التقسيم العقدي في العراق...
والجناية على أهل السُّنة

د. عبد العزيز كامل




تبدو في الأفق البعيد ـ أو المنظور ـ معالم (مشروع سلام) عراقي ـ أمريكي، على غرار (مشاريع السلام) بين العرب والصهاينة، أو بين الصرب والبوسنة، أو بين السودان الشمالي والسودان الجنوبي، بحيث يكون هذا المشروع في النهاية على حساب المسلمين بعامة وأهل السُّنة بخاصة.
وفي مقالي الأخير عن (تقسيم العراق: الضرر والضرورة)[1] انتهيت إلى أن شأن التقسيم بوصفه خطة نظرية قديمة عمرها لا يقل عن أربعة عقود؛ وَجَدَت من يسير بها في طريق شبه خالية، تحولت فيها من تفكير نظري إلى تدبير عملي، ينتقل من مرحلة إلى مرحلة، حتى وصل إلى اللحظة التي لا يستطيع فيها أحد يعقل ما يقول أن يزعم إنها مجرد «مؤامرة» وهمية!
وقد ظهر جلياً أن ذلك التقسيم ليس عرقياً تاريخياً فقط، ولا طائفياً شكلياً فحسب، بل هو تقسيم عقدي، يهدف إلى ضرب العقائد المختلفة ببعضها، ولو كانت تنتسب لقبلة واحدة، حتى يشتعل العراق، ولا يبقى حل إلا التقسيم بين الفرقاء، ثم عَقْد اتفاقيات (سلام) مع الأعداء!... إنه شيء شبيه جداً بما يحدث الآن في فلسطين.
وبعد أن قدَّم شيوخ أمريكا (بأغلبية الثلثين) مقترح التقسيم إلى حكومة بوش كان فحوى الرد: أن الوقت لم يحن بعد، تاركة ذلك للظرف المناسب!
إذا كان صحيحاً أن المسألة أصبحت (مسألة وقت) فهل نحن على أبواب مرحلة تقوم فيها دولة شيعية عراقية مجاورة للدولة الإيرانية، متعاضدة عقدياً مع الكيان الفارسي ومتعارضة مع جوارها العربي؟! هل أصبحنا على مقربة من مرحلة وضع حجر الأساس لدولة (الرفض العربي) لكل ما هو إسلامي وعربي، خاصة إذا كان منطلقاً من عقائد ومصالح أهل السُّنة في العراق وما حوله؟!
وهل آنَ أوان تمكين زعامات الأكراد العَلْمانيين المعادين للدين في أرض الفرات، ليكونوا جسراً يعبر من فوقه أولياؤهم من اليهود محققين حلمهم القديم (من النيل إلى الفرات)، بدءاً من السفارات وتطبيع العلاقات، ريثما تأتي مرحلة الامتدادات والتوسعات؟!
كابوس رهيب، يزيده رهبة تنامي الحديث عن فكرة إنشاء (دولة الأحواز) الشيعية أو (عربستان الإيرانية) لتكون خنجراً آخر في خاصرة أهل السُّنة، إذا ما قدِّر لها أن تقوم[2].
التقسيم القائم فعلاً من الناحية الواقعية إذا فُعِّل بالصورة الرسمية؛ فإنه سيكون نموذجاً مشجعاً على التطبيق في أماكن أخرى من العالمين العربي والإسلامي، يمكن أن تتكرر بشأنها أوضاع مشابهة لما حدث في العراق، مثل: السودان ولبنان وسورية ومصر وباكستان وأفغانستان وتركيا وإيران وأكثر بلدان الخليج العربي، وهذا ما تحكيه (خريطة الدم)[3] التي نشرت أخبارها في الآونة الأخيرة!
أما البداية فكانت في بلاد البلقان التي كانت تابعة للخلافة العثمانية وذلك قُبيل الحرب العالمية الأولى، ثم فلسطين بُعَيد الحرب العالمية الثانية، حيث تزامن تقسيمها مع تقسيم الهند ليبدأ صراع مرير بين المسلمين والهندوس لم ينته إلى اليوم. واليوم وفي أجواء تشبه حرباً عالمية ثالثة، يجيء تقسيم بلاد الرافدين، حيث المستهدف الأول في مخطط التقسيم ذلك هم أهل السُّنة في العراق وما حوله؛ لأن زلزال التقسيم إذا أصاب أرض الرافدين فشقَّقها إلى أخاديد عميقة؛ فإن توابعه لن تتوقف هناك، بل ستمتد على أرضٍ بركانية، محملة بالحمم الطائفية والعرقية التي لم تُسكِّنها على مدى القرون إلا حبال العقيدة الإسلامية وعُرى الأخوة الإيمانية.
• الحلول السياسية وخُفَّا حنين:
إن أهل السُّنة المستهدفين في العراق هم الذين شاء الله أن يُذِلَّ بهم أعداءَه، فهم الذين قاموا وحدهم في وجه الاحتلال الصليبي وهم الذين شاهوا وجهه وكسروا أنفه ووضعوا كبرياءه، في الوقت الذي تسابق فيه المنافقون والرافضة والعَلْمانيون لتقديم الخدمات المجانية ومدفوعة الأجر لقوات الغدر القادمة من وراء الحدود، ومع هذا تفوح روائح التآمر عليهم من جميع الأطراف!
أيكون هذا جزاء من دافعوا عن العراق وعن جواره العربي، بل عن بقية العالم الإسلامي المستهدف بالتغيير والتدمير؟! إن أهل السُّنة يُراد لهـم ـ في حال التقسيم ـ أن يرجعوا مــن كــل ذلــك بــخفَّي حُــنين، أو بدونهما، في أرض مقفرة من الخيرات الزراعية والمعدنية التي تغمر ما حولهم، حيث إن منطقة الجنوب ـ المخصصة للشيعة (منذ وضعت مخططات التقسيم) ـ تحوي ما نسبته 80٪ من احتياط البترول في العراق، وذلك في محافظات البصرة وميسان وذي قار. أما في الشمال العراقي، حيث باقي ثروة العراق النفطية، فإن هناك اتفاقاً قديماً يجرى إحياؤه، هو اتفاق (حيفا ـ كركوك) لتوصيل نفط العراق إلى الكيان الصهيوني.
وتبقَّى لأهل السنة أرض قفراء صفراء ينازعهم الشيعة عليها لاشتمالها على مدنهم (المقدسة) في النجف وكربلاء والحلة! حيث الجماهير المليونية التي تأتي إلى المزارات والأضرحة والقبور. قال عالم الشيعة (محمد بحر العلوم) في كلمة ألقاها في 7/4/2005م، في مؤتمر جامعي تحت شعار (إقليم الوسط مطلب جماهيري) ـ: «إنه حق طبيعي نقف إلى جانبه، ونحيي خطوة الفيدرالية؛ فهي مشروع وحدة، لا مشروع تقسيم»!
وقد دعا عادل عبد المهدي نائب الرئيس العراقي مؤخراً إلى البدء في فعاليات الفيدرالية وتشمل نصف محافظات العراق البالغة 19 محافظة.
مع كل هذا؛ فإن أرض أهل السُّنة المتنـــازع عليها لا يُراد لهم أن يقيموا فيها سُنَّتهم وشريعتهم، كما يقيم الشيعة في الجنوب بدعهم وخرافاتهم، وكما يقيم الأكراد القوميون العَلْمانيون في الشمال قوميتهم وعَلْمانيتهم، بل يُراد لأهل السُّنة أن يكونوا كياناً عَلْمانياً مسخاً تابعاً ذليلاً ضعيفاً فقيراً، يستجدي المعونة الاقتصادية من جيران الجور في الشمال والجنوب، ويستمد المعونة السياسية من دول الشرق أو الغرب! فالمرتَّب لأهل السُّنة ـ كما قال الخبيثان اللَّذان صاغا مشروع قرار (تقسيم العراق) في الكونجرس الأمريكي ـ هو أن يُورَّطوا في حلول سياسية بأجندة أمريكية للتخلِّي نهائياً عن نهج المقاومة أو المشروع الجهادي الفاعل، باستبداله بمشروع سياسي فاشل.
لقد كتب هذان الرجلان (جوزيف بايدن) و (ليزلي جيلب) مقالاً مشتركاً في صحيفة (النيويورك تايمز) (1/5/2006م) جاء فيه: «إن فكرة التقسيم تستند إلى ما تحقق في البوسنة، حيث يدير الأكراد والسُّنة والشيعة شؤونهم، بينما تهمش الحكومة المركزية، ونحن قادرون على تحقيق ذلك مع «إغراءات» تمنح للسُّنة، كي يشاركوا في الحكم من خلال خطة مسبقة للانسحاب وإعادة نشر القوات الأمريكية، وعَقْد حِلف عدم اعتداء»! يعني: معاهدة سلام على نمط (كامب ديڤيد) أو (أنابوليس). واستطرد المــقال: «إن سُنــة العــراق ـ وهم القوة المحركة وراء (التمرد) ـ سيرحبون بخطة التقسيم بوصفها بديلاً لحكومة مركزية تهيمن عليها حكومة يسيطر عليها الشيعة، إن تقسيم العراق سيكون على نمط ما حصل في البلقان، عندما قُسمت البوسنة قبل عقد من الزمن، وحين تم تقسيم البلاد التي مزقتها الحرب إلى فيدرالية عرقية، بموجب اتفاقية (دايتون)[4] التي توسطت فيها الأمم المتحدة».
إن معنى هذا الكلام أن هناك تربُّصاً عقدياً بطائفة أهل السُّنة، وعلى رأسها الفصائل الجهادية، كما كان التربص بمسلمي البوسنة؛ كي يقبل أهل السُّنة الدخول في عملية (أنابوليس عراقية)، مقابل الاشتراك في الحكومة المركزية، التي ستكون مجرد هيكل شكلي، يديره الأقوياء، ويُدار من خلاله الضعفاء، وعندما تدخل بعض تلك الفصائل في حكومة من هذا القبيل فإن عليها أن تردَّ الجميل، بأن تتمرد على ما سماه الأمريكيون (التمرد)، لا بل تنوب عنهم في مواجهته، بعد أن تمعن في تشويهه تمهيداً لحصاره وضربه ـ كما يحصل لحماس حالياً ـ وعندما تُطهى هذه الطبخة، فليس على الأمريكيين جناح أن يقرروا الانسحاب فراراً من الهزيمة، لكن تحت عنوان (إعادة الانتشار) والاستجابة لمطلب العراقيين بالتمركز فقط خارج المدن! وسيكون هذا انسحاباً (مشرِّفاً) ليحفظ لبوش ماء وجهه، ودماء جيشه!
هل هناك حقاً من سيقبل بهذا من أهل السُّنة في العراق؟! هل سيظهر مَنْ يبيع انتصارات المجاهدين بثمن بخس مقاعد معدودة في مجالس النخاسة ومقاهي الساسة؟! هل سيبرز من سيبني له كرسياً هشاً للسلطة من عظام الشهداء مطلياً بدماء الضعفاء والأبرياء الذين قتلهم الأمريكيون بعشرات الآلاف؟!
هل نحن أمام نسخة جديدة من «أبطال» الاستقلال، «خلفاء» الاستعمار، الذين سرقوا انتصارات شعوبهم ووهبوها للمستعمرين المستكبرين، مدَّعين أنهم أنقذوا أمتهم من الاحتلال وأوصلوهم إلى أحسن حال؟!
إن الصادقين يربؤون بأنفسهم عن ذلك ويبرؤون إلى الله من ذلك.
• مستقبل العراق بين مشروعين:
شهدت الآونة الأخيرة معالم تمايز بين المشروعين الفاعلين لمواجهة تداعيات العدوان على العراق: المشروع الجهادي والمشروع السياسي. ومن حيث المبدأ ما كان لهذا التمايز أن يوجد؛ لأن الأصل ألا يكون هناك تناقض بين المشروعين في ظل المشروعية الإسلامية العليا؛ لأن الطريقين مكملان لبعضهما، حيث لا جــدوى من جهــاد بلا خطة ولا ثمرة، ولا فائدة من سياسة مجردة من الحق الذي تحميه القوة. إلا أن الواقع على الأرض في العراق يكرِّس مع الوقت هذا التمايز والتفريق، حتى صار يُشار إلى أناس بأنهم أصحاب مشروع سياسي، وإلى آخرين بأنهم أصحاب مشروع جهادي! بل الأدهى من ذلك أنه وُجد اختلاف في المعايير، بين ما هو شرعي وبين ما هو سياسي، مع أن المفترض أن تكون المعايير كلها عند المسلم مستمدة من ضوابط الشريعة وثوابتها، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو غير ذلك.
إننا نفهم أن الشيء بالمعايير السياسية ـ غير الإسلامية ـ قد يكون قمةً في الذكاء والحيلة، وإبداعاً في ابتكار الوسيلة، لكن ذلك الشيء نفسه قد يكون في المعايير الشرعية غاية في الانحطاط، وذروة في الظلم، ونهاية في الغباء وقلة الدهاء وقصر النظر...!
خذ مثلاً معاهدة (كامب ديڤيد) بين مصر والكيان الصهيونــي في سبعينـــيات القـــرن الميلادي الـــماضي، أو معاهدة (أوسلو) بين منظمة التحرير الفلسطينية والمحتل الغاصب؛ فإنهما في نظــر بعض الناس ـ بالمعايير السياسية ـ عبقرية دبلوماسية، وإلهام سبق عصره، واختراق قلَّ نظيره! بينما هما في المعايير الشرعية افتراء على الحقيقة وازدراء لثوابت الأمة، وافتئات على أهل الحل والعقد فيها، ومغامرة ومقامرة غير محسوبة العواقب.
ولو أخذنا مثالاً مقابلاً كمواقف (طالبان) المتعددة في تاريخها السياسي القصير؛ فإنها بالمعايير السياسية اللادينية البحتة تهوُّر في غير محله، وقصر نظر سياسي، وتخلُّف دبلوماسي، وجهل بالمآلات والحسابات والمعادلات الدولية والإقليمية، بينما هي ـ في أغلبها ـ بالنظر الشرعي إعزاز للمبدأ، وإحياء لروح العقيدة، وإعلاء لقيم الشريعة، وإضافة معالم واضحة في طريق الوصول إلى تمكينها.
• «التقسيم العقدي».. لصالح من؟
إذا كانت مشروعات تقسيم العالم الإسلامي في السابق ركزت على الجانب العرقي والجغرافي وغيرهما؛ فإنها في المرحلة المقبلة تريد التأكيد على الجانب العقدي، الذي يتكتل فيه المبتدعة مع المنافقين المظاهرين للكافرين ضد العرب والمسلمين المنتمين لعقيدة السُّنة. والعقيدة الإسلامية الصحيحة على وجه التحديد إذا دخل أهلها فخَّ القسمة؛ فإن ذلك من أجل عزلها وحصارها؛ لتمكين أعدائها منها.
هذه ظاهرة تحتاج إلى رصد، فأهل السُّنة في العالم ـ وليس في العراق فقط ـ يجري استهدافهم بانتظام واضطراد. وكلما كان أخذهم من الحق والسُّنة أكثر كان التربُّص بهم أكبر. ومن تأمَّل في خطط التقسيم العقدي يمكن أن يكتشف أن دوائر الحصار تضيَّق عليهم في كل مكان، وعلى جميع المستويات، بدءاً بالمستويات العالمية، وانتهاءً بالمستويات المحلية، مروراً بالمستويات الإقليمية، وانظر ما يحدث في فلسطين. والعجيب أن اليد الباطشة المستعملة في كل حالات ذلك الاستهداف؛ هي يد العملاء المنافقين، الذين يتجرؤون في غالب الأحيان على ما يعجز عنه الأعداء الظاهرون. وأي قسمة في بلاد المسلمين تجعل من أولئك المعادين أصحاب اليد الطولى والكلمة العليا!
أمر لافــت حـــقاً أنه لا على المستــويات العــالمــية أو الإقليمية أو المحلية يُسمح ـ في تلك القسمة الضيزى ـ أن يكون لأهل السُّنة الصادقين وجود له كفاية ونكاية، ولو للدفاع عن النفس، وذلك عن سابق إصرار وتعمُّد، والأمر ليس مصادفة، بل هو بالفعل عمل متعمَّد مقصود، فكيف يمكن أن نفسر سماح «الشرعية» الدولية بكيانات هندوسية وبوذية وشيوعية وإلحادية ونصرانية ويهودية تكون قوية وغنية ونووية، في حين لا تسمح تحت أي ظرف بقيام دول أو كيانات تقوم قابلة للبقاء على الشرعية الإسلامية، ولو كان هذا عن رغبة شعوبها وإجماع أهلها؟!
إن الاستثناء الحاصل في حدود ضيقة جداً في هذا الصدد يُعد من الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، وإلا فإن العالم كله مستعدٌّ أن يُجيَّش ضد أي مشروع إسلامي سيـــاسي أو جهادي يطمح في التحول إلى دولة إسلامية.
إن الدولة (الإسلامية) منزوعة العقيدة، أو منزوعة القوة والسيادة؛ هي الصيغة الوحيدة المعتمدة في التقسيم العقدي القادم؛ إذا تُرك الأمر لأهواء الأعداء. وما يحدث في فلسطين اليوم مثال صارخ على هذا، فالعالم المطالَب بالاعتراف بـالدولة الصهيونية بوصفها دولة «يهودية» كما ألحَّ (أولمرت) قبل مؤتمر (أنابوليس) وبعده؛ لا يمكن أن يعترف بدولة فلسطيــنية إلا أن تكون عَلْمـــانية، وكـــذلك لا يمكن أن يعترف بدولة فــي البوســـنة أو فـــي تــركــيا أو الشيشان أو الصومال أو السودان أو غيرها إلا بهذا الشرط المجحف والمخيف، حيث لا يكتفي في هذه الحالة بعَلْمانية الدولة بوصفها شرطاً للاعتراف بها والتعامل معها، ولكن لا بد أن تكون حامية لهذه العَلْمانية بقوة الجيش والشرطة والقانون! فهل ستظل المشروعات الإسلامية تربط نفسها بذلك الاعتراف وبتلك المشروعية المفتراة؟!
إن «الشرعية الدولية» القائمة على المصالح الصليبية، في المقام الأول لن تسمح ـ لو طلب منها السماح ـ بدولة يقيمها السُّنة في العراق أو غيره، تقيم شريعة الله على الوجه الصحيح، مع أنها ـ ويا للعجب! ـ سمحت بدولة ـ بل أكثر ـ للشيعة الإثني عشرية والشيعة النصيرية وغيرها، وهي علـــى استعــداد للسمــاح بدولة درزيــة أو قبــطية أو مارونية أو إسماعيلية؛ لو وُجدت مقوماتها.
في العراق الآن من الناحية الواقعية دولة شيعية، ليس في الجنوب فقط، بل إن الحكومة المركزية نفسها هي حكومة شيعية، وهناك أكثر من كيان شيعي شبه ممكن يستعد للانقضاض معلناً عن نفسه؛ كعصابة مقتدى الصدر، وثلّة عبد العزيز الحكيم، وكلا الكيانين له قوته العسكرية وإمكاناته المعيشية، وأرضه التي يسيطر عليها. ولا اعتراض عنــدهم على إنشــاء أو بقــاء تلـك الكـيانات أو الدويلات ما دامت لها وظائف تخدم المنظومة العامة لقوى الاستكبار الدولي في ضرب المسلمين بعضهم ببعض.
والأكراد فرغوا من أمرهم منذ زمن، فلهم حكومتهم المستقلة، ولهم برلمانهم وقواتهم، بل لهم عَلَمهم الرسمي ونشيدهم الوطني، ويبقى فقط أن يتبادلوا السفارات ويمنحوا التأشيرات ويزاولوا العلاقات مع بقية دول العالم، ولولا أن عَلْمانية زعماء الأكراد ـ المنسوبين للسُّنة ـ قد وصلت إلى القاع والنخاع لما مُكنوا وما تُركوا.
أهل السُّنة العرب في ورطة حقيقية في ظل خيارات خطة (بايدن)، والظاهر أنه لن يُسمح لهم في ظل الحلول السلمية السياسية التي تستجدي (الشرعية الدولية) إلا أن يكونوا في مثل حال مسلمي البوسنة؛ ففي ظل خطة (دايتون)! لن يستطيعوا مقاومة الشيعة من تحتهم أو الأكراد من فوقهم إذا أرادوا انتقاص الأرض من تحت أرجلهم، على طريقة المستوطنات اليهودية في فلسطين. وأيضاً لن يُسمح لهم في حال إقامة (حكومة سلطة وطنية) في الجزء المرسوم لهم أن تكون لهم قوات إلا كقوات عرفات سابقاً أو محمود عباس لاحقاً، حيث سيكون المسموح فقط لتلك الحكومة (السُّنية) أن تقاوم المقاومين، وتطارد المطاردين من المسلمين المستضعفين والمجاهدين الصامدين، حتى لو اضطرهم ذلك إلى التحالف مع (تحالف الشمال) الكردي، أو (تحالف الجنوب) الشيعي!
إن هذا السيناريو المزعج لا يمكن استبعاده في ظل عدد من التنازلات الخطرة التي قاد بعضها إلى بعض، والتي ستفتح شهيَّة العدو العنيد إلى المزيد والمزيد، حيث كان من هذه التنازلات والمخالفات:
ـ المشاركة في حكومة يترأسها حاكم عسكري تابع لدولة معادية معتدية.
ـ الموافقة على الاستفتاء على الدستور الباطل الموضوع من قِبَل المحتلِّين والمشرِّع للتقسيم (قبل إقراره)!
ـ الدعوة إلى الاستفتاء على هذا الدستور، وإعطاء المشروعية له بالموافقة عليه (بعد صدوره) مع مخالفته الصريحة لمبادئ الإسلام، ولمصالح العراقيين.
ـ دخول المجلس التشريعي (البرلمان) تحت سلطة الاحتلال، وإضفاء المشروعية عليه بهذا الالتحاق، رغم بطلان ذلك البرلمان، حتى بالموازين التي تعارفت عليها الدول.
ـ الدخول في الانتخابات التي أضفت شرعية قانونية على النظام العميل.
ـ اتخاذ مواقف مناوئة للقوى المقاوِمة للاحتلال، سواء على المستوى السياسي أو المستوى العسكري، مع أن من ناوؤوا الاحتلال وقاوموه وجاهدوه؛ هم أصحاب الفضل ـ بعد الله تعالى ـ على كل العراقيين، بمن فيهم أولئك المتورطون في التنازلات والمخالفات، حيث إن مشروعاتهم السياسية، لم تُبنَ إلا على ما أقامه المقاومون المجاهدون من وقائع جديدة على الأرض.
إننا أصبحنا أمام مواقف تقول: إن من بذلوا في العراق كل شيء لا ينبغي أن ينالوا أي شيء، ومن لم يبذلوا على أرضه أي شيء ينبغي أن يأخذوا كل شيء!
وعندما يقال الآن: إن الأنسب للعراق أن يُسلَّم لحكومة (تكنوقراط)[5] انتقالية؛ فينبغي أن يكون حاضراً في الذهن أن تلك الحكومة ستمرر أو تبرر كل التنازلات والمخالفات التي وقعت، وستضيف إليها ما هو أكثر منها، وستكون أقرب إلى مصالح الأمريكان منها إلى مصالح العراقيين والعرب والمسلمين؛ فالتكنوقراطية هي البوابة الخلفية للعَلْمانية.
هل قاتل المجاهدون في العراق وقدموا آلاف الشهداء وعشرات الآلاف من الضحايا الأبرياء، لأجل أن يتحول ذلك البلد العظيم من عَلْمانية بعثية إلى عَلْمانية أمريكية تحت زعم حكم (التكنوقراطية)؟!
في الآونة الأخيرة طُرحت تصورات ومبادرات لمشروعات سياسية يُخشى أن تكون في المستقبل جزءاً من آليات التقسيم الذي سيكون على حساب أهل السُّنة. ومع أن ذلك الأمر قد لا يكون مقصوداً أو معروف العواقب إلا أن تجارب العمليات السياسية التي تحاول استباق نتائج الجهود الجهادية دائماً ما توصل إلى تلك النتائج.
لن أخوض في تفاصيل تلك المشروعات السياسية المطروحة على الساحة العراقية، ولا في رموزها وأطرافها، ولا في سلبياتها أو إيجابياتها، ولكن يكفي إثبات أن هناك ثوابت سياسية معيارية مستقاة من الأصول الشرعية للتعامل مع هذه الأزمة التي لا تخص نازلتها العراقيين وحدهم، بل تعم الأمة كلها، علماً أن هذه المعايير والأسس كافية ـ بإذن الله ـ للخروج من كل أزمات العراق، ومن ضمنها بل وفي مقدمتها مؤامرة التقسيم.
ومن هذه الثوابت والمبادئ التي لا ينبغي تجاوزها وَفْق ما هو معلوم من مقررات الدين ومن أقوال ومواقف علماء المسلمين:
* أن إخراج العدو المعتدي على ديار المسلمين والمتآمر على شعوبهم حق وواجب، واستخدام كل الوسائل المشروعة في ذلك على المسلمين كافة يتقلب بين فرضَيْ العين والكفاية؛ لقوله ـ تعالى ـ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم ْ وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْـمُعْتَدِينَ } [البقرة: ٠٩١]. وإن القائمين بذلك في حالة الكفاية يرفعون الإثم عن القاعدين. وأما في حالة التعيين فليس على مضيعيها أي حق في الإنكار على من قاموا بالواجب؛ إلا فيما فيه تجاوز محقق خارج عن إطار الاجتهاد.
* أن كل من ظاهر الأعداء وانحاز إليهم في حال عدوانهم على المسلمين له حكمهم في وجوب التصدي بحسب القدرة، وأن موالاة هؤلاء على المسلمين لا تقل جُرماً عن موالاة الأعداء الظاهرين: {فَمَا لَكُمْ فِي الْـمُنَافِقِين َ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} [النساء: ٨٨].
* أن إزالة آثار العدوان على الأمة يدخل فيه إزالة آثار عملائه الذين ظاهروا على المسلمين والذين يمكن للمعتدين أن يستخلفوهم في كل ما يريدونه لو خرجوا من بلاد المسلمين: {إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِـمُونَ} [الممتحنة: ٩].
* اعتبار أن التصدي للمعتدي على بلد من بلاد المسلمين فرع عن التصدي الواجب ضد الطغيان في كل مكان بحسب الإمكان، وفي ضوء المصالح والمفاسد، وبحسب ما يناســب المقاصـــد؛ فقضـــايا الولاء والبــراء لا تقاس بالمعايير القومية أو الوطنية، بل تُقاس فقط بالمعايير الشرعية العقدية؛ لقوله ـ تعالى ـ: {وَقَاتِلُوا الْـمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُم ْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْـمُتَّقِينَ} [التوبة: ٦٣].
* أن رصَّ الصفوف بين طوائف المسلمين لردِّ المعتدين هو أولى ما يبذل فيه السياسيون جهود التقارب، وأسبق ما يستَفِرغون فيه الوسع في عمليات التفاوض، حيث إن تقريب وجهات النظر بين فصائل المسلمين، وفتح الجسور معهم وردم الهوَّات بينهم؛ أولى آلاف المرات من تقريبها مع المعتدين وأعداء الدين: {إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: ٠١].
* مراعاة أن الحدث العراقي ضخم، والنازلة فيه عظيمة جاءت في ظرف ضعف عام فـــي الأمة، حيث لا ريادة ولا قيادة ولا مرجعية عامة تُلزم الجميع، فالنازلة هنا كالحريق الكبير، الذي تداعى الناس علــــى إطفــائه لا يلوون على شيء، من دون فرصة للتنســــيق أو الترتيــب أو التأنِّي، وفي مثل تلك الحال لا يعاب على المبادرين لإطفاء النار بقدر ما يعاب على من ساهموا في شــــبِّها أو سكتوا عن ذلك بغفلة أو سوء قصد.
* الاعتبار بتعدد الاجتهاد فيما لا نص فيه، والتعاذر والتغافر وَفْقاً لذلك، وهذا أولى من التنافر والتناحر الذي قد يفضي إلى انشغال المسلمين ببعضهم بدلاً من الاشتغال بعدوهم، وقد قال النبي #: «لا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخواناً»[6]، وقال #: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم»[7].
* الاستنـــاد إلى القيــمة الإســلامية العظيمة، التــي تَعدُّ الرابطة العقدية أوْلى مـــن كــل الــروابــط القــومية أو العــنصــرية أو الوطنية أو المذهبية: {إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: ٣١]. فالأصل أن أهل السُّنة يد واحدة على من عاداهم، وأنهم مع بقية أهل القبلة على من سواهم، ذلك كان هؤلاء على أصل الولاء لله وللرسول وللمؤمنين.
* الانطلاق من مبدأ العمل لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وأن يكون ذلك العمل (في سبيل الله) بمعنى أن يكون لله وعلى الطريق الموصلة إلى الله، وذلك في كل الأعمال المشروعة، وفي أعلاها وفي ذروه سنامها: الجهاد في سبيله جل وعلا.
* اعتماد اليقين في الحكم على الآخرين، قبل التقاذف بالتهم، والتهجم بالظن، واستحلال الكلام في النوايا والخوض في الأعراض الذي يقود إلى إحلال الدماء وإهدار الحرمات.
* المزاوجة بين المشروعين الجهادي والسياسي هو الخيار الأمثل، بعد ترشيدها وضبطها بمحكمات الشرع وثوابت الدين، وإذا كان لا بد من اكتفاء فصيل بأحد المشروعين فلا ينبغي أن يكون على حساب المشروع الآخر، وليأخذ كل منهما مداه ـ مع استمرار الترشيد ـ حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
نرى أنه إذا خلا أي خطاب أو خطة أو مشروع (إسلامي) من هذه المعاني، في مثل نازلة كاحتلال العراق، التي لا تقل عن نازلة اجتياح التتار أو هجوم الصليبيين؛ فإنه لا يستحق وصف (إسلامي) ولا كرامة.
والله نسأل أن يحفظ العراق وأهله من مكر الماكرين وكيد الكائدين.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] انظر: العدد (243) من مجلة البيان.
[2] دولة الأحواز أو (الأهواز) دعا إلى إنشائها هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي اليهودي المخضرم منذ ثلاثة عقود، وتمتد المنطقة بطول ساحل الخليج الشرقي، ومحـاذية للحدود الغربية الجنوبية للعراق، وهي منطقة غالبية سكانها من الشيعة العرب الذين يبلغ عددهم 8 ملايين نسمة، وتحوي أرض الأحواز نحو 90٪ من نفط إيران، وكان لبريطانيا وجود استعماري فيها وفي جنوب العراق في القرن التاسع عشر، وكان الشيخ (خزعل الكعبي) ـ آخر أمراء العرب في الأحواز ـ من أهم حلفاء بريطانيا في بداية القرن الماضي. ولما سقطت الخلافة العثمانية قررت بريطانيا تسليم إقليم الأحواز إلى إيران، ليتقوى بها نظام الشاه الذي كان موالياً لها، وعقدت مع إيران عقداً مدته مئة عام، من 1925م إلى عام 2025م. يلاحظ أن بريطانيا ركزت قواتها في الغزو الأخير للعراق في المنطقة المحاذية للأهواز، وهي تَعدُّ تلك المنطقة خاصة بنفوذها، وأن الأمريكيين الذين استدرجوا نظام الشاه للتحالف معهم لا بد أن يرفعوا أيديهم عنها، ولذلك دبرت هي وفرنسا لإنجاح ثورة الخميني نكاية في أمريكا..!!
[3]  نشرت تلك الخريطة مع مقال بعنوان (حدود الدم) للجنرال الأمريكي المتقاعد (بيتر رالف) وذلك في مجلة (القوة الأمريكية) التابعة للقوات المسلحة، عدد يونيو 2006م، وخلاصة المقال الذي يشرح الخريطة: أن التقسيم الحاصل اليوم في العالم الإسلامي غير عادل؛ لأن الدول الاستعمارية القديمة (إنجلترا وفرنسا) شكلت حدود بلدان المسلمين بعد الحرب العالمية الثانية على أسس وظيفية عشوائية تخدم مصالحهما الاستعمارية، وهو ما تسبب في انحصار بعض الطوائف ذات القوميات والمذاهب المتفقة فيما بينها والمختلفة مع غيرها في صراع دائم داخل البلد الواحد، والحل هو إعادة تقسيم العالم الإسلامي على أسس عقدية وعرقية حتى يحل السلام!!
[4]  جرى التفاوض بشأن تلك الاتفاقية في مدينة (دايتون) الأمريكية، في إحدى قواعدها الجوية، وبإشراف الأمريكيين استمرت المفاوضات بدءاً من أول نوفمبر عام 1995م، حتى العشرين منه؛ بهدف وضع حد للاقتتال الذي استمر إلى ثلاث سنوات، بين المسلمين البوسنيين من جهة، وبين الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك من جهة ثانية، وقد راح ضحية هذا الاقتتال الديني نحو مئة ألف مسلم بوسني، وقادت المفاوضات إلى قرار التقسيم الذي عرف بـ (اتفاقية دايتون للسلام)، وقسمت (يوغسلافيا) السابقة بموجبه إلى كيانين، الأول: كيان فيدرالي بين المسلمين والكروات، والثاني: جمهورية للصرب، في ظل حكومة مركزية هشة، أصبحت تلك الكيانات في ظلها أشبه بدول مستقلة لكل منها جيش وشرطة، لكن الحلقة الأضعف فيها هي حلقة المسلمين البوسنة الذين لم تستقر أحوالهم حتى الآن!
[5]  حكومة الـ (تكنوقراط) هي حكومة مختارة من النخب المتخصصة المثقفة غير المنتمية إلى أفكار أو عقائد أو أحزاب أو (أيديولوجيات) معينة، وهي مشتقة من كلمتين (تكنولوجيا) وتعني: المعرفة والعلم، و (قراط) وتعني: الحكم، فيقصد بها على ذلك: الحكم بموجب آخر ما انتهت إليه خيارات العصر، وخيارات العصر (عندما يأخذ بها التكنو قراط) في السياسة: هي الديمقراطية الغربية وبالذات الأمريكية، والخيار المختار في الاقتصاد المعاصر هو الرأسمالية، وخيار التكنوقراط في مجال التشريع والتقنين والقضاء لا يمكن أن يكون إسلامياً، مهما ادعت حكومة التكنوقراط أنها إسلامية.
[6] أخرجه البخاري في صحيحه، برقم (6064).
[7] رواه الضياء المقدسي في المختارة (5/349)، وابن الملقن في البدر المنير (9/159)، وقال: صحيح، ورواه ابن حزم في المحلى (10/353)، وقال: إنه من رواية الثقات.