يا عباد الله أغيثوني !! ..



بُـعِث نبي الرسالة صلى الله عليه وسلم مخبراً عن الحقيقة الكبرى التي من أجلها خُلق البشر ، وهي : عبادة الله والإيمان به ، وتوحيده في المعرفة والإثبات ، والقصد والطلب .. وكان من المقرر في عقيدة أهل السن والجماعة قواعد وأصول ، أُصلت على سبيل الجمع لكليات العلم عقيدةً وشريعةً حفظاً لسلامة المعتقد من كل شائبةِ إجالةٍ عن المقصد الذي أُرسلت من أجله الرســل < أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ > < إذا استعنت فاستعن بالله > ..


ومن تلك القواعد المقررة : < الاستعانة والاستغاثة بغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل شرك أكبر > .. وعلى ذلك التقعيد دلائل الشرع المتكاثرة ، وتسطيرها مرقومٌ في تضاعيف كتب أهل العلم نـضَّر الله وجوههم الكريمة ..


فلمَّـا طال على الناس الأمد ، وبعدت عن أنوار الرسالة ، ودخلت كثير من الشعوب ديانة الإسلام ، وقل العلم وكثر الجهل .. جلبت تلك الأمم بقايا التعلق من الجاهلية القديمة ؛ فكانت خرافة التصوف ، والتعلق بأصنام صنعها الشيطان لـِمَـن قلَّ حظه في دراية روح الإسلام ونوره ..


فجاء هؤلاء المخرفون ببدعة التمسح بالقبور ، والاستغاثة بالأموات الذين < حاجتهم للحي بالدعاء لهم ، لا حاجة الحي لدعائهم !! > .. وزين الشيطان لهم أعمالهم وشركهم ، وراح يـُخرج لبعضهم حججاً هي أوهى من بيت العنكبوت المسكين ، ظناً من ذلك الذي أسمى نفسه خِــرِّيتَ البحث والنظر ، فاستدل لأهل الخرافة بمنقولات مسطرة في تضاعيف كتب أهل العلم ؛ ففهمها على غير مردها ، ونقلها دون فحص لصحتها وثبوتها ..


ومن تلك الروايات :


الحديث الذي رواه الطبراني في المعجم الكبير (10/267) وأبو يعلى في مسنده (9/177) وابن السني في عمل اليوم والليلة (508) عن عبد الله ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أنفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد : يا عباد الله احبسوا علي ، يا عباد الله احبسوا علي ، فإن لله في الأرض حاضراً سيحبسه عليكم ) ..
وفي رواية أخرى لهذا الحديث : ( إذا ضل أحدكم شيئاً ، أو أراد أحدكم غوثاً ، وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل : يا عباد الله أغيثوني ، يا عباد الله أغيثوني ، فان لله عباداً لا نراهم ) . رواها الطبراني في المعجم الكبير (17/117_118) .


ورواه البزار (الكشف :3128) عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً بلفظ : ( إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر ، فإذا أصابت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد : يا عباد الله أعينوني) ..


وهذا الحديث المعلول صحةً وثبوتاً ، وذهب البعض إلى وقفه .. لا يصلح متعلقاً في جواز الاستغاثة بغير الله ، لعدم صحته ثبوتاً ، وعلى التنزل بالقبول بقي معرفة فهمه ومراده ..
وهو : دلالة لفظه : أن المقصود بـ (عباد الله) خلــق غير البشر، لأن وصفهم جاء بأنا ( لا نراهم )، فهذا منطبق على الجن المؤمنين ، أو الملائكة الذين لا نراهم عادة .. والاستغاثة بالحاضرين فيما يقدرون عليه أمر جائز ، وهو من الأسباب الحاصلة والواقعة .. وعدم رؤيتهم لا يستلزم غيبتهم، فإنا لا نرى الحفظة، ومع ذلك فهو حاضرون، ولا نرى الجن، ومع ذلك فهم حاضرون، وكذلك الشياطين، والهواء، ونحو ذلك، فإن علة الرؤية ليست هي الوجود فقط ..


فبان مقصود الحديث : أنه طلب من حاضر قادر على الفعل ، لا كما يفعله المستغيثون المشركون في طلبهم من الأموات أموراً لا تكون إلَّا للخالق سبحانه ، بل تعدى بهم الحال : أن جعلوا الأموات < الذين انتهى تاريخ وجودهم في الحياة > ، جعلوهم يتصرفون في الكون أمناً وسعادةً ودفعاً للبلاء ، وجلباً للخير .. فماذا بقي لله عز وجل ؟! .. نعوذ بالله من الضلال وأهله ..


والبعض يحتج بالتجربة ، وأنه جرب فكان صحيح الوقوع ، يجيب الإمام الرباني والعلم اليماني الشوكاني في تحفة الذاكرين (ص140) عن هذا الاستدلال والاحتجاج ، بقوله : ( وأقول : السنة لا تثبت بمجرد التجربة، ولا يخرج الفاعل للشيء معتقداً أنه سنة عن كونه مبتدعاً، وقبول الدعاء لا يدل على أن سبب القبول ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد يجيب الله الدعاء من غير توسل بسنة؛ وهو أرحم الراحمين، وقد تكون الاستجابة استدراجا) .


ومن الفائدة المكملة : ما رواه الهروي في ذم الكلام : ( أن عبد الله بن المبارك ضل في بعض أسفاره في طريق، وكان قد بلغه أن من ضل في مفازة فنادى: عباد الله أعينوني! أُعين .. قال : فجعلتُ أطلب الجزء أنظر إسناده. قال الهروي: فلم يستجز لأن يدعو بدعاء لا يرى إسناده ) ..


وأختم بتنبيه يكون مطرداً في الحكم على فاعل تلك الشركيات والمخالفات .. أنه لا يحكم على معين بوصف شرك ، أو كفر ، إلا بوجود شروط وانتفاء موانع ، ومن أهمها : شرط العلم ، وانتفاء الجهل .. ولذلك تفاصيل في كتب الاعتقاد والأصول .. والله الموفق


حسن الحملي.