الأغلوطات




في مجلس من مجالس شيخنا العلامة العثيمين (ت: 1421هـ) -رحمه الله– تقّدم شاب صغير في السن إلى شيخنا، وأماراتُ بدايات الطلب واضحةٌ من حاله ومقاله، فسألَ شيخنَا عن مسائل عويصة، حارت فيها أفهام كبار العلماء، فأرشده شيخنا إلى العناية بضبط أصول العلم أولاً، وتَرْكِ المشكلات والمسائل العويصة حتى يشتد عودُه في العلم، أمّا البدء بهذه المسائل، فهو تنكّب عن الطريق الصحيح في طلب العلم.

هذا المشهد لا يزال يتكرر في عصرنا، كما كان موجوداً في عصور السلف الصالح، الذين كانوا يرشدون الولعين -من ناشئة الطلبة- بالسؤال عن عُضَلِ المسائل، والمشكلات، والمسائل التي لم تقع بعْدُ، بغية التكثّر، أو اختبارِ العالِم، أو لغيرها من الأغراض التي لا تليق بطالب هذا العلم، وهي التي وردت في النصوص باسم "الأغلوطات"، أو "الغلوطات"، وهي شِدَادُ المسائل وصعابها، والاعتراض على العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط؛ ليُستزلوا بها، ويستسقط رأيهم فيها، أو هي: ما لا يحتاج إليه من كيف وكيف؟([1])
ولعل بعض الناشئين في الطلب يَحمِلهم على ذلك: الاستعجال، وحب التصدر المبكر، والاشتهار بهذه المسائل، وهي ثمرة مُرّة لخلل في النية!
ونظراً لتفشي هذه الظاهرة منذ القِدَم؛ فقد عقد لها المصنّفون في أدب طالب العلم -كابن عبدالبر (ت: 463)، والخطيب (ت: 463) وغيرهما- أبواباً ساقوا فيها جملة من الأحاديث المرفوعة -وإن كان لا يثبت منها شيء([2])- والآثار الموقوفة التي تصبّ في تقرير هذا الأدبّ المهم.
والقارئ لكلمات السلف في هذا الباب يسجل ما يلي:
أولاً: حرصهم على العمل بالعلم الذي حصّلوه، دون استكثار من العلم مع التقصير في تطبيقه.
ثانياً: تربيتهم لتلاميذهم على التدرج في التلقي، وترك المسائل المشكلة حتى تقع، فإذا وقعت أُسْندت لأهلها.
ثالثاً: لا ينكر السلف افتراض بعض المسائل التي تنشّط الطالب على التفقّه والتمرن على حلّها، لكن كانوا يكرهون الإكثار منها؛ خشية التعلق بها على حساب العمل، ولأسباب أخرى تكشف عنها الآثار الواردة عنهم، مثل:
1) قولِ الأوزاعي (ت: 157): إن الله إذا أراد أن يَحرِم عبدَه بركة العلم؛ ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علماً([3]).
2) وسألَ ابنُ عبدالحكم شيخه الإمامَ مالكَ بن أنسٍ (ت: 179) -رحمهما الله- فقال: لا يطلب إلا ما يَنْتَفِعُ به، ولا يطلب الأغاليط والإكثار([4]).
3) وقال مالكٌ مَرةً: المراءُ والجدالُ في العلم يَذهب بنور العلم من قلب الرجل([5]).
4) وقال أبو شريح الإسكندراني: أَقلّوا المسائل إلا ما نزل، فإنها تقسّي القلوب، وتورث العداوة([6]).
وقد أحسن الحافظُ ابن رجب (ت: 794هـ) حين فصّل في هذه المسألة، وخَلَصَ إلى أن أسلم الطرق في ذلك طريقة الأئمة الذين كان همّهم البحثُ عن معاني القرآن، وما يفسره من السنن الصحيحة، وكلامِ الصحابة والتابعين لهم بإحسان، والبحث عن سنة رسول الله ، ومعرفةِ صحيحها وسقيمها، ثم التفقه فيها وتفهمها، والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة والزهد والرقائق، وغير ذلك، ثم قال : ومن سلك طريقة طلب العلم على ما ذكرناه، تمكن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالبا، لأن أصولها توجد في تلك الأصول المشار إليها.
ثم ذكر ابن رجب العلاج، فقال: وملاك الأمر كله: أن يقصد بذلك وجه الله، والتقرب إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله، وسلوك طريقه، والعمل بذلك، ودعاء الخلق إليه، ومن كان كذلك وفقه الله وسدده، وألهمه رشده، وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾[فاطر: 28]، ومن الراسخين في العلم. انتهى باختصار([7]).
إن عودة كثير من الشباب إلى رياض العلم، ونشاط الدورات العلمية التأصيلية في أماكن متفرقة من العالم الإسلامي، لا ينبغي أن تكون خِلواً من تقرير كتب أو دروس في مقدمات هذه الدورات عن أدب الطلب والطالب، فإن المشاهد أن كثيراً من السلوكيات الصادرة من بعض المنتسبين للعلم هي رواسب كَدِرَةٌ لبداية غير مسددة ولا موجهة حين وضع هذا الشخص أول خطوة له في طريق الطلب.
إن أدب العلم قبل العلم، وفقه الأخلاق قبل فقه الأحكام، وإلا كانت النتائج كارثية، والله المستعان.



ـــــــــــــــ ــــــــــــــ
([1]) ينظر: سنن سعيد بن منصور (1/ 324)، معالم السنن (4/ 186)، جامع العلوم والحكم (1/ 247).
([2]) ينظر مثلاً: سنن أبي داود ح(3656).
([3]) جامع العلوم والحكم (1/ 247).
([4]) ترتيب المدارك وتقريب المسالك (2/ 61).
([5]) جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 248).
([6]) جامع العلوم والحكم (1/ 248).
([7]) جامع العلوم والحكم (1/ 248- 250).



* رابط المقال على الموقع: http://almuqbil.com/play-4419.html