محب الدين الخطيب
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: محب الدين الخطيب

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,002

    افتراضي محب الدين الخطيب

    عالم جليل، سارَ ذكره في آفاق العروبة والإسلام طوال القرن الماضي، وما يزال الناس يذكرونه بالخير، فقد كان علماً في رأسه نور، وفي قلبه نور، وفي لسانه نور، وفي قلمه نورٌ وشواظ من نار تحرق أعداء العروبة والإسلام في كل مكان، عرباً مستغربين، وغربيين مستشرقين.
    هو محب الدين بن أبي الفتح بن عبد القادر بن صالح بن عبد الرحيم بن محمد الخطيب، أصل أسرته من بغداد من ذرية الشيخ عبد القادر الجيلاني. هاجرت أسرته إلى «حماة» في بلاد الشام، ونزح فرع منها إلى قرية «عذراء» وفريق إلى دمشق، وصارت من أكبر الأسر الدمشقية عدداً، ومن أجلّها علماً وفضلاً.
    ولد العلامة محب الدين الخطيب في «حي القيمريّة» بدمشق في الشهر السابع من سنة (1303هـ = 1886م).
    كان أبوه الشيخ أبو الفتح الخطيب من أفاضل رجالات دمشق، وكان أمين دار الكتب الظاهرية، وتولى التدريس والوعظ في الجامع الأموي، وكان زاهداً، متقشفاً، يكره معاشرة الحكام، وله «مختصر تاريخ ابن عساكر» في خمسة أجزاء، و«مختصر تيسير الطالب» و «شرح للعوامل».
    وأمه السيدة آسية الجلاد بنت محمد الجلاد - المزارع الكبير - تقية صالحة مشهورة بالفضل وعمل الخير، ومن أسرة دمشقية كريمة عريقة، وقد توفيت بريح السموم بين مكة والمدينة، بعد أن أدّت فريضة الحج، ودُفنت هناك في الفلاة، وكان محب الدين طفلاً صغيراً، ماتت وهو في حجرها.
    نشأته وطلبه للعلم:
    نشأ محب الدين الخطيب في هذه الأسرة الكريمة ذات الدين، والخلق، والعلم، وكفله والده ليعوضه حنان الأم، وعند رجوعه إلى دمشق من رحلة الحج ألحقه والده وهو في السابعة بمدرسة «الترقي النموذجيّة»، وحصل منها على شهادة إتمام المرحلة الابتدائيّة بدرجة جيد جداً، ثمّ التحق بمدرسة «مكتب عنبر»، وبعد سنة توفي والده.
    رأت أسرته بعد وفاه الوالد أن يترك المدرسة، فتركها ولازم العلماء، وكان في هذه الفترة الشيخ «طاهر الجزائري» -المشرف على المكتبات والمدارس في بلاد الشام- غائباً عن دمشق، فلمّا عاد -وكانت بينه وبين أبي الفتح الخطيب صلة ومودة وإخاء- وعلم بموت والد محب الدين احتواه، وعطف عليه، ووجهه نحو العلم لينهل منه، ويتضلّع من مشاربه، وغرس فيه:
    • حب قراءة التراث العربي الإسلامي.
    • حب الدعوة إلى الله.
    • التحريض على إيقاظ العرب ليقووا على حمل رسالة الإسلام، فهم مادة الإسلام.
    ولذلك كان يقول عنه العلامة محب الدين الخطيب: «من هذا الشيخ عرفت إسلامي وعروبتي».
    وسعى شيخه الجزائري ليخلف «محب الدين» أباه في دار الكتب الظاهريّة على أن ينوب عنه من يقوم بها حتى يبلغ سن الرشد، وفي فترة الانتظار كان ينتقي لتلميذه «محب الدين الخطيب» مخطوطات من تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية وأضرابه فيكلّفه بنسخها. وانتفع «محب الدين» بهذا العمل من ناحيتين:
    أ- توسعت ثقافته العلميّة، وترسخ في العلم وبخاصّة انتفاعه بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته السلفيّة، فاستفاد بذلك اطلاعاً على الإسلام المصفّى من البدع والخرافات والأوهام.
    ب- أشغل وقته وانتفع بأجرة النسخ.
    كما وجه الشيخ الجزائري تلميذه للالتحاق مرة ثانية بمكتب عنبر. وأوصاه بالتردد على العلماء: أحمد النويلاتي، وجمال الدين القاسمي، ومحمد علي مسلم، حيث كانت لهم غرف في مدرسة «عبد الله باشا العظم»...في هذه الفترة المبكرة تفتحت آفاق التفكير العلمي عند محب الدين الخطيب، وانتفع بما تلقاه في المدرسة من علوم كونيّة، وأضاف إليها مطالعاته المتواصلة في دار الكتب الظاهريّة، واطلاعه على المجلات الكبرى في عصره: المقتطف، الهلال، الضياء.
    وفي هذه الفترة كان يبث أفكار شيخه الجزائري، ويكتب المقالات العلميّة والقطع الأدبيّة التي يعربها من التركيّة، ويرسل بها إلى صحيفة «ثمرات الزمان» في بيروت.
    وكان «محب الدين» كثير القراءة في سائر علوم الشريعة، والعربية، والعصرية، وكان حّبه للعربية والعرب شديداً، وكان يرى أن الله تعالى اختص العرب بصفات ومزايا تجعلهم أصحاب رسالة، ومسؤولين عن القيام بأمر العقيدة الصحيحة السليمة.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,002

    افتراضي رد: محب الدين الخطيب

    رحلاته العلميّة والدعويّة:
    بعد أن أنهى الخطيب دراسته الثانويّة عام (1906م) في بيروت، انتقل إلى عاصمة الخلافة: «إسلامبول» المعروفة يومئذٍ بـ «الأستانة»، وهي «القسطنطينيّة» والتحق بكليتي الآداب والحقوق.
    نزل هناك في حي يكثر فيه أبناء العرب وطلاب العلم، ورأى هناك أمراً عجباً…الطلاب العرب يجهلون قواعد لغتهم، وإملاءها، وآدابها، ويتكلّمون بينهم برطانة الترك، فانتخب الشيخ محب الدين الخطيب من الشباب العربي طائفة أقنعها بوجوب تعلّم لسان العرب، واتفق مع صديقه الأمير «عارف الشهابي» أن يقوما على تعليم هؤلاء الشباب العرب لغتهم، وبعد فترة أسسوا «جمعية النهضة العربيّة»، وكان صديقه العلامة الأستاذ «محمد كرد علي» يرسل إليهم الصحف بالبريد.
    شعر الأتراك الاتحاديّون الذين انقلبوا على الخلافة العثمانيّة بكيد من يهود الدونمة، وأبقوا للخليفة الاسم ولهم الرسم .. شعروا بنشاط «جمعيّة النهضة العربيّة» فداهموا غرفة الشيخ محب الدين الخطيب، ووجدوا فيها أوراقاً وصحفاً عربيّة، وكاد الشيخ أن يهلك لولا أنّ الله قيّض له رجلاً كانت تربطه بأسرته روابط قويّة.
    اشتدت الرقابة الاتحاديّة على الشيخ فغادر «الأستانة» بعد الانتهاء من السنة الثالثة إلى دمشق. ثم اختير الشيخ للعمل في اليمن وانتقل إليها، وفي طريقه إلى اليمن توقف في مصر، ليلتقي شيخه الشيخ طاهر الجزائري، وصديقه محمد كرد علي، واتصل فيها بأركان «جمعية الشورى العثمانية» الذين كانوا يطالبون بالحكم النيابي، وإعلان الدستور، ووضع حدّ للحكم الفردي، وكان منهم: الشيخ رشيد رضا، ورفيق العظم، والأديب التركي عبد الله جود .. وسواهم، وفوّضوه بتأسيس فرع جديد لجمعيتهم في اليمن، والبلاد العربية، من الرجال الصالحين.
    ونشط في اليمن نشاطاً عظيماً في ميادين: السياسة، والصحافة، والطباعة، والتعليم، والنشاط الاجتماعي، والثقافي، الأمر الذي جعل الأجهزة تراقبه وتضايقه.
    ولمّا أعلن الدستور العثماني سنة (1908م) رجع إلى دمشق، وأصبح يطالب مع إخوانه هناك بحقوق العرب التي تنكرت لها حركة التتريك، وفي هذه الرحلة شارك في تحرير جريدة هزلية «طار الخرج»، فانتبهت السلطات الحكوميّة للجريدة، فسافر الشيخ إلى بيروت، فأمرت الحكومة بملاحقته، فانتقل إلى القاهرة، وهناك شارك في جريدة «المؤيد»، وفي سنة (1913م) أسس الشيخ (محمد رشيد رضا) مدرسة «الدعوة والإرشاد» فدرّس فيها الشيخ محب الدين.
    وعندما قامت الحرب العالمية الأولى، وأعلنت الثورة العربيّة الكبرى، طلبه الشريف الحسين بن علي برقياً فسافر إلى مكة فأسس المطبعة الأميريّة، وأصدر جريدة «القبلة» الناطقة باسم حكومة الحجاز، وكان الشريف حسين يستشيره في كثير من الأمور الخارجيّة مع الشيخ (كامل القصاب).
    ولمّا دخل العرب دمشق عام (1918م) بقيادة الأمير فيصل، عاد الشيخ محب الدين الخطيب، وأنيط به إدارة وتحرير الجريدة الرسميّة للحكومة باسم «العاصمة».
    ولمّا دخل الفرنسيون عام 1920م دمشق، غادر الشيخ محب الدين إلى مصر، واستقرّ في القاهرة، حيث عمل في تحرير جريدة «الأهرام» خمس سنوات، وهناك أسس المكتبة السلفيّة ومطبعتها، حيث قام بطباعة الكتب السلفيّة، ونشر كثيراً منها، وأصدر «مجلة الزهراء»، وهي مجلة أدبيّة اجتماعيّة دامت خمس سنين.
    ثمّ أسس مجلة «الفتح» التي تعتبر إلى يومنا هذا من أقوى المجلات الإسلامية التي ظهرت في العالم العربي .. لقد استمرت مجلة الفتح تصدر خمسة وعشرين عاماً في مرحلة من أصعب المراحل التي مرت بها الأمة الإسلامية في تاريخها الحديث، وقد تبنت الفتح في تلك المرحلة العصيبة قضايا العلم الإسلامي واستقطبت حولها كتاب العالم الإسلامي كله، وتصدت للدفاع عن حقائق الإسلام وحقوق المسلمين.
    وقد بين -رحمه الله- الفكرة الداعية إلى إصدار الفتح في إحدى افتتاحياتها فقال: «إن الفتح أنشئت لمماشاة الحركة الإسلامية، وتسجيل أطوارها، ولسد الحاجة إلى حاد يترنم بحقائق الإسلام، مستهدفاً تثقيف النشء الإسلامي، وصبغه بصبغة إسلامية أصيلة يظهر أثرها في عقائد الشباب وأخلاقهم وتصرفاتهم، وحماية الميراث التاريخي الذي وصلت أمانته إلى هذا الجيل من الأجيال الإسلامية التي تقدمته» [العدد الأول من عام 1353هـ].
    ومن هذه الكلمة الجامعة يبدو أن الفتح كانت مدرسة كبرى تعنى بتثقيف الجيل المسلم وتربيته ومعالجة قضايا واقعه على اختلاف أنواعها. وفي مدة ربع قرن من الزمان والفتح تفتح آفاقاً جديدة أمام المسلمين من الوعي الإسلامي الصحيح، والفكر السياسي النير، والمعالجة السليمة لقضايا العالم الإسلامي على ضوء هذا الدين الحنيف، وبعد هذا الجهاد المرير مع مختلف أعداء الإسلام في الحاضر والماضي على صفحات الفتح، اضطر محب الدين رحمه الله إلى إيقافها.
    وحينما سئل عن سبب ذلك قال: «أوقفتها حينما أصبح حامل المصحف في هذا البلد مجرماً يفتش ويعاقب».
    ولكن إذا توقفت الفتح فإن محب الدين لم يتوقف، وإنما استمر في طريقه الذي اختطه لنفسه من نصرة هذا الدين حتى الرمق الأخير. فإلى جانب التحقيق والتعليق وكتابة الرسائل والإشراف على ما يطبع في مطبعته الكبيرة، تولى رئاسة تحرير «مجلة الأزهر» لمدة ست سنوات.
    وقبل ذلك كان قد أسس «جمعية الشبان المسلمين» بالتعاون مع عدد كريم من شخصيات مصر وعلمائها وعلى رأسهم العلامة المحقق (أحمد تيمور) والشيخ الجليل (محمد الخضر حسين) شيخ الأزهر الأسبق وغيرهما.
    وعن غايته من تأسيس هذه الجمعية يقول -رحمه الله-: «كنت أنا وأحمد تيمور باشا والسيد محمد الخضر حسين حريصين على أن تكون هذه المؤسسة الأولى للإسلام في مصر قائمة على تقوى من الله وإخلاص، وكنا حريصين على أن يتولى إدارتها رجال يعرفون كيف يصمدون لتيار الإلحاد الجارف بعد أن استولى المتابعون للاستعمار على أدوات الثقافة والنشر في العالم الإسلامي وفي مصر على الخصوص».
    ويقول أيضاً: «وكانت الجمعية حدثاً كبيراً من أحداث الحركة الإسلامية لأن دعاة الإلحاد والتحلل كان قد استفحل أمرهم وظنوا أن قيادة الأمة قد أفلتت من أيدي ممثلي الإسلام وانتظمت إلى أيديهم».
    وهذه الجمعية وإن تغيرت كثير من الغايات التي وجدت لأجلها فإنها لا تزال قائمة إلى يومنا هذا ولها مجلتها الناطقة باسمها، ومن على منبرها وفي مواسمها الثقافية استمعنا لعدد كبير جداً من علماء مصر ومفكريها.
    وقد أحدث قيام جمعية الشبان المسلمين في القاهرة ردة فعل شديدة لدى دعاة الإلحاد والعلمانيين والمبشرين، فتربصوا بالشيخ محب الدين حتى وجهوا أنظار النيابة العامّة إلى مقال كتبه بعنوان: «الحرية في بلاد الأطفال» نال فيه من كمال أتاتورك، فقُبض عليه وحُكم عليه بالسجن لمدة شهر.
    وعلى أثر سوء تفاهم مع القائمين على الأزهر استقال رحمه الله من رئاسة تحرير مجلة الأزهر، وكان ذلك آخر عمل رسمي له، ثم انزوى في مكتبته ومطبعته، وقطع تقريباً كل صلة له بذلك المجتمع، وانكب على التأليف والتحقيق، وحتى الأعمال التجارية الصرفة كانت شبه مقطوعة مع المكتبات المصرية، وكان جل تعامله في آخر أمره مع المؤسسات والمكتبات السعودية.
    واليوم الوحيد الذي كان يخرج فيه إلى المجتمع من جزيرته الهادئة القصية هو يوم الجمعة بعد العصر حيث يذهب إلى سوق الكتب المقامة على سور حديقة الأزبكية في القاهرة، ويشتري من الكتب المختلفة القديمة والحديثة، وكان يحملها بيديه الكليلتين وعلى كاهله أعباء الثمانين، ويتمايل في مشيته ويتعثر حتى يجد سيارة تقله إلى بيته، وقد ثابر على هذه العادة الكريمة إلى ما قبيل وفاته -رحمه الله-، وقد جمع من ذلك مكتبة ضخمة خاصة به، فاقت -على ما يبدو- كل مكتبة خاصة في مصر ماعدا مكتبة العقاد، حيث بلغ تعداد كتبه الخاصة ما يزيد على عشرين ألف كتاب، وكانت فهارسها تبلغ خمسة وستين مصنفاً.
    وكان رحمه الله قد جعلها قبل وفاته وقفاً على أهل العلم من ذريته، وقد بنى ولده (قصي) داراً جديدة في محلة الدقي في القاهرة، وخصص الطابق الأول منها لتلك المكتبة، كما قال ذلك هو رحمه الله.
    ولقد كان رحمه الله محتفظاً بحيويته حتى أواخر أيام حياته، وكان يعزو ذلك إلى اعتداله في حياته كلها في مأكله ومشربه ومنكحه. وكان ذا صبر وجلد على العمل لا يعرف معهما السامة والملل. وكان منظماً في شؤونه كلها، عصامياً في تدبير أمره وتكوين ثروته، وبناء حياته وشخصيته.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,002

    افتراضي رد: محب الدين الخطيب

    السياسي:
    كان محب الدين حركة دائبة، ورجل سياسة وإعلام وثورة وإصلاح، شارك في العديد من الجمعيات والهيئات والأحزاب التي يراها سليمة التوجه، ومنها حزب «اللامركزية العثماني»، برئاسة رفيق العظم، وعضوية الشيخ محمد رشيد رضا، وكان محب الدين عضواً في مجلس الإدارة، وأميناً للسرّ.
    ومنها جمعية «العربية الفتاة» ذات الدور الكبير في السياسة.
    وكان مشرفاً على اللجان التي تشكلت لجمع المال من أجل المجاهدين الذين يستعدون لملاقاة الفرنسيين الغزاة في «ميسلون» قرب دمشق.
    وكان محب الدين رجل مؤسسات، ولذلك كان يبادر إلى تأسيس الجمعيات، والعمل في الأحزاب.
    الجمعيات:
    السيد محب الدين ذو عقلية منظمة، يدرس الأمور دراسة منهجية، ويخطط لغده، ثم يقدم.
    وكان من توجيه أستاذه الشيخ طاهر الجزائري، أن يعمل على إيقاظ العرب من غفلتهم، وهذا ما حداه لأن يعمل في أوساط الطلبة العرب في الآستانة، ويقوم بعملية توعية لهم بلغتهم، وبأمتهم، وما يحيط بها من أخطار، وقد بادر إلى تشكيل جمعية النهضة العربية معهم.
    ثم اضطر بعد ملاحقته إلى مغادرة الآستانة إلى دمشق، وأسس فيها فرعاً لجمعية النهضة العربية.
    وكان من الأعضاء العاملين في جمعية الشورى العثمانية.
    وكان أمير سر جمعية «التعارف الإسلامي» التي أسسها رشيد رضا.
    وفي القاهرة كان صاحب فكرة تأسيس جمعية الشبان المسلمين، وأحد مؤسسيها البارزين، وأمين سرّها.
    الصحفي:
    نستطيع أن نقول أن السيد محب الدين الخطيب هو رائد الصحافة العربية الإسلامية، فقد كان صحفياً بالفطرة، بدأ الكتابة في الصحف وهو ما يزال تلميذاً في «مكتب عنبر»، وأخذ ينشر ما يكتب وما يترجم عن اللغة التركية في صحيفة «ثمرات الفنون» البيروتية.
    وعندما عمل في مدينة الحديدة باليمن، أسس شركة مساهمة للصحافة والطباعة، وأصدر جريدة باسم «جريدة العرب» وأنشأ مطبعة باسم «مطبعة جزيرة العرب».
    وعندما رجع إلى دمشق، شارك العاملين في جريدة القبس، بتحرير الملحق الأدبي للجريدة «طار الخرج» الكوميدية الناقدة التي أقبل الجمهور على شراء العدد الأول منها بأضعاف ثمنه.
    شارك في تحرير «جريدة المؤيد» وترجم ونشر فيها الكثير عن أعمال المبشرين البروتستانت، نقلاً عن مجلتهم «مجلة العالم الإسلامي» الفرنسية، وفضح ما يراد بالمسلمين من شرّ على أيديهم وعقولهم الملوّثة، وكان له من ذلك كتاب «الغارة على العالم الإسلامي» الذي كان له دويّ في العالم الإسلامي.
    وفي الحجاز عمل مع الشريف حسين، وحرر له جريدة «القبلة».
    وعندما ترك الحجاز وعاد إلى دمشق، تولّى إدارة الجريدة الرسمية «العاصمة» وتحريرها، وكتب فيها مقالات رائعة.
    وعندما قرر الاستقرار في مصر، عمل في تحرير جريدة الأهرام نحواً من خمس سنين، وأنشأ المكتبة السلفية، والمطبعة السلفية، بثمن بيته الذي باعه في دمشق.
    وأصدر مجلة الزهراء الشهرية، وهي مجلة أدبية اجتماعية ذات طابع أكاديمي (1343هـ - 1924م) ولكنها كانت تلهب المشاعر، وتوقد العواطف كدأب محب الدين في مقالاته وأبحاثه.
    ثم أصدر جريدة «الفتح» من (1344 - 1367هـ) وهي مجلة إسلامية أسبوعية، تركت لنا حصيلة ضخمة من الثقافة والفكر والتاريخ والسياسة.
    والزهراء والفتح هما امتداد لمجلة المنار للشيخ محمد رشيد رضا، التي هي امتداد للعروة الوثقى، وكان محب الدين من كتّاب المنار المهمّين.
    ثم تولّى رئاسة تحرير مجلة الأزهر، وكانت افتتاحياته فيها نارية، صبّ فيها الكثير من نفسه وعقله وتوهّج عواطفه.
    مجلة الفتح:
    تعرّضت مصر في مطلع القرن العشرين ميلادي إلى شلاّل هادر من قوى الغزو الفكري المدمّر، يمارس العبث بثوابت الأمّة الإسلامية وتخريب قيَمِها الأصيلة مشمولاً برعاية الاستعمار الإنجليزي الجاثم على أرض الكنانة آنذاك، والذي كانت تلوذ به وتنضوي تحت جناحه هذه القوى المخرّبة.
    ولقد بلغ هذا المدّ الطامي مداه حينما أصدر (طه حسين) كتابه: «الشعر الجاهلي» الذي شكّك في وجود إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- رغم ذكرهما في القرآن الكريم.
    وكذلك كتاب الشيخ (علي عبد الرازق) الموسوم بـ «الإسلام وأصول الحكم» الذي أنكر فيه وجود نظام سياسي في الإسلام، وادّعى بأنّ الإسلام دين روحي فقط ولا يختلف في هذا السبيل عن النصرانية، ليوفّر بذلك تبريراً «شرعيّاً» يهوّن على المسلمين مصيبة إلغاء الكماليّين للخلافة الإسلامية، وتحويلها إلى دولة علمانية.
    في مواجهة هذا البحر الهائج المتلاطم من الغارات الوقحة على مسلّمات الأمة وثوابتها، انبعثت صرخات مخلصة تذبّ عن دينها وهويّتها، إلاّ أنها كانت أصواتاً مبحوحة ومشتـّـتـة تفتقد عوامل الترابط والتنظيم، فضاعت أصداؤها في خضمّ هدير أمواج التغريب والغزو الفكري الصاخبة.
    وفي عام (1926م) التقى مجموعّة من الشباب المسلم المتحمّس في دار المطبعة السلفية في شارع خيرت في القاهرة، منهم: محب الدين الخطيب، وأحمد تيمور باشا، وأبو بكر يحيى باشا، وعبد الرحمن قراعة، والسيّد محمد الخضر حسين، وعلي جلال الحسيني، وغيرهم من الشباب المسلم الذي ذهبت نفسه حسرات على ما آل إليه الحال في أرض الكنانة من عدوان سافر على ثوابت الأمة وهويّتها العربية الإسلامية، وآلمه الضعف الذي اعترى المسلمين فمنعهم من الدفاع عن دينهم.
    فتمخّض هذا الاجتماع عن إنشاء جمعية لمقاومة هذه الانحرافات ومجالدة المفسدين بالحجة والبيان.
    وبعد إنشائها بأشهر بدا لهم أن الجمعية بحاجة إلى صحيفة تعبّر عن رأي هذه الجمعية، وتساهم في توصيل أفكارها لأكبر شريحة من الرأي العام ولاسيما الشباب المثقف المسلم.
    لكن الحصول على امتياز صحيفة إسلامية في ظل تلك الظروف كان أشبه بالمستحيل، بيد أن الأستاذ الجليل «أحمد تيمور باشا» -رحمه الله- بذل جهوداً طيبة ومشكورة لاستصدار امتياز مجلّة، فوُفّق في هذا السبيل، وأصدرت تلك المجموعة مجلّة أُطلِق عليها اسم «الفتح»، وصدر أوّل عددٍ منها في يوم 29 ذي القعدة من عام (1344هـ)، الموافق 1 يونيو (1926م)، وتسلّم رئاسة التحرير فيها الشيخ الأزهري «عبد الباقي سرور»، ثم بعد ذلك تولى دفّتها الأستاذ محب الدين الخطيب - رحمهما الله - حتى إغلاقها.
    وكانت المجلّة في موضوعاتها ومادّتها الإعلامية سيفاً مصلتاً في نحور دعاة الغزو الفكري والتغريب والتنصير والاستشراق، هذا إلى جانب اهتمامها بأحوال المسلمين في كل مكان، فسدّت بذلك ثغرةً كبيرةً رغم إمكانياتها المتواضعة، وضيق هامش الحرية الممنوح لها.
    كانت مجلة «الفتح» بحق منبراً حراً أصيلاً لا نظير له، بفضل الروّاد والعمالقة من أمثال: أحمد محمد شاكر، وأخيه محمود، وشكيب أرسلان، ومصطفى صادق الرافعي، وشيخ الإسلام في الدولة العثمانية مصطفى صبري، ومحمد الخضر حسين، وعلي الطنطاوي، وتقي الدين الهلالي، وغيرهم ممن طرّزوا حواشي هذه المجلة بإبداعاتهم، وآثارهم القيّمة.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,002

    افتراضي رد: محب الدين الخطيب

    المجلة والتغريب والغزو الفكري:
    تولّت المجلة مهمّة الردّ على «طه حسين» بعد إصداره كتابه «الشعر الجاهلي» الذي تضمّن جرأة كبيرة على القرآن الكريم، وأشعل بكتابه هذا فتيل المواجهة بين طه حسين وحزبه التغريبي وبين العلماء والدعاة، فانبرى له العديد من كُتّاب «الفتح» وفنّدوا شبهاته وآرائه الخطيرة أمثال: عبد الرزاق الحسني، وعبد الباقي سرور، وغيرهم، وعن هذه المعركة تقول المجلة مشيرةً إلى مصدر أفكار طه حسين: «ما في الكتاب من مسألة إبراهيم وإسماعيل مسروق من كلام جهلة المبشرين كصاحب مقالة في الإسلام، وما ذكر عن الشعر الجاهلي مسروق من متعصّبة المستشرقين لمرجليوث، فالفكرة على سخافتها ليست له في الموضعين» وتابعت المجلة تطوّرات قضية طه حسين في المحاكم المصرية، ومحاضر التحقيق والاستجواب، وما صدر بحقه من أحكام.
    وإلى جانب الرد على طه حسين تصدّت المجلّة إلى افتراءات وهجمات دعاة التغريب في مصر، أمثال: أحمد لطفي السيد، وسلامة موسى، وتوفيق الحكيم، وحسين فوزي، وميشيل عفلق، ومحمود عزمي، وإسماعيل أحمد أدهم، وغيرهم.
    ومما يجب أن يُذكر في هذا المقام أن مجلة الفتح قد أحرزت قصب السبق في كشف حقيقة الحركة الماسونية في وقت كان الغموض يلفّها ويسدل حولها ستاراً كثيفاً من التعتيم والتزييف، إذ تقول المجلة: «إن جل نبغاء المسلمين المستورين كانوا يدينون بالماسونية أكثر مما يتظاهرون بالإسلام، والماسونية بُنيت قواعدها على صرح سليمان لأنها ظاهراً إنسانية وباطناً صهيونية محضة، والدليل على ذلك أنها اليوم لم تتظاهر بعاطفة نحو ضحايا اليهود، وإنما تظهر الجمود وتعمل سرّاً لقمع التعصّب الإسلامي ابتغاء حماية اليهود، فكان المسلمون يخافون من كلمة التخويف «التعصب الإسلامي» التي كان يلقيها الأوروبيون لإرهاب العالم فلذلك اجتنبوا كل سعي شريف إرضاء للأجانب»-.
    الفتح والفرق الضالة المنتسبة للإسلام:
    لقد اضطـلعت المجلة منذ أعدادها الأولى في الردّ على الفرق الباطنية المنتسبة للإسلام، وكشف النقاب عن جذورها الفكرية والعقائدية، تقول المجلة في مجلدها الأول: «هذه النحلة من ولائد الباطنية تغذّت من ديانات وآراء فلسفية ونزعات سياسية، ثم اخترعت لنفسها صورة من الباطل وخرجت تزعم أنها وحي سماوي، تقوم دعوة الباطنية على إبطال الشريعة الإسلامية، أصلها طائفة من المجوس راموا عند شوكة الإسلام بتأويل الشريعة على وجوه تعود إلى قواعد أسلافهم، وقالوا لا سبيل إلى دفع المسلمين بالسيف لغلبتهم واستيلائهم على الممالك، ولكننا نحتال بتأويل شرائعهم إلى ما يعود إلى قواعدنا ويستدرج الضعفاء منهم، فإن ذلك يوجب اختلافهم واضطراب كلمتهم».
    وركّزت المجلة في هذا السياق على طائفة «القاديانية» الخبيثة التي انتشرت في القارة الهندية وبدأت تغزو العالم الإسلامي، فقالت المجلة: «ادّعى ميرزا غلام أحمد النبوة وأنه هو المسيح الموعود، وبعد أن ادعى النبوة وأنه أوحي إليه من الله تعالى بدأ يدعو الناس لأتباعه، فلم يعدم أنصاراً بسبب الجهل من جهة وبفضل أولياء أمره وأمر تابعيه من جهة ثانية، وقد تمكن من إيجاد جماعة سماها «الأحمدية» يقولون باستمرار النبوة غير التشريعية، وبعدم انقطاع الوحي».
    وكتب الأستاذ: مسعود الندوي -رحمه الله- من (لكنؤ) بالهند مقالات أوضح فيها الفرق بين الأحمدية والقاديانية، وخطورة كلٍ منهما على الإسلام.
    وكذلك حذّرت من خطر فرقة «التيجانية» التي تتظاهر بالتصوّف والزهد، ونبّهت إلى خطورة انتشارها في بلدان المغرب العربي، لكونها تمنح الولاء للاستعمار الفرنسي، وتوطّد أركانه في تلك البلاد، إذ تقول: «إن صاحب السجادة الكبرى ألقى خطاباً بين يدي الكونترول سيكلوني الفرنسي، تحدّث فيها عن الخدمات الجليلة التي قامت بها الطائفة التيجانية لفرنسا في توطيد الاستعمار الفرنسي وفي سبيل تسهيل مهمة الاحتلال على الفرنسيين، وفي إشارات التعقّل التي كانت تسبّبها هذه الطريقة الصوفية لمريديها».
    الفتح وقضايا التربية والتعليم:
    كان من الطبيعي أن تهتم مجلة الفتح بقضية التربية والتعليم، وأن توليها ما تستحقّه من اهتمام، لاسيما وقد أدرك الغيورون في مصر خطر البرنامج «الدنلوبي» الذي زرعته بريطانيا في قلب وزارة التعليم المصرية، فقام «دنلوب» -الخبير الإنجليزي- بصياغة المناهج التربوية وفق الرؤية الغربية التي تتوافق مع سياسات بريطانيا تحت حجة تطوير المناهج، فقالت المجلة محذرةً من خطورة هذا البرنامج على النشء في مصر: «إن الطريقة الدنلوبية علّمت شباب مصر أن العروبة والإسلام شيء أجنبي طرأ على مصر واحتلّتها كاحتلال الفرس والبطالسة والرومان والانجليز، مع أن العروبة والإسلام هما روح مصر وكيان مصر، بل هما مصر منذ نحو أربعة وعشرين قرناً إلى الآن».
    ثم تقول: «إن التعليم الدانلوبي في المدارس أهمل آداب الإسلام وتاريخ الإسلام وأمجاد الإسلام، فخرج لنا أبناء محرومين من سلاح الفضائل الإسلامية، وفي التعليم يجب أن نبني في الشباب المصري الاعتماد على النفس في حياته الاستقلالية والاقتصادية، والإعزاز بتاريخه القريب الذي تكوّنت به قوميّته الحاضرة منذ أربعة عشر قرناً».
    وكشفت المجلة النقاب عن الدور التخريبي الذي تلعبه (الجامعة الأمريكية) في القاهرة في أكثر من عدد، من ذلك ما قام به أحد الطلبة فيها من كشف للمراجع التي يرشد أستذتها الطلاب إلى قراءتها، ومن بينها كتاب خبيث مليء بالطعن والتطاول على مقام النبي -صلى الله عليه وسلم-.
    نهاية المجلة:
    استمرت مجلة الفتح في مسيرتها الميمونة حتى عام (1366هـ)، الموافق (1948م)، وكان سبب توقّفها هو موجة التضييق على العمل الإسلامي التي سادت مصر بعد هزيمة (1948) أمام اليهود، فنال مجلة الفتح ما نال غيرها من الأذى والإغلاق والمصادرة، وجفّ مدادها بعد اثنين وعشرين عاماً من الجهاد الثقافي المتميّز الذي لا نجد وصفاً له أفضل وأصدق من وصف الأستاذ (مصطفى السباعي)، إذ قال: «وما كنا نتصل بالفتح حتى بدأنا نعرف واجبنا في الحياة كشبّان مسلمين، وأخذنا ندرك خطر ما يبيته الاستعمار من وسائل الكيد للمسلمين، وتأجّجت في أفئدتنا نار الحمية لدين الله، والنقمة على أعدائه، وشعرنا بأن الفتح هي همزة الوصل بيننا وبين أقطار الإسلام».
    جهوده في نشر عقيدة السلف الصالح:
    • نشر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية.
    • دفاعه عن الصحابة ورد الشبهات عنهم، ويتجلى ذلك في نشره كتاب «العواصم من القواصم» هذا الكتاب الذي فند كثيراً من الروايات الساقطة التي اخترعها الكذابون فيما حصل في الفتنة بين الصحابة من بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه-.
    • نشره أعظم كتاب خدم السنة المطهرة وهو «فتح الباري» مع تعليقات الإمام ابن باز.
    • تواصله مع العلماء والدعاة السلفيين وتشجيعهم، ومن ذلك رسالته لشيخنا الألباني كما في مقدمة «آداب الزفاف».
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,002

    افتراضي رد: محب الدين الخطيب

    جهوده وجهاده وآثاره العلميّة:
    على الرغم من حياته المضطربة في الحلّ والترحال، استطاع محب الدين كتابة عشرات المقالات والأبحاث التي لم تجمع في كتب، وتمكّن من التأليف والتحقيق والترجمة للعديد من الكتب.
    لقد ترك آثاراً عظيمة تدل على عبقريّته وموسوعيّته كما قال الأستاذ أنور الجندي: «وبالجملة فإنّ السيد محب الدين الخطيب وآثاره تعد رصيداً ضخماً في تراثنا العربي، وفكرنا الإسلامي، وقد أضاف إضافات بناءة، وقدم إجابات عميقة، وزوايا جديدة لمفاهيم الثقافة العربيّة وقيمها الأساسيّة».
    من أهم أعماله:
    • توضيح الجامع الصحيح للإمام البخاري ... شرح صغير.
    • الحديقة (14 جزء) مجموعة أدبيّة وحكم.
    • الخطوط العريضة التي قام عليها دين الشيعة الاثنى عشريّة.
    • مع الرعيل الأول .. عرض وتحليل لحياة الرسول مع أصحابه.
    • من الإسلام إلى الإيمان .. حقائق عن الفرقة الصوفيّة التيجانيّة.
    • حملة رسالة الإسلام الأولون.
    • الإسلام دعوة الحقّ والخير.
    • ذو النورين عثمان بن عفان.
    • الجيل المثالي.
    • مراسلات بينه وبين الأمير شكيب أرسلان، بلغت ألف رسالة.
    • كان الشيخ من أوائل العلماء الذين تنبّهوا لأخطار الصهيونيّة، وحذروا منها، وكشفوا الغطاء عن حقائقها وأسرارها، ومحاولة اليهود في الوصول إلى فلسطين عام (1844م) ومطالبتهم لمحمد علي باشا بفلسطين، وما كان بينهم وبين السلطان عبد الحميد سنة (1902م)، ومقالاته في مجلة الفتح شاهد صدق على ذلك.
    النواحي الفكرية من اتجاهات محب الدين:
    لقد كان يدعو باختصار شديد إلى الإسلام الصحيح الذي جاء به محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. وفي هذا المجال يقول رحمه الله: «إنني من أنصار الإصلاح الإسلامي، وكنت ولا أزال أفهم هذه الكلمة الاصطلاحية أن الإسلام هو الذي كان عليه محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كما فهمه منهم التابعون».
    فالإصلاح الإسلامي يشمل القضاء على البدع الطارئة وتخليصه من الدخيل الذي يحسب الجاهلون أنه منه وما هو منه. ومن الإصلاح الإسلامي بث روح النشاط بين المسلمين لإحياء مقاصد دينهم وتحقيق أغراضه وحسن التعبير عنه من الدعوة إليه وتأليف الكتب عن حقائقه وأحكامه وتاريخه .. ومع هذه الدعوة إلى الإسلام بجملته، فقد كانت هناك نقاط هي أبرز من غيرها في تفكيره وهو أشد اعتناء بها من غيرها، وأهم هذه النواحي هي ما يلي:
    • السلفية الصافية: كان رحمه الله من أشد أنصار السلفية النقية في العقيدة والعبادة، وهذه سمة بارزة في كل كتاباته، وقد تحصلت لديه هذه الفكرة ونما عنده هذا الاتجاه لأنه قرأ في شبابه في دمشق كثيراً من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية المطبوع منها والمخطوط في المكتبة الظاهرية وذلك بواسطة شيخه الشيخ طاهر الجزائري، وظل مقتنعاً بهذا الاتجاه، قوي الإيمان به، مدافعاً عنه بقلمه ولسانه، متصدياً لكل من يتعرض له، مروجاً للكتب المهمة التي تدعوا إليه.
    الوقوف في وجه الباطنية والرافضة: من أهم المواضيع التي فازت بالكثير من اهتمام الشيخ محب الدين موضوع الرافضة والباطنية، ولقد كان شديد العناية بهذا الموضوع متتبعاً لمراحل كيد الرافضة للإسلام، واقفاً على الأصول التي يقوم عليها باطلهم، مدركاً خطرهم العظيم على الإسلام في الماضي والحاضر، ودورهم الكبير في تحريف العقيدة الإسلامية الصحيحة، وتشويه التاريخ الإسلامي المشرق.
    وكانت لديه الأصول الخطية والمطبوعة من كتب الرفض والباطنية، وكثيرا ما أطلعنا على مخازيهم من كتبهم، وفي اعتقادي أن محب الدين رحمه الله كان يسقط عن المسلمين فرض كفاية في تصديه لحملات الباطنية على الإسلام، وفي وقوفه على الدوافع الحقيقة لتلك الحملات، وإحاطته بمراحل سريان سرطان هذه الفرق الضالة وسمومها في عقيدة المسلمين وتاريخهم.
    وكان يقول: «الرفض والباطنية تعبير عن الحقد الدفين والمرير في قلوب المجوس واليهود على صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأنهم أقاموا المسجد الأقصى على أنقاض هيكل سليمان، وأخمدوا نار المجوس إلى الأبد، وحينما جبنوا عن مجابهة الإسلام وجها لوجه دخلوا في سراديب تحت الأرض وأعلنوا على الإسلام وحملته حربا ضروسا دامية مازالت تتوقد نارها ويزداد أوراها على مدى هذه القرون المتطاولة من تاريخ الإسلام».
    ولقد استطاع الروافض أن يرسلوا أحدهم «محمد التقي» إلى مصر وتحت شعار التقريب أنشأ دارا وأصدر مجلة واستأجر شقة في الزمالك وكانت الأموال تنفق دون حساب، وتشكك المخلصون من علماء أهل السنة الذين خدعوا ابتداء بشعارات براقة وبدئوا يتركونها ويبعدون عنها ويحذرون منها.
    قال الشيخ محب الدين الخطيب: «انفض المسلمون جميعاً من حول دار التخريب التي كانت تسمى دار التقريب ومضى عليها زمن طويل والرياح تصفر في غرفها الخالية تنعى من استأجرها»، ثم يذكر أنه لم يبق متعلقاً بعضويتها إلا بعض المنتفعين مادياً في ولاء انتمائهم إلى هذه الدار، وأن العلماء المخلصين من أهل السنة انكشف لهم المستور من حقيقة دين الرافضة، ودعوة التقريب التي يريدها الرافضة، فانفضوا عن الدار وعن الألاعيب التي يراد إشراكهم في تمثيلها، ثم يقول: «فلم يبق موضع عجب إلا استمرار النشر الخادع في تلك المجلة، ولعل القائمين يضعون لها حداً».. وهذه المجلة (رسالة الإسلام) توقفت في «17رمضان 1392هـ» وهو العدد (60).
    وصدق والله الشيخ محب الدين فـ «دار التقريب»، أجدر أن تسمي بدار التخريب لأن كانت غايتها الأولي والأخيرة هي تخريب عقائد المسلمين وتقريبهم نحو ضلال الرافضة وتهديم الجامع الأزهر كما صرح بذلك يوماً ما رئيس تلك الدار في مجلس خاص نقله عنه أحد الثقات، وقد استطاعت هذه الدار أن تشتري مجموعة من علماء السوء ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أُجراء لديها ومروجين لأباطيلها. وحينما توصل بعض هؤلاء إلى مراكز عالية في بعض المؤسسات العالمية الإسلامية حاولوا فرض تدريس مذهب الرافضة رسميا وسارع بعض المرتزقة من العلماء للتأليف فيه فعلا.
    وحينئذ توجه نفر كريم من علماء الأزهر الغيورين على رسالة الإسلام إلى الأستاذ محب الدين رحمه الله وقالوا له: «إن الكتابة في موضوع الرفض ومحاولات فرضه للتدريس أصبحت فرض عين عليك» وطلبوا منه أن يكتب في ذلك فكتب يومئذ كتابه النفيس جداً «الخطوط العريضة للديانة الاثني عشرية»، وأبان فيه الأسس التي يقوم عليها دين الرافضة من كتبهم ومراجعهم التي كانت بحوزته، وأتى بنقول مخزية لا مجال لرفضها لأنها من أمهات كتبهم مع تحديد الكتاب والمجلد ورقم الصفحة أو مكان الطبع وتاريخه.
    وأظهر فيه بكل جلاء كيف أن الرافضة في حقيقية أمرهم يعبدون آل البيت، وفي غيبة هؤلاء يعبدون مجتهديهم، وكيف يحكمون بارتداد جميع الصحابة ما عدا خمسة فقط، وكيف يجعلون من أصول دينهم التبرؤ من الشيخين أبى بكر وعمر -رضي عنهما-، ويعتبرون لعنهما من القربات ويسمونهما بالجبت والطاغوت، وبصنمي قريش، ويجعلون لعنهما من جملة أوراد ختم الصلاة، ويسمون قاتل عمر «بابا شجاع الدين»، ويحتفلون بيوم مصرع عمر -رضي الله عنه-، ويتهمونه في عرضه، ويقولون بتحريف القرآن الكريم وبنقصه، ولهم في ذلك كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب»، وكيف يؤمنون بعقيدة الرجعة، وهي القيامة الصغرى، وكيف يطعنون في عرض أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، مع بيان الأصول اليهودية التي لا شك فيها لذلك الدين الزنيم .. كل هذا وغيره قد كشف عنه محب الدين رحمه الله بأسلوب علمي محقق لا مجال للشك فيه.
    تحقيق حوادث التاريخ الإسلامي وتنقيته مما لحق به من الدس والافتراء:
    سأل مرة -رحمه الله- عن أفضل كتاب في التاريخ الإسلامي؟ فأجاب: بأن التاريخ الإسلامي لم يكتب بعد، وأفضل ما كتب فيه (البداية والنهاية) لابن كثير رحمه الله، وكان يعتقد بأن تشويه تاريخ الإسلام والمسلمين كان مقصودا كتشويه عقائده وشرائعه، وكان يؤمن بأن إدراك الأمة لأمجاد ماضيها مفاخرة من أعوانها على تقويم حاضرها.
    ولنفي الدسائس والافتراءات اللصيقة بتاريخ المسلمين، وللإجلاء عن عظمة ذلك التاريخ وصانعيه كان يدعو إلى دراسة التاريخ على طريقة المحدثين بالتثبت من الروايات التاريخية وأسانيدها الصحيحة، على ضوء ما هو مشهور ومعروف من سلوك صانعي التاريخ من الصحابة والتابعين.
    وأنه لابد من تجريد التاريخ من الخبث الذي لحقه على أيدي أعداء الإسلام وعلى رأس هؤلاء الرافضة، وفي هذا المجال يقول رحمه الله: «والإسلام الذي لم تفتح الإنسانية عينيها على أعلى منه رتبة وأعظم منه محامد يجتهد مؤرخوه في تشويه صفحاته والحط من قدر رجاله لأن الذين دونوا تاريخ الإسلام كانوا أحد رجلين: رجل جاء بعد سقوط دولة فتقرب إلى رجال الدولة الجديدة بتسويء محاسن الدولة القديمة، ورحل اتخذ من الشموس الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، مثلا أعلى، فكل قمر من أقمار العرب مذموم عنده موصوفا بالضآلة والنقص؛ لأنه لا يراه إلا على نور تلك الشموس التي لا تقاس مواهب غيرهم بهم، بل إن عثمان وتضحياته الملائكية محيت فضائلها من أدمغة المسلمين لسوء بيان المؤرخين، ومعاوية الذي تتمنى أية أمة من عظام الأمم أن يكون لها رجل يتصف بعشر مواهبه وفضائله، صرنا نسمع ذمه من أقذر الناس وأحط السوقة، والأمين الذي كان كبار الصحابة يجاهدون تحت قيادته طائعين مختارين لصقت به أكاذيب تقرب الكثيرون بها إلى الله جهلا وتعصبا، أقول هذا وأنا علوي، ولكنى أخاف أن يقوض المسلمون صروح فضائلهم وأن يهدموا قلاعا هي من دواعي الفخر، بينما أبناؤنا يتعلمون من الأوربيين وصنائعهم تمجيد رجال لو كشف الغطاء عن تاريخهم الحقيقي لشممنا نتنه» [مقدمة ديوان مجد الإسلام].
    ويبين أهمية تصحيح التاريخ فيقول: «أنا مؤمن من صميم قلبي أن رسالة الإسلام جديرة بأن تستقبل من مظاهر العظمة في تهذيب الإنسانية أبهر وأزهر مما كان لها في الماضي ولن تستوفى هذه الرسالة مهمتها إلا بإرجاع الإنسانية كلها إلى نظام الفطرة الطاهرة وذلك متفق على شيء واحد هو أن يعرف العرب والسلمون من هم وممن هم وما هي رسالتهم في الحياة. ولن يكون ذلك إلا إذا بنوا مناهج تعليمهم وأسس ثقافتهم ومعالم أدبهم على هذه المعرفة والإيمان بلوازمها وتعميم طريقهم نحو أهدافها. ورأس ذلك وعموده تصحيح تاريخ العروبة والإسلام وتجريد مما دس فيه».
    لقد كان محب الدين -رحمه الله- فخورا جدا بأمجاد الإسلام ومفاخر المسلمين وكان يحزن كثيرا لبقاء تلك الأمجاد والمفاخر بعيدة عن أذهان الشباب المسلم خاصة والمسلمين عامة، وله في مجال تخليد الأمجاد الإسلامية وإظهارها بثوبها القشيب اللائق عمل عظيم لا يجوز أن يذكر محب الدين إلا ويذكر معه، هذا العمل العظيم هو «ديوان مجد الإسلام» للشاعر الكبير (أحمد محرم).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,002

    افتراضي رد: محب الدين الخطيب

    وقصة هذا الديوان يلخصها محب الدين -رحمه الله- في مقدمة الديوان بما مضمونه باختصار: لقد كان يقرأ في المدارس العثمانية شيئا من اللغة الفارسية وآدابها من جملة مقرراتها، وكان أستاذ تلك اللغة يبالغ أمامهم في وصف (الشاهنامة) للفردوسي، وبيانها المنظوم المعجز، ويحدثهم عن صاحبها وكيف أنه أحاط بتاريخ الفرس القديم ثم اتصل بأحد ملوكهم فأعطاه جناحا في قصره وكلفه بأن ينظم أمجاد الفرس فأقام في ذلك القصر ثلاثين عاما وهو ينظم الشعر الرائع في أمجاد فارس حتى بلغت الشاهنامة وهي الديوان الذي وضعه لذلك «ستين ألف بيت».
    كان يسمع محب الدين ذلك ويقول: «أليس في دنيا العروبة والإسلام من يقوم للعروبة والإسلام بمثل هذا العمل الأدبي الكبير ليتعرف شبابنا إلى أكمل قومية برأها الله في الدهر الأول وأعدها للقيام بأكمل رسالات الله، أيكون للمجوسية وظلمات الظلم كتاب يخلدها ولا يكون للفطرة السليمة الكاملة ورسالة الله العظمى من يدل عليها ويدفع الناس في طريقها».
    أليس من العار أن يكون للفرس الذين حفل تاريخهم زمن جاهليتهم بالشنائع ديوان مفاخر يغطي فيه البيان على العيوب ويلون ذا الوجهة منها بألوان زاهية ويسلط على ضئيل الخير منها شعاعا قويا مكبرا بأعظم المكبرات فتكون من ذلك (شاهنامة الفردوس) وأن يكون لليونان زمن وثنيتهم وأوهامهم الصبيانية ديوان مفاخر كالإلياذة تتغنى بها الإنسانية إلى يوم الناس هذا، والإسلام الذي لم تفتح الدنيا عينيها على أعلى منه رتبة، وأعظم منه محامد يجتهد مؤرخوه في تشويه صفحاته والحط من قدر رجاله».
    لقد بقيت هذه الفكرة تعمل عملها في نفس محب الدين رحمه الله حتى التقى بأمير الشعراء (أحمد شوقي) -رحمه الله- وتحدث معه عن الشاهنامة والإلياذة واقترح عليه أن يكون أعظم أحداث إمارته في الشعر إهداء مثل هذه الهدية إلى العروبة والإسلام وأدبهما وعظمتهما من ماضيهما وحاضرهما ومستقبلهما -وهذا كلامه-، واستمع شوقي إلى هذا الحديث ولم يعد ولم يرفض ثم زار شوقي وفد في منزله لتجديد الحديث معه فبقي عند موقفه من الصمت والابتسام ثم ظهر بعد ذلك أعماله عن دول الإسلام وعظماء التاريخ، ولعله كان من أثر ذلك الاقتراح.
    ولكن المطلوب -كما يقول رحمه الله- كان أعظم من ذلك وقديما قيل: «إذا عظم المطلوب قلّ المساعد»، ثم اتصل الشيخ محب الدين بالشاعر الكبير(أحمد محرم) وقويت بينهما الصلة والمحبة، فاقترح عليه ما اقترح على شوقي من تسجيل أمجاد الإسلام في ديوان من الشعر الرائع، وقال له: «لعل الله قد ادّخر لك هذه المهمة واختارك لها لأنك أقرب شعرائنا إلى إخلاص القول والعمل وأكثرهم توخيا لمرضاته»، فاستجاب أحمد محرم رحمه الله لهذه الدعوة، وكان من ذلك ديوان «مجد الإسلام» أو «الإلياذة الإسلامية» التي نظمها أحمد محرم -رحمه الله-، وهو ديوان كبير يقع في 450 صفحة نظم فيه الشاعر أهم أحداث السيرة النبوية والغزوات والوفود.
    ويقول محب الدين رحمه الله في وصف هذا الديوان في مقدمته: «إن أمجاد العروبة والإسلام أعظم من أن يحيط بها شاعر ولاسيما وأكثرنا لا يزالون متأثرين بما شوهت الشعوبية من تاريخنا ومع ذلك كان ديون مجد الإسلام أعظم ما ظهر للناس حتى الآن مجموعا في كتاب واحد من ومضات هذه الأمجاد وستتمتع به نفوس محبي الأدب الرفيع والنظم البليغ أزمانا».
    ومما يؤسف له أن ديوان «مجد الإسلام» بقي طوال ثلاثين عاما مخطوطا ومحبوسا في الأدراج، والشاعر الكبير لا يجد من ينشره بتمامه رغم المحاولات الكثيرة مع المسؤولين إلا ما كان من نشر محب الدين نفسه لفقرات منه في صحيفته الفتح وفي مجلة الأزهر، إلى أن مات أحمد محرم رحمه الله قبل نشره وكادت تضيع أجزاء منه إلى أن قامت مكتبة «دار العروبة» بنشره قبل حوالي ثمان سنوات تقريبا.
    إن ديوان مجد الإسلام من أعظم الأعمال الأدبية والشعرية في تاريخنا، وهو عمل أدبي رفيع وشعر رائع بليغ، ومع ذلك فإني أكاد أجزم بأن ثلاثة أرباع المثقفين في البلاد العربية لا يعرفون شيئا عن ديوان مجد الإسلام ولا عن الشاعر الكبير (أحمد محرم) الذي نظمه، وكذلك لا يعرفون شيئاً عن الديوان المستقل الذي نظمه أحمد محرم لسائر شعره.
    لقد حرصت الجهات المعادية للإسلام في الأوساط الأدبية والثقافية على إهمال الشعراء والأدباء الإسلاميين وحارب الأقلام المؤمنة وأعطت مكان الصدارة فيها للأدعياء من المارقين والملاحدة وذلك حرصا منها على تضليل الأجيال المسلمة وتسميم أفكار النشء وتشويهها.
    إيمانه بامتزاج العروبة والإسلام: يقول الأستاذ أنور الجندي في كتابه«أدباء ومفكرون»: ولست أعرف كاتبا كان أوضح رأيا في ربط الإسلام بالعروبة على النحو الذي يحقق فلسفة اليقظة وبناء النهضة كما يفعل السيد محب الدين الخطيب منذ سنوات طويلة، فهو مؤمن بامتزاجهما واستحالة انفصامهما، وهذه عبارته: «إن العروبة ظئر الإسلام، وإن العروبة والإسلام كلاهما من كنوز الإنسانية وينابيع سعادتها، إذا عرف أهلها قيمتها وإذا أتيحت لهما أسباب الظهور للناس على حقيقتهما. وإذا ذلت العرب ذل الإسلام». ويقول: «إننا عرب قبل أن نكون مسلمين، وهذا حق، ولكن لم نكن شيئا قبل الإسلام».
    كان الشيخ محب الدين قوي الإيمان بخصائص الأمة العربية وأصالتها واستعدادها للخير وجدارتها بحمل رسالة الله وبطيب عنصرها ونقاء جوهرها، وصفاء فطرتها.
    ولقد أدرك محب الدين رحمه الله انهيار الخلافة الإسلامية وزوال الدولة العثمانية، وعاش في مرحلة من أحرج مراحل التاريخ الإسلامي الحديث، وهي مرحلة خضوع العالم الإسلامي الضعيف للغزو الصليبي القوي وحضر احتضار «الرجل المريض» كما كان يسمي الأعداء الدولة العثمانية في أخريات أيامها، وشهد النقلة الخطيرة في حياة المسلمين في تاريخهم الحديث من معالم الحياة الإسلامية وتقاليدها الأصيلة إلى الطراز الجديد من الحياة القائمة على أساس الحضارة الغربية الغازية، والقائمة على الإلحاد والإباحية مع الانسلاخ التام من كل القيم والمثل والأخلاق.
    وشهد إفلاس العنصر التركي وعجزه عن المضي في تحمل أعباء الرسالة الإسلامية، وشهد دعاة القومية الطورانية من ملاحدة الترك يتسلقون إلى مراكز السلطة في الدولة العثمانية وينهون الخلافة ويحاولون فرض القومية التركية على الشعوب الأخرى الخاضعة للدولة العثمانية في حركة عنصرية تحاول إذابة تلك الشعوب في العنصر الحاكم دون أية مميزات أو مؤهلات للقومية المتحكمة سوى القهر والغلبة، وخاصة بعد تنكرها للإسلام.
    في هذا الجو افتقد محب الدين -رحمه الله- الأمة العربية، والدور الذي يمكن أن تلعبه، وقدراتها وخصائصها التي ترشحها للقيام بذلك الدور .. لذلك تغنى بالأمة العربية وباستعداداتها، ولكنه لم يفهم من العربية يوماً ما شيئا غير الإسلام، وكان ينال من الكتاب المسلمين الذين يفرقون بين العروبة والإسلام، ويعتبرهم من جملة من ساهم في نجاح الحركة القومية البعيدة عن الدين. ولم يكن يوما ما قوميا عربيا، وكان يغضب إذا وضع في صف القوميين العرب الذين ساهموا في القضاء على الخلافة الإسلامية، وإنما كان يدعوا كما قال: «إلى الحكم الذاتي الذي يبرز خصائص الأمة العربية في ظل الإسلام والخلافة».
    لقد كان -رحمه الله- يؤمن بالسر العظيم الكامن وراء اختيار الله تعالى للعربية لغة لكتابه وللأمة العربية حاملة لأكمل رسالاته، يقول رحمه الله: «وأمجاد العروبة لا ينفك تاريخها من تاريخ الإسلام بحال، فإذا حيل بين الإسلام والعروبة كانت العروبة جسما بلا روح، وكان الإسلام روحا بلا جسد، وهذا تاريخنا العربي من بدايته إلى اليوم لا نراه ازدهر وانتعش وكان مظهر العز والقوة إلا في الأدوار التي كان الإسلام يزدهر فيها وينتعش ويأخذ نصيبه من العز والقوة، ويكذب من يظن أن العرب تنمو عزتهم بروح أجنبية غير روح الإسلام». [مقدمة مجد الإسلام].
    ويقول -رحمه الله- أيضا في تعليقه على ديوان مجد الإسلام: «وستتمتع به نفوس محبي الأدب الرفيع والنظم البليغ أزماناً وأزماناً إلى أن يوجد الشاعر الذي يكتشف سر الله في اختياره العربية لغة لتنزيله، والعروبة بيئة لأكمل رسله، وأهلها أصحابا وأعوانا على حمل رسالته إلى آفاق آسيا وأفريقية ثم إلى أوروبا».
    وفي حديثه عن شيخه طاهر الجزائري -رحمه الله- يقول: «من هذا الشيخ الحكيم عرفت عروبتي وإسلامي، منه عرفت أن المعدن الصدئ الآن الذي برأ الله منه في الدهر الأول أصول العروبة ثم تخيرها ظئراً للإسلام إنما هو معدن كريم لم يبرأ الله أمة في الأرض تدانيه في أصالته وسلامته وصلابته وعظيم استعداده للحق».
    وإلى هذا كان يدعو -رحمه الله- إلى الأخذ بأسباب القوة وبكل نافع من نتاج الحضارة الحديثة مع المحافظة على المثل والقيم والأخلاق القديمة لأن الخير كله قديم، وكان يركز على إصلاح المدارس ومناهج التعليم ووسائل الإعلام.
    شبهات حول العلامة الخطيب:
    أنه كان ماسونيّاً، تتلمذه على كتب محمد عبده، ورشيد رضا، والكواكبي، وتأسيسه عدة جمعيات لمناهضة سياسة التتريك الطورانية:
    أ- لم يثبت بنقل صحيح أو تصريح صحيح أن السيد محب الدين الخطيب تأثّر بالماسونيّة، رغم صلته بمحمد عبده، ورشيد رضا، والكواكبي فإنّ هؤلاء تأثروا بالماسونيّة، وانخدعوا بشعاراتها، ولمّا انكشف لهم حقيقتها تبرؤوا منها، وبخاصّة رشيد رضا، ومقالاته في ذمها والتحذير منها ملأت «المنار».
    ب- تأسيسه عدة جمعيات مناهضة لسياسة التتريك الطورانية؛ كان هدفها المطالبة بحقوق العرب ضمن الدولة العثمانية، وفي ذلك يقول الشيخ محب الخطيب: «إني أقر بكلّ صدق بأني وأنا وجميع من استعنت بهم وتعاونت معهم من رجال العرب وشبانهم لم يخطر ببالنا الانفصال عن الدولة العثمانية».
    ويقول: «من مصلحة العرب في الدولة العثمانيّة أن تقر لهم الدولة بلغتهم في الإدارة والتعليم في البلاد التي يتكلّم أهلها العربيّة، وألا تبلغ بهم الحماقة إلى حد أن يكون التعليم في بلادهم بلغة أجنبية عنهم، وإلى حد أن تكون لغتهم محرماً عليهم استعمالها، وأن تكون لغة الإدارة والقضاء في صميم الوطن العربي».
    وأخيرا .. وبعد جهاد مضن كريم استمر قرابة قرن كامل أعطى خلاله محب الدين -رحمه الله- للإسلام نور عينيه وحياة قلبه وثمرة قلمه وفكره وأسهر ليله وأعمل نهاره.
    بعد كل هذا فقد سكن ذلك القلب الكبير الذي كان يخفق بحب الإسلام، وخبا نور تينك العينين، وهدأت تلك اليد المرتعشة التي حملت القلم للدفاع عن الإسلام والمسلمين دهرا طويلا وسقط ذلك اليراع وتحطم، ومات محب الدين رحمة الله عليه رحمة واسعة.
    من مصادر الترجمة:
    1- «تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع الهجري» فكري فيصل – دمشق 1986 (2/847-862).
    2- «الأعلام» خير الدين الزركلي (5/285). بيروت، دار العلم للملايين، 1989.
    3- نفح الطيب في سيرة العلامة السلفي «محب الدين الخطيب»...الشيخ سليم الهلالي
    4- أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية. مبارك القحطاني
    5 - «تاريخ الصحافة الإسلامية»، أنور الجندي - رحمه الله -، القاهرة، توزيع دار الأنصار.
    6 - «اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر»، د.حمد بن صادق الجمال، الرياض، عالم الكتب، 1994.
    7- «محب الدين الخطيب ... لمحات من حياته وقبسات من أفكاره» بقلم الشيخ: ممدوح فخري المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين.
    http://www.alukah.net/culture/0/39396/
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    12,984

    افتراضي رد: محب الدين الخطيب

    نفع الله بك أبا أسماء . ورحم الله العالم الجليل محب الدين الخطيب .

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,002

    افتراضي رد: محب الدين الخطيب

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو مالك المديني مشاهدة المشاركة
    نفع الله بك أبا أسماء . ورحم الله العالم الجليل محب الدين الخطيب .
    بارك الله فيكم شيخنا الحبيب
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •