يسلَّم على أهل الكتاب بكيف أصبحت أو أمسيت أو كيف حالك ونحو ذلك



روى البخاري في الأدب المفرد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَهْلُ الْكِتَابِ لا تَبْدَأُوهُمْ بِالسَّلامِ ، وَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِ الطَّرِيقِ " .


اختلف العلماء فالجمهور على أنه لا يجوز مبادأة اليهود ولا النصارى بالسلام، عملاً بظاهر الحديث. وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام، لعموم الأحاديث الواردة في إفشاء السلام ، ولقول الله تعالى : (فاصفح عنهم وقل سلام فسوف تعلمون)، وقوله عز وجل: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)، وكرهت طائفة أن يبتدأ أحدهم بالسلام ..
وروي عن الأوزاعي أنه قال: (إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون).


قلت (أبو مسلم خالد):
ـ روى البخاري في الأدب المفرد عن عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ : أَرْسَلَ إِلَيْهِ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ مَعَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ , عَظِيمِ بُصْرَى ، فَدَفَعَهُ إِلَيَّ هِرَقْلُ فَقَرَأَهُ ، فَإِذَا فِيهِ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ، أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ وَ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ : اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ سورة آل عمران آية 64 " .


قوله: (سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) فقط ، فهناك فرق شاسع بين قصر السلام على من اتبع الهدى وبين التصريح بالسلام عليكم .


ـ روى البخاري في الأدب المفرد عَنْ أَبِي مُوسَى , قَالَ : كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَاءَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ : يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ ، فَكَانَ يَقُولُ : " يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ " .


فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم بالرحمة التي هي خاصة بالمؤمنين ، وفي هذا الحديث رد صريح على من خص حديث النهي عن بدء اليهود والنصارى بالسلام أن الحديث وارد في مورد خاص، وسياق معين، وهو سياق الحرب بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين اليهود .. لأن رسول الله صلى الله عليهم وسلم لم يكن في حالة حرب مع اليهود حتى يمنع عنهم الترحم ... وهذا موافق لتبويب الإمام الترمذي للحديث حيث قال: ( باب ما جاء في التسليم على أهل الكتاب ). ولم يخصصه بحرب ولا غيرة .


وكذلك من أدلة عدم الاختصاص بالحرب ما روى البخاري في الأدب المفرد عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ، أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ هَيْئَتُهُ مُسْلِمٍ ، فَسَلَّمَ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ : وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، فَقَالَ لَهُ الْغُلامُ : إِنَّهُ نَصْرَانِيٌّ ، فَقَامَ عُقْبَةُ فَتَبِعَهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ , فَقَالَ : " إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، لَكِنْ أَطَالَ اللَّهُ حَيَاتَكَ ، وَأَكْثَرَ مَالَكَ وَوَلَدَكَ " .


قوله: (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، لَكِنْ أَطَالَ اللَّهُ حَيَاتَكَ ، وَأَكْثَرَ مَالَكَ وَوَلَدَكَ). قصر الترحم على المؤمنين فقط فلا يترحم على اليهودي والنصراني إذا توفي .


وكذلك من أدلة عدم الاختصاص بالحرب ما روى البخاري في الأدب المفرد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , قَالَ : مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِنَصْرَانيٍّ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ نَصْرَانِيٌّ ، فَلَمَّا عَلِمَ رَجَعَ إِلَيْهِ , فَقَالَ : " رُدَّ عَلَيَّ سَلامِي " .


فالقول الصحيح العمل بظاهر الحديث من عدم ابتداء أهل الكتاب بالسلام .. لأن السلام على من اتبع الهدى ، والرحمة والبركة على المؤمنين فقط ... ويتوسع في غير السلام والرحمة والبركة .... كيف أصبحت أو أمسيت أو كيف حالك ونحو ذلك ... والعلم عند الله .