عيد الحب نظرة مقاصدية ... ورؤية شرعية


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وبعد:

إن مما لا يخفى أن الإسلام قام على الحب ففي الإسلام حب الله تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وحب الصحابة رضوان الله عليهم وحب الصالحين وحب الوالدين وحب الزوج لزوجته والزوجة لزوجها وقد سئل صلى الله عليه وسلم من عمرو بن العاص رضي الله عنه من أحب الناس إليك قال عائشة فقال من الرجال قال أبوها ..." وكذلك حب الوالدين لأبنائهم وحب الأخ لأخيه إلى آخر ذلك من أبواب الحب الحلال التي شرعها الله تعالى بل وجعل فيها درجات ومراتب فقال صلى الله عليه وسلم "... وكان خيرهما أشدهما حبا لصاحبه" وحثنا صلى الله عليه وسلم أن يبلغ المسلم أخاه بحبه له ورتب على الحب منازل في الجنة يغبطون عليها من الأنبياء والشهداء.
وكذلك لا يمنع الإسلام أي مناسبة سعيدة تدخل السرور على الفرد أو الأسرة أو المجتمع وحث المسلم أن يدخل السرور على أخيه المسلم وجعل تبسم المسلم في وجه أخيه صدقه ورسخ من الحقوق مشاركة المسلم أخاه المسلم في أفراحه بل وحثه على تفريج كربه وإزالة أحزانه وتيسير ما تعسر عليه والعفو عن خطأه وزلـله وربط هذا كله بمقاصد الشرع وحدوده فلا يكون فرح وسرور في معصية الله ومخالفة أمره .

ومن أهم المقاصد التي شرعها الإسلام صناعة الشخصية الإسلامية وتعزيز هويتها التي ارتقت بالمسلم أن يكون منساقا وراء أعدائه مرتبطا بهم يقلدهم ويفعل فعلهم ... بل عززت عقيدة الولاء والبراء ، ولاء لله ورسوله والمؤمنين وبراءة من الكفار والمشركين من عقائدهم وأعيادهم وأفعالهم وموادتهم ، مع الحفاظ على مبدأ حسن التعامل مع مُسَالِمهم وإكرامه والحرص على دعوته للدين واتباعه.
قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً المائدة:48، جعل الله تعالى للأمة استقلالا في شريعتها ومنهاجها ، في صلاتها وصيامها وزكاتها وعبادتها وأعيادها فلا تتعلق بأعياد أي أمة أو شريعة كانت وكما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها: (أنه صلى الله عليه وسلم دخل عليه أبو بكر الصديق، وعنده جاريتان تغنيان من جواري الأنصار، وما هما بمغنيتان -أي: إنما جاريتان صغيرتان تغنيان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال أبو بكر رضي الله عنه: أبمزمور الشيطان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر دعهما فإن لكل قوم عيد وهذا عيدنا" ، وكما نلاحظ كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم عزز قاعدة مهمة وعقيدة راسخة (لكل قوم عيد وهذا عيدنا) فجعل عيد المسلمين عيدا مختصا بهم لهم فيه الفرحة الخاصة والاستقلالية التامة عن التبعية للغرب والكفرة ومن النصوص الأكثر أهمية ما رواه أبو داود بسند صحيح "لما طلب منه صلى الله عليه وسلم رجل أن يذبح في مكان سماه (بوانة) قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (هل بها عيد من أعيادهم ((يريد اجتماعاً معتاداً من اجتماعاتهم التي عندهم عيداً) فلما قال: لا. قال له: ((أوف بنذرك((". لو تأملنا قليلا في هذا الحديث نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركز ويؤكد على مخالفة أعياد المشركين لنقاء الهوية وصفاء العقيدة سواء كان هذا العيد مضاهيا للشريعة أو كان في أصله مخالفا لها.
وروى أبو داود بسند صحيح من حديث أنس رضي الله عنه أنه قال: "قدم رسول الله المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟، قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله: صلى الله عليه وسلم (إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر)."
نجد في هذا الحديث كذلك تطبيق عملي لهذا المقصد فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن مشاركة الكفار في أعيادهم وبين أن التبديل جاء من عند الله تعالى لنبذ أعياد المشركين والركون إلى شريعتنا الكاملة التي أعطانا الله تعالى فيها عيدان عيد الفطر وعيد الأضحى ويضاف لها بالنصوص الأخرى عيد الجمعة الذي اختص الله تعالى به أمة الإسلام عن غيرها من الأمم.

تبين لنا من النصوص السابقة أن مقصد الشرع أن يحيد بالمسلم عن أن يكون تابعا إلى أن يكون قائدا متقدما صاحب هوية.

ومن مقاصد الشريعة سد ذريعة الكفر والشرك أو التأثر بها أو الركون لأهلها أو التنازل لهم عن بعض العقائد والقيم لإرضائهم ونيل ثنائهم وكسب عطائهم وهذه الأمور كلها نجدها في مشاركتهم بأعيادهم ومناسباتهم القائمة على العقيدة والشريعة التي تخصهم فــ (ما يفضي إلى محرم فهو محرم، فالعمل المباح إذا تضمن فسادا حرم.) كما قرر علماء الأصول، ولذا حذر الصحابة رضوان الله عليهم من ذلك أن عمر رضي الله عنه كان قد شرط ـ واتفق الصحابة على ذلك ـ على أهل الذمة بعدم إظهار أعيادهم في دار الإسلام، وقال: "إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين في يوم عيدهم في كنائسهم"، رواه عبدالرزاق

وعنه رضي الله عنه قال: " اجتنبوا أعداء الله في عيدهم"، رواه البيهقي

وعن عبدالله بن عمر ومثله عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: " من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك يحشر معهم يوم القيامة"، رواه البيهقي..

هذه هي العقيدة التي رباهم عليها سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وعلموها لمن بعدهم ولذا كان للإسلام عزته لما كان للمؤمن هويته.

ومن القواعد التي يقوم عليها بيان هذه الأحكام ما أصله العلماء وبينوه (أن مضاهاة المشروع من التشريع، والتشريع لله وحده) وهذه الأعياد فيها مضاهاة للشرع لتعلقها بعقائد الكفار كعيد الكريسمس وعيد الفصح وعيد رأس السنة الميلادية وعيد الحب فكلها أعياد مرتبطة عقائديا عندهم على عقيدة أن الله (ثالث ثلاثة) تعالى الله عن ذلك علوا عظيما.
ولعل الحديث متعلق بعيد الحب ولست بصدد ذكر الأساطير التي ذكرت في هذا الباب وهي تزيد عن أربعة عمومها قائم على تقديس لقسٍّ نصراني دافع وناض عن عقيدته ومات لأجلها فجعلوا هذا اليوم عيدا الذي أعدم فيه حبا له وذكرى لتضحيته لعقيدته الكافرة.
والأعجب أن الكنيسة تراجعت عن الاحتفال بعيد الحب عام 1969م وذلك لأن هذا العيد لا يليق بالدين والأخلاق ومع ذلك نجد أن كثيرا من المسلمين يحتفلون به ويعظمونهوقدمون فيه الهدايا وتكثر الإباحية والانحلال وضياع الحياء والله المستعان.
وكذلك من القواعد المتعلقة في هذا الباب أن (ما لم يكن في عهد النبوة من متعلقات الدين، مع توفر الداعي، وعدم المانع، فهو محظور.)
وجل هذه الأعياد وغيرها كانت في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمن أصحابه رضوان الله عليهم ومع ذلك ما جاءنا أنهم عظموه واحتفلوا فيه وبل ولم يعطوه وزناً ولا قيمة، إذا فهذا العيد وغيرها من أعياد المشركين من الأعياد المحظورة الممنوعة في شريعتنا الغراء.

وبناء على ما سبق فأعياد الكفار ممنوعة ومحرمة لعلتين:

1- مضاهاة الشريعة والابتداع فيه مع أن الله تعالى قال: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" [المائدة: 3] وقال صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" متفق عليه، إضافة إلى النصوص التي سبق ذكرها.

2- التشبه بالكفار وكما قال صلى الله عليه وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم" رواه أحمد وأبوداود

فالعلتان تمنعان أي نوع من مشاركة الكفار في أعيادهم، ولو كان للمجاملة، أو للملاطفة، أو حتى لو كان لمتعلقات دنيوية فيجب فيها المخالفة وإن لم يقصد بها المشابهة (وما بني على باطل فهو باطل).

وختاما فلا بد من بيان مقصد حفظ شعائر ديننا ومعانيها، فالأمة إذا كثرت أعيادها المحدثة أضاعت معاني أعيادها المشروعة الربانية وهذا ما نلحظه من المجتمع فهو دائما يتذمر من أعيادنا الإسلامية ويشكو تعبه الذي هو فرضه على نفسه فيه ويعاني من التزاماته، بينما عند تفاعله مع أعياد المشركين يفرح ويشارك ويرتب نفسه عليها، وعموما كثرة الأعياد يذهب لذتها ومعناها.

والإسلام قام على الحب، الحب الشرعي الذي شعاره الأخلاق، وقيمته الشرع، وزينته الحياء، وشريكه من أطاع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.