التشريع الإسلامي بين التفكير المقاصدي والتفكير القيمي/ الشيخ معتصم سيد أحمد،،
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: التشريع الإسلامي بين التفكير المقاصدي والتفكير القيمي/ الشيخ معتصم سيد أحمد،،

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    1,659

    Post التشريع الإسلامي بين التفكير المقاصدي والتفكير القيمي/ الشيخ معتصم سيد أحمد،،

    التشريع الإسلامي بين التفكير المقاصدي والتفكير القيمي*
    بقلم
    الشيخ معتصم سيد أحمد**،،


    لماذا التفكير المقاصدي؟


    مقاصد الشريعة التي تقع في نسق الفكر الاستنباطي تمثل محوراً يثير اهتمام الدارس لتاريخ التشريع الإسلامي، فهي من أهم المحطات الجديرة بالوقوف والتأمل، ولذا وجدتُ نفسي ملزماً بالوقوف عندها، ومواصلة ما انتهيت إليه في البحث السابق الذي نشر بعنوان المصالح المرسلة وفقه المقاصد، وقد اكتفيت هنالك بالحديث عن المقاصد من حيث مسارها التاريخي وبعض الملاحظات المنهجية فيما يتعلق بضبط المصلحة، وتشخيصها، وفرزها، مضافاً إلى المصلحة من حيث المناسبة الرابطة بينها وبين الواقع أو فقه الأولويات، وقد وعدت القارئ الكريم بمواصلة البحث بقولي في ختام الدراسة السابقة: «... وبالتالي لا بد أن يكون هناك نمط آخر لتصنيف هذه المقاصد، وترتيبها في شكل هرمي يتضمن كل قيم الدين والعقل والحياة، وهذا ما سوف نتناوله في دراسة خاصة فيما بعد إن شاء الله»[1] وهنا نسأل الله التوفيق والمدد لتحقيق هذا الأمر.

    تكتسب المقاصد أهميتها في التشريع الإسلامي من بعدين:
    الأول: كونها تمثل أهم ما أنتجته العقلية الأصولية، وآخر إبداعاتها فيما يسمى بنهاية عصر النهضة الفقهية، وتنبع هذه الأهمية مما تمثله المقاصد من حافز للتفكير والتعمق لكشف مناطات الأحكام وغايات المشرع؛ فتمثل تلك الغايات مقصداً يمكن الارتكاز عليه في تطوير الفقه ومجارات الواقع المتغير، وقد ساهمت مجموعة من الظروف السياسية، والاجتماعية، في بلورة هذا النمط من التفكير المقاصدي، فاتخذت بذلك موقعاً جعلها ضمن حلقات التطور الطبيعي لأصول الفقه الذي يحاول التكيف مع الواقع المتجدد، فمنذ نهايات القرن الخامس إلى القرن التاسع ظهرت تحديات أفرزتها سياقات سياسية جديدة ابتداءً من الخلافة العباسية ومروراً بالسلاجقة والأيوبيين والخوارزميين، وغيرهم، أدت إلى توهين البنية المعرفية العامة للإسلام بما فيها قواعد الاستنباط، فكان على الأصوليين رسم مناحي جديدة تستوعب هذا الواقع وتعيد ضوابط التفكير الديني، فكان الاهتمام منصباً على الكليات والقواعد العامة، باعتبارها الصيغة الوحيدة لضمان استمرارية الرسالة ومعالجة الواقع المتغير، ومن هنا تكتسب المقاصد أهميتها من كونها آخر الحلول التي قدمها السلف لحل مشكلة الرسالة الخاتمة، وبرغم أن المقاصد في بيئتها الأولى لم تحظَ بالاهتمام الذي يجعلها في إطارها الطبيعي، حيث لم تتحْ لها المساحة المفترضة من النقاش والجدل، وأوضح مثال لذلك الشاطبي وكتابه الموافقات الذي لم يجد الاهتمام الكافي إلا متأخراً، يقول طه جابر العلواني: «ولكن ربما يصدق على الشاطبي ما وصف به مالك بن نبي ابن خلدون من أنه جاء متأخراً عن أوانه أو سابقاً عليه فلم تنطبع أفكاره في العقل المسلم. وكذلك لم تنطبع أفكار الشاطبي في العقل المسلم الذي كان يعيش بداية انحطاطه يوم ذاك، بل ظلت أفكاره مجهولة حتى اكتشفها المصلحون المعاصرون: الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا والدكتور عبد الله دراز في المشرق، والعلامتان محمد طاهر بن عاشور وعلال الفاسي في المغرب، فأشادوا بها وكتبوا حولها -خصوصاً المغاربة منهم- كتابات حلَّلت وأصَّلت وأضافت المزيد المفيد.
    ثم بنى على ذلك التراث علماء وباحثون معاصرون في دراسات جادة منهم (المقاصد العامة للشريعة الإسلامية) للأستاذ الدكتور يوسف العالم رحمه الله، و(ونظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي) للدكتور أحمد الريسوني، و(نظرية المقاصد عند الإمام محمد طاهر بن عاشور) للأستاذ إسماعيل الحسني»[2] واهتمام هؤلاء العلماء والباحثين بالمقاصد كاشف عن أهمية هذا المبحث في تاريخ أصول الفقه، وضرورة مراجعته لما يمتلكه من خاصة تجعل الفقه حاضراً ومستوعباً لكل زمان.
    الثاني: اهتمام النخب العلمية والفكرية المعاصرة، المنشغلة بتجديد التفكير الديني بمبحث المقاصد، فقد رأت فيها الإطار الطبيعي الذي يستبطن غايات الشريعة وأهدافها؛ مما يجعل التفكير الديني ضمن نسق يتطور طبيعياً مع مجريات الزمن، فالمقاصد في مفهومها البسيط هي كليات عامة أكدت عليها الشريعة، وهي قابلة للجري والانطباق لتستوعب بذلك كل المتغيرات التي تحدثها الحركة الزمنية في الواقع. ومن هنا اعتبرت المقاصد في نظر هؤلاء هي الإطار الذي يمكن به تجاوز إشكالية النص المتناهي الذي يلاحق واقعاً غير متناهٍ، هذا مضافاً إلى كونها تفتح الباب واسعاً أمام العقل المعاصر ليساهم بشكل مباشر في فهم الشريعة بعيداً عن السقف المعرفي الذي شكَّله التراث أمام العقل الحاضر، وأظن أنني لا أكون متجاوزاً للحقيقة إذا قلت: إن المقاصد باتت هي المرتكز المعرفي للمشروع الإسلامي المعاصر، ولا أجد نفسي مرغماً لجمع الشواهد والكلمات التي تؤكد ذلك، وإنما أكتفي بحضورها الواضح في كتابات ودوريات التجديد الإسلامي.
    كل ذلك شكَّل نظرة متفائلة صوَّرت المقاصد في إطار جعل منها المخرج الوحيد لأزمة الجمود والثبات التي عاشتها الأمة، والقبول بهذا التفاؤل على إطلاقه يمثل مسامحة فكرية تتلمس الخلاص في إبداعات السلف وتتنكر لبعض إبداعات العقل المعاصر، لأن كل ما يمكن أن يكون إضافة جديدة على مبحث المقاصد من العلماء المعاصرين هو في الواقع تحرك ضمن السقف المعرفي الذي شكَّله تراث الجويني والغزالي والشاطبي...، فلم نرَ في محاولاتهم أكثر من زيادة عدد المقاصد الخمسة أو إعادة ترتيبها، فابن عاشور رائد النهضة الحديثة للمقاصد لم يتمكن من تأسيس بناء منهجي جديد وكل ما قام به هو شرح وتوضيح لنظرية المقاصد مع إضافة الحرية كمقصد سادس، فهي بالتالي أصبحت إطار معرفي وسقف من الصعب تجاوزه بحيث لا يمكن التشكيك في شرعيتها أو مدى صدقها وصلاحيتها. كما لم نجد لهذه المقاصد عند أصحاب النهضة التجديدية أي تصنيف يتجاوز التصنيف الثلاثي القديم الذي يجعل المصلحة تدور حول الضروري والحاجي والتحسيني، مما يجعلنا نعتقد أن العقل المعاصر وإن كان منادياً بالتجديد إلا أنه مقلِّد بامتياز، وما زال يشعر بالضعف وعدم الثقة أمام التراث. كل ذلك يفرض على الباحث إثارة مجموعة من الأسئلة حول طبيعة التفكير المقاصدي، ومدى استجابته لتحقيق آمال رواد النهضة والتجديد، فالشيء المتَّفق عليه هي الحاجة الملحة لتقديم قراءة جديدة وفهم شمولي يمكن أن يجعل الإسلام حاضراً ومواكباً لمتطلبات العصر. والمحك الذي يجعل المقاصد في إطارها العلمي والعملي هو الدراسة التقويمية والنقدية لأهم أسس وحيثيات التفكير المقاصدي، ومن ثم إجراء مقارنة بين تلك الحيثيات والأسس وبين بعض الانتاجات المعاصرة ذات المساهمة الجديرة بالوقوف والدراسة لبعض مفكري الحاضر في محاولاتهم لحل الأزمة نفسها بصورة قد لا تختلف في الشكل مع التفكير المقاصدي ولكنها تتباين معه في المضمون والوسائل والأسس المنهجية.وهذا النمط التفكيري الجديد يمكن أن نصطلح عليه التفكير القيمي، الذي أسس له سماحة المرجع محمد تقي المدرسي في موسوعته (التشريع الإسلامي مناهجه ومقاصده)، وحتى تكتمل الرؤية حول المعطى المعرفي الذي قدمه سماحته في مساهمته لتجديد أسس التفكير الديني، لا بد من إجراء تلك المقارنة، ولتحقيق ذلك لا بد من استعراض سريع لأسس وحيثيات التفكير المقاصدي أتماماً لما قدمناه في الدراسة السابقة، ثم عرض أسس التفكير القيمي لتتم المقارنة.
    حيثيات التفكير المقاصدي

    إن أهم ما يمكن أن يدرج ضمن الحيثيات الأولى للتفكير المقاصدي هي التحديات التي يفرزها الواقع في شكل تساؤلات دائمة؛ كاستجابة طبيعية للظرف الإنساني المتغير، فقد تتسع الحاجة الحياتية باتساع متطلبات الإنسان الذي خُلق لكي يُبدع ضمن بيئته وظرفه السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، وغيرها، ما جعل من الملح البحث عن نمط تفكيري جديد؛ يُفعَّل في إطاره النص الديني حتى لا يكون محصوراً ضمن تجربة إنسانية واحدة، أو طبيعة محددة بنموذج واحد، وقد أصبح هذا الأمر من مسلمات التفكير الإسلامي الحديث، الذي يحاول أن يكون إسلاميًّا في الوقت نفسه متعايشاً مع واقعه، دون أن يشعر بأن هنالك حالة من التناقض بين نص تاريخي وواقع راهن يجب أن يعيش فيه بكل تفاصيله، وفي اعتقادي أن هذا الاستفزاز الذي يخلقه الواقع هو الدافع المهم وراء هذا النمط من التفكير المقاصدي، وهي نفسها الحيثيات التي دفعت الرواد الأوائل من الجويني والغزالي و الشاطبي وغيرهم لهذا النمط التفكيري، يقول حسن محمد جابر: «في الواقع يأتي البحث في المقاصد وعنها كاستجابة طبيعية لما طرأ على الواقع الإسلامي والعربي من تطورات بدأت ترخي بكلكها على ميادين البحث العلمي ومنها الشريعة، وهذه تفترض في القوة الفاعلة أسلوباً جديداً في التعامل معها ومنهجاً علميًّا يتناغم واتجاهاتها الحيوية»[3].
    أما البعد الآخر لحيثيات هذا التفكير هي العوامل المتعلقة بطبيعة النص والحكم الشرعي، اللذين يستبطنان في تركيبتهما الداخلية عللاً وغايات تسمح لهما بالمواكبة، ما حفَّز هذا النمط التفكيري لطرح الأسئلة الكاشفة عن المضامين الخفية والمستترة خلف ظواهر الكلام، لتشكِّل فيما بينها مقاصدَ للشريعة، فالنصوص والأحكام يمكن أن ينظر إليها بلحاظين الأول يجعلها ضمن إطارها الجزئي الكاشف عن مصاديق محددة، والثاني بلحاظ كونها مستبطنة لغايات ومقاصد تمثل أهدافاً لتلك النصوص والأحكام، هذا ما جعل أصحاب التفكير المقاصدي يُثيرون حالة من الجدل مع التراث الذي صنف لنا الأحكام تصنيفاً جزئياً واقفاً عند حدود تفصيلات الأحكام المنتشرة في النص، دون السؤال عن أي بعد كلي يكون إطاراً جامعاً لمنظومة من الأحكام. ومن هنا يمكننا أن نجعل طبيعة النص والحكم الشرعي التي تؤسس عادةً لحِكم وغايات هي من أهم الحيثيات لهذه النزعة المقاصدية، ولذا لا نجد كتاباً يتحدث عن المقاصد إلا ويرتكز في الأساس على هذا البعد من النص الكاشف عن مقاصد معقولة، وبذلك اعتبروا المقاصد هي الأساس في الشريعة، وأن النظرة الجزئية ما هي إلا نتيجة لعوامل خارجة عن إطار النص، وقد أرجع البعض هذه النزعة إلى العوامل التي أدت إلى تكريس سلطة الفرد وغياب الرؤية الشمولية التي تنظر إلى النص والإنسان بزواياه المختلفة. يقول محمد مهدي شمس الدين: «لقد بدأ التدوين الفقهي عندما سيطرت الدولة الإسلامية القمعية الخاضعة لسلطة الفرد، الدولة التي غابت عنها قيادة المعصوم ولم تقم على قاعدة مبدأ الشورى، فأدى ذلك إلى أن الفقه انعزل عن حركة المجتمع، واستغرق الفقهاء في معالجة المسائل التي يواجهها الفرد المسلم في حياته الخاصة: في عباداته ومعاملاته، فعالجوا المسائل العامة وقضايا المجتمع من زوايا معاناة الأفراد لها، وتأثيرها على حياة المسلم الفرد، ولم يلحظوا في الغالب تأثيرها على الأمة ومجتمعاتها»[4].
    ويعتقد حسن حنفي أن السبب وراء هذه النمط التفكيري هو الحرفية التي تجعل النص لا يتحرك في أكثر من بعده الظاهري، فتحول النص عندهم إلى صورة جامدة تتحرك حول عناوين ثابتة لا يمكن أن يكتب لها المرونة والتحرر، ويضيف إلى ذلك الرغبة في التسلط على الناس التي تتيحها سلطة النص باحتكار العلم والتفسير، يقول: «السبب في ذلك هو الوقوع في النصية وفي الحرفية، وفي بعض الاتجاهات السلفية، التي تجعل من النص الديني نصًّا فقط، من دون مضمون، وكأنه لغة يتم تفسيرها حرفيًّا وكأن هذا النص غير موجه لواقع، وكأنه في البداية لم يبدأ كحل لسؤال، كما هو معروف في أسباب النزول. فالذي يمنع من التفكير المقاصدي هو الوقوع في الحرفية، وأيضاً الرغبات في التسلط على الناس، لأن السلطة النصية هي التي تحتكر العلم وتحتكر التفسير وتحتكر الرأي فالذي يفكر بالمقاصد هذا خارج السلطة، وهو إنسان من المعارضة عادة يؤمن بحرية التفكير، ويؤمن بإمكانية معرفة روح الإسلام»[5].
    ويعتبر أحمد الريسوني أن كل الاختلالات في الفقه الإسلامي الذي شكَّلها التفكير الجزئي، كانت بسبب غياب الرؤية الشمولية التي تخلقها المقاصد. يقول: «إن غياب المدرسة المقاصدية والنظرة الشمولية هو سبب كثير من الاختلالات التي نجدها عند بعض الفقهاء والمفتين وبعض الدعاة وعند بعض المفكرين، وحتى عند بعض المنظرين والمسيِّرين للحركة الإسلامية، وهذه الاختلالات راجعة إلى فقدان أحد أمرين، إما النظرة الشمولية إلى الإسلام وإما النظرة إلى المقاصد»[6].
    وبذلك يمكننا تلخيص حيثيات هذا التفكير المقاصدي في بعدين: الأول الواقع المتغير والثاني النص المستبطن للمقاصد المستوعبة لذلك الواقع المتغير، وهو بتعبير آخر الحديث عن دواعي وضرورة التغير والتجديد الديني.
    __________
    * مجلة البصائر العدد 38 السنة 16 1426 هـ - 2005 م.
    ** الشيخ معتصم سيد أحمد عالم دين، من السودان.
    (يُتْبَع .. )


    من أوسع أودية الباطل: الغلوُّ في الأفاضل
    "التنكيل" (1/ 184)

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    1,659

    افتراضي التشريع الإسلامي بين التفكير المقاصدي والتفكير القيمي/ الشيخ معتصم سيد أحمد،،

    أسس وآليات التفكير المقاصدي

    يرتكز التفكير المقاصدي، كما بلوره الغزالي ونظَّر له الشاطبي، على استقراء الشريعة الكاشف عن منظومة المقاصد. وقد أبدينا في الدراسة السابقة بعض الملاحظات حول منهجية الاستقراء، و ما يهمنا الآن هو الوقوف على تلك المقاصد وبيان آليات ذلك التفكير. ويمكن تلخيص هذه الأسس بكون المصالح العامة والمقاصد تصنف إلى ثلاثة مستويات وهي الضرورية والحاجية والتحسينية، كما فصلناها في الدراسة السابقة، وقد اتفقوا على جواز العمل وفق المقاصد الضرورية، باعتبارها يقينية قطعية، وهذه النظرة الأولى للمقاصد وتصنيفها هي المسار الأساسي في التفكير المقاصدي، ثم يأتي التوافق على الضروري منها ليكون الخطوة الثانية في هذا النمط التفكيري، أما الخطوة الثالثة والمهمة هي التوافق على هذه المقاصد الضرورية، وهي خمسة بحسب استقراء الأحكام:
    1- الحفاظ على مصلحة الدين.
    2- الحفاظ على مصلحة النفس.
    3- الحفاظ على مصلحة العقل.
    4- الحفاظ على مصلحة النسل والعرض.
    5- الحفاظ على مصلحة المال.
    وهذا العدد الذي رتَّبه الغزالي وسار عليه الشاطبي، أصبح مثار الاهتمام، حتى صرَّح الآمدي بانحصارها في خمسة معللاً ذلك بأن الواقع يدلنا على انتفاء مقصد ضروري خارج عنها في العادة، وحتى الذين حاولوا توسيع دائرة الضروري تسالموا على هذه المقاصد الخمسة التي اعتبرت هي المعيار للكشف عن ضرورات أخرى، ومثال على ذلك محاولة ابن عاشور التي حاولت توسيع الضروري، فقد ارتكز في ذلك على المقاصد الخمسة التي نظر إليها بمنظار يتسع إلى الجانب الاجتماعي، فنظر إلى كل مقصد من المقاصد الخمسة بلحاظين الأول يتعلق بالجانب الفردي والثاني بالجانب الاجتماعي، فتتحول هذه المقاصد الخمسة إلى عشرة بحيث يصبح لكل مقصد جانب خاص بالأمة وجانب خاص بالأفراد.وحديثا نجد بعض المطالبات بزيادة المقاصد الضرورية كالعدل والمساواة والحرية والحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. والمهم أن هناك اتفاقاً ضمنيًّا على هذه المقاصد الخمسة ويبقى الباب مفتوحاً لتوسعة دائرة الضروري، مما يجعلنا ندَّعي أن المقاصد الضرورية هي مدار التفكير المقاصدي.
    ولذا نرى من الضروري إثارة الحوار حول تلك الأسس وإبداء بعد الملاحظات عليها.
    الملاحظة الأولى: أول ما يمكن أن يكون ملاحظة على هذا المنهج هو ترتيب المصلحة في ثلاثة مستويات،(الضرور ، والحاجي، والتحسيني) وهو ما شككنا في إمكانية الدليل الشرعي عليه؛ ولذا نجد الشاطبي اعترف بذلك في قوله: «فثبت أن دليل هذه المسألة على التعيين غير متعين»[7]، ولم يبقَ أمام الشاطبي إلا الاستدلال عليها بالاستقراء في أحكام الشريعة وروح الدين عندما قال: «وإنما الدليل على المسألة ثابت على وجه آخر هو روح المسألة، وذلك أن هذه القواعد الثلاث لا يرتاب في ثبوتها شرعاً أحد ممن ينتمي إلى الاجتهاد من أهل الشرع، وأن اعتبارها مقصود للشرع. ودليل ذلك استقراء الشريعة، والنظر في أدلتها الكلية والجزئية»[8].
    وهذا ما لا يمكن الوثوق به لأنه تعويل على ذوق الفقيه ونظره المطلق في الأحكام، وهو ما لا يفيد أكثر من الظن في الموضوع، لأن الاستقراء لا يمكن أن يكون كاشفاً عن ترتيب المصلحة بهذه الكيفية إلا أن تكون فروض سابقة تم الاستدلال عليها بالاستقراء، لأنه يجوز لنا كذلك أن نثبت بالاستقراء نفسه فروض أخرى مخالفة لهذا التقسيم كأن نقول: إن المقاصد تتراتب على حسب قانون المهم والأهم الذي يختلف باختلاف الظرف والموضوع، فما يكون أهم في مسألة يمكن أن يكون مهم في مسألة أخرى، أو يمكن فرزها وترتيبها على حسب كون المصلحة ذاتية غير معللة أو كونها عرضية متفرعة من الذاتي وهكذا بالتالي لا يمكن أن نتسالم على هذا التقسيم.
    والملاحظة الثانية: أن الكلام عن المقاصد يأتي كتأسيس نظري لحل مشكلة الاستنباط بطريقة تستوعب كل حاجيات المكلف في كل زمان ومكان، فيتم عن طريقه تجاوز إشكالات الفقه المتوارث وآليات الاستنباط التقليدية، وبالتي لا يتحقق التقييم الموضوعي لهذا الإطار النظري إلا في دائرة أهدافه النظرية التي تستوعب كل حاجيات المكلف، وضمن هذا الأساس النظري للمقاصد نجدها اقتصرت على منهجية الاستقراء للكشف عن المقاصد وهو ما جعلها لا تثق إلا بما كان في مرتبة الضروري، واستبعاد كل من الحاجي والتحسيني، مما يجعل المقاصد قاصرة عن إجراء نظرة تجديدية شاملة تستوعب كل مجالات الحياة، والاقتصار على ما هو ضروري منها لا يحقق لنا نظرة تجديدية شاملة، فتفاصيل الحياة وتعقيداتها هي أكبر من كون الحاجة ما يتعلق بالضروري منها. وقد تنبه الكثير من دارسي فقه المقاصد إلى هذا القصور المنهجي في أثبات المقاصد مطالبين بعدم الاكتفاء بالاستقراء وإنما الاستفادة من كل وسائل الإثبات العلمية كما يقول أحمد الريسوني: «وبالنسبة لمقاصد الشريعة هناك أمر له أهمية كبيرة في نهضتها أو في تعثرها وهو كيفية إثبات المقاصد، فنجد عدداً من العلماء يقصرون هذه المقاصد على مسالك محدودة ضيقة ومنهم من يفتح جميع المسالك، التي تؤدي إلى إنتاج المقاصد والكشف عنها فيحصرها مثلاً في الاستقراء، وبعضهم يوسعها حتى تفقد طابعها العلمي فيجعل أن المقاصد ترجع في النهاية إلى التخمينات والذوق الاستحساني والحس الذاتي والرأي الشخصي. فيجب أن نعتمد المسالك العلمية بالكامل»[9]. وتبقى هذه الالتفاتة مهمة ولكنها أيضاً دليل على عجز هذا الاتجاه المقاصدي في تكوين إطار منهجي متكامل، فمنذ القرن الثامن إلى الآن لم يتمكن هذا الاتجاه من إنتاج نظرية متكاملة، وإنما تأملات هنا وهناك وقد يتضح السبب في ذلك في الملاحظة الثالثة التي نبديها.
    الملاحظة الثالثة: أن القصور الذي بدأت ملامحه في الملاحظة السابقة كان نتاجاً طبيعياً للمادة التي ارتكز عليها الشاطبي وغيره، في استخلاص مقاصد الشريعة، وهي المنتوج الفقهي المتمثل في الفتاوى والأحكام التي أنتجها الفقه التقليدي، فتحركت المقاصد ضمن دائرة ما أنجزته الأصول التقليدية فقهياً، وهو اعتراف ضمني بالآلية التي أراد الشاطبي تغيرها مما يسقط التبرير المنطقي للعمل بالمقاصد، ويجعلها لا تحمل أي تصور موضوعي سوى كونها متابعة وصفية لواقع الأحكام والفتاوى الموجودة سلفاً، وهو الأمر الذي يجعل المقاصد متأخرة دوماً عن الفقه، وهو خلاف التأسيس النظري للمقاصد التي أرادوا لها أن تكون البديل لعملية الاستنباط، يقول حسن محمد جابر: «إذ وضع الشاطبي نفسه من أول الأمر داخل إطار المنجز فقهياً وجعله المرجع النهائي الذي يصلح لتحديد العناوين الكلية، مع العلم، أن هذا المنجز نفسه، بحاجة إلى مراجعة في ضوء المقاصد، فوقع في الدور المنطقي المحكم ما أضعف من قوة التصور النظري»[10].
    هذا ما يجعل التحدي كبيراً أمام المتبنين للتفكير للمقاصد وذلك للعمل على تأسيس جديد يرتكز على المادة الأولى وهي النص الديني بعيداً عن الموروث الفقهي، لأن هذا القصور الذي نراه في المقاصد هو نتاج للقصور في المادة الفقهية التي تغذيه، فلا بد إذاً من البحث عن مادة أخرى، وبعدها يمكننا القول: إن المقاصد بدأت أول خطواتها التأسيسية.
    الملاحظة الرابعة: هذا الملاحظة تبنى على الملاحظة السابقة، وهي أن التصور السابق للمقاصد يجعلها من سنخ المفاهيم الاعتبارية، المنتزعة من جزئيات الأحكام التي تشترك فيما بينها برابط واحد، ينتظم في نهاية الأمر في شكل عنوان جامع، فيصبح العنوان دائماً مرتبطاً بمادته الأولى التي تم منها الانتزاع، ما يكون من العسير توسيع دائرته ليشمل مواضيع أخرى، لأنه ليس عنواناً ماهوياً مستغرقاً لكل جزيئاته، فالطبيعة الماهوية بعنوانها الفلسفي ترتبط بأفرادها ارتباطاً وجوديًّا حتميًّا، وهنا يبرز الاختلاف الجوهري بينها وبين العناوين المشتركة بين الأحكام لأن طبيعتها اعتبارية ليست ذاتية، وأي محاولة لتوسيعها بغير دليل خاص في المورد المراد أن يشمله المقصد يُعدُّ نوعاً من التوسعة غير المبررة، فإذا أخذنا مثلاً حفظ النفس كمقصد نجد أنه في الواقع عنوان لمجموعة من الأحكام الجزئية في الشريعة الإسلامية، فإذا حاولنا توسيعه ليشمل مفردات جديدة بحيث يكون حاكماً عليها، لما أمكننا ذلك لأن حفظ النفس كعنوان محكوم في وجوده لتلك الأحكام الجزئية المتحققة بأدلتها الخاصة، لأن حقيقة العناوين هي مشترك لبعض الأحكام الشرعية، وهذه الأحكام متحققة بأدلة خاصة لكل حكم، فإذا أردنا أن ندخل مفردة جديدة ضمن الأحكام الجزئية فبأي عنوان يمكننا إدخالها؟ سوى أن يكون لها دليلها الخاص لأن هذه الأحكام قائمة بأدلتها وليس بعنوانها المشترك، ولا تتأتى هذه المقدرة للمقاصد إلا إذا أثبتنا استقلاليتها في الوجود والتحقق، وهذا ما يجعل من الضروري البحث عن تأسيس آخر للمقاصد يجعل لها الاستقلالية الذاتية، ومن ثم مقدرتها على استيعاب كل ما يندرج تحتها، ولكي يتضح هذا الأمر بشكل جلي لا بد أن نثير ملاحظات على طبيعة المقاصد الخمسة الضرورية.
    الملاحظة الخامسة: مواصلةً لما انتهينا إليه في الملاحظة السابقة، بات من الضروري البحث عن مقاصد ذات قدرة استقلالية تمتلك طبيعة ذاتية تؤهلها لتكون حاكمة على كل المتغيرات، هذا ما يجعلنا نتساءل عن المقاصد الخمسة ومدى امتلاكها لتلك الطبيعة، والمعيار الذي يجب أن نستخدمه للكشف عن ذلك هو ألَّا يكون المقصد معللاً وإنما يكون مطلوباً لذاته، لأن كل ما هو بالعرض لا بد أن يرجع إلى ما بالذات بحيث لا يشمله سؤال لماذا، ومثال ذلك العدل حسن ومطلوب لذاته ولا نتوقع من يسأل لماذا العدل حسن، هذا بخلاف الصدقة فهي حسنة ولكن لتحقيق التكافل والمساواة مثلاً. وهكذا لا بد أن يتوافر في المقاصد هذا الشرط حتى تتحقق لها الاستقلالية وتكون قادرة على إنتاج أحكام خاصة للمتغيرات، وبناءً على ذلك لا بد أن نعيد تقييم المقاصد الخمسة وفقاً للمعيار الذي قدمناه، ولتحقيق ذلك يجب أن ننظر لكل واحد من هذه المقاصد الخمسة، وهذه الملاحظات لا تنفي أهمية المقاصد وكونها حاجات ضرورية بديهية، ولكن ليس كل ضرورة صالحة لأن تكون مقصداً بذاتها وهو المحك الذي نفرز به المقاصد.
    1- حفظ الدين: لكي نتأكد من كونه مقصداً مستقلاً لا بد أن نتأكد من كونه قائماً بذاته غير مرتكز على غيره في الوجود والتحقق، ولكي نحقق ذلك نقوم بالسؤال الأساسي وهو: لماذا حفظ الدين؟ وهل حفظ الدين مقصود بذاته؟ وهل الحفظ يدور مدار العنوان وهو كونه ديناً وحسب؟ أم لأجل قيم أخرى يستبطنها الدين؟ وإذا كان لعنوانه لماذا خصصنا الديني الإسلامي دون غيره؟ هذا ما يقودنا إلى أن حفظ الدين مقصد لأنه يستبطن مقاصد أخرى جاء الدين لتكريسها، ومن هنا إذا أصبح الدين فارغاً من محتوى تلك القيم لا يكون حفظه واجباً، لأن الدين في الواقع تجلٍّ لقيم مطلوبة لذاتها والحفاظ عليها ضرورة طبيعية. وهذا الاشتباه فوت علينا إجابة السؤال الفلسفي عن أصل الدين وحقيقته ومحتواه وبالتالي القيم التي جاء لتأسيسها، لتشكل لنا فيما بعد مقاصد نسعى لتحقيقها، فهل نقبل دين من غير التوحيد، والإيمان، والعدل، العبودية، والحرية، والكرامة... وغيرها مثلاً، فلماذا إذاً لم نجعلها ضمن المقاصد، أما إذا كان المقصود من حفظ الدين هو حفظ تدين الأفراد كما يقول جمال الدين عطية: «ومعناه حفظ تدين الفرد وليس الدين في ذاته»[11]، يبقى السؤال قائماً لماذا الحفاظ على تدين الفرد؟ ولا يبقى أمامنا جواب إلا كون تدين الفرد هو تجسيد عملي وسلوكي لتلك القيم التي جاء من أجلها الدين، ما يرجع الكلام بنا من جديد عن البحث عن تلك القيم، التي لا يمكن أن نجدها ضمن التفكير المقاصدي التقليدي، ما يدعونا إلى تجاوزه والبحث عن آليات تفكير أخرى تكون قادرة على اكتشاف القيم التي جاء من أجلها الدين، ولا يتحقق ذلك إلا بالتنازل أولاً عن المنهجية التي تعتمد الاستقراء في الأحكام لأنها لا تكون كاشفة عن تلك المقاصد، وهو شبيه بالبحث عن البحر في قطرات المطر.
    2- الحفاظ على النفس: وهو حفظها من التلف كلية أبو بعض أجزاء الجسد الذي يؤدي تلفها إلى ما يقرب من انعدام المنفعة بالنفس الكلية، وهذا المنفعة هي إشارة خفية إلى وجود قيم تجعل حفظ الحياة ضروريًّا، وهو ما يجب أن نبحث عنه، وهي قيمة الحياة والقيم التي تستبطنها، فإذا لم يكن للحياة قيمة لم يكن هناك ضرورة لحفظ النفس، فالتسلسل المنطقي يفترض أن قيمة حفظ النفس ناتجة عن قيمة الحياة وهي بدورها لا يكون لها قيمة إلا إذا كانت تجليًّا للنظام القيمي، ما يُعَقِّد الأمر أمامنا حتى نتمكن من الإجابة عن السؤال الفلسفي: لماذا الحياة؟ أو ما هي الحكمة من الحياة؟ وهو الخطوة الأولى لاكتشاف قيمها.
    3- حفظ العقل: صحيح أن العقل قيمة ذاتية لا تُعلل وهو مصدر العلم والمعرفة والحقائق، وهو ما يؤكد أن العقل بنفسه مؤسِّس لمنظومة من القيم المقدسة، لا يتأتى الحفاظ على العقل إلا بالحفاظ عليها والوثوق بها والارتكاز عليها، وهو الأمر الذي غاب عن أصحاب المقاصد عندما أفرغوا العقل الذي يريدون الحفاظ عليه عن محتواه وشككوا في أحكامه، باعتبار أن العقل يعتريه الهوى والخطأ، يقول يوسف العالم: «لأن العقل البشري قاصر، لأنه محدود بالزمان والمكان، ولأنه لا يستطيع التجرد عن مؤثرات البيئة وبواعث الهوى، والأغراض، والعواطف، ولأنه جاهل بالماضي والحاضر، وأشد جهلاً بالمستقبل، ولذلك لم يحظَ بالعصمة عن الخطأ والزلل، فهو جاهل وقاصر عن الإحاطة، والقاصر لا يحسن التدبير فلا بد له من ولاية أو وصاية، ووليه ووصيه هداية الشرع، وليست له صلاحية الاستقلال بدرك المصالح بعيداً عن الوصاية، وبدون رعاية الشرع»[12].
    وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الحفاظ على عقل يوصف بكونه جاهلاً ومقصراً ولا يُحسن التدبير وليست له صلاحية الاستقلال بدرك المصالح، فلماذا الحفاظ عليه من الأساس؟!، ومن هنا فوَّت أصحاب المقاصد على أنفسهم الاستفادة من أكبر مصدر للمقاصد، مما يجعل من الضروري إعادة النظر في العقل واكتشافه فمن غيره لا يمكن أن ندرك مقصداً أو أن نثق به.
    4- حفظ النسل أو العرض: تحقق هذا المقصد موقوف على تحقق مقصد حفظ النفس، وقد بيَّنا أن حفظ النفس موقوف على معرفة قيمة الحياة، فإذا كان للحياة قيم فهي نفسها التي تتكفل بحفظ النفس والنسل والعرض، لأن بها استمرار الحياة، مما يجعلنا نعتقد أن اكتشاف قيم الحياة ضرورة أساسية لكي تكون هي الحاكمة على كل ما يتعلق بالحياة أو استمراريتها سواء كان في إطار فردي أو أسري أو اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي، وتخصيص النسل والعرض من بينها تخصيص مشوه لا ينظر إلى الحياة في صورتها الكاملة.
    5- حفظ المال: من المسلم والواضح أن حفظ المال لا يمكن أن يكون مصلحة بذاته، وإنما يكون مساهماً في تحقيق قيم الحياة، التي غابت عن التفكير المقاصدي، وإذا كان المال مساهماً فهو ليس وحده، فهناك مفردات أخرى تساهم أيضاً في تحقيق قيم الحياة مثل التكافل والمساواة والحرية وغيرها فلماذا خُصِّص المال كمقصد إذاً دون غيره.
    وقبل أن أختم هذه الملاحظات .. إن هناك معيار الكثرة والقلة الذي سوف نستعرضه إن شاء الله، وهو قد يستوجب تقديم مصلحة على ما هي أقل منها درجة، مثلاً: قد يسبب الجهاد مع إمام ظالم في معركة صغيرة، بفتح بلد لا ينفع الأمة شيئاً، قد يسبب في دعم حكمه الجائر، مما يعود على الأمة بضرر كبير في الاقتصاد، فالاقتصاد (إدارة الأسواق التجارية مثلاً) يعتبر حاجياً لا يستوجب تركه فساداً (فلا يعتبر ضروريًّا) ولكنه يسبب حرجاً (فيعتبر حاجياً) حسب مصطلحهم.فماذا نقدم؟ هل نقدم أمراً ضروريًّا، ولكنه محدود جدًّا، أم أمراً حاجياً ولكنه عام وشامل جدًّا؟

    =والترتيب الذي اعتمده الشاطبي في المصالح الضرورية، هو الآخر يخضع لهذا المعيار السابق، معيار الكثرة والقلة، فلو استوجب المحافظة على أموال الأمة قتل شخص منهم فإن المال هنا يقدم على النفس، لأن حفظه يصبح حفظاً للنظام العام، ويعتبر ترك حفظه مفسدة.
    على أن هذا الترتيب -بذاته- غير معلوم من النصوص الشرعية؛ فمن قال إن حفظ الدين مقدم على النفس بوجه عام، فقد يكون حفظ النفس أهم لأن الدين شرع للنفس وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وقال عن قصة المكره على التظاهر بالكفر: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِفالحياة هي الأصل بنص الدين ودلالة العقل وفطرة الوجدان، إنما سائر المصالح جاءت من أجل الإنسان، بلى قد تقدم مصلحة الدين باعتباره يحتوي على جملة المصالح الإنسانية وذلك من باب سائر المعايير المرعية وكذلك بين العقل والنسل، ثم بين النسل والمال، وليس هناك شاهد من عقل أو شرع، بتقديم العقل على النسل، والنسل على المال بصورة مطلقة، بل يرجع الأمر إلى سائر المعايير، فإذا كان الإنسان يصاب بعاهة دائمة في عقله أو في سائر قواه الأساسية بسبب الزواج منعنا عنه الزواج، وقدمنا سلامته على إنجابه ولكن هذا بسبب أصالة حفظ النفس وليس بسبب تقدم العقل على النسل، وكذلك لو اقتضى الزواج ذهاب كل أموال الشخص فلا يقدم عليه، لأن الأصل هو مصلحة الإنسان ذاته، وإنما تتدرج مصالح الآخرين على أساسها، حسب الترتيب الرحمي، فإذا تقدم العقل وسائر الأعضاء والقوى، كما تقديم المال على النسل، قائم على أساس معيار تقديم النفس على الغير، وهو لا يعارض سائر المعايير، مثلاً لو أن النوع البشري في منطقة، تعرض لخطر الانقراض، فإن كل شيء يضحي من أجل بقائه، وعموماً أقوال الأصوليين في قضية النسل لا تبدو واضحة بقدر كافٍ.
    أما بخصوص الغزالي ومعيار المصلحة العامة فالغزالي تعرض للحديث عن معيار المصلحة العامة والخاصة فقال: وتنقسم المصلحة قسمة أخرى، بالإضافة إلى مراتبها في الوضوح والخفاء، فمنها ما يتعلق بمصلحة عامة في حق الخلق كافة، ومنها ما يتعلق بمصلحة الأغلب، ومنها ما يتعلق بمصلحة شخص معين في واقعة نادرة.ويقول الدكتور حسان: إن هذا التقسيم لم أرَ من صرح به غير الإمام الغزالي.
    ويفصل الكاتب علال الفاسي القول في هذا الأمر ويقول: إن مصلحة الجماعة تقدم على مصلحة الفرد وأن على الفرد أن يضحي بمصالحه في سبيل النفع العام العائد على المجموع. ويضيف قائلاً: ويتفرع على هذا الأصل حق الدولة في التوجيه الاقتصادي إذا دعت إليه المصلحة العامة، فيمكنها أن تسعر أثمان البضائع، إذا كان يترتب على تركه الإضرار بالناس، كما يمكنها بيع طعام المحتكرين عند الحاجة إليه جبراً وإلزامهم بعد ذلك باتِّباع نظام المؤنة المطبق على الجميع، وتأميم بعض المشروعات الكبرى، إذا كان في إطلاقها تزاحم يؤدي إلى تراكم رأس المال في يد قلة، فيصبح به المال دولة بين فئه قليلة من الأغنياء لا سيما في صالح المستهلك وصالح اقتصاد الدولة العام[13].
    ويضرب الدكتور حسان مثلاً لذلك بالقول: ومثال المصالح العامة في حق كافة الخلق المصلحة القاضية بقتل المبتدع الداعي إلى بدعته إذا غلب على الظن ضرره وصار ذلك الضرر كليًّا. ويضيف قائلاً: ومثال المصلحة الخاصة النادرة المصلحة القاضية بفسخ نكاح زوجة المفقود[14].
    يبقى أن نسأل الغزالي وتابعيه عن الحجة في تقديم المصلحة العامة ولم يقيموها على حسب علمنا، بل إنما أرسولها إرسال القضايا الواضحة وبالرغم من أنها تبدو كذلك، إلا أن دراسة أصل هذا القول تساعدنا في معرفة أبعادها. وما يمكن أن تقام حجة على هذا القول، فيما يبدو لي الأمور التالية:
    أولاً: بديهة العقل إذ إن احترام حقوق المجتمع أعظم من احترام حق الفرد؛ لأن المجتمع هو الآخر مكوَّن من أفراد.
    ويلاحظ على هذه الحجة أن هذه البديهة كيف غابت عن تذكرة الشرع المقدس، علماً بأن الكتاب الكريم لم يدع بصيرة شرعية إلا وذكَّرنا بها.
    ثانياً: موارد تقديم الشريعة للمصالح العامة على المصالح الخاصة، وهي كثيرة وبعض الأمثلة الأنفة الذكر هي تشهد على ذلك وغيرها كثير.
    ونقدنا على هذه الحجة أنها تصلح مؤيداً ولا تصلح دليلاً، لأنها استقراء ناقص لا ينفع إلا من أفاد يقيناً كافياً، فإن اعتماد هذه القاعدة الأساسية من دون علم يعتبر نوعاً من الاسترسال أو حتى العمل بالظن.
    ثالثاً: إن المصالح الشرعية تعتمد أدلتها ونصوصها وهذه النصوص ألقيت إلى العرف، ولأن العرف وبالذات عرف الفقهاء والعارفين بلغة الكتاب ومنطق الشريعة يستنبطون من تلك الأدلة أنها تهتم بحالة سائر أبناء المجتمع، لا أفراد منهم على حساب الآخرين، وهذا المنهج في فقه النصوص يجعلنا على ثقة بأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الفردية، فمثلاً قوله سبحانه: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً، وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا فهذه الآية الكريمة تدل على احترام المال، ولكن ليس مال الفرد على حساب المجموع بل مال الناس أجمعين، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ هنا أيضاً احترام الدم (الحياة) مطلوب ولكن ليست حياة الفرد على حساب المجتمع ولكن حياة المجتمع كله، وهكذا سائر أدلة المصالح والحقوق، تهدينا إلى أهمية القيم بصورة عامة وليست بصورة جزئية أو فردية، وهكذا أدلة نفي الضرر كقوله سبحانه: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ أو قول النبي: «لا ضرر ولا ضرار»، وكذلك أدلة نفي الحرج كقوله سبحانه:﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، أو نفي العسر كقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. كل تلك الأدلة ذات لغة عامة كما ترى ولا يستفيد منها العرف إلا احترام حقوق الناس جميعاً.
    وهكذا تهدينا إلى تفضيل المصلحة الأعم على المصلحة الأخص، فإذا انتفى الضرر شرعاً وعرفنا أن مراد الشرع عدم وقوع الضرر أبداً فعلينا أن نسعى إلى تقليل نسبة الضرر أنَّا استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ولا ريب أن ضرر ألف فرد أعظم من ضرر عشرة، وعند تقديم ضرر الألف على عشرة فإننا نساهم عرفاً في إلحاق الضرر بالناس وليس في نفيه عنهم، وهكذا يقدم نفي الأكثر على الأقل حسب هذا النص، لأنه أخذ الضرر بصفة مطلقة، وليس متحققاً في أشخاص.
    وحسب هذا الدليل إن علينا أن نسعى لتأمين حقوق الفرد أيضاً، بكل وسيلة ممكنة، لرعايتها إلى جنب الاهتمام بالصالح العام. لأن دليل احترام حقوق الأفراد لا يزال سالماً، ولا يسقط حين تتزاحم مصاديقه، لأنه في كل مصداق يتجلى ملاكه، فإن الواجب السعي لتحقيق كل المصاديق، مثلاً.. الحياة محترمة وعلينا أن نسعى لبقائها في كل شخص، وإذا تزاحمت حياة فرد مع حياة المجموع فإننا نحترم حياة المجموع، ولكن نسعى في الوقت ذاته من أجل المحافظة على حياة هذا الفرد إلى آخر لحظة ممكنة، وبكل وسيلة متاحة، فإذا اشتعلت الحرب وكان علينا أن نضحي بحياة البعض للمحافظة على حياة المجتمع، فلا يعني هذا سقوط احترام حياة المقاتلين، بل لا بد من السعي أيضاً لتقليل نسبة الخسائر فيهم بكل وسيلة ممكنة.وهكذا الملكية (المال) محترمة، فإذا وجبت التضحية بملكية من يقع بيته على الطريق، تقديماً للصالح العام، فعلينا احترام ملكيته بالقدر الممكن، وبأي وسيلة متاحة، مثلاً تعويضها تعويضاً مناسباً، وأن نقول لصاحبها قولاً معروفاً وهكذا.ولهذه المفارقة أهمية كبيرة عند وضع التشريعات، وكذلك عند تطبيق القرارات ذات السمة العامة. وعلى أي حال، فإن تقديم المصلحة العامة يجب إلا يُتخذ وسيلة لضياع حق الأفراد، كما فعلت الدول الاشتراكية، أو التي تقودها أنظمة قمعية.وهذه الملاحظات التي أبداها سماحة السيد؛ تكشف عن عدم وضوح الرؤية في التفكير المقاصدي، وبخاصة عندما تزدحم المصالح وتتعارض، مما تجعل الحاجة ضرورية إلى إيجاد معايير خاصة لفرز تلك المصالح، وهذا ما يحتاج إلى تأسيس منهجي متكامل، يعمل على استخلاص القيم والمقاصد أولاً، ومن ثم بيان سلم الأولويات.
    وفي الواقع هذه هي عملية الاستنباط والاجتهاد التي تتحرك من الثابت إلى المتغير.
    والخلاصة أن هذه الملاحظات تقودنا إلى التريث في قبول الفكر المقاصدي، وعدم رفضه على الإطلاق، لأن القاعدة التي انطلق منها التفكير المقاصدي هي قاعدة صحيحة ووجدانية؛ وهي أن للدين مقاصد عُليا جاء لتحقيقها، وهي بدورها تمثل القاعدة والمرتكز الذي قامت عليه المنظومة الفقهية والقانونية للدين، وقد تبيَّن صعوبة التعرف على تلك المقاصد وفقاً للمنهج المتبع من استقراء الأحكام الجزئية، وهو ما يقودنا إلى فتح إطار جديد لهذا البحث لكي يتحقق من خلاله التعرف على تلك القيم.
    (يُتْبَع .. )

    من أوسع أودية الباطل: الغلوُّ في الأفاضل
    "التنكيل" (1/ 184)

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    748

    افتراضي رد: التشريع الإسلامي بين التفكير المقاصدي والتفكير القيمي/ الشيخ معتصم سيد أحمد،،

    جزاكم الله خيرا.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •