قال الناظم فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى:

17ـ لكنْ إذا فَرَّطَ في التعلُّمِ***فذا مَحَلُّ نظرٍ فلْتَعْلَمِ



إذا فرط الجاهل في التعلُّم بأن أمكنه أن يتعلم شرائع الإسلام ولكنه تهاون وفرط، فهنا قد لا نعذره بجهله، لأنه أمكنه أن يرفع هذا الجهل بالتعلُّم، ولم يفعل، فهذا محل نظر.
وإذا قلنا: إنه محل نظر، صار معناه: أننا لا نعطي قاعدة عامة، بل نطبق الحكم في كل قضية بعينها بما يتناسب مع الحال الواقعة.
فإذا جاءنا شخص عرفنا أنه مفرط في التعلُّم، لكن بناءً على أن المعروف عندهم وفي بلدهم أن هذا الشيء مباح، أو أن هذا الشيء ليس بواجب، فهذا لا نلزمه بقضاء ما ترك، لأنه لم يطرأ على باله إطلاقاً أن هذا واجب.
أما إذا كان في مكان يمكن أن يتعلّم، وربما يكون في مكان قد شاع عند الناس أنه واجب، ولكنه تهاون، وقال كما يقول العامة: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، فإننا نلزمه بقضاء ما ترك، لأن العذر هنا في حقه قد تضاءل. وهذا الذي قلناه في هذا النظم هو ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله في الاختيارات في أول كتاب الصلاة وهو قول وجيه
وهذا نصه
قال « ولا تلزم الشرائع إلا بعد العلم وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد فعلى هذا لا تلزم الصلاة حربيا أسلم في دار الحرب ولا يعلم وجوبها
والوجهان في كل من ترك واجبا قبل بلوغ الشرع كمن لم يتيمم لعدم الماء لظنه عدم الصحة أو لم يزك أو أكل حتى تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود لظنه ذلك أو لم تصل مستحاضة
والأصح أن لا قضاء ولا إثم إذا لم تقصد اتفاقا للعفو عن الخطأ والنسيان ومن عقد عقدا فاسدا مختلفا فيه باجتهاد أو تقليد واتصل به القبض لم يؤمر برده وإن كان مخالفا للنص
وكذلك النكاح إذا بان له خطأ الاجتهاد أو التقليد وقد انقضى المفسد لم يفارق وإن كان المفسد قائما فارقها
بقي النظر فيمن ترك الواجب وفعل المحرم لا باعتقاد ولا بجهل يعذر فيه ولكن جهلا وإعراضا عن طلب العلم الواجب عليه مع تمكنه منه أو من سماع إيجاب هذا وتحريم هذا ولم يلتزمه إعراضا لا كفرا بالرسالة فإن هذا قد ترك الاعتقاد الواجب بغير عذر شرعي كما ترك الكافر الإسلام فهل يكون حال هذا إذا تاب
فأقر بالوجوب والتحريم تصديقا والتزاما بمنزلة الكافر إذا أسلم لأن التوبة تجب ما قبلها كالإسلام فهذه أبعد مما قبلها فإن من خالف فيما قبلها فهنا أولى
».

مثال ذلك: رجل احتلم وله ثلاث عشرة سنة، ولكنه لا يصلّي ولا يصوم بناءً على ظنه أنه لا يبلغ إلا إذا تم له خمس عشرة سنة، فهل نلزمه بقضاء الصوم والصلاة أو لا؟
الجواب: ينبني على ما سبق، إذا كان جاهلاً جهلاً مطبقاً لا يدري عن شيء، فإننا لا نأمره بقضاء ما فاته، وأما إذا كان مفرطاً فإن هذا محل نظر.
ـ لو أن هذا الرجل الذي بلغ ثلاث عشرة سنة ولم يكن يغتسل من الجنابة، ويصلّي بلا اغتسال، فهل نلزمه بإعادة الصلاة؟
الجواب على القاعدة: نقول: ما دام هذا الرجل جاهلاً جهلاً مطبقاً، ولم يخطر بباله أن هذا واجب، فإننا لا نأمره بقضاء الصلاة، لأن بعض الناس عنده جهل عظيم: يظن أن حصول الجنابة بالإنزال، كخروج البول، لا يوجب غسلاً.
ـ لو أن رجلاً جامع امرأته في نهار رمضان وهو صائم ظناً منه أن الجماع المحرّم ما كان فيه إنزال، ولكنه لم ينزل، فهل نلزمه بالكفارة أو نقول بفساد صومه؟
الجواب: لا، ليس عليه شيء لأنه جاهل.
على هذا نأخذ هذه القاعدة على أنها أصل من أصول الدين، وقد ذكرنا أدلة كثيرة عليها.
وهنا مسألة: لو كان الجهل في أمر يكون ردة وكفراً مع العلم، مثل أن يكون عاميٌّ قد عاش بين قوم يَدْعُون الأموات، ولم يبّين له أحد أن هذا من الشرك، ولكنه يدين بالإسلام ويقول إنه مسلم، فهل يعذر بدعائه غير الله؟
الجواب: نعم، يعذر، لأن هذا الرجل قد عاش على هذه الحال، ولم يبين له أحد أن هذا شرك، وهو يعتقد أن هذا من الوسائل وليس من المقاصد، يعني: يعتقد أن هذا الميت وسيلة له إلى الله عزّ وجل، يقربه إليه فنقول: هذا لا يكفر، لأنه منتسب إلى الإسلام، إلا إذا دعيَ إلى الدين الحق فاحتج بأن هناك علماء أعلم بهذا ولم يقولوا بهذا الأمر؛ فإن هذا قد قامت عليه الحجة، وهو مثل الذين قالوا: {{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ}} [الزخرف: 22] فهؤلاء لم يعذروا، فالواجب أن يبحث.
أما إذا كان لا ينتسب إلى الإسلام ولم يعرف عن الإسلام شيئاً مثل من يكونون في غابات أفريقيا، أو في مجاهل آسيا، أو ما أشبه ذلك، فإننا نقول: إن أمره إلى الله، لا نحكم له بإسلام ولا بكفر، لكننا لا نلحقه بالمسلمين، بالتغسيل والتكفين والصلاة عليه ودفنه مع المسلمين، لأنه لم يكن معتنقاً للإسلام، ولا منتسباً إليه، فنعطيه أحكام الكفار الذين عاش فيهم في الدنيا، أما في الآخرة فأمره إلى الله.
وهذا هو القول الراجح، أن أصحاب الفترة، ومن لم تبلغهم الدعوة نقول فيهم: الله أعلم. فيفرَّق بين شخص يدين بالإسلام ويقول إنه مسلم، وبين شخص عاش في أمة كافرة ولا يعرف عن الإسلام شيئاً.
مسألة: أصحاب الفترة ومن لم تبلغهم الدعوة هل نقول فيهم الله أعلم بما يصنعون لو عمّروا، أو أعلم بما يصنعون لو كلّفوا يوم القيامة؟
الجواب: الثاني هو المراد، لأن الصحيح أن أهل الفترة ومن مات من أطفال المشركين يكون أمرهم في الآخرة إلى الله، يكلفهم الله تعالى بما شاء من التكليف، فإن أطاعوا فهم من أهل الجنة، وإلا فهم من أهل النار. وقد ورد في هذا أحاديث ذكرها ابن القيم رحمه الله في كتابه «طريق الهجرتين»[( (ص587 ـ 595))].
فإن قال قائل: هذا منقوض بكون التكليف منقطعاً بالموت وأن الدار الآخرة ليس فيها تكليف؟
فالجواب: أن نقول: من قال: إن الآخرة ليس فيها تكليف؟! أليس الله تعالى قد قال: {{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ *}} [القلم: 42] فهنا كلّفوا بالسجود، ولكنهم لم يستطيعوا {{وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}} [القلم: 43] .
وذهب بعض أهل العلم إلى عدم العذر بالجهل في باب أصول الدين، وقال: إن المشرك لا يعذر بجهله، ولو كان منتسباً إلى الإسلام، ولو أخذنا بهذا القول لكان كثير من المسلمين اليوم كفاراً، لكن من كان قد علم، أو قد بلغه أن هذا العمل كفر ولكنه أصر وقال: {{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ}} [الزخرف: 22] فهذا لا شك في كفره. ولا يمكن أن نقول إنه ليس بكافر.
وقوله: (فلتعلم) : هل المعنى فلتعلم أن هذا محل نظر أو المعنى فلتعلم ما يجب حتى تصل إلى العلم؟
يحتمل معنيين، والثاني هو الأهم أي: ما دام أن هذا الشيء محل نظر، فحقق المسألة حتى تصل فيها إلى العلم ويتبين لك الأمر.اه من كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله
فائدة
اما بالنسبة لاطفال المشركين فقد وردت احاديث تدل على ان مصيرهم الجنة ومن هذه الاحاديث
فقد روى البخاري في صحيحه حديث " رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه-ابراهيم- في الجنة وحوله أولاد المسلمين ، قالوا : يارسول الله وأولاد المشركين ؟ قال : وأولاد المشركين " [كتاب التعبير ، رقم الحديث 7047].
ومنها
حديث " سألت ربي اللاهين، فأعطانيهم. قلت: وما اللاهون؟ قال: ذراري البشر
قال الشيخ الالباني في الصحيحة رقم الحديث 1887
"..وجملة القول أن الحديث حسن عندي بمجموع طرقه. والله أعلم. والمراد بـ (
اللاهين) الأطفال كما في حديث لابن عباس عند الطبراني (11906) بسند حسن.
فالحديث من الأدلة على أن أطفال الكفار في الجنة، وهذا هو الراجح كما ذكرنا
في " ظلال الجنة " (1 / 95) فراجعه ".