إياك والفجر فيالخصومة
دكتور / بدر عبدالحميد هميسه

بسم الله الرحمن الرحيم


نهى الإسلام عنالفجر في الخصومة وجعلها علامة من علامات النفاق الخالص . عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَقَالَ أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْفِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّىيَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَغَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ " (1).
قال الحافظ ابن حجر الفجور هو : الميل عن الحق والاحتيال في رده. والمرادأنه إذا خاصم أحداً فعل كل السبل غير مشروعة ،واحتال فيها حتى يأخذ الحق منخصمه، وهو بذلك مائل عن الصراط المستقيم.(2).
ولقد سمى الله في كتابه الكريم الفجر في الخصومة لدداً قال تعالى :{وَمِنَالنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُاللّه َ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} (3). الألدالشديد اللدد أي الجدال، مشتق من اللديدين وهما صفحتا العنق، والمعنى أنهمن أي جانب أخذ من الخصومة قوي. وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَاعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّأَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ " (4).

والفجر في الخصومة يؤدي إلى :
أولاً : التحاسد والتباغض .ولقد نهى النبي –صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ؛ فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلمقال " إياكم و الظن فإن الظن أكذب الحديث و لا تجسسوا و لا تحسسوا و لاتنافسوا و لا تحاسدوا و لا تباغضوا و لا تدابروا و كونوا عباد الله إخواناو لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك " (5). وعن الزبير, قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسدوالبغضاء هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين " . ( 6).
فالحسد يؤدي إلى تجاوز الحد في الخصومة وتدبير الشر للخلق والتصنعوالمراءا ة في التعامل . وذلك فيه اعتراض على قضاء الله وقدره .والحسد يمنعالحاسد من قبول الحق خاصة إذا جاء عن طريق المحسود، ويحمله على الاستمرارفي الباطل الذي فيه هلاكه، كما حصل من إبليس لما حسد آدم فحمله ذلك علىالفسق على أمر الله والامتناع عن السجود، فسبب له الحسد الطرد من رحمةالله.ولله در الشافعي –رحمه الله – الذي قال:

إِذا الـمَـرءُ لا يَـرعاكَ إِلّا َكَلُّفاً ** * فَـدَعـهُ وَلا تُـكثِرعَلَيهِ التَأَسُّفا
فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفي التَّرْكِ رَاحة ٌ ** * وفي القلبِ صبرٌللحبيب ولو جفا
فَـمَـا كُلُّ مَنْ تَهْوَاهُ يَهْوَاكَ قلبهُ ** * وَلا كـلُّ مَنْصَافَيْتَه لَكَ قَدْ صَفَا
إذا لـم يـكن صفو الوداد طبيعة ** * فـلا خـيـرَ في ودٍ يجيءُ تكلُّفا
ولا خـيـرَ فـي خلٍّ يخونُ خليلهُ ** * ويـلـقـاهُ من بعدِ المودَّة ِبالجفا
وَيُـنْـكِـرُ عَيْشاً قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ ** * وَيُـظْهِرُ سِرًّاكان بِالأَمْسِ قَدْ خَفَا
فسَلامٌ عَلَى الدُّنْيَا إذا لَمْ يَكُنْ ِهَا ** * صديق صدوق صادق الوعدمنصفا
ثانياً : التقاطع والتدابر . وربما يكون ذلكللأرحام والأقارب والواجب على المسلم أن يصل رحمه وإن قطعت به؛ فإنه كما فيالحديث: ((ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها))(7) .
عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( لا يحللمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهماالذي يبدأ بالسلام ) (8) . وهذا فيه تحريم الهجرة بين المسلمين ، وأنالواجب هو التواصل، ولذا ثبتت الأخبار بهذا من حديث أنس أيضا في الصحيحينتحريم الهجرة أكثر من ثلاث،فإذا زاد الهجر بين الإخوان فوق ثلاث كان حراماًوكان فجراً في الخصومة لما يترتب عليه من تفكك اجتماعي .وفي الأثر أنه إذاكان يوم القيامة نادى منادٍ: ليقم أهل الفضل، فيقوم اُناس من الناس فيقاللهم: انطلقوا إلى الجنّة، فتتلقّاهم الملائكة فيقولون لهم إلى أين؟ فيقولونلهم إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب؟ قالوا: نعم، قالوا: ومَن أنتم؟ قالوا:نحن أهل الفضل، قالوا: وما كان فضلكم؟ قالوا: كنّا إذا جهل علينا حلمنا وإذأسي‏ء إلينا غفرنا، قالوا: ادخلوا الجنّة فنِعمَ أجر العاملين .
يقول الشاعر :

وإخوان حسبتهم دروعا ** * فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاما صائبات ** * فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب ** * فقد صدقوا ولكن عن ودادي
وقالوا قد سعينا كل سعي ** * لقد صدقوا ولكن في فسادي
ثالثاً : الكبر والعُجب . فالكبر وإعجابالمرء بنفسه يؤديان إلى تجاوز الحد في الخصومة والى رد الحق وغمط الناس .فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل إن الرجل يحب أنيكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحقوغمط الناس " (9). بل ربما يقلب الحق باطلا .فعن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِأَنّ َ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّسَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَإِلَيْه ِمْ فَقَالَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُفَلَعَ لَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُأَنَّ هُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّمُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْفَلْيَتْرُك ْهَا "( 10 ).
روي أن مطرف بن عبد الله بن الشخير (11) رأى المهلب بن أي صفرة يتبخر فيطرف خز وجبة خز فقال له: يا عبد الله ما هذه المشية التي يبغضها الله؟!فقال له: أتعرفني؟ قال نعم أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت فيما بينذلك تحمل العذرة فمضى المهلب وترك مشيته، فنظم الكلام محمود الوراق فقال

عجبت من معجب بصورته * * وكان في الأصل نطفة مذره
وهو غداً بعد حسن صورته * * يصير في اللحد جيفة قذره
وهو على تيهه ونخوته ما * * بين ثوبيه يحمل العذره
والواجب على المسلمأن يتعلم فضيلة وخلق العفو والتسامح وأن لا يجعل الخصومة سبيلا إلى معاداةالناس ومحاولة الأذى لهم ؛ فإن ذلك ليس من أخلاق الكرام يقول الشاعر :
إنالكـريم إذا تمكن من أذى ** * جاءته أخلاق الكـرام فأقلــعا
وترى اللئيم إذا تمكن من أذى * * يطغى فلا يبقي لصلح موضعا
ولما أُتي عبدالملك بن مروان بأسارى ابن الأشعث في وقت الفتنة قال عبد الملك لرجاء بنحيوة: ماذا ترى؟ قال: إن الله تعالى قد أعطاك ما تحب من الظفر فأعط الله مايحب من العفو، فعفا عنهم.إن العفو هو خلق الأقوياء الذين إذا قدروا وأمكنهمالله ممن أساء إليهم عفوا.
قال الإمام البخاري رحمه الله: باب الانتصار من الظالم لقوله تعالى:{وَالَّذِي نَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} ( 12 ) . قالإبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا.
ولأن بعض الناس قد يزهد في العفو لظنه أنه يورثه الذلة والمهانة فقد أتىالنص القاطع يبين أن العفو يرفع صاحبه ويكون سبب عزته. عن أبي هريرة رضيالله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما نقصت صدقة من مال،وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" ( 13).
طلب أحد الصالحين من خادم له أن يحضر له الماء ليتوضأ، فجاء الخادم بماء،وكان الماء ساخنًا جدًّا، فوقع من يد الخادم على الرجل، فقال له الرجل وهوغاضب: أحرقْتَني، وأراد أن يعاقبه، فقال الخادم: يا مُعَلِّم الخير ومؤدبالناس، ارجع إلى ما قال الله -تعالى-. قال الرجل الصالح: وماذا قالتعالى؟!قال الخادم: لقد قال تعالى: {والكاظمين الغيظ}.قال الرجل: كظمتُغيظي.قال الخادم: {والعافين عن الناس}.قال الرجل: عفوتُ عنك.قال الخادم:{والله يحب المحسنين}. قال الرجل: أنت حُرٌّ لوجه الله.
وعندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة منتصرًا، جلس صلى الله عليه وسلمفي المسجد، والمشركون ينظرون إليه، وقلوبهم مرتجفة خشية أن ينتقم منهم، أويأخذ بالثأر قصاصًا عما صنعوا به وبأصحابه. فقال لهم النبي صلى الله عليهوسلم: (يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟). قالوا: خيرًا، أخ كريم،وابن أخ كريم.. قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) ( 14 ). قال تعالى: {وإن تعفواوتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} ( 15 ).
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كظم غيظًا وهو قادر على أن يُنْفِذَهُدعاه الله -عز وجل- على رُءُوس الخلائق حتى يخيِّره الله من الحور ما شاء)( 16) . فإياك والفجر في الخصومة فإن الدنيا زائلة وعند الله يجتمع الخصوم.


الهوامش :

1- أخرجه رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .
2- ابن حجر: فتح الباري (1/90) .
3- سورة البقرة (204) . 6
4- ( صحيح ) انظر حديث رقم : 39 في صحيح الجامع .
5- ( صحيح ) انظر حديث رقم : 2679 في صحيح الجامع .
6- رواه أحمد والترمذي.
7 - رواه الإمام البخاري في "صحيحه" (7/73) من حديث عبد الله بن عمر .
8- رواه البخاري ومسلم .
9- رواه مسلم والترمذي .
10- الألباني : السلسلة الصحيحة " 3 / 150 .
11- تفسير القرطبي، 18/255.
12- (39) سورة الشورى .
13- رواه مسلم.
14- سيرة ابن هشام.
15- التغابن: 14.
16-أبو داود والترمذي وابن ماجه.