فرحةُ نبي



يتفنن الناسُ في التعبير عن فرحتهم بما يسمعونه أو يشاهدونه أو يحقِّقونه؛ ذلك أن الفرحَ شيءٌ فُطِرت النفوسُ على حبِّه.. كما أنهم يتفاوتون في البحث عن مصادر هذا الفرح ودفع ما يضاده.. فمنهم من يبحث عنها في السفر، ومنهم من يجدها في القراءة، وثالث في لهو وعبث، وآخرون في معصية الله -عياذاً بالله-، وطائفة تجدها في شيء آخر.. لم يذقه أكثرُ الخلق!
إنه الفرح الذي تجده القلوبُ حين تتصل بعلام الغيوب! إنه الفرح بنفحات الرب الكريم، وما يَهَبُه لعبده من رزق القلب، الذي به يحيا حياةً لا تُشبهها حياة!
كم استوقفني مشهد الفرح الذي عبّر عنه النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلتْ عليه سورة الفتح: ((لقد أُنزلت عليّ الليلة سورةٌ، لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس)) ثم قرأ: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) [الفتح: 1].([1])
تأمل معي هذه الفرحة النبوية، التي تجلّت في هذا التعبير المشرِق، بعد قصة صلح الحديبية، الذي صُدِمَ بعض المسلمين بشروطه بادئ الرأي؛ لشعورهم أن فيها غضاضة وهضماً لجَناب المسلمين.
وإذا كان هذا فرَحُه بسورة، فما ظنك بفرحته حين اكتمل نزول القرآن عليه!
لقد كان صلى الله عليه وسلم يُترجم هذا الفرحَ بكتاب ربه في مواقف شتى، لعل أبرزها وأظهرها حينما يُرخي الليلُ سُدوله، وتنقلب الأبدان إلى الفرش، فيقوم بعد نومة قصيرة ليناجي ربّه، ويتلذذ بتلاوة كلامه، فيقف ذلك الوقوف الطويل الذي تفطرت له قدماه.. مع أنه غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! لكنها الفرحةُ بفضل الله، والتنعّم بجنة العبودية، التي من لم يدخلها في الدنيا لم يدخلها في الآخرة.
إنها الفرحةُ التي وجدها أهل القرآن في عيشهم مع القرآن: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 58] فبهذا الفضل وبتلك الرحمة فليكن الفرح الأكبر.. وليكن الغمّ والهمّ على قلبٍ فاته مثل هذا الفرح.
ومن لطائف هذا المعنى في القرآن، أن الله تعالى ذكر الفرحَ في كتابه في عدة مواضع، ولم يأمر فيها بالفرح إلا في هذا الموضع، فتأمل هذا السر، فتحته كنـز عظيم.
وعلى هذه الجادة النبوية -في فهم حقيقة الفرح- سار أكابرُ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لما قَدِم خَرَاجُ العراق([2]) على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه؛ خرج هو ومولى له، فجعل عمر يَعُدُّ الإبلَ، فإذا هي أكثر من ذلك، وجعل عمر يقول: «الحمد لله» وجعل مولاه يقول: يا أمير المؤمنين! هذا والله من فضل الله ورحمته، فقال عمر: «كذبتَ([3])، ليس هو هذا، يقول الله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس: 58] يقول: بالهدى والسنة والقرآن، فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون، وهذا مما يَجمعون»([4]).
إن الفرحة بنمو مال بيت المسلمين فرحٌ مشروع، لكن الفاروق أراد أن يُصحح استدلاله بالآية الكريمة، ويبين ما الفرحة الحقة التي يصح الاستشهاد بالآية لأجلها.
وهل يُعاب الإنسان على فرحه بحصوله على شيء من الدنيا؟
الجواب: لا، لكن مِن المحزن أن نختصر أفراحنا وأحزاننا على لعاعة من الدنيا أتت أو فُقِدتْ، كما أن مِن الحرمان البيّن أن يعيش أحدُنا عشرات السنوات وما ذاق هذه الفرحة القرآنية التي عبّر عنها النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً!
وتأمل معي هذا النقل العزيز الذي يعبِّر عن هذا المعنى فيما حكاه ابن القيم عن شيخه: "ورأيتُ شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في المنام، وكأني ذكرت له شيئاً من أعمال القلب، وأخذت في تعظيمه ومنفعته -لا أذكره الآن- فقال: أما أنا فطريقتي: الفرح بالله، والسرور به، أو نحو هذا من العبارة.
وهكذا كانت حاله في الحياة، يبدو ذلك على ظاهره، وينادي به عليه حالُه"([5]).
هذا المعنى من الفرح أدرك أهميته للتصدي للتفسير الشيخ عبدالرحمن الدوسري -رحمه الله- (ت: 1399هـ)، حين سُئل عن أهم شروط المفسِّر؟ فقال: أن تملأ قلبَه الفرحةُ بالقرآن! وصدق رحمه الله، فالقرآن ليس متْناً فقهياً أو أصولياً يمكن عزله عن هذا الشعور!
إن الله يريد منا أن نفرح بالقرآن، ومضامين القرآن، والفرح ليس إلا دعوى تفتقر للبينات من واقع الحياة، فإن من فرح بشيءٍ ما أياً كان، فإنه يظهر ذلك على قلبه، وتنطق به جوارحه، ويُدرك ذلك منه جُلاّسه وأصحابُه، وتراه يهتبل أي فرصةٍ ليذكر ما فرح به، ولا يفتأ في إغراءِ إخوانه به، هذه هي حقيقة الفرح بالأشياء!
ومِن الفرح بهذا الكتاب الاعتزاز بمضامينه، والتفنن في عرضه، وتكرار النظر إليه، وتقليبه وتأمّله أطراف الليل وآناء النهار، أو ليست هذه أدنى مراتب الفرح بالقرآن؟!
ومهما يكن من أمر، فإن من الغبن الشديد أن يترحّل المسلم عن هذه الحياة ولم يتفيأ ظلال هذه الفرحة الراقية، ولم يُوْرقْ قلبُه -ولو مرةً- بثمارها اليانعة، هذا وبين يديه أعظم مورد للفرح القلبي، الذي لا تجلبه الأرصدة، ولا الشهرة ولا المناصب.


ـــــــــــــــ ــــــ
([1]) البخاري ح(4177).
([2]) المراد بخراج الأرض: هي أرض العجم التي فتحها الإمامُ عنوة وتركها في أيدي أهلها.
([3]) يعني: أخطأت، وهذا معروف بلسان أهل الحجاز.
([4]) حلية الأولياء (5/132).
([5]) مدارج السالكين (2/ 174).


* رابط المقال على الموقع: http://almuqbil.com/play-4340.html