلام الله، وإنما هو بعض منه، يتكلم الرب -جل وعلا- بما يشاء، متى شاء، كيف شاء، ومن كلامه: القرآن {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ}[التوبة6]، إذًا ماذا يسمع النبي ؟

    كلام الله، ولا إشكال في هذا.

    (وهو القرآن المتلو بالألسنة): وهي مخلوقة، وإذا كانت الألسنة مخلوقة لا يلزم أن يكون ما تُلي مخلوقا.

    (المكتوب في المصاحف): وهذه سنة أجمع عليها الصحابة -رضي الله عنهم-؛ أنهم كتبوا القرآن في المصاحف، ولم يُخرجه عن كونه كلام الرب، ولم يخرجه عن كونه ليس بمخلوق.

    (المحفوظ في الصدور)
    : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر9]، ومن حفظه: كتابته في المصاحف، ومن حفظه: حفظه في الصدور، إذًا كونه في الصدور -وهي مخلوقة-، وكونه يتلى بالألسنة -وهي مخلوقة- لا يخرجه عن أصله؛ أنه صفة للرب -جل وعلا-.

    فالصوت والألحان صوت القاري لكنما المتلو قول الباري

    (3) (وهو كغيره من الكلام في أقسامه):

    (وهو كغيره): كيف يقول: كلام الله، ثم يقول: كغيره؟

    بما بعده، هذا كمن يقرأ: {ويل للمصلين} ويقف، نقول: لا.

    (وهو):
    أي القرآن.

    (كغيره من الكلام):
    العربي؛ لأنه نزل بلسان عربي مبين، {جعلناه قرآنًا عربيًا}، وهذا لا خلاف فيه؛ أن القرآن نزل بلسان العرب، فإذا نزل بلسان العرب نستفيد من ذلك قاعدة: (وهو كغيره من الكلام)، لماذا كغيره من الكلام؟

    لأن الله سبحانه تكلم بلسان العرب، فإذا تكلم بلسان العرب؛ كل ما كان في لسان العرب الأصل إثباته في القرآن، هذه قاعدة، إذا ثبت في لسان العرب المعرَّب، نقول: في القرآن معرّب، وإذا ثبت في لسان العرب حقيقة ومجاز، نقول: في القرآن حقيقة ومجاز، أليس كذلك؟ فكل ما ثبت في اللسان العربي، نقول: القرآن نزل بلسان عربي مبين، فإذا ثبت في اللغة العربية على قواعد وسَنن ما اشتهر على ألسنة العرب؛ نقول: الأصل وجوده في القرآن، من ينفي هو الذي عليه الدليل؛ أن ينفي وجوده في لسان العرب، حينئذ يصح نفيه عن القرآن؛ ولذلك كان من أضعف الأقوال أن يُقال: اللسان العربي فيه حقيقة ومجاز، وهو كثير، ثم ينفيه عن القرآن، نقول: هذا من أضعف الأقوال، إما أن يُثبتا مطلقا في القرآن واللغة، وإما أن ينفيا مطلقا، أما التفصيل بهذا ضعيف جدا.

    (في أقسامه)
    : فينقسم حينئذ على حسب ما ينقسم به كلام العرب، يكون كلمة، ويكون جملة مفيدة، ويكون جملة اسمية، وجملة فعلية، يكون اسما وفعلا وحرفا، يكون حقيقة، يكون مجازا، يكون فيه معرب، يكون مشتقا من أصل، يكون مبتدأ وخبرا، وجارا ومجرورا، الحرف يستعمل في موضعه، وقد يستعمل في غير موضعه، قد يراد بالجملة الخبرية الإنشائية، وقد يراد بالإنشائية الخبرية .. إلخ.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    الحقيقة والمجاز:

    [المتن]:

    [فمنه: (حقيقة) وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له(1)، و(مجاز) وهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له على وجه يصح، كـ {جَنَاحَ الذُّلِّ}، و{يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ}(2)].

    [الشرح]:

    (1)
    (فمنه: (حقيقة)، وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له):

    (فمنه):
    أي من القرآن؛ أي فينقسم القرآن، المركبات فيه باعتبار استعماله في معناه؛ لأن اللفظ يكون له معنى، ثم هل هذا اللفظ الذي ثبت معناه في لغة العرب استعمل في معناه أو في غير معناه؟

    لسان العرب يجوّز استعمال اللفظ في معناه، هذا جائز عقلا، وواقع لغة، يستعمل اللفظ في مدلوله الذي وُضع له في اللغة، ثم من صنيع أهل اللغة أنه قد يُؤخذ هذا المعنى، أو هذا اللفظ فيستعمل في غير معناه الذي وُضع له، فحينئذ ينقسم لسان العرب باعتبار استعمال اللفظ في معناه أو عدم استعماله في معناه إلى حقيقة ومجاز، وإذا ثبتت الحقيقة والمجاز في لسان العرب؛ نقول: في القرآن حقيقة ومجاز على ظاهر ما ذكره المصنف هنا.

    (حقيقة):
    "فعيلة"، مأخوذة من حق، أو من الحق، من حق الشيء يحِق ويَحُق؛ بمعنى ثبت، الحق في الأصل أنه الثابت، فحينئذ يكون "فعيلة"، "فعيلة" قد يأتي بمعنى فاعل، وقد يأتي بمعنى مفعول، فإذا كان بمعنى فاعل فحينئذ يكون بمعنى الكلمة الثابتة في موضعها الذي وضعه العرب لها، وإذا كان بمعنى مفعول كانت الحقيقة بمعنى الكلمة المثبتة في موضعها الذي وضعها العرب لها، وعلى الأول إذا كانت "فعيلة" بمعنى فاعل تكون التاء للتأنيث، وإذا كان "فعيل" بمعنى مفعول؛ فالتاء لا تدخله؛ مثل "جريح"، و "صبور"، نقول: "امرأة جريح"، و "زيد جريح"، ولا تقول: "امرأة جريحة"، لماذا؟

    لأن فعيل إذا استوى فيه المذكر والمؤنث امتنع دخول تاء التأنيث عليه، حينئذ نقول: هذه التاء لنقل الوصفية؛ نقل الوصف من الوصفية إلى الاسمية.

    ما هي الحقيقة؟

    قال: (وهي اللفظ المستعمل فيما وُضع له).

    (اللفظ):
    إذًا الحقيقة وصف للألفاظ، واللفظ قد يكون مهملا، وهو الذي لم تضعه العرب، وقد يكون مستعملا، وهو الذي وضعته العرب.

    (المستعمَل)
    : أخرج المهمل، فحينئذ "ديز" لا يوصف بكونه حقيقة، كذلك أخرج (المستعملُ) اللفظَ قبل الاستعمال، فلا يوصف بكونه حقيقة ولا مجازا.

    (فيما وُضع له):
    يعني في معنى.

    (ما):
    هنا اسم موصول بمعنى الذي، يصدق على معناه، لفظ استعمل في معنى وُضع له.

    (وضع له)
    : يعني وُضع ذلك اللفظ لذلك المعنى؛ كاستعمال "الأسد" في الحيوان المفترس، فإذا قال قائل: "رأيت أسدا"؛ يعني حيوانا مفترسا، لا يحتمل أنه رجل شجاع، لماذا؟

    لأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته، واللفظ أو المعنى الذي وُضع له لفظ "أسد" هو الحيوان المفترس.

    (اللفظ المستعمل فيما وُضع له):
    وهذا يشمل الحقيقة اللغوية، والحقيقة الشرعية، والحقيقة العرفية؛ لأن الحقائق ثلاثة أنواع:

    الحقيقة اللغوية:
    وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له عند أهل اللغة.

    الحقيقة الشرعية:
    اللفظ المستعمل فيما وُضع له شرعا؛ كالصوم مثلا والصلاة؛ لأن الصلاة في اللغة هي الدعاء، وفي الشرع: استعمل هذا اللفظ لا مرادا به الدعاء على جهة الخصوص كما هو معناه اللغوي، وإنما نُقِلَ من معناه العام -الذي هو الدعاء- وجُعل عَلمًا واسمًا وحقيقة في أفعال مخصوصة وأقوال مخصوصة، فحينئذ نقول: لفظ الصلاة لفظ عام له أفراد، صدقُه في اللغة على جميع أفراده، فإذا أُطلق لفظ الصلاة في اللغة حُمل على جميع مفرداته؛ على جميع مسمياته، لكن الشرع خصه ببعض الأفراد، كذلك الصوم في اللغة: مطلق الإمساك، الإمساك عن الكلام يسمى صومًا، {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}[مريم26]، صومًا المراد به هنا الإمساك عن الكلام بدليل: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}.

    خيل صيام وخيل غير صائمة
    تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
    "خيل صيام"؛ أي أمسكت عن الجري، إذًا نقول: الصوم في اللغة: كل إمساك، ثم خصه الشرع، نقله الشرع في بعض أفراده، وهو إمساك مخصوص من الفجر إلى غروب الشمس عن أشياء مخصوصة، إمساك مخصوص في وقت مخصوص عن أشياء مخصوصة، فإذا أُطلق لفظ الصيام في اللغة حُمل على معناه اللغوي، وإذا أُطلق في الشرع حُمل على معناه الشرعي.

    كذلك الحقيقة العرفية كالشرعية من حيث النقل؛ يعني نُقل اللفظ اللُّغوي؛ لأن الحقيقة اللغوية هي الأصل، ثم الشرع تصرف في اللغة، والعرف كذلك تصرف في اللغة، كل منهما -من الشرع والعرف- نظر إلى اللفظ العام الذي له أفراد أو مسميات فقصر اللفظ على بعض أفراده، قصر العام على بعض أفراده كما نقول في الخاص، هذا قريب منه، قصر اللفظ العام من جهة إطلاقه اللغوي على بعض المسميات.

    "الدابة" في اللغة: لكل ما دب على وجه الأرض، لكنه خُص في العرف بذوات الأربع.

    الحية دابة أو لا؟

    فيه تفصيل، لا تنفي ولا تثبت، نقول لغة: دابة؛ لأنها تدب على الأرض، كل ما دب {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}[النور45].

    فالدابة في اللغة: كل ما يدب على وجه الأرض، سواء كان برجلين أو أربع، أو على بطنه يزحف، نقول: هذا دابة، لكن في العرف خصه بذوات الأربع، فالفرس دابة لغة وعرفا، والحية دابة لغة لا عرفا، الحية ليست من ذوات الأربع.

    فائدة هذا التقسيم وأن الحقيقة تتنوع ثلاثة أنواع: أنه إذا جاء في الشرع -في نصوص الوحيين- لفظ له حقيقة شرعية، وله حقيقة لغوية أو عرفية يُحمل على الشرع.

    واللفظ محمول على الشرعي
    إن لم يكن فمطلق العرفي
    فاللغوي على الجلي .............. .............................. .

    على هذا الترتيب جمهور العلماء؛ أن الحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة العرفية، والحقيقة العرفية مقدمة على الحقيقة اللغوية، هذا باختصار.

    (2) (و(مجاز)، وهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له على وجه يصح؛ كـ {جَنَاحَ الذُّلِّ} و{يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ}):

    (ومجاز): أصلها "مجوَز" مفعَل، حصل إعلال بالنقل؛ فتحركت الواو، ثم قُلبت ألفا، من الجواز، وهو العبور والانتقال.

    وحقيقته: (اللفظ المستعمل في غير ما وُضع له على وجهٍ يصح).

    (اللفظ)
    : يشمل المهمل والمستعمل.

    (المستعمل)
    : أخرج المهمل، حينئذ المهمل لا يوصف بكونه مجازا، واللفظ قبل الاستعمال -الذي هو الموضوع قبل استعماله- لا يوصف بكونه مجازا، اللفظ قبل الاستعمال لا يوصف بكونه حقيقة ولا مجازا.

    (في غير ما وضع له):
    يعني في اللغة؛ فإذا استعمل لفظ "الأسد" في الرجل الشجاع نقول: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اللغة؛ لأنه في اللغة وضع على الحيوان المفترس، فإذا استعمل في الرجل الشجاع نقول: هذا لفظ مستعمل في غير ما وضعت له العرب ذلك المعنى، لكن قال:

    (على وجه يصح)
    : بمعنى أن المجاز ليس على إطلاقه، كل من هب ودب يستعمل اللفظ في غير ما وضع له، وإنما لا بد من شرطين:

    أولا: وجود العلاقة.

    ثانيا: وجود القرينة.

    وهذا المراد بقوله: (على وجه يصح): بمعنى لا بد من معنى مشتهر يكون بين المعنى المنقول عنه إلى المعنى المنقول إليه، لو قال: "رأيت أسدا يخطب"، يعني شبهه به في الشجاعة، إذًا الشجاعة هي المعنى المنقول عنه في "الأسد" إلى "الرجل" لماذا؟

    لهذه العلاقة؛ وجود الشجاعة، إذا كانت العلاقة بين المعنى المنقول عنه والمعنى المنقول إليه المشابهة فيسمى مجازا، ويسمى استعارة، وإلا سمى مجازا مرسلا، هنا "رأيت أسدا"، والعلاقة هي الشجاعة؛ يعني وجه الشبه بين المشبه به والمشبه، إذا كانت العلاقة هنا الشجاعة نقول: الشجاعة هذا أمر واضح ومشتهر، ويصح نقل اللفظ عن معناه الأصلي إلى معناه المجازي، ولا إشكال؛ لأن اللفظ إذا أُطلق لم يحصل منه تعقيد معنوي عند السامع، فكل من سمع "رأيت أسدا يخطب" علم أن التشبيه هنا في الشجاعة، أما إذا أراد "رأيت أسدا يرمي" وقصد المشابهة في كون الرجل أبخر كما أن الأسد أبخر نقول: أسد نعم أبخر، لكن إطلاق لفظ الأسد على المعنى المنقول إليه وسحبه من المعنى المنقول عنه إن لم يكن المشابهة فهذا يحصل به تعقيد معنوي، وإذا حصل به التعقيد المعنوي انتفى التركيب.

    فحينئذ لا يُسوّغ العربُ استعمال اللفظ في غير ما وضع له إلا إذا كان هناك معنى مشتهر عند المتكلم والسامع؛ أن المعنى هو الذي نُقِل، فحينئذ إذا كانت الشجاعة صح المجاز، وإن كان كونه أبخر لا يصح المجاز مع كون المعنى موجودا.

    إذًا (على وجه يصح): المراد به العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المنقول إليه مع وجود قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي.

    لو قال: "رأيت أسدا"، يحتمل وجود العلاقة عنده أنه شبّه الرجل الشجاع بالأسد، فاستعمل اللفظ في غير ما وضع له، حينئذ وجدت العلاقة عنده، لكن السامع ما الذي يدريه أن الأسد هنا المراد به الرجل الشجاع؟ لا بد من نصب قرينة تدل على أنه استعمل اللفظ في غير ما وضع له، فيقول: "رأيت أسدا يخطب"، عندما يسمع السامع "يخطب" يعرف أن هذه القرينة صارفة عن إرادة الأسد بالمعنى الأصلي وهو الحيوان المفترس.

    (كـ {جَنَاحَ الذُّلِّ}): الذل معنى، والجناح هو الجناح المعروف عند الطائر، إذًا هو في الأجسام، فإذا اُستعمل الجناح للذل -وهو أمر معنوي- يقال: هذا مجاز، استعمال اللفظ في غير ما وضع له.

    (و{يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ}):
    "جدارا يريد أن ينقض"، قالوا: الإرادة صفة للحي؛ للإنسان والحيوان، والجدار جماد، وحينئذ ينتفي وصف الإرادة عنه، فقالوا: هذا مجاز، شُّبه الجدار بالإنسان في الميل فاشتق له الوصف .. إلخ، قالوا: هذا مجاز.

    وفي هذا التركيب ليس بمجاز، لو قيل بالمجاز، نقول: هذا المثال ليس بصحيح؛ لأن الإرادة غير ممتنعة عن الجماد، بل دلت نصوص عامة كثيرة مستفيضة مشهورة على أن الجماد يُوصَف بالحركة، ويوصف بالكلام، {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} [الإسراء44]، والتسبيح لا بد له من إرادة، «أُحد جبل يجبنا ونحبه»، أُحد جماد، ويحب، والمحبة أخص من الإرادة، وإثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم، إذًا له إرادة، حينئذ وردت نصوص على أن الجماد قد يبكي كما هو في حنين الجذع، وتسبيح الحصى والسلام، والنبي r أشار إلى شجرة فخرقت الأرض فجاءت، إذًا أطاعت النبي rفهذا يدل على أن الجماد يوصف بالإرادة، ولو قيل بالمجاز، فهذا المثال ليس بصحيح لوجود دليل مناف له، أما (جناح الذلّ) ممكن على ما ذكرنا.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    المعرّب:

    [المتن]:

    [ومنه: ما استعمل في لغة أخرى، وهو المُعَرَّب، كـ {نَاشِئَةَ اللَّيْلِ}، وهي حبشية، و(المِشْكَاة) هندية، والـ (إستبرق) فارسية، وقال القاضي: الكل عربي(1)].

    [الشرح]:

    (1)
    (ومنه: ما استعمل في لغة أخرى، وهو المُعَرَّب، كـ {نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} وهي حبشية. و(المِشْكَاة) هندية، والـ (إستبرق) فارسية، وقال القاضي: الكل عربي):

    (ومنه)
    : أي من القرآن.

    (ما استعمل في لغة أخرى، وهو المعرّب)
    : إذًا في القرآن ما هو معرّب، والمراد بالمعرب ما كان في لغة أجنبية، ثم استعمل في لغة العرب، وهل في القرآن معرَّب أو لا؟

    فيه خلاف طويل عريض، ولا ينبني عليه فائدة من جهة الفرع، وإنما اتفقوا على وجوده: الأعلام الأجنبية في القرآن؛ مثل إبراهيم وإسماعيل، ولذلك اتفق النحاة على أنها ممنوعة من الصرف لعلتين اثنتين لا ثالث لهما، العلمية والعجمى، وكونها عجمى بمعنى أنها أسماء وضعت على لغة العجم، فحينئذ استعمالها -وهي أعلام عند العجم- في لغة العرب لا يمنع من كونها أعجمية.

    هل هي موجودة في القرآن أو لا؟

    موجودة في القرآن.

    هل هي معربة؟

    الجواب: لا، ليست معربة، وإنما بعض الكلمات كــ "إستبرق، ناشئة الليل .. إلخ"، هذه في الأصل ليست بعربية، ولكنها دخلت على لغة العرب ففُهم المعنى المقصود منها، فاستعملها العرب، فعُرِّبَت؛ يعني نُزلت منزلة الكلمات العربية أصالة، فعِومَلت معاملتها؛ إما من المنع من الصرف، وإما بالتنوين، والرفع، والنصب، والجر .. إلخ، إذًا عوملت معاملة الكلمات العربية.

    ولا يمنع أن يُقال في القرآن ما هو معرّب، لا مانع، وكونه فيه ما هو معرّب لا ينافي قوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}[الشعراء195]، {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف3]، كونه عربيًا هذا الحكم العام الأغلبي، ووجود بعض الكلمات التي تعد على الأصابع، بل أكثر ما عدّه السيوطي مائة وعشرين كلمة في القرآن كله؛ نقول: هذا لا يُخرج القرآن عن وصفه بأنه عربي، وبأنه حصل الإعجاز به بنفسه وبذاته.

    (كــ{ناشئة الليل})
    : هذه وردت مرة في القرآن في سورة المزمل، عن ابن عباس أن الناشئة هي قيام الليل.

    (بالحبشية)
    : هي لغة دخيلة، وليست عربية، فنقول: هذه الكلمة مُعرّبة، ووجودها في القرآن لا بأس به.

    (والمشكاة)
    : وهي الكوة بلسان الحبشية.

    وقوله: (هندية): هذا فيه نظر، بعضهم نفى أن تكون هندية، بل الهنود يقولون: لا تعرف في لسان الهند.

    (والـ "إستبرق")
    : نوع من اللباس غليظ الديباج، أصله "استبره" بالهاء، فقلبت الهاء قافا كما قاله ابن قتيبة، وردت في القرآن أربع مرات، وهي فارسية.

    نقول: هذه كونها {ناشئة الليل} حبشية، و "المشكاة" هندية، و{إستبرق} فارسية، كلها وردت عن كبار أئمة المفسرين؛ كابن عباس ومجاهد وعطاء وغيرهم، حينئذ الحكم بكونها معرَّبة وكونها في القرآن مع صحة ما ثبت عن بعضهم كابن عباس على جهة الخصوص نقول: لا مانع من القول به.

    (وقال القاضي)
    : أبو يعلى، والشافعي، وكذلك نصره ابن جرير الطبري.

    (الكل عربي)
    : يعني كل القرآن عربي، ولا يقال: فيه بعض الكلمات المعرّبة، بل ما ورد من ذلك -وهو بلسان الحبشية أو الهندية أو الفارسية- مما توافقت فيه اللغات، إذًا {ناشئة الليل} ليست حبشية، وإنما هي في لسان الحبشة على أصلهم، وفي لسان العرب على أصلهم، وكذلك {إستبرق}، و "المشكاة" .. إلخ، ولكن الأول أرجح.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    المحكم والمتشابه:

    وجود المحكم والمتشابه في القرآن:

    [المتن]:

    [وفيه: محكم، ومتشابه(1)].

    [الشرح]:

    (1) (وفيه: محكم، ومتشابه):

    ننبه على أن المؤلف قعّد لنا قاعدة عامة مطردة يستصحبها الأصولي، وكذلك طالب العلم: أن القرآن نزل بلغة العرب، "كل ما جاز في لغة العرب -بشرط أن يكون مشتهرا واضحا بينا، لا نادرا ولا قليلا ولا شاذا- الأصل أن يكون القرآن مشتملا عليه".

    ولذلك إذا ثبت المجاز في اللغة حينئذ نقول: القرآن فيه مجاز.

    وإذا ثبت المعرّب في اللغة نقول: القرآن فيه معرب.

    كذلك إذا ثبت المحكم والمتشابه في اللغة -أن من كلام العرب ما هو بيّن وواضح يفسر نفسه بنفسه، وفيه ما هو متشابه يختلف السامعون في فهم المراد منه- يكون في القرآن مثل ذلك.

    ودليل الكل: الوقوع.

    قد تكون بعض الأشياء موجودة في لغة العرب، لكن غير موجودة في القرآن، نقول: لا يلزم من وجودها في لغة العرب وجودها في القرآن.

    (وفيه):
    أي في الكتاب.

    (محكم ومتشابه)
    : لوجوده في اللغة العربية.

    القرآن وصفه الرب -جل وعلا- بأنه محكم كله، وبأنه متشابه كله، وبأن بعضه محكم وبعضه متشابه.

    وصفه بأنه محكم كله؛ كما في قوله تعالى: {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}[هود:1].

    ووصفه بأنه متشابه كله؛ كما في قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا}[الزمر23].

    ووصف بعضه بأنه محكم وبعضه بأنه متشابه؛ كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}[آل عمران7].

    إذًا يكون عندنا من هذا تأصيل: عند الإطلاق قد يُراد الإحكام العام والتشابه العام، وقد يُراد الإحكام الخاص والتشابه الخاص.

    الإحكام العام هو المدلول عليه بقوله تعالى: {يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ}[ يس 1-2]، وُصف القرآن كله، {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ}، نقول: المراد بالإحكام هنا الإحكام العام، والمراد به الإتقان والجودة في اللفظ والمعنى، فحينئذ ألفاظه ومعانيه أحكم ما يمكن أن تكون من الإتقان، وأعلى درجات البيان، والفصاحة، والبلاغة، وحسن الترتيب، وحسن السبك، هذا يسمى الإحكام العام، كذلك أخباره في كمال الصدق، وأحكامه في كمال العدل، {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا}[الأنعام115]، صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام.

    إذًا المراد بـ {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ}؛ أي بلغ أعلى درجات الإحكام والإتقان.

    أما إطلاق الرب -جل وعلا- على القرآن بأنه متشابه كله، {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا}، فالمراد به أن بعضه يشبه بعضا، هذا يسمى بالتشابه العام؛ أن بعضه يشبه بعضا في الإتقان والإحكام، فلا تتضارب ولا تتناقض أحكامه، ولا يُكذِّب أخباره بعضها بعضا؛ ولذلك قال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}[النساء82]، ولكن الاختلاف المنفي هنا {لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}، هذا وصف، فحينئذ قد يوجد به بعض الاختلاف، لكن لا يُخرجه عن كونه في غاية الإتقان والإحكام في الأخبار والأحكام.

    {كثيرًا}: نعت لــ{اختلافًا}، والنعت في الأصل أنه مُؤسس.

    ووصفه للكشف والتخصيص أو
    تأكد والمدح والذم رأوا
    إذًا الأصل أنه يُؤتى به لكونه مؤسسا؛ بمعنى أنه يُحتَرز به عن غيره، وقوله {اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} يُفهَم منه أن ثم اختلافا يقع فيه، لكن الاختلاف الذي يقع ليس هو الاختلاف الذي يظنه المشرك، أو الذي يبحث عنه المشرك، وهو اختلاف التناقض؛ اختلاف التضاد، وإنما قد يُفهَم من بعض النصوص ما ظاهره التعارض، وهذا أثبته الله -جل وعلا- بقوله: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}[آل عمران7]، هذه القسمة من أين جاءت؟

    من السماء، ما المراد بالمحكم؟

    المراد به أنه هو الذي اتضح معناه، والمتشابه الذي لم يتضح معناه، وإذا عُلم أن شيئا في القرآن لم يتضح معناه ما الذي يترتب عليه؟ اتفاق أم اختلاف؟

    اختلاف، هذا أمر واضح؛ لذلك قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}[آل عمران7]، {مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}، اتبع القرآن أو لا؟

    اتبع القرآن، إذًا وقع الخلاف بسبب موافقة بعض القرآن، لكن لا على وجه الشرع، الحكمة في وجود المتشابه هو ابتلاء الخلق، {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}، نقول: اتبعوا القرآن، وهذا قطعا؛ لقوله: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} يعني وآيات أخر متشابهات، {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ}.

    ثم القسم الثاني الذي يقابل هذا القسمة: الراسخون في العلم، ماذا قالوا؟

    {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}[آل عمران7]؛ لذلك نصَّ من كَتَبَ في عقيدة السلف أن من أصول ما يفارق أهل البدع أهل السنة أن أهل السنة حملوا المتشابه على المحكم، وأهل البدع حملوا المحكم على المتشابه.

    لذلك قالوا: "من حمل المتشابه على المحكم اهتدى"؛ من ردّ المتشابه -الذي لم يتضح معناه- إلى المحكم اهتدى، "ومن عكس ضل"؛ كما يفعل أهل البدع حين يستدلون؛ لذلك تجد -خاصة كبار المبتدعة، وخاصة في الصفات- لا بد أن تجد قال الله، قال الرسول ، لا بد أن يستدلوا بهذا، هم لا يقولون: إنه لا يُعتَمد عليه مطلقا، لا، هم مسلمون، أو يدّعون الإسلام، أو بعضهم يدّعي الإسلام.

    فحينئذ نقول: إذا ثبت في القرآن ما هو متشابه فمدلول هذه الآية هي المشار إليها في آية النساء: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}، إذًا ثم اختلاف، لكنه ليس بكثير، وهذا الاختلاف المنفي اختلاف التضاد، والاختلاف الذي يمكن أن يوجد في القرآن هو اختلاف حاصل عن التشابه، حينئذ لا اختلاف، لا نختلف، بعضهم يقول: أنت أوردت الآية في معرض الكلام على المحكم والمتشابه، قد يفهم البعض أن في القرآن ما هو خلاف تضاد، هذا لا يقول به أحد، ولذلك نقول: وُصف القرآن بالإحكام العام، ما المراد بالإحكام العام؟

    فسرناه أنه متقن من حيث الجودة في الألفاظ، والمعنى أعلى تراكيب البلاغة .. إلخ، {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا}[الأنعام115]، صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام، فالخلاف الذي يمكن أن يوجد في القرآن منشؤه التشابه الذي أثبته الله -جل وعلا-، الله الذي أثبت التشابه نقول: آمنا به.

    لا ننفي شيئا من أجل أن نقول -مثلا-: عظمة القرآن، هذا لا ينافي عظمة القرآن؛ فنثبت ما أثبته الله -جل وعلا-.

    ولذلك أهل البدع ينزهون الله -جل وعلا- بنفي الصفات، كلهم عقيدتهم واحدة؛ مبناها على الاستحالة العقلية تنزيها لله -جل وعلا- عما لا يليق به، {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}[طه5]، قالوا: نفهم منه استواء المخلوق، تعالى الله، فنفوا الصفات، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}[المائدة64]، قالوا -تعالى الله-: لا نفهم من هذه الآية إلا اليد التي هذه فقط، حينئذ قالوا: ننزه الله -جل وعلا-.

    نقول: إذا ننزه القرآن، نثبت ما أثبته الله -جل وعلا- فإذا أثبت أن في القرآن ما هو متشابه، وأن المتشابه هذا قد يأخذ به بعض أهل البدع أو أهل الأهواء، أو من أطلق الله عليهم بأنهم أهل الزيغ؛ حينئذ لا نرد ما أثبته الله تعالى، فنقول: رد المتشابه إلى المحكم، القرآن فيه محكم واضح المعنى بيّن لا يختلف فيه اثنان، وفيه متشابه يحتمل كذا وكذا، ولكن نفسره -خاصة في الغيبيات- بما جاء محكما في المواضع الأخرى، والحمد لله، نثبت ما أثبته الله، وننفي ما نفاه الله -جل وعلا-.

    وهذه الآية التي هي في آل عمران الإشارة إليها بقوله تعالى: {كثيرًا} هناك، وهذا كلام أيضا يقرره الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى-، سمعته مرارا يقول: قوله -جل وعلا-: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}، قال: {كثيرًا} هذا نعت للاحتراز؛ يعني فيه بعض الاختلاف، وهذا رأي عالم ومُحرر ومُحقق، إذًا نقول: في القرآن ما هو متشابه وما هو محكم.

    والتشابه الخاص والإحكام الخاص هو الذي عناه المصنف هنا بقوله: (وفيه محكم ومتشابه).

    (فيه)
    : يعني جمع بين الإحكام والتشابه، وإذا قيل: جمع بين الإحكام والتشابه حينئذ أخرج الإحكام العام، وأخرج التشابه العام، هذا لا مورد له في كتب الأصوليين وإنما يُذكَر في كتب علوم القرآن.

    (وفيه محكم):
    "مُحكَم" على وزن مُفعَل، اسم مفعول، من أُحكِم يُحكَم فهو مُحكَم، من أحكمت الشيءَ أُحكمه إحكامًا فهو مُحكَم إذا أتقنته، ومنه قولهم: "بناء مُحكَم"؛ أي ثابت يبعد انهدامه.

    (وهو)
    : أي المحكَم عند بعضهم كما ذكره في (مختصر التحرير): بأنه ما اتضح معناه.

    وضده المتشابه: ما لم يتضح معناه، هذا أحسن ما يُقال في النوعين، ما اتضح معناه فهو مُحكَم؛ سواء اتضح معناه بالسياق، أو بدليل آخر، أو بالسباق، أو بقرينة، نقول: ما دام أن المعنى اتضح فهو مُحكَم؛ سواء كان بنفسه أم بغيره.

    والمتشابه ما عداه: لكن القاعدة في المتشابه: أنه يُحمَل على المحكَم، فيكون وصفه بأنه متشابه في ابتداء الأمر، لا في الانتهاء؛ لأنه إذا قيل متشابه؛ لأنه لم يتضح معناه، هل لم يتضح معناه مطلقا؟

    نقول: لا، ليس في القرآن هذا، هذا يُنفى عن القرآن؛ لأن هذا نقص وعيب؛ فنقول: ما لم يتضح معناه؛ إما أن يكون نسبيا لبعض العلماء؛ قد تُشكِل عليه آية، يموت وقد أشكلت عليه هذه الآية، ولم يفهمها، هذا تشابه، وعدم اتضاح نسبي، أما عدم اتضاح عام لكل العلماء؛ لكل الأمة، هذا لا وجود له، وإنما يُحمَل المتشابه على المحكَم فيتضح حينئذ، فالإحكام والتشابه الذي ورد في الآية يكون في ابتداء الأمر، أما في الانتهاء فلا، ولو وُجد ابتداء وانتهاء في حق شخص معين فيكون خاصا به، هذا وجوده نسبي.

    (وفيه مُحكم ومتشابه)
    : دليله وقوعه، بل النصّ عليه: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} يعني ومنه آيات أُخر -هذه صفة لموصوف محذوف، {متشابهات}، فحينئذ يُرد المتشابه إلى المحكَم فيُفهَم معناه.

    هذا فيما كُلِّف به العباد، وأما ما لم يُكلفوا به؛ كالمتشابه من إدراك كيفية الصفات مثلا -لأن المصنف مثّل للمتشابه بالصفات- نقول: هذا لم يُكلَّف العباد بإدراكه، ولا البحث عنه، ولا السؤال عنه، وإنما المقصود الذي يكون متضحا في الانتهاء بعد أن يقع متشابها؛ ولذلك الإمام مالك لما سُئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}[طه5]، وكيف استوى؟

    حكم بأن هذا السؤال بدعة، لماذا؟

    لو كان مكلفا به لما كان السؤال بدعة؛ لأن البحث في الحقائق وإدراك الكيفيات هذا يعجز عنه الإنسان؛ ولذلك قيل: العجز عن الإدراك إدراك في مثل هذا الموضع؛ لأن البشر يعجزون عن إدراك حقيقة الصفات، أو كيفية الصفات، أما المعاني فهذه واضحة على ما تقرر في لغة العرب، فالمعاني معلومة واضحة بيّنة، بل ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى– أنها من أحكم المحكمات، ليس من المتشابه كما يقول البعض، وليست من المحكم فحسب، بل من أحكم المحكَم؛ لأن معانيها واضحة، متبادرة لمن سلم عن الزيغ والهوى.

    وأما إدراك كيفياتها فهذا نقول: يعجز عنه البشر؛ لأن الصفات فرع عن الذات، فإذا كانت ذات الرب -جل وعلا- يعجز البشر عن إدراكها؛ فالقول في الصفات فرع القول في الذات.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    تابع المحكم والمتشابه:

    أقوال العلماء في معنى المحكم والمتشابه:


    [المتن]:

    [قال القاضي: المحكم: المُفَسَّر، والمتشابه: المجمل(1)، وقال ابن عقيل: المتشابه: ما يَغْمُضُ علمه على غير العلماء المحققين؛ كالآيات المتعارضة(2)، وقيل: الحروف المقطعة(3)، وقيل: المحكم: الوعد والوعيد والحرام والحلال. والمتشابه: القصص والأمثال(4)، والصحيح: أن المتشابه: ما يجب الإيمان به، ويحرم تأويله كآيات الصفات(5)].

    [الشرح]:

    (1)
    (قال القاضي: المحكم: المُفَسَّر، والمتشابه: المجمل):

    اختلفوا فيه على أربعة أقوال، وليس المراد الإحكام العام ولا التشابه العام، وإنما الخاص.

    (وقال القاضي)
    : أبو يعلى، وهو من أصحاب الإمام أحمد.

    (المحكم هو المُفسَّر، والمتشابه هو المُجمَل)
    : كل ما كان متضح المعنى فهو محكم، وكل ما كان مُجمَلا فهو مفسَّر، وهذا يؤيد ما ذكرته لكم؛ وهو أنه لا يوجد مجمل لم يتضح معناه في الكتاب والسنة، هل يوجد لفظ مجمل لم يتضح معناه؟

    نقول: لا يوجد، حينئذ يؤكد أن المتشابه يُراد به وصف الكتاب ابتداء، أو يكون ابتداء وانتهاء في حق شخص معين.

    (المحكم المفسّر، والمتشابه المجمل):
    فحينئذ كل مجمل في القرآن فهو متشابه، {وَالْمُطَلَّقَ تُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ}[البقرة228]، {ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ} هذا لفظ مشترك، إذًا فيه إجمال، فيه إبهام؛ لأنه في اللغة يُطلَق على الحيض، ويُطلَق على الطهر، فنقول: هذا متشابه، مجمل متشابه، هل اتضح معناه أو لا؟

    بعض أهل العلم رجّح بقرينة؛ بدليلٍ أنه الحيض، وبعضهم رجّح أنه الطهر، فصار في حقه متشابها أول الأمر لم يتضح معناه، ثم بعد ذلك صار محكما؛ لأنه رد المتشابه إلى المحكَم.

    قول القاضي: (المحكم المفسّر، والمتشابه المجمل): هذا ذكره المصنف بالمعنى رواية، وإلا قوله في (العُدة): "المحكم: ما استقل بنفسه، ولم يحتج إلى بيان، والمتشابه: ما احتاج إلى بيان".

    كل لفظ، كل حكم، كل قصة، كل وعد، كل وعيد، كل حلال، كل حرام استقل في الدلالة، وفُهم منه المعنى بنفسه فهو محكم، فإن احتاج إلى بيان فهو متشابه، وهذا أقرب ما يُقال في تفسير المحكم والمتشابه؛ ولذلك الظاهر أن المصنف قدمه هنا، وإن كان أطلق عبارة عامة في آخر المبحث سيأتي الوقوف معها، هذا القول الأول.

    (2)
    (وقال ابن عقيل: المتشابه: ما يَغْمُضُ علمه على غير العلماء المحققين؛ كالآيات المتعارضة):

    القول الثاني:
    قال:

    (وقال ابن عقيل)
    : أيضا من أصحاب الإمام أحمد.

    (المتشابه: ما يَغْمُضُ علمه على غير العلماء المحققين)
    : "يَغْمُضُ": يفعُل من باب: غمَض؛ كقعَد، يقال: "غمَض الحق يغمُض"، من باب قعد: خفي مأخذه، والغامض من الكلام: ضد الواضح، إذًا المتشابه عند ابن عقيل: ما خفي مأخذه على غير العلماء المحققين، وما عدا العلماء؟

    يعني العوام إذا قرؤوا النصوص ولم يفهموا فهو متشابه في حقهم، والعالم إذا قرأ وفسّر النص؛ إما أن يكون النص مستقلا في الدلالة على المعنى بنفسه أو بغيره، فحينئذ صار في حقه محكما، إذًا يكون الإحكام والتشابه باعتبار الناظر، إن كان عالما محققا؛ فحينئذ ما ظهر له فهو محكم.

    وهل يتصور في حق العالم -على هذا القول- أنه لا يظهر له شيء البتة؟

    الجواب: لا؛ لأنه جعله عالما محققا، وما يقابله؛ إما عالم غير محقق، أو جاهل، فحينئذ نظر العالم غير المحقق أو الجاهل وما غمض عليه فهو متشابه، وما لم يغمض عليه فهو محكم، فيكون المحكم على رأي ابن عقيل: ما لم يغمض علمه على العلماء المحققين.

    (كالآيات المتعارضة)
    : هنا لا يقال: الآيات المتعارضة، وإنما يقال: الآيات التي ظاهرها تعارض؛ لأن القرآن ليس فيه تعارض بالذات، وإنما هو في فهم الناظر فقط.

    قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}[القصص56]، {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[الشورى52]، في ظاهره تعارض؛ لأن لفظ الهداية نُفي في موضع، وأُثبت في موضع، لكن لو فُسّرت الآية الأول: أن المراد بها هداية التوفيق، وأنها خاصة بالرب -جل وعلا-؛ لأن متعلقها التصرف في القلب، وهذا ليس لأحد من البشر، لا يملكها لا النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا غيره، وأن الثانية: المراد بها هداية الدلالة والإرشاد، المثبَت للنبي -صلى الله عليه وسلم-، بل ولغيره -كأهل العلم- هداية الإرشاد والدلالة والبيان؛ حينئذ ظاهرها التعارض.

    هل ما يغمض في هاتين الآيتين يخفى على العلماء؟

    لا، إذًا صار في حقهم محكما، وغير العلماء صار في حقهم متشابها.

    (3)
    (وقيل: الحروف المقطعة):

    القول الثالث
    : لم ينسبه إلى أحد، أشار إليه بقوله:

    (وقيل)
    : وهذه صيغة تضعيف في الأصل عند أهل العلم؛ لذلك أسند في الأول: (قال القاضي)، وفي الثاني: (وقال ابن عقيل)، ثم قال:

    (وقيل)
    : إما أنه تضعيف، وهذا هو الأكثر، وإما أنه لعدم تيقنه بقائله، وقد نسبه ابن كثير في تفسيره إلى مقاتل بن حيان، وقال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: إنه يُروى عن ابن عباس، ولفظة: "يُروى"؛ يعني ضعّفه.

    (الحروف المُقطَعَة)
    : يعني المتشابه هو الحروف المقطعة التي تكون في أوائل السور، ولو قال: الحروف الهجائية لكان أعم؛ لأن الحروف المقطعة يشمل ما رُكِب من حرفين فأكثر؛ {طسم}[الشعراء1]، أو {كهيعص}[مريم1] أما {ص}، و {ن}، و{ق}، هذه حروف هجائية، ولا يُقال: إنها حروف مقطعة.

    (وقيل الحروف المقطعة)
    : يعني ما عداه فهو محكم، إذًا ما وُصلت حروفه وأُريد معناه فهو محكم، فعلى ذلك القرآن كله محكم إلا الحروف الهجائية التي افتتحت بها بعض السور؛ فهي متشابه، وهذه على خلاف طويل بين المفسرين في المراد بالحروف الهجائية التي تكون في أول السور، والأصح أن يقال: إنها لا معنى لها من حيث دلالة اللغة العربية عليها؛ لأننا قررنا قاعدة: أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، فنسأل في لغة العرب هل ورد عندهم تركيب حروف لا معنى لها؛ تُؤلَف حروف لا يُراد معناها؟

    لا؛ ولذلك دائما نقول: من حيث المعنى لا معنى لها، وإذا نُفي المعنى لا يلزم منه ألا يكون لها مغزى، إشارة إلى شيء معين آخر، ولذلك نقول: هي لا معنى لها أصلا، ولكن لها مغزى؛ لئلا نسلب الحروف أو الآيات من دلالتها على المعاني المطلقة، فالمعنى الداخلي للفظ غير موجود هنا؛ لأن العرب لم تركب هذه الحروف، لكن لها معنى آخر، وقد يكون أعظم وأجل مما لو دلت على معنى خاص بها، وهو: أن الله -جل وعلا- تحدى العرب بالإتيان بمثل هذا القرآن، فكأنه قال: {الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ}، ذلك الكتاب الذي أُلِف مما تعرفون، وكانت هذه تآليف الكلمات والحروف من {الم}؛ فحينئذ عجزكم عن الإتيان بحروف تتألف منها هذه الحروف التي ذكرت في أوائل السور يدل على أن القرآن كلام الله، وليس من صنع البشر؛ ولذلك في الأغلب الأعم أن هذه الحروف إذا جاءت ذُكر بعدها الكتاب أو القرآن، هذا يدل على أن هذا الكتاب أُلف من هذه الحروف، ولكنكم عجزتم عن الإتيان بسورة، بل بآية من هذا القرآن، وهذا يدل على أنه كلام الله، لا يشبهه كلام أحد من البشر.

    إذًا هذا القول المنسوب إلى ابن عباس؛ أن المتشابه هو الحروف المقطعة، وما عداه فهو المحكم.

    (4)
    (وقيل: المحكم: الوعد والوعيد، والحرام والحلال. والمتشابه: القصص والأمثال):

    القول الرابع:
    وهذا رُوي عن ابن عباس بمعناه، حكاه ابن عقيل أو القاضي: بأن المحكم: ما استفيد الحكم منه، والمتشابه: ما لا يفيد حكما.

    المحكم: ما استفيد منه حكم إيجاب، تحريم، كراهة، ندب، وما عداه فهو متشابه، لذلك رواه بالمعنى؛ فقال:

    (وقيل: المحكم: الوعد والوعيد، والحرام والحلال، والمتشابه: القصص الأمثال)
    : وقد ضعفه ابن تيميه -رحمه الله تعالى-؛ لأن الوعد والوعيد قد يكون فيه نوع تشابه؛ بمعنى أنه يخفى معناه أولا، ثم يظهر؛ ولذلك اختلفوا اختلافا طويلا في قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ..}[النساء93]، هذه مُختَلف فيها مع أنها من الوعيد، حينئذ وقع الاشتباه في الوعيد، والحرام والحلال كذلك، وقع فيه كثير من النزاع والخلاف بين أهل العلم في المراد.

    (والمتشابه: القصص والأمثال)
    : أما القصص؛ فإيراده في المتشابه من أبعد ما يكون؛ لأن القصص من حيث المعاني وتركيب القصة ابتداء وانتهاء معلومة، ولذلك يستوي في فهمها العامي وغيره، بل تجد العوام يتعلقون بالقصص أكثر من غيرها؛ لفهمهم لها.

    (والمتشابه: القصص والأمثال)
    : لكن الله -جل وعلا- يقول: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}[العنكبوت43]، هذه في الأمثال، وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أنها أقرب إلى المتشابه، لكن أيضا في الأصل هي تُفهَم، لكن المراد {وما يعقلها}؛ أي وما يعقل مغزاها وما أُريد بهذا المثل، أما معناه الأصلي فهذا يتضح، وقد يفهمه حتى العامي، وإذا قيل العامي فليس بالمقياس الموجود الآن، وإنما العامي الذي قد يكون ليس من أهل العلم في طبقة التابعين ومن بعدهم، أما الآن فلا يمكن أن يُقال: إنه مقياس؛ لأنه في اللغة وفي الشرع من أبعد ما يكون في العلم الشرعي.

    (5)
    (والصحيح: أن المتشابه: ما يجب الإيمان به، ويحرم تأويله كآيات الصفات):

    وهذه زلة.

    (والصحيح)
    : يعني القول الأصح عنده.

    (أن المتشابه)
    : يعني من القرآن.

    (ما يجب الإيمان به)
    : نقول: الإيمان بالقرآن كله أو بمتشابهه؟

    بالقرآن كله، إذًا وجوب الإيمان يكون بالقرآن كله، هل يُفهَم من هذا أن المتشابه هو الذي يجب الإيمان به، والمحكم لا يجب الإيمان به؟

    نقول: لا، بل القرآن كله سواء فهم منه أم لم يفهم، أدرك الحقيقة أم لم يدرك، حينئذ يسلم أن هذا حق، وهذه أحكام حق، وما ترتب على الحق فهو حق، علم أو لم يعلم؛ لأنه نزل من عند الحق، فإذا لم يفهم، أو فهم على جهة القصور فيتهم نفسه وعقله، ولا يتهم القرآن.

    فليس المراد به أن يُفصّل في التصديق، لا، التصديق يستوي؛ لأن القرآن كله يجب الإيمان به مطلقا على جهة السواء، وإن كان من جهة إفادة المعنى قد يتعلق القلب بما فهمه أكثر مما لم يفهمه، أما من جهة القبول فحينئذ يستوي الحكم.

    (ويحرم تأويله)
    : ظاهر كلام المصنف أنه قصد بالتأويل هنا الذي هو عند المتأخرين؛ الذي الأصح أن يسمى تحريفا، وهو صرف اللفظ عن ظاهره؛ يعني عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقتضيه، إذا أطلق التأويل انصرف إلى هذا المعنى عند المتأخرين، يمثلون لذلك بهذا {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}[طه5]؛ لأنه ذكر الصفات، قالوا: الرحمن -جل وعلا- على العرش استوى، {استوى}: يُفهَم منه الاستواء الحقيقي، وله معنى آخر، وهو المعنى المعنوي الذي يطلق عليه بالغلبة والقهر، فحينئذ لما امتنع أن يُحمَل اللفظ على ظاهره -وهو الاستواء بمعنى العلو الخاص- حُمل على المعنى المرجوح، وهو الاستيلاء.

    استوى بِشر على العراق

    حينئذ قالوا: استوى بِشر على العراق، لم يستوِ بذاته، وإنما استوى معنى، فصُرف اللفظ عن ظاهره الذي يقتضيه إلى معنى مرجوح لدليله.

    وهذا نقول: فاسد.

    أنا أذكر مثالا لما يذكرونه هم؛ لأن اللفظ هنا قالوا: له ظاهر، وله معنى مرجوح، ظاهره: الاستواء المعلوم في الذهن، وهذا لا يُوصف به إلا الأجسام، والله -جل وعلا- مُنزه عن الجسمية؛ فحينئذ يتعين المعنى المرجوح لدليل، وهذه العلة عندهم علة عقلية، وهي استحالة قيام الأوصاف التي تقضي الجسمية بالرب -جل وعلا-.

    حينئذ قال: (ويحرم تأويله): أي صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقتضيه.

    ويطلق التأويل أيضا بمعنى التفسير، لكن ظاهر كلام المصنف أنه أراد الأول لأنه قال:

    (كآيات الصفات)
    : وعليه هل يرى تأويل الصفات أو لا؟

    لا يرى تأويل الصفات، لكن تمثيله بآيات الصفات للمتشابه هذا فيه نظر؛ لأن الحق التفصيل، وليس الإطلاق؛ لأن صفات الرب -جل وعلا- كلها لها نظران: نظر من جهة المعنى اللغوي الذي تدل عليه، وهذا معلوم واضح، محكم، بل من أحكم المحكم كما قال ابن القيم، الاستواء معلوم في اللغة، الرحمة معلومة، الرأفة، المغفرة، النزول معلوم، .. إلخ، كلها معلومة في اللغة، ولكن كيفية هذه الصفات نقول: هذا من المتشابه، لماذا؟

    لأنه مما استأثر به الرب -جل وعلا-، فحينئذ نقول: إطلاق أن الصفات من المتشابه مطلقا خطأ، وإطلاق أنها من المحكم مطلقا خطأ؛ لأن الصفة ليس المراد بها الصفة مطلقا دون تعلقها بالموصوف، وإنما كلف المكلف -العبد المسلم- أن يؤمن بمدلول الصفات، وأما كيفية اتصاف الرب بها هذا لا تدركه العقول، حينئذ يؤمن في الأول، ويفوض في الثاني؛ ولذلك إذا قيل: هل مذهب السلف التفويض؟

    نقول: فيه تفصيل، لا نقول: ليس مذهب السلف نفي التفويض، لا، نقول: لا بد من التفصيل؛ إن كان المراد تفويض المعنى، نقول: هذا باطل، ولذلك شيخ الإسلام يقول: شر الفرق المفوضة الذين يفوضون المعنى، يقولون: لا ندري، {الرحمن على العرش استوى}، ما معنى استوى؟

    يقولون: الله أعلم، ما ندري، يقول شيخ الإسلام: المحرّف أخف ضررا وأخف بدعة من ذاك الذي يفوض المعنى.

    إذًا نقول: تفويض المعنى؛ بأن نقول: لا ندري ما المراد بهذه الآية، لا ندري ما المراد بـ: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا"، الله أعلم بالنزول هذا، نقول: هذا تفويض للمعنى، هذا باطل.

    لكن نقول: نفهم ما المراد بالنزول، وأما كيفية النزول فنفوضه إلى الرب -جل وعلا-، تفويض الكيف، نقول: هذا هو الحق، بل لا يجوز التكييف أصلا.

    إذًا التمثيل للمتشابه بآيات الصفات فيه نظر، بل الصواب التفصيل.

    نخلص من هذا أن المحكم والمتشابه موجودان في القرآن، وأن أصح ما يُقال فيهما: أن المحكم: ما اتضح معناه، وعكسه المتشابه: ما لم يتضح معناه، وإذا لم يتضح معناه يرد إلى المحكم فيتضح معناه، وليس عندنا متشابه في القرآن لم يتضح معناه مطلقا، هذا لا وجود له في القرآن.

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    السنة:

    تعريف السنة وأقسامها:


    [المتن]:

    [والسنّة: ما ورد عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- من قولٍ غير القرآن، أو فعل، أو تقرير(1)].

    [الشرح]:

    (1)
    (والسنّة: ما ورد عن النبي - صلّى الله عليه وسلّم- من قولٍ غير القرآن، أو فعل، أو تقرير):

    (والسنة)
    : أي الأصل الثاني الذي يعتمده المجتهدون في استنباط الأحكام الشرعية، والذي يعتبر مصدرا من مصادر التشريع: سنة النبي -صلّى الله عليه وسلّم-؛ ولذلك إذا قيل: "السنة"، انصرفت إلى سنة النبي -صلّى الله عليه وسلّم-.

    ما الدليل على أن السنة أصل؟


    نقول: كل آية أمر الرب -جل وعلا- بطاعة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- في القرآن -وما أكثرها- فهي دليل على حجية السنة:

    {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي}[آل عمران31].

    {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}[النور54].

    {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}[الحشر7]، وهذه الآية على جهة الخصوص؛ نصَّ أهل العلم أن جميع السنة داخلة في هذه الآية، كل ما أتاكم به، كل أمر سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب فهو داخل في قوله نعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}، وكل نهيٍ نهى عنه سواء كان نهي تحريم أو نهي تنزيه فهو داخل في قوله تعالى: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}.

    لكن المتكلمون لهم طريقة أخرى؛ يعني يُحيلون في إثبات حجية السنة إلى علم الكلام، فيُثبتون المعجزة، ويثبتون دلالة المعجزة، وهل هي حجة أو لا؟ وكيف تُعرف المعجزة؟ ثم المعجزة دلالتها على صدق النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، فإذا ثبت أنه صادق نقول: صدق ما جاء به .. إلخ، يبحثون هذه المسألة في علم الكلام، وبعضهم يستلها إلى كتب الأصول؛ لأنهم لا يعتمدون على الكتب، وإنما ينظرون إلى العقل.

    نقول: هذا إن كان في مواجهة من لا يؤمن بالله ورسوله فلا إشكال، أما أن تقرر المسائل على هذه الصورة لأهل الإسلام؛ فحينئذ نقول: ليس على منهاج النبوة، ليس على الهدى المبين، وليست هي طريقة السلف، وإنما طريقة السلف: الوقوف مع النصوص كتابا وسنة، ويسوى بينهما، كل منهما يعتبر حجة، وكل منهما يؤيد الآخر، وكل منهما يفسر الآخر، لا تُضرَب النصوص بعضها ببعض، ولا يُوقف مع نص ويُهجر جميع النصوص، هذه طريقة أهل البدع.

    وأهل البدع لا يستدلون -في الغالب- بالعقول فحسب كما يظنه الظان، لا، لا بد أنه يأخذ كلمة من القرآن وكلمة من السنة فيقفون معها، ويُحرفون كل معنى يمكن أن يدخل تحت الآية، أو يخصصون، أو يعممون، وتُهجَر جميع النصوص.

    نقول: منهج السلف ليس كذلك؛ بل الجمع بين النصوص ومحاولة التوفيق، وأن يكون نظر الناظر أن ثم تآلفًا بين النصوص، وألا تُضرَب بعضها ببعض.

    (والسنة)
    : ما هي السنة؟

    السنة تختلف من موضع عن موضع؛ لأنها في اللغة لها معنى خاص، وعند الأصوليين لها معنى خاص، وعند الفقهاء، وعند المحدثين، كل فنٍ اصطلح على معنى خاص.

    أما السنة في اللغة: السيرة حميدة كانت أو ذميمة، {سنة الله}؛ أي طريقة الله في المكذبين لرسله، هكذا ورد في القرآن.

    ولكل قوم سنة وإمامها

    والسنة عند الأصوليين: (ما ورد عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- من قول غير -يجوز النصب والجر- القرآن، أو فعل، أو تقرير).

    (ما ورد عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم-)
    : إذًا كل ما ورد عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- يسمى سنة، وهذا من اصطلاح العلماء؛ أن السنة تطلق في مقابلة القرآن، فحينئذ يطلق القرآن ويراد به كلام الله، وتطلق السنة ويُراد بها كلام النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، وهذا له أصل في الشرع، جاء في حديث مسلم: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة».

    (ما ورد عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- من قول ..، أو فعل، أو تقرير)
    : يزيد أهل الحديث: "أو صفة خَلقية أو خُلقية"، وهم أسعد بالسنة في هذا؛ لأن نظرهم في الأخبار ومعرفتهم بأحوال النبي ألصق بالسنة من الأصوليين.

    (ما ورد عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم-)
    : لو وقف إلى هنا لصحَّ.

    (من)
    : "من" هذه يقال فيها: إنها بيانية؛ يعني بينت مُجمَلا، {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ}[الحج30]، ما هو الرجس؟ الأوثان.

    (ما ورد عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم-)
    : ما الذي ورد؟

    القول، والفعل، والتقرير، إذًا تكون "من" هذه بيانية.

    (من قول غير القرآن)
    : أخرج القرآن؛ لأن ما ورد عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- من قول؛ إما أن يكون حكاية عن قول الرب -جل وعلا-؛ يعني ما كان متضمنا كلام الرب، وهو القرآن، وإما أن يكون منشؤه هو النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، هل كله سنة؟

    اصطلح الأصوليون على أن ما كان النبي -صلّى الله عليه وسلّم- مبلغًا به عن الرب -جل وعلا- لفظا ومعنى فهو قرآن، قابلته السنة، فحينئذ لا بد من إخراج القرآن، فقال:

    (غير القرآن)
    : إذًا القرآن لا يسمى سنة في الاصطلاح، كل قولٍ ورد عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- ليس قرآنًا فهو سنة.

    يُفهَم من هذا أن الحديث القدسي من قول النبي -صلّى الله عليه وسلّم-؛ لأنه لم يستثنِ إلا القرآن، حينئذ إذا صدَّر النبي -صلّى الله عليه وسلّم- القول بـ قال الله تعالى: «من عادى لي وليًا»، هذا داخل في السنة؛ من قول النبي -صلّى الله عليه وسلّم- أو لا؟

    على هذا الاصطلاح نعم؛ كأن المصنف يميل إلى أن الحديث القدسي لفظه من النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، وهذا هو الأظهر، نقول: معناه من الرب -جل وعلا-، واللفظ من النبي -صلّى الله عليه وسلّم-.

    (من قول):
    كقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، «إنما الأعمال بالنيات»، هذا نقول: قول النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، سنة قولية؛ لأنها منقولة عن لفظ النبي -صلّى الله عليه وسلّم-.

    (من قول)
    : قال بعضهم: ولو كان أمرا منه بكتابة؛ يعني يدخل في القول: لو أمر بالكتابة، «اكتبوا لأبي شاهٍ»، وأمر عليا يوم الحديبية أن يكتب، إذًا هو داخل في السنة القولية.

    (أو فعل)
    : إشارة إلى السنة الفعلية؛ كالطواف ومناسك الحج، وكذلك الصلاة، نقول: هذه سنن فعلية، كل ما حُكي من فعل النبي -صلّى الله عليه وسلّم- في الحج فهو سنة فعلية، وكل ما حُكي من فعل النبي -صلّى الله عليه وسلّم- في الصلاة فهو سنة فعلية.

    زاد بعضهم: "ولو بإشارة على الصحيح لو أشار نقول: هذه سنة؛ لأنه كالأمر به، ولذلك جاء في حديث كعب بن مالك قال: «يا كعب»، قال: لبيك يا رسول الله، فأشار إليه بيده؛ أن ضع الشطر من دينك، طاف النبي -صلّى الله عليه وسلّم- على بعير فأشار إلى جهة الحجر الأسود، هذه سنة فعلية، كذلك إشارة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- لأبي بكر أن يتقدم في الصلاة.

    (أو تقرير):
    تقرير سيأتي تعريفه، وهو ترك الإنكار على فعل فاعل؛ يعني تقرير فعل غيره إذا فُعل بحضرة النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، أو لم يكن بحضرته وبلغه علمه فسكت، ترك الإنكار؛ نقول: سنة تقريرية؛ لأن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- أقرّه، كذلك إذا قيل قول بحضرته فسكت -صلّى الله عليه وسلّم-، أو بلغه فسكت؛ يعني ترك الإنكار؛ نقول: سنة تقريرية.

    سأل الجارية: «أين الله؟» فقالت: في السماء، أقرّها، يسمى تقريرا على قول، كذلك أكَل خالد بن الوليد الضب على مائدة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- فسكت، ترك الإنكار نقول: هذه سنة تقريرية على فِعلٍ فُعل بحضرته.

    كذلك إذا حصل شيء في زمنه، سواء بلغنا أنه علمه أو لا ولم يحصل إنكار؛ نقول: سنة تقريرية؛ ولذلك جاء في حديث جابر: "كنا نعزل والقرآن ينزل"؛ لأنه لو لم يعلمه النبي -قد يقول قائل: كيف يعلم النبي -صلّى الله عليه وسلّم- هذه الأمور؟ هذه خاصة-، لو لم يعلمه النبي -صلّى الله عليه وسلّم-؛ نقول: بل علمه من الله -عز وجل-؛ لأن كل مُنكر من القول أو الفعل يحصل في زمن التشريع؛ زمن تنزل الوحي لا يمكن أن يُقرّ على باطل، ولذلك لما بيّت المنافقون ما يبيتون فضحهم الله -عز وجل- بقوله: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} [النساء108]، إذًا هذه فضيحة؛ لأن هذا مما يخفى على النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، النبي ما يعلم الغيب، {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل65]، حتى النبي -صلّى الله عليه وسلّم- ما يعلم، حينئذ إذا خفي على النبي -صلّى الله عليه وسلّم- علمه لا يخفى الله -جل وعلا-؛ لأن الزمن زمن تشريع، فالسكوت عليه حينئذ يكون تقريرا وإقرارا للمنكر من القول أو الفعل، هذه ثلاثة أنواع: سنة قولية، وسنة فعلية، وسنة تقريرية.

    بعضهم زاد -وموجود في كتب المعاصرين-: سنة تَركية، يصح أو لا يصح؟ يعني ما تركه النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، وعلمنا أن تركه مقصود، هل نتأسى به، ونقول: هذا سنة، ونتركه كما ترك؟

    هذه نردها لما مضى.

    والترك فعل في صحيح المذهب

    ولذلك إن ظهر أن الترك مقصود قلنا: هذا كف، فإذا كان كفا صار فعلا، وإذا كان فعلا صار سنة، ودخل في قوله: (أو فعل)، خطاب الله المتعلق بفعل المكلف، "بفعل"، قلنا: منه ما هو ترك، فحينئذ الفعل يكون تركا حتى في حق النبي -صلّى الله عليه وسلّم-؛ لأنه مكلف، والخطاب يتعلق به، ولذلك لو لم تظهر بدعة -كما في المولد ونحوه - نقول: إذا لم يفعله النبي -صلّى الله عليه وسلّم- ولا الصحابة الكرام؛ فالسنة عدم الفعل، لماذا تفعل شيئا ما تقرّب به النبي ولم يتقرب به كبار الصحابة ولا القرون المفضلة؟! نقول: تركه سنة، بقطع النظر تقرر هل هو بدعة أو لا؟ يعني تكون وقَّافا فعلا وتركا؛ ولذلك التأسي -كما ذكره غير واحد- أن تفعل كما فعل لأجل أنه فعل، وأن تترك كما ترك لأجل أنه ترك، هذه قاعدة عظيمة ينبغي لطلاب العلم أن يعتنوا بها؛ أن تفعل كما فعل، لا تقل: واجب، سنة، هل أأثم إذا تركت؟ هل أأثم إذا .. إلخ، هذه تستخدم عند التعارض، اختلطت عليك الأمور، لا تستطيع أن تقدم وتؤخر، تقول: هذا واجب، هذا أولى بالعناية يقدم على السنة، أما إذا لم يحصل تعارض فحينئذ لا يترك شيئا فعله النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، بل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- سمعته يقول: السؤال عن هذا واجب أو سنة، الأمر هذا أمر إيجاب أو ندب؟ نقول: هذا أقرب إلى البدعة، يقول: الصحابة كانوا إذا أُمروا يمتثلون مباشرة، ما يقفون يجادلون، هذا أمر تقصد به الإيجاب أو تقصد به الندب؟

    أما إذا حصل التعارض فيرد السؤال من باب التخفيف على المكلف، إذا وقع تعارض وازدحمت عليك الأعمال حينئذ تقول: هذا سنة، وهذا واجب، والواجب مقدم، أما متى ما أمكن فلا يبخل على نفسه.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    تابع السنة:

    حجية أقسام السنة:


    القو
    ل:

    [المتن]:

    [(فالقول) حجة قاطعة يجب على من سمعه العمل بمقتضاه؛ لدلالة المعجز على صدقه(1)].

    [الشرح]:

    (1)
    ((فالقول) حجة قاطعة يجب على من سمعه العمل بمقتضاه؛ لدلالة المعجز على صدقه):

    (فالقول):
    الفاء للتفصيل، أراد أن يفصّل لك القول وما يتعلق به، والفعل وما يتعلق به، والتقرير وما يتعلق به؛ فقال:

    (فالقول حجة قاطعة)
    : حجة بمعنى دليل، وسلطان، وبرهان، وآية، وعلامة، وأمارة كما سبق، إذًا حجة قاطعة؛ بمعنى أنها مُلزمة.

    (يجب على من سمعه)
    : إذا قيل: من سمع قول النبي -صلّى الله عليه وسلّم- فالحكم يختص بالصحابة -رضي الله عنهم-، أما من عداهم فلا يشملهم الحكم ولو سمعه في المنام.

    (يجب على من سمعه: العمل بمقتضاه)
    : حجة قاطعة يجب العمل على حسب ما يقتضيه من وجوب أو ندب.

    إذًا ما حكم القول؟

    نقول: إما أن يُباشره السامع أو لا، يُباشره السامع؛ يعني يسمعه بنفسه، فحينئذ يصير حجة قاطعة؛ بمعنى أنه يجب العمل بمقتضاه، إن اقتضى إيجابا وجب الامتثال، وإن اقتضى ندبا استحب الامتثال، لماذا؟ قال:

    (لدلالة المعجزة على صدقه)
    : هذا الذي قلناه سابقا؛ يعني لماذا صار قول النبي حجة؟

    (لدلالة المعجزة على صدقه)
    : يعني على صدق النبي -صلّى الله عليه وسلّم-؛ يعني المعجزة التي عبّر عنها القرآن بالآية تدل على أن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- نبي، وإذا كان نبيا فحينئذ يكون صادقا؛ لأن النبوة والرسالة تبليغ للشرع عن المُرسِل إلى المُرسَل إليه، فحينئذ يمتنع أن يتخذ المُرسِل من هو كاذبا، فأقام المعجزة على صدق المُرسَل لتصديق أخباره إذا أخبر، والمعجزة هذه مُفعِلة من أعجز الشيء أو معجزة اسم فاعل، من أعجز يعجز فهو مُعجز، وضابطها: أنها كل أمر خارق للعادة يظهرها الله -عز وجل- على يد نبي تأييدا له؛ كانشقاق القمر، وينبوع الماء من أصابعه، هذه نقول: معجزات، والتعبير بالآيات أوفق للقرآن.

    أي الدليل على وجوب العمل بالسنة دلالة المعجزة على صدقه -صلّى الله عليه وسلّم-، وكل من دلت المعجزة على صدقه فهو صادق، وكل صادق فقوله حجة، فيكون قوله -صلّى الله عليه وسلّم- حجة، هكذا يقول المتكلمون، وهم كاسمهم متكلمون، وإلا لو وقفوا مع النصوص لما احتجنا إلى هذا.

    وأحسن من هذا أن يُقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}، {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي} والاتباع يلزم منه التصديق، لو لم يكن صادقا لما أمره الله -جل وعلا- أن يقول: {فَاتَّبِعُونِي} ، لو لم يكن قوله حجة ملزمًا للغير لما قال: {فَاتَّبِعُونِي} .

    إذًا عرفنا أن القول حجة قاطعة مُلزمة، يجب العمل بما دل عليه سواء بالنص أو بالظاهر المقترن بقرينة.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    تابع حجية أقسام السنة:

    الفع
    ل:

    (1) الأفعال الجبلية:


    [المتن]:

    [وأما (الفعل) فما ثبت فيه أمر الجِبِلَّة؛ كالقيام والقعود، وغيرهما، فلا حكم له(1)].

    [الشرح]:

    (1)
    (وأما (الفعل) فما ثبت فيه أمر الجِبِلَّة؛ كالقيام والقعود، وغيرهما، فلا حكم له):

    (وأما الفعل)
    : يعني فعل النبي -صلّى الله عليه وسلّم- الذي هو السنة الفعلية.

    (فما ثبت فيه أمر الجبلة)
    : جِبلة بكسرتين مع التشديد، وهو الخِلقة والطبيعة.

    (كالقيام والقعود، وغيرهما، فلا حكم له)
    : فلا حكم له؛ يعني لا إيجاب، ولا تحريم، ولا ندب، ولا كراهة، بل يبقى على الإباحة؛ لأنه -صلّى الله عليه وسلّم- بشر كغيره يحتاج إلى القيام والقعود، والنوم، والأكل والشرب، كل ذي روح لا بد أن يسعى في مثل هذه الأعمال، وهذه ليست من باب التكليف؛ يعني ليست من باب الخطاب بأمر أو نهي، لم يُكلَّف الخلق باتباع النبي -صلّى الله عليه وسلّم- في هذه الأمور، بل كلفوا باتباع أمره ونهيه، فما ثبت فيه أمر الجبلة؛ كالقيام والقعود، وغيرهما؛ كالأكل والشرب، والنوم؛ فلا حكم له.

    لكن على كلام المصنف نقول: بالنظر إلى ذاته، لا بالنظر إلى صفته؛ لأنه من حيث الصفة قد يتعلق به الحكم، الأكل من حيث هو أكل أمر جبلي، لكن كونه مأمورا بأن يأكل باليمين، منهيا أن يأكل بالشمال؛ نقول: هذه صفة تعلقت بأمر جبلي في الأصل، فحينئذ يكون الحكم مقيدا هنا، النوم أمر جبلي، لكن وردت الصفة أنه يذكر ربه، وينام على طهارة، وينام على جنبه الأيمن إلخ، نقول: هذه صفات تعلقت بأمر جبلي.

    إذًا من حيث الذات نقول: لا حكم له، ومن حيث ما تعلق به من صفة فله حكم، وهو الندب، هذا قول.

    وقال بعضهم: إنه يُندب الاقتداء والتأسي بالنبي -صلّى الله عليه وسلّم- حتى في الأمور الجبلية، وهذا عزاه أبو إسحاق الإسفراييني إلى أكثر المحدثين، أكثر أهل الحديث: أن الأمور الجبلية للنبي -صلّى الله عليه وسلّم- يقتدى بها؛ لعموم قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[الأحزاب21]، {فِي رَسُولِ اللَّهِ}؛ يعني كل ما يصدر عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، إذا قيل: "في" الظرفية، ثم جيء بالرسول، والرسول الأصل فيه أنه ذات، إذًا {فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}؛ بمعنى تأسوا به، فهذا يدل على أن الأمر عام، فكل ما صدر عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- من أمر جبلي أو غيره؛ فالأصل فيه التأسي، ولذلك جاء في الحديث: «ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء»، ثم قال: «فمن رغب عن سنتي»، التي هي ماذا؟

    سنتي: النوم والقيام، والأكل والصوم، كل هذه سماها سنة، فحينئذ أطلق على بعض الأمور الجبلية أنها سنة؛ حينئذ يكون الأصل الاقتداء به مطلقا.

    وقيل: مُباح، وقيل: ممتنع.

    وقيل: مباح. هذا ذكره المصنف هنا: (فلا حكم له): على أنه مباح، وقيل: ممتنع.

    إذًا الفعل الجبلي من أفعال النبي اختلف الأصوليون فيه على ثلاثة أقوال: الإباحة، والامتناع، والندب، وهو منسوب لأكثر أهل الحديث، والأدلة تدل عليه.

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    تابع الفعل:

    (2) الأفعال الخاصة به:


    [المتن]:

    [وما ثبت خصوصه به؛ كقيام الليل فلا شركة لغيره فيه(1)].

    (1)
    (وما ثبت خصوصه به، كقيام الليل فلا شركة لغيره فيه):

    (وما ثبت خصوصه به؛ كقيام الليل فلا شركة لغيره فيه)
    : يعني وما كان خاصًا بالنبي -صلّى الله عليه وسلّم- فهذا مختص به لا يشاركه فيه غيره من أمته، ولكن هذا -بالإجماع- لا يثبت إلا بدليل، لا بد من دليل يدل على أنه خاص به -صلّى الله عليه وسلّم-؛ كالزيادة على الأربعة في النكاح، كالوصال في اليومين في الصيام مثلا، كقيام الليل في وجوبه على القول بأنه غير منسوخ، الزواج بلفظ الهبة دون مهر: {وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}[الأحزاب50]، هذا دليل على أنه خاص، فحينئذ الحكم لأمته: عدم المشاركة، لا يستوون، لا يقلدون النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، لا يتأسون به، وتكون هذه المخصصة لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، تكون هذه الآية مخصوصة بالأحكام التي اُختص بها النبي -صلّى الله عليه وسلّم- دون غيره من سائر أمته، وإلا الأصل الاستواء كما سيأتي.

    وليس منه على الأصح إذا خاطب النبي -صلّى الله عليه وسلّم- أمته بأمر ثم فعل خلافه، بعض الأصوليين وبعض الفقهاء إذا جاء لفظ عام موجه للأمة، ثم ثبت بدليل آخر أن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- فعل خلافه يقول: ما فعله النبي هذا خاص به، وهذا يتوجه للأمة.

    نقول: هذا ليس بصحيح.

    «لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها لغائط أو بول »، هذا خطاب عام، والأصل أن الخطاب العام للأمة يشمل النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، هذا الأصل، كل حكم شُرع للأمة فيشمل النبي -صلّى الله عليه وسلّم- إلا بدليل، ثبت أن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- كما في حديث ابن عمر قضى حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة، هل هذا يعتبر مخصصا أو لا؟ هل نحمله على التخصيص أو على الخصوصية؟

    هذا هو محل النزاع، بعضهم كالشوكاني -رحمه الله تعالى- في (نيل الأوطار) في كل صفحتين أو ثلاث تجد هذه القاعدة، يقول: هذا عام للأمة، وهذا خاص به.

    نقول: هذه قاعدة فاسدة، ليست بصحيحة؛ لأنها مخالفة لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، تأخذ الأصل معك، الأصل التأسي، ولا خصوصية إلا بدليل، الأصل التأسي؛ يعني أن تقتدي بالنبي -صلّى الله عليه وسلّم- فعلا وتركا، إيجابا وندبا، تحريما وكراهة، هذا هو الأصل، والأصل الثاني الذي تستصحبه معك -وهذا يفيدك في دراسة الفقه- أنه لا خصوصية إلا بدليل؛ أن يرد نص أن هذا للنبي -صلّى الله عليه وسلّم- كما قال تعالى: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} ولذلك بعضهم يستدل بأن الأصل التأسي مع آية الأسوة قوله -جل وعلا-: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}[الأحزاب37]، والأصل أن يقول: عليك، لم عدل وقال: {على المؤمنين}؟

    لأن الأصل أن المؤمنين يتأسون بالنبي -صلّى الله عليه وسلّم-، فدل على أن الأصل التأسي، {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ}[الأحزاب37]؛ لأنك قدوتهم وأسوتهم، يفعلون كما تفعل، وهذا هو الأصل.

    فحينئذ نقول: إذا ورد لفظ عام وورد ما يخالفه من فعل النبي؛ نقول: هذا تخصيص لا خصوصية، ولذلك الجمهور على أن الحكم في استقبال القبلة واستدبارها في البول والغائط خاص بالبناء دون الفضاء، وهذا هو الأرجح والأصح.

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    تابع الفعل:

    (3) ما فعله بيانا لمجمل:


    [المتن]:

    [وما فعله بيانا؛ إما بالقول، كقوله: «صَلُّوا كما رَأَيْتُمونِي أُصلي»، أو بالفعل، كقطع السارق من الكوع، فهو معتبر اتفاقا في حق غيره(1)].

    (1)
    (وما فعله بيانا؛ إما بالقول؛ كقوله: «صَلُّوا كما رَأَيْتُمونِي أُصلي»، أو بالفعل؛ كقطع السارق من الكوع، فهو معتبر اتفاقا في حق غيره):

    النوع الثالث
    من أفعال النبي -صلّى الله عليه وسلّم-: (ما فعله بيانا): لمجمَل؛ يعني له ارتباط بالقرآن، أو بحديث آخر فيه إجمال.

    (ما فعله بيانا):
    لمجمل، قد يأتي اللفظ مجملا، محتملا لأمرين، فيفعل النبي -صلّى الله عليه وسلّم- أحد الاحتمالين، فنقول: هذا بيان لمجمل.

    والبيان إما أن يقع بالقول، وإما أن يقع بالفعل كما سيأتي في باب المجمل.

    (إما بالقول؛ كقوله -صلّى الله عليه وسلّم-:
    «صلّوا كما رأيتموني أصلي»): هكذا مثَّل المصنف كغيره من الأصوليين؛ أن هذا فيه بيان لكيفية الصلاة بالقول.

    لكن هل يُسلّم؟ {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ}، هذا مجمل، الصلاة ما هي؟ لو لم يرد من السنة تبيين الصلاة لما استطعنا الامتثال، {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ}، أي صلاة هذه؟ ماذا نصنع؟

    إذًا لا بد من أقوال تُفسَر، وأفعال تُفسَر، وشروط، وتروك .. إلخ، جاءت السنة مُبينة، هل «صلوا كما رأيتموني أصلي» مبينة لـ {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ}؟ أو إحالة على مُبيِّن؟

    إحالة، إذًا قوله: «صلّوا كما رأيتموني أصلي» ليس فيه بيان، وإنما هو إحالة على المُبين، «كما رأيتموني»، إذًا الرؤية، أمر يُدرَك بالحس، فحينئذ حصل بيان، قوله -جل وعلا-: {وأقيموا الصلاة} بفعله -صلّى الله عليه وسلّم-.

    فما قاله المصنف فيه نظر، والأصح أن يُقال: قوله -صلّى الله عليه وسلّم-: «فيما سقت السماء العُشر» بيان لمُجملِ قوله تعالى: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام141]، {حقه} ما هو؟

    هذا فيه إجمال، لكن قوله -صلّى الله عليه وسلّم-: «فيما سقت السماء العشر»، نقول: فيه نوع بيان، فحينئذ بُيّن النص {وَآتُواْ حَقَّهُ} المجمل بقوله -صلّى الله عليه وسلّم-، إذًا المثال الصحيح هو ما ذكرناه.

    (أو بالفعل)
    : أي يحصل البيان بالفعل.

    (كقطع السارق من الكوع)
    : قوله جل وعلا: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا}[المائدة38]، يقول المصنف: {أيديهما} فيه إجمال، لماذا؟

    لأنه يحتمل هل من الكف أو من المرفق أو من الكتف؟ يحتمل أو لا؟

    على ما يذكره الأصوليون يحتمل، على قول من يرى أن اليد في اللغة تطلق على اليد من الأصابع إلى الكتف فهذا مجمل، فجاء فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم -بكونه قطع يد السارق من الكوع- بيانا لمجمل بالفعل.

    والصحيح: أن الآية ليس فيها إجمال؛ لأن الأصل في إطلاق اليد في لغة العرب هي من الأصابع من الأطراف إلى الكوع، ولذلك قال هناك: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}[المائدة6]، وفي التيمم قال: {فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}[النساء43]، أطلق، {وَأَيْدِيكُمْ}، يُحمَل على ماذا؟

    على معناها اللغوي، وهو إلى المفصل، لما أُريد الزيادة على مدلولها اللغوي قال: {إلى المرافق} في آية الوضوء.

    والصحيح أن يُمثّل بأن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- بيّن بفعله المناسك، {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}[آل عمران97]، الحج هذا مُجمل، جاءت السنة بالبيان كما في حديث جابر؛ بفعل النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، السنة الفعلية بينت المجمل الذي وقع في الآية.

    (فهو
    ): الضمير يعود على فعل النبي -صلّى الله عليه وسلّم- إذا وقع بيانا لمجمل، هل يختص هذا بالنبي -صلّى الله عليه وسلّم- أم غيره يشركه فيه؟ الثاني أم الأول؟

    الثاني؛ لأنه قال: فهو معتبر؛ أي فعله -صلّى الله عليه وسلّم- الواقع بيانا لمجمل.

    (معتبر اتفاقا في حق غيره):
    من الأمة؛ لأنه تشريع داخل في عموم قوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ}[النحل44]، النبي -صلّى الله عليه وسلّم- مُبلغ، مُبيِّن، {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ}[الشورى48]، حينئذ إذا وقع لفظ مجمل في القرآن فبينه بقوله أو فعله -صلّى الله عليه وسلّم- نقول: يستوي في الحكم هو وأمته، فلا يختص به، ليس كالأمر الجبلي الذي لا حكم له، وليس كما هو من خصوصية النبي -صلّى الله عليه وسلّم- فيما ثبت خصوصيته، بل يكون عاما له ولأمته.

    ** إذًا ما وقع لأمته من الخطاب فهو داخل فيه، ولا إشكال في هذا.

    ** وما كان خطابا له فأمته تشركه فيه؛ يعني إذا وُجّه الخطاب للأمة فالنبي -صلّى الله عليه وسلّم- يشمله الحكم؛ لأنه واحد وفرد من الأمة.

    ** كذلك إذا وُجّه الخطاب للنبي -صلّى الله عليه وسلّم- -ولو بالنداء- أمته في الحكم كهو -صلّى الله عليه وسلّم-؛ ولذلك جاء قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء}[الطلاق1]، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} هو واحد، ثم قال: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء}، لماذا عدل إلى الجمع؟

    لأن الخطاب {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} أنت وأمتك، إذًا {إذا طلقتم النساء} هذا على بابه؛ لأن الأمر للنبي أمر لأمته، وجاء {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ}[التحريم1-2]، لماذا {لَكُمْ}؟

    لأن الأمر موجه للنبي -صلّى الله عليه وسلّم-، وأمته معه سواء.

    لكن ما كان المبيَّن فيه واجبا: فعل النبي -صلّى الله عليه وسلّم- يأخذ حكمه.

    ما كان مستحبا: فعل النبي -صلّى الله عليه وسلّم- يأخذ حكمه.

    لأنه يرد السؤال: إذا كان النبي -صلّى الله عليه وسلّم- يبين المجمل بقوله وفعله، ما حكم القول نفسه والفعل؟

    نقول: ننظر إلى المجمل، ننظر إلى المبيَّن، إن كان واجبا ففعل النبي -صلّى الله عليه وسلّم- وقوله واجب، إن كان المبيَّن مستحبا ففعله -صلّى الله عليه وسلّم- مستحب، يأخذ حكم المبيَّن.

    {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ}[المائدة6]، مسح كل الرأس، نقول: مسح كل الرأس من فعل النبي -صلّى الله عليه وسلّم- هذا واجب.

    {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}، {إلى}، قالوا: هذا فيها إجمال، هل المرافق داخلة أو لا؟

    نقول: غسل النبي -صلّى الله عليه وسلّم- المرافق، إذًا حصل بيان المبين للمجمل، فيأخذ حكمه، وغسل اليدين واجب؛ فيكون إدخال المرافق في الغسل واجب.

    {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}[البقرة125]، طاف -صلّى الله عليه وسلّم-، ثم صلى ركعتين عند المقام؛ نقول: سنة؛ لأن الأصل أنه مبين للسنة؛ فيأخذ حكمه.

    إذًا قول النبي -صلّى الله عليه وسلّم- وفعله -صلّى الله عليه وسلّم- إذا وقع بيانا لمجمل أخذ حكمه.

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    تابع الفعل:

    (4) الأفعال المجردة:


    [المتن]:

    [وما سوى ذلك فالتشريك، فإن عُلِمَ حكمه من الوجوب والإباحة وغيرهما فكذلك اتفاقاً، وإن لم يعلم ففيه روايتان: إحداهما: أن حكمه الوجوب، كقول أبي حنيفة وبعض الشافعية، والأخرى: الندب، لثبوت رجحان الفعل دون المنع من الترك. وقيل: الإباحة، وتوقف المعتزلة؛ للتعارض، والوجوب أحوط(1)].

    (1)
    (وما سوى ذلك فالتشريك، فإن عُلِمَ حكمه من الوجوب والإباحة وغيرهما فكذلك اتفاقا، وإن لم يعلم ففيه روايتان: إحداهما: أن حكمه الوجوب، كقول أبي حنيفة وبعض الشافعية، والأخرى: الندب، لثبوت رجحان الفعل دون المنع من الترك. وقيل: الإباحة، وتوقف المعتزلة؛ للتعارض، والوجوب أحوط):

    (وما سوى ذلك فالتشريك، فإن عُلم حكمه، وإن لم يُعَلم):
    قسمه لك قسمين.

    (وما سوى ذلك)
    : المشار إليه: الجبلي، والخاص، وما فعله بيانا، ترك واحدة فقط، وهو ما احتمل الجبلي والتشريعي؛ لأن القسمة رباعية.

    ** جبلي قطعا؛ كالأكل والشرب.

    ** محتمل للجبلي والتشريعي؛ كجلسة الاستراحة، جلسة الاستراحة ما سميت في عهد السلف بجلسة الاستراحة، وإنما سماها الفقهاء، فلذلك بعضهم قال: هي من الاستراحة، قال: إذًا ليست بتشريع؛ لأنها معلومة الحكمة، ليست من باب التعبد، يحتمل أن تكون من باب التعبد، ويحتمل أنها من باب أنه يستريح؛ أنه صلى ركعة فأراد أن يقوم فاستراح؛ لأنه أريَح له -صلّى الله عليه وسلّم، لذلك تقول عائشة: "حَطَمَهُ النَّاسُ"؛ يعني لما كان في آخر الزمن، فهذا محتمل، ما حكمه؟

    إذا احتمل الجبلي والتشريع نقول: إذا قلنا في الجبلي هناك: إنه ندب، فلا إشكال، استوى الحكم؛ فتكون جلسة الاستراحة سنة، ويكون الحج على الدابة سنة، ويكون النزول في المحصَّب سنة؛ لأن هذا مما احتمل الجبلية والتشريع، فحينئذ يستوي الحكم فيهما؛ فيكون ندبا.

    كذلك لُبس العمّة والنعل، هل هما وصفان للحكم التكليفي أو وصفان للحكم الوضعي؟

    أيضا فيه خلاف، المصنف هنا جرى على أنهما وصفان للحكم الوضعي، ووجهه: أن الشرع هل دعا الناس إليها؟ هل لبس العمة فقام على المنبر فدعا الناس إلى هذا؟

    نقول: لا، فيبقى أنها من السنن العادية؛ يعني يُتأسى بالنبي -صلّى الله عليه وسلّم-، وصاحبها مُثاب؛ لأن الأصل التأسي.

    ثم تبقى مسألة دعوة الناس إلى مثل هذه الأمور؛ نقول: الأصل أن ما دعا إليه النبي يُدعى إليه، وما لم يدعُ إليه النبي -صلّى الله عليه وسلّم- نقول: نتأسى؛ لأنه فعل، نفعل كما فعل لأجل أنه فعل.

    ثم يبقى أنه ترك الدعوة إلى مثل هذه الأمور؛ فيبقى الأصل: التشريع، ثم بعد ذلك نقول: هذه المصلحة تقتضي الدعوة أو لا؟ إلخ، فالمسالة محتملة.

    إذًا نقول: ما كان محتملا للجبلية والتشريع الأصل أنه الندب؛ لأنه محمول على القول السابق في الأمور الجبلية.

    أما جلسة الاستراحة فهي ثابتة بالنص، فليست محتملة، ولذلك جاء في حديث مالك بن الحويرث: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وهو راوي جلسة الاستراحة، إذًا هي مأمور بها، داخلة في قوله -صلّى الله عليه وسلّم-: «صلوا»، هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، هذا الأصل، لكن لكونها تركت في بعض المواضع، لم تُنقل؛ نقول: الأصل السنية، إذًا ثابتة بالنص وبالفعل.

    (وما سوى ذلك)
    : أي الجبلي، والخاص به -صلّى الله عليه وسلّم-، وما فعله بيانا.

    (فالتشريك)
    : يعني فحكمه التشريك بينه وبين أمته.

    ثم قسم لك هذا قسمين: إما أن يُعَلم حكمه أو لا؛ يعني يفعله -صلّى الله عليه وسلّم- ويُنقَل أنه فعله على جهة الوجوب، أو يُنقل أنه على جهة الاستحباب، أو أنه فعله ولم يُنقل حكمه، إذًا قسم لك ما سوى الجبلي، والخاص، وما وقع بيانا، إلى قسمين.

    (فإن عُلم حكمه)
    : من أفعاله -صلّى الله عليه وسلّم-.

    (من الوجوب والإباحة وغيرهما)
    : بدليل القرآن –مثلا-، أو بدليل سنة أخرى، أو بفهم الصحابة -رضي الله عنهم-.

    (فكذلك)
    : يعني فإن أمته مثله في الحكم، ما كان واجبا عليه -صلّى الله عليه وسلّم- فهو واجب على أمته، وما كان مستحبا فهو مستحب في حق أمته.

    (اتفاقا):
    قال: اتفاقا؛ لقوله –جل وعلا-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}[الحشر7].

    (وإن لم يُعلَم)
    : هذا ما يُعَبر عنه بالفعل المجرد عند الأصوليين؛ يعني فُعل ولم يُعلم حكمه.

    (ففيه روايتان)
    : عن الإمام أحمد -رحمه الله-.

    (إحداهما: أن حكمه الوجوب، كقول أبي حنيفة، وبعض الشافعية):
    ونُسب إلى مالك -رحمه الله تعالى-؛ حكمه الوجوب علينا وعليه؛ لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.

    لكن هنا في مثل هذا نقول: الأصح التفصيل؛ ما توقف عليه البلاغ في حقه على الصحيح فهو واجب، وإلا فندب، وأما في حقنا فالأصح أنه مندوب لما سيذكره.

    هذه الرواية الأولى عن الإمام أحمد، وهي المرجحة، المذهب عند أكثر أصحابه الوجوب احتياطا.

    (والأخرى: الندب؛ لثبوت رجحان الفعل دون المنع من الترك)
    : لأن الوجوب والندب اشتركا في مطلق الطلب، إذًا هذا مشترك، إذًا الطلب أرجح من الترك، والواجب يمنع الترك، والمندوب يجيز الترك، فحينئذ أيهما أدنى وأيهما أعلى؟

    الندب أدنى من الواجب ولا شك؛ لأن الواجب والندب كل منهما مطلوب الفعل، إلا أن الندب لا يمنع الترك، والواجب يمنع الترك، وما لا يمنع أخف مما يمنع، وما لا يمنع أدنى مما يمنع، فحينئذ قال هنا:

    (لثبوت رجحان الفعل)
    : لكونه ندبا.

    (دون المنع من الترك)
    : الذي هو لازم للواجب؛ لأن الذي يمنع من الترك هو الواجب؛ ما يُثاب على فعله، ويُعاقب على تركه، إذًا مُنع من الترك، وما لم يمنع من الترك هذا حمل الفعل المجرد عليه أحوط؛ لأنه أدنى، ثبتت شرعية فعل النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، وأدنى مراتب التشريع من جهة طلب إيجاد الفعل هو الندب؛ فحينئذ يكون اليقين، ولا يُحمَل على الأعلى -وهو الواجب- إلا بدليل، وهذا أرجح، أما في حقه -صلّى الله عليه وسلّم- فيكون واجبا إذا توقف عليه البلاغ، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}[المائدة67]، إذًا توقف البلاغ على فعل أو على قول واجب في حق النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، ويكون في حق أمته ندبا، هذا إذا لم يُعلَم حكمه نقلا عنه.

    (والأخرى: الندب؛ لثبوت رجحان الفعل دون المنع من الترك)
    : الذي هو لازم للواجب؛ أي أن الفعل أرجح من الترك؛ لأن فعله له -صلّى الله عليه وسلّم- يدل على مشروعيته، وأقل أحوال المشروع: الندب، إما واجب، وإما ندب، أقل أحوال القربى: الندب.

    (وقيل: الإباحة)
    : حملا على أقل الأحوال؛ ولذلك سبق أن بعضهم يقول: الجائز هذا يُطلق على الواجب، والندب، والإباحة.

    وهي والجواز قد ترادفا في مطلق الإذن لدى من سلفا

    قلنا: يشمل الواجب، والندب، والإباحة، أدنى المراتب الثلاث: الإباحة، فحينئذ إذا اشتبه علينا حكم الفعل نقول: الأدنى؛ لأنه اليقين، ولا يعدل للأعلى إلا بثبات، لكن هذا ضعيف.

    (وتوقف المعتزلة للتعارض)
    : قالوا: يحتمل أنه واجب، ويحتمل أنه مندوب، فحينئذ توقفوا، المعتزلة لا التفات إليهم.

    (والوجوب أحوط)
    : يعني مطلقا.

    لكن هذا ليس بصواب، الأصح التفصيل: أنه في حق الأمة سنة، وفي حقه -صلّى الله عليه وسلّم- إن توقف عليه البلاغ فهو واجب.

    لكن تصور المسألة على وجهها الصحيح: المراد فعلٌ لم يُنقل حكمه عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، فعل فعلا ما، وليس عليه دليل من قول أو غيره مما يؤيد ندبيته أو وجوبه؛ يعني صورة المسألة في فعل لم يقترن بما يدل على الندب، وفي فعل لم يقترن به ما يدل على الوجوب، نُقل إلينا فعل فعله النبي -صلّى الله عليه وسلّم- ما حكمه؟

    نقول: إذا لم يُنقل حكمه فالأصل أنه مندوب؛ لأن الأصل التشريع والتأسي.

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    تابع حجية أقسام السنة:

    التقرير
    :

    [المتن]:

    [وأما (تقريره) وهو ترك الإنكار على فعل فاعل. فإن عُلِمَ علةُ ذلك كالذمي على فطره رمضان، فلا حكم له، وإلا دلّ على الجواز(1)].

    (1)
    (وأما (تقريره) وهو ترك الإنكار على فعل فاعل، فإن عُلِمَ علةُ ذلك؛ كالذمي على فطره رمضان، فلا حكم له، وإلا دلّ على الجواز):

    (وأما تقريره):
    تقريره -صلّى الله عليه وسلّم-، وهو القسم الثالث: السنة التقريرية.

    (وهو ترك الإنكار على فعل فاعل أو قوله)
    : يعني قيل بحضرته قول فلم ينكر، ترك الإنكار، أو فُعل بحضرته فعل وترك الإنكار، كذلك لو حصل شيء ما في زمنه فبلغه؛ نقول: هذا تقرير؛ إما بالسكوت، وإما بالحديث.

    والتقرير عند أكثر أهل العلم يُحتج به.

    هل يحتج بتقرير النبي -صلّى الله عليه وسلّم- على إثبات السنة؟

    الصواب: نعم، بل حكى ابن حجر -رحمه الله تعالى- الإجماع على ذلك؛ لأنه -صلّى الله عليه وسلّم- لا يسكت على منكَرٍ يُفعَل بحضرته؛ لأنه معصوم؛ ولأنه إذا سكت معناه مشارك لهم، {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر}، فحينئذ يمتنع أن يسكت -صلّى الله عليه وسلّم- على المنكر وهو معصوم عن ذلك.

    (فإن عُلم علة ذلك):
    يعني لو نُقل أنه ترك الإنكار، لكن نُقل سبب ذلك.

    (كالذمي)
    : يعني فله عذر خاص، ذمي شرب الخمر، ترك الصيام في نهار رمضان ولم ينكر عليه النبي -صلّى الله عليه وسلّم- نقول: هذا له عذر خاص، و هذا العذر أخرج كونه مقرًّا عليه من جهة الشرع.

    (كالذمي على فطره رمضان):
    أفطر في رمضان فسكت عنه النبي -صلّى الله عليه وسلّم- هل نقول: سنة تقريرية؟

    لا نقول: سنة تقريرية.

    (فلا حكم له)
    : يعني لا يدل على الجواز.

    (وإلا دل على الجواز)
    : يعني وإلا نعلم على تركه الإنكار علة كان ذلك دليلا على الجواز.

    إذًا كأنه يقول: ترك الإنكار من النبي -صلّى الله عليه وسلّم- له حالان:

    ** إما أن يترك الإنكار بعذر خاص يتعلق بفعل الفاعل؛ فحينئذ لا يدل على الجواز.

    ** وإما ألا نعلم ذلك؛ فحينئذ يدل على الجواز؛ لعموم قوله -جل وعلا-: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ}[الأعراف157].

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    طرق السنة في بلوغها للناس:

    (1) من تصل إليه السنة بالمباشرة:


    [المتن]:

    [ثم العالم بذلك منه بالمباشرة -إما بسماع القول، أو رؤية الفعل، أو التقرير- فقاطع به(1)].

    [الشرح]:

    (1)
    (ثم العالم بذلك منه بالمباشرة -إما بسماع القول، أو رؤية الفعل، أو التقرير- فقاطع به):

    هذا شروع من المصنف -رحمه الله تعالى- في تقسيم السنة من حيث بلوغها إلى الناس.

    كيف تصل إلينا السنة؟


    قال: لنا طريقان.

    (ثم العالم بذلك):
    يعني بقوله -صلى الله عليه وسلم-، من سمع قول النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو رأى فعله، أو رأى تقريره.

    (منه)
    : من النبي -صلى الله عليه وسلم-، الضمير يعود على النبي -صلى الله عليه وسلم-، له طريقان:

    ** إما بالمباشرة.

    ** أو بغير المباشرة.

    إما أن يرى ويسمع، وإما أن يصل إليه بطريق الخبر.

    يرى ويسمع؛ هذا واضح أنه خاص بالصحابة -رضوان الله عليهم-؛ لأن من سمع قول النبي -صلى الله عليه وسلم- مباشرة هو الصحابي، ومن رأى فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الصحابي، ومن رأى تقرير النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الصحابي.

    ومن يصل إليه بواسطة هو من بعد الصحابي؛ من كان الصحابة وسيلة في تبليغ الشرع إليه.

    (بذلك):
    أي بالسنة بأنواعها الثلاث.

    (منه)
    : -صلى الله عليه وسلم-.

    (بالمباشرة؛ إما بسماع القول):
    قول النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه.

    (أو رؤية الفعل):
    فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-.

    (أو التقرير):
    رؤية تقرير النبي -صلى الله عليه وسلم-، قيل قولٌ عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فرأى صحابي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد سكت وترك الإنكار، إذًا يستفيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقرّ هذا القول، وأنه جائز، فنقول: قد وقف الصحابي على تقرير النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمباشرة، إذا عرفنا أن الصحابي يباشر السنة بأنواعها الثلاثة قال:

    (فقاطعٌ به):
    أي العالم بما ذُكر قاطع بحصوله من الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فيكون حجة قاطعة في حقه، لا يسوغ أبدا خلافه، إلا بنسخ، أو جمع بين متعارضين، من سمع قول النبي -صلى الله عليه وسلم- صار القول حجة قاطعة في حقه، لا يجوز تركه أو خلافه إلا بدعوى نسخ عند الصحابي، أو تعارض هذا القول مع قول أو فعل آخر.

    (فقاطع به)
    : إذًا عرفنا أن المباشر للسنة النبوية فعلا أو قولا أو تقريرا حكمه: وجوب العمل وجوبا قطعيا، لا ظنيا.

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: "مباحث الأدلة" مصححة منقحة .. للعلامة أحمد بن عمر الحازمي

    تابع طرق السنة في بلوغها للناس:

    (2) من تصل إليه السنة بطريق الخبر:


    [المتن]:

    [وغيره إنما يصل إليه بطريق الخبر عن المباشر، فيتفاوت في قطعيته بتفاوت طريقه؛ لأن الخبر يدخله الصدق والكذب، ولا سبيل إلى القطع بصدقه؛ لعدم المباشرة(1)].

    [الشرح]:

    (1)
    (وغيره إنما يصل إليه بطريق الخبر عن المباشر، فيتفاوت في قطعيته بتفاوت طريقه؛ لأن الخبر يدخله الصدق والكذب، ولا سبيل إلى القطع بصدقه؛ لعدم المباشرة):

    (وغيره):
    أي غير الصحابي، أو غير المباشر؛ يعني غير العالم بالسنة مباشرة، وهو من وصلت إليه السنة بواسطة، بقطع النظر عن طول هذه الواسطة أو قصرها، ما حكمه؟

    (إنما يصل إليه بطريق الخبر عن المباشر):
    لذلك يُقال: أول الإسناد وآخره، أول الإسناد من جهة البخاري مثلا، وآخره من جهة الصحابي، لا بد أن يكون متصلا إلى الصحابي، وإلا كان في السند خلل.

    (وغيره إنما يصل إليه)
    : يعني يصل إليه العلم بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- أو فعله أو تقريره.

    (بطريق الخبر عن المباشر):
    إذا وُجدت واسطة بين المباشر وبين من نُقل إليه الخبر بواسطة ذلك المباشر، أو المباشر عن غيره.

    (فيتفاوت في قطعيته بتفاوت طريقه):
    إذا كان في حق المباشر الحكم قطعيا لا يجوز الخلاف؛ فحينئذ يورث اليقين، اليقين حجة قاطعة؛ بمعنى أنه أفاد العلم اليقيني، العلم الضروري الذي لا يجوز خلافه البتة كما سيأتي في كلامه على التواتر.

    أما من ثبتت الواسطة بينه وبين المباشر، وبينه وبين النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ حينئذ تتفاوت الأحكام، هل هو قطعي أو ظني؟

    يختلف باختلاف تلك الواسطة، لا نقطع بكونه قطعي الدلالة أو قطعي الثبوت كما قطعنا في المباشر؛ لأن ذاك رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- مباشرة، لا يمكن أن يحتمل أن يكون الفعل غير فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويسمع من النبي -صلى الله عليه وسلم- مباشرة، لا يمكن أن يحتمل أن يسمع من غير النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويرى سكوت النبي؛ حينئذ صار الحكم قطعيا في حقه، لا يجوز الخلاف أبدا، إلا بدعوى نسخ، أو جمع بين متعارضين.

    أما غيره فلا؛ لوجود الواسطة، ولكون هذه الواسطة من البشر، ويعروهم من النقص والنسيان، وبعضهم الكذب والغفلة .. إلخ، حينئذ لا يمكن أن يُقطَع بكون هذا القول قول النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو ليس بقوله، بل سيتفاوت في قطعيته، وهذا مُسَلَّم حسًّا وعقلا وشرعا؛ يعني يدل على تفاوت الحكم بالقطع أو الظن: الحس، ويدل كذلك: الشرع، ويدل أيضا: العقل.

    والحكم حينئذ يكون مرتبا على الواسطة التي نقلت إلينا الخبر، فلا بد من نظرٍ في تلك الواسطة، لا بد من النظر إلى العدد، هل وصلت إلى حد التواتر أو لا؟ حينئذ يُنظَر فيه على ما يذكره المصنف.

    (فيُتفاوت في قطعيته بتفاوت طريقه):
    لماذا؟

    (لأن الخبر):
    الذي ينقله إلينا تلك الواسطة.

    (يدخله الصدق والكذب):
    لأنه خبر؛ هو ينقل خبرا، ونحن لم نقطع بأنه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- أو فعله أو تقريره، حينئذ نقول: هذا خبر من الأخبار، وأي خبر من الأخبار يحتمل الصدق والكذب لذاته؛ ولذلك لو قيّد المصنف: "لذاته" لكان أولى.

    (يحتمل الصدق):
    بمعنى أنه مطابق للواقع.

    محتمل للصدق والكذب الخبر
    وغيره الإنشا ولا ثالث قر
    تطـابق الواقـع صدق الخبر

    وكِذْبُه عدمـه فـي الأشهـر

    هكذا قال السيوطي في (عقود الجمان).

    إذًا تطابق الواقع هذا هو صدق الخبر، متى يكون الخبر صادقا؟

    ننظر في الخبر؛ فإذا به قد طابق الواقع، "قدم زيد"، هذا خبر، يحتمل أنه صدق، ويحتمل أنه كذب، إذا بالفعل وقع أن زيدا قدم؛ نقول: الخبر صادق؛ لأن له مدلولا حسيا في الخارج أُدرِك، "قدم زيد"، فترى زيدا إذا به قادم، نقول: هذا الخبر صادق؛ لأنه طابق الواقع، "قدم زيد"، فإذا بك تبحث لم يقدم زيد، إذًا لم يطابق الواقع؛ تقول: هذا كذب.

    لكن لا بد من التقييد لذاته؛ لأن الخبر قد يُقطع بصدقه، وقد يُقطع بكذبه، وقد يستوي الأمران، وهو الذي ذكره المصنف.

    قد يُقطع بصدقه؛ حينئذ نقول: خرج عن حد الخبر، ما احتمل الصدق والكذب، هذا هو الخبر، إذا لم نقل: "لذاته"، فأخبار الله -عز وجل- لا تحتمل، بل هي مقطوع بصدقها، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلًا} [النساء122].

    خبر مُدعي النبوة أو الرسالة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- مقطوع بكذبه، هل نقول: هو خبر يحتمل الصدق والكذب؟ لا، إذًا لا بد أن نقول: "لذاته"؛ لذات الخبر دون النظر إلى قائله، ودون النظر إلى أمر خارج يُفسِّر الخبرَ نقول: يحتمل الصدق والكذب.

    حينئذ نقول: الأخبار ثلاثة:

    ** ما قُطع بصدقه؛ كخبر الرب -جل وعلا-.

    ** ما قُطع بكذبه؛ كخبر مدعي الرسالة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-.

    ** ما جاز فيه الوجهان، وهو ما نُظر إليه لذاته.

    ولذلك نقول: هذا مما يُبيَّن أن دعوى المجاز بأنه: ما صح نفيه، وما صح نفيه لا يجوز في القرآن.

    نقول: القرآن فيه أخبار وإنشاءات بالإجماع، والخبر: ما احتمل الصدق والكذب لذاته بالإجماع، والقرآن مشتمل على الأخبار، فحينئذ اشتمل القرآن على ما يصح نفيه، لكن لذاته، لا بالنظر إلى غيره، فإذا جاز الخبر –وهو ما يصح تكذيبه- فلا مانع أن يقال: في القرآن مجاز مع صحة نفيه، لكن لذاته.

    أما ما يُقال بأن المجاز يصح نفيه، وما يصح نفيه لا يجوز وقوعه في القرآن فهو ضعيف؛ يعني من أراد أن ينفي فبغير هذا الدليل؛ لأنه سيرد عليه الخبر، وهو يحتمل التكذيب، والتكذيب أشد من النفي.

    هل في القرآن أخبار أو لا؟

    نقول: نعم.

    إذًا في القرآن ما يصح تكذيبه، ما الجواب؟

    نقول: ما صح تكذيبه لذاته، وكذلك النظر للحقيقة والمجاز، النفي يعتبر للحقيقة؛ إذا قيل: كــ{جناح الذل} هذا يصح نفيه أو لا؟

    الذي يصح نفيه هو المعنى الحقيقي، وليس هو ظاهر القرآن، {جناح الذل}، نقول: الأصل في الجناح أنه جناح حسي للطائر، والذل أمر معنوي، والمعنى لا يطير، ليس له جناح، نقول: نعم، إذا أُريد الجناح بأنه الحقيقة نُفي، إذًا نُفي المجاز هنا لا لذات المجاز، ولكن لكونه مستعملا في حقيقته، فإذًا فرق بين أن يُنفَى المجاز وأن يُنفى المعنى الحقيقي الذي نُقل عنه المجاز، والذي هو القرآن كـ{جناح الذل}، المعنى المجازي لا المعنى الحقيقي، والنفي سُلط على المعنى الحقيقي، وليس هو المراد.

    كذلك نقول: الخبر مثله، فمن ينفي هناك ينفي هنا، وإلا لا يتناقض، وأنا أشد ما أنكر على طلاب العلم أن يتناقضوا، إما أن يكون مطردا؛ قواعد وأصول، وإما أن يسكت، أما أن يأتي في مواضع فيثبت أشياء، ثم يأتي في مواضع أخرى فينفي ما أثبته سابقا، هذا ليس مسلك طلاب العلم، هذا غالبا تجده عند الذين يتناقلون ولا يؤصلون أنفسهم، وخاصة في مجال الفقه، من درس الفقه بما يسمى بالفقه المقارن ابتداء، هذا غالبا يتناقض من حيث لا يشعر، يفتح مثلا (المجموع شرح المهذب) أو (المغني)، قال أبو حنيفة، قال مالك، روايتان عن أبي حنيفة، خمس روايات عن أحمد، ثم حسب ما يرى يقول: الراجح كذا؛ لأن دليله أقوى، ثم يأتي بمسألة أخرى، فإذا به يُرجّح مذهب أبي حنيفة؛ لأن دليله أقوى، أبو حنيفة ما يتكلم هكذا، كلامه مبني على أصول، هناك أصول وقواعد يسير عليها، ولذلك أضبط من يضبط الفقه على أصوله هم الأحناف، ولذلك سُميت بطريقة الفقهاء، طلبة العلم في السابق ما كان عندهم هذا الخلط، الآن تجده يُرجح في مسألةٍ مذهب أبي حنيفة، ويأتي في مسائل أخرى يُرجح بناء على أصلٍ ينفيه أبو حنيفة هناك؛ يعني يثبت مسألة مبنية على أصل، ثم يَنفي مسألة في موضع آخر مبنية على ذات الأصل، نقول: مرجع الفقه إلى أصوله، ولذلك ما يضبط ظاهرا وباطنا إلا من أخذ الفروع والأصول في مذهب واحد واطرد.

    إذًا نقول: إذا وصلت إلينا السنة النبوية بطريق يوصلنا عن المباشر؛ فلا نقطع بصدق ذلك الخبر، بل تتفاوت القطعية وعدمها بالنظر إلى نفس الطريق الموصل إلى من باشر النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه خبر، والخبر من حيث هو يحتمل الصدق والكذب لذاته، فحينئذ لا بد من نظرٍ في الرواة ونحوه.

    (ولا
    سبيل إلى القطع بصدقه): يعني بصدق المخبر لعدم المباشرة؛ لأن من رأى أو سمع بنفسه فهو قاطع بنسبة القول للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن رأى الفعل فهو قاطع جازم بأن هذا الفعل فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن إذا وصلوا بواسطة عشرة هل يقطع؟

    نقول: فيه تفصيل: يتفاوت بتفاوت السلسلة التي تكون بينه وبين المباشر.

    إذًا بيَن لك أن السنة من حيث بلوغها إلى الناس لها طريقان:

    الطريق الأول:
    بالمباشرة، وهذا تجعله بين قوسين خاصا بالصحابة -رضي الله عنهم-، وهذا حجة قاطعة في حقه، لا يجوز خلافها إلا بدعوى نسخ، أو دفع تعارض بين دليلين، ونحو ذلك.

    الطريق الثاني:
    أن يكون بطريق موصل إلى المباشر؛ يعني ألا يكون مباشرة، وإنما يكون بواسطة، هذه الواسطة لا يمكن أن نقطع بصدقها؛ لأن المنقول خبر، وكل خبر يحتمل الصدق والكذب لذاته، إذًا ما هي أنواع الطرق الموصلة إل ذلك الخبر؟ قال:

صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •