عبرة من ترجمة إمام أهل البصرة (1/ 2)


إذا كان لقراءة التاريخ -والتراجم خصوصاً- لذة، فإن القراءة التحليلية للشخصيات المؤثرة في أمتها أكثرُ لذةً، وأعمقُ أثراً، فإن أمكن الوصول إلى سرِّ تميز تلك الشخصية، ومفتاح تأثيرها، فهذا هو الكنز الأكبر من هذه القراءات، بعيداً عن السرد المجرّد من ذلك كله، من ذكر الولادة والوفاة وما بينهما من معلومات يشترك فيه المترجم مع عامة من تُذْكَرُ تراجمهم.

وإن من الشخصيات الفذّة في هذه الأمة: الإمام الجليل الحسن بن أبي الحسن (يسار) البصري، الذي غادر الدنيا سنة (110هـ) بعد أن عاش نحواً من تسعين سنة، مُلئت علماً وعملاً، وحكمةً وعقلاً، وجهاداً بالبيان والسنان، فكان الأثر والتأثير الكبير في حياته وبعد موته.
ومن تأمل في ثناء العلماء عليه بالعلم والعمل، والزهد والتعبد، بدءاً من الصحابة الذين أدركهم، ومروراً بكبار التابعين وأقرانه؛ أدرك شيئاً من أسرار هذه المكانة العظيمة التي تبوأها.
وإن القارئ في سيرة هذا الإمام؛ ليخرج بعِبَر كثيرة من ترجمته، تكشف سرَّ تميّزه عن أكثر أهل زمانه، أذكر منها:
أولاً: عمله بعلمه، وبهذا تظاهرت كلمات أقرانه، وحسبك شهادة عالمٍ من أخص أصحابه، يونس بن عبيد (139هـ): "أمّا أنا فإني لم أر أحداً أقرب قولاً من فعلٍ من الحسن"([1]) .
وهذا العمل تمثّل في صورٍ كثيرة، منها: زهده، وعبادته، وجهاده للأعداء، وفِقْهُ نفْسه، والمقام يطول بذكر الشواهد عليها، إلا أن الأهم في هذا المقام، أن نتذكر أن هذا المعْلَمَ من أقصر الطرق، وأنجع الوسائل التربوية التي يتلقاها التلاميذ عن أشياخهم في إيصال حقيقة العلم، وهي أبلغ من آلاف الكلمات التي قد يسمعونها منه، أو دروس يرددها عليهم، في فصام نَكِد بين علم الشيخ وعمله!
ثانياً: عنايته بفهم القرآن، وتأثره به: خُلقاً وعملاً.
وهذه وإن كانت تدخل من حيث الجملة في التي قبلها، إلا أن القارئ لسيرة الحسن يجد هذه العلامة الفارقة في سيرته؛ من حيث رسوخه في علم التفسير، ومن جهة أثره عليه في حياته.
لن يتعب المتتبع لسيرة هذا الإمام في إدراك هذا الأثر عليه، فهذا أحد أصحابه يقول: سمعت الحسن يحلف بالله يقول: "والله يا ابن آدم! لئن قرأتَ القرآنَ ثم آمنت به؛ ليطولنّ في الدنيا حزنك، وليشتدنّ في الدنيا خوفك، وليكثرن في الدنيا بكاؤك"([2]).
ويقول مطر الوراق: كان رجلُ أهلِ البصرة جابرُ بن زيد، فلما ظهرَ الحسنُ جاء رجلٌ كأنما كان في الآخرة؛ فهو يخبر عما رأى أو عاين([3]). وهل كان هذا إلا بأمور، على رأسها تدبره للقرآن الكريم، الذي أخبر عن حقائق الآخرة بكلام العليم الخبير!
ثالثاً: دأبه في تحصيل العلم، والتزود منه، وعدم الاكتفاء بقدر منه حصّله إبان شبابه وقوة جلَدِه، يقول تلميذه الربيع بن أنس (140هـ) -وهو أحد علماء التفسير في زمانه-: اختلفتُ إلى الحسن عشر سنين أو ما شاء الله، فليس مِن يومٍ إلا أسمع منه ما لم أسمع قبل ذلك.
إن العالم حين يفهمُ منه تلاميذه الحرص على مراجعة مسائل العلم، ويجتهد في بحثها، فهو يعلن بذلك احترامه لنفسه أولاً، ثم احترامه لتلاميذه الذين فرّغوا جزءاً من وقتهم وثنوا رُكبهم ليجلسوا عنده.
وهي رسالةٌ غير مباشرة؛ ليتربى المتلقي على هذا المسلك، فإن بعض أهل العلم ربما توقف بحثُه، أو مراجعته لبعض المسائل عدة سنوات؛ بحجة أن لا جديد في العلم! ناسياً أو متناسياً هذا الضرْبُ من الناس أن العلم بحرٌ، وأن النسيان سِمةٌ في ابن آدم، وأن الفهمَ يتجدد، وفتوح الله لا توقيت لها، وهي إلى الجادين في التحصيل، الصادقين في الطلب أقرب.
لقد سمعتُ شيخنا ابن باز -رحمه الله- وهو في أواخر سنوات حياته؛ يوصي من يسمعه من طلاب العلم بالحرص على التحضير والمراجعة، ولقد كان وقْعُ كلمته كبيراً على مَنْ سمعها؛ لأن الشيخ كان كذلك حتى حين أوصى بذلك، وهو في عشر التسعين، وكان معدوداً حينها في الراسخين!
لم يزل في سيرة هذا الإمام بعض الجوانب التي ميّزته عن أكثر أهل زمانه، ستكون محل التعليق في المقال القادم إن شاء الله.


ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ
([1]) تاريخ دمشق (53/ 203).
([2]) حلية الأولياء (2/ 133).
([3]) المعرفة والتاريخ (2/ 48).



* رابط المقال على الموقع: http://almuqbil.com/play-4429.html