تذليل العقبات بإعراب الورقات - الصفحة 7
صفحة 7 من 10 الأولىالأولى 12345678910 الأخيرةالأخيرة
النتائج 121 إلى 140 من 200
35اعجابات

الموضوع: تذليل العقبات بإعراب الورقات

  1. #121
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    الخاص والتخصيص
    وَالْخَاصُّ يُقَابِلُ الْعَامَّ. وَالتَّخْصِيصُ: تَمْيِيزُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ.

    ______________________________ ______________________
    (وَ): عاطفة على قوله: (فأما أقسام الكلام)
    (الْخَاصُّ): مبتدأ
    (يُقَابِلُ): فعل مضارع، والفاعل مستتر جوازا تقديره (هو) يعود على (الخاصّ)
    (الْعَامَّ): مفعول به، والجملة من الفعل والفاعل وما تعلق بهما في محل رفع خبر، والجملة من المبتدإ والخبر لا محل لها من الإعراب معطوفة على جملة (فأما أقسام الكلام فأقل ما يتركب ... الخ)
    (وَ): عاطفة
    (التَّخْصِيصُ): مبتدأ
    (تَمْيِيزُ): خبر، ومضاف
    (بَعْضِ): مضاف إليه، وهو مضاف
    (الْجُمْلَةِ): مضاف إليه، والجملة من المبتدإ والخبر وما تعلق بهما لا محل لها من الإعراب معطوفة على جملة (الخاص يقابل العام)

  2. #122
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    المعنى:

    لم يُعَرِّفْ المصنفُ (الخاصَّ) وإنما جعله مقابلا للعامِّ فهذا معناه أنه إذا قيل في تعريف (العامِّ): أنه ما عمَّ شيئين فصاعدا، قيل في تعريف (الخاصِّ): هو ما لا يعم شيئين فصاعدا[1]؛ لأن المقابل يكون بإدخال النفي على المقابل[2]
    فـ (العامّ): (ما عَمَّ ...الخ)
    و(الخاصّ): (ما لا يعم... الخ)
    والمراد: أن الخاصّ هو: اللفظ الذي يخص شيئا واحدا أو ما دل على معين أو محصور.
    مثال ذلك: الأعلامُ: كمحمد وزيد ومكة، فالعَلَمُ لفظٌ يخص شيئا واحدا وهو المسمى به[3].
    وأما (التخصيص) فهو في
    اللغة: التمييز، تقول: خَصَّصْتُ فلانا أي: خَصَصْتُهُ من بين أقرانه يعني: مَيَّزْتُهُ بشيء
    واصطلاحا: تمييز بعض الجملة، أي إخراج بعض ما دلت عليه الجملة، يعني أن الجملة في ظاهرها تدل على العموم، و(التخصيص) أخرج بعض هذا الظاهر
    مثال ذلك: قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] فهذا عامٌّ في كل مشرك لكن خرج منه المعاهَدون[4] فلا يجوز قتلهم بدليل قوله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]

    _________________________ _________________________
    [1] الأنجم الزاهرات 145.
    [2] غاية المرام في شرح مقدمة الإمام 1/ 503.
    [3] شرح الورقات لخالد باحميد الأنصاري 49، وتهذيب شرح الورقات 47.
    [4] المعاهَدون هم أهل الذمة الذين عقد معهم عقد العهد والأمان وهم الذين يؤدون الجزية من المشركين، وتقرأ بفتح الهاء – على المشهور – فيكون معناها: الذين عاهدهم المسلمون، وبكسر الهاء أي الذين عاهدوا المسلمين




  3. #123
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    قال صاحبي

    قال: ما المراد بـ (الجملة) في قوله: "التخصيص: تمييز بعض الجملة"
    قلت: المراد به: (العامُّ والأعداد)
    قال: لماذا قلت: "العامّ والأعداد" ؟ أليست الأعدادُ من العامِّ ؟!
    قلت: نعم، الأعداد ليست من العامِّ
    قال: فهي إذن من الخاصِّ
    قلت: نعم، الأعداد من الخاصِّ
    قال: كيف ذلك ؟ يعني إذا قلت: مائة أو ألفا أو ألفَ ألفٍ فهذا يكون من باب الخاصّ لا العامّ؟
    قلت: نعم، هو ذلك
    قال: كيف ذلك ؟ هل يعقلُ أن تكون الـ (ألف ألف) من باب الخاصِ ؟
    قلت: نعم، يُعقلُ هذا ولا شيء فيه فكل ما كان محصورا فهو من باب الخاصّ
    قال: فَبَيِّنْ لي بعض ما يدخل في (الخاصِّ) ؟
    قلت: يدخل في الخاصّ أشياء منها :
    1- اللفظ الموضوع للدلالة على معنى واحد على سبيل الانفراد:
    كأسماء الأعلام مثل: زيد
    2- ما كان موضوعا للنوع مثل: (رجل وفرس) نكرتين
    3- ما كان موضوعا لكثير لكنه محصور: كأسماء الأعداد[1].
    4- المثنى: كامرأتين ورجلين
    5- جموع التكسير فإذا قلت: (عندي رجال) لم يعم كل الرجال
    بل بعضهم فقط،
    لكن جموع التكسير مختلف فيها
    فبعضهم يجعلها من باب (الخاص)
    وبعضهم يقول إنها (واسطة بين العامّ والخاصّ)[2]

    قال: إذن نرجع إلى ما كنا فيه
    قلت: وما هو ؟
    قال: ذكرتَ أن المراد بـ (الجملة) : (العامّ والأعداد)
    قلت: نعم
    قال: فلِمَ لا يكون مراده (العامّ) فقط دون (الأعداد) التي هي من باب الخاصِّ ؟ إذ كيف يدخلُ الخاصَّ التخصيصُ؟

    ______________________________ _________________
    [1] غاية المرام في شرح مقدمة الإمام 1/ 504 حاشية رقم (1)
    [2] حاشية السوسي على قرة العين 101- 102، والشرح الكبير لابن قاسم 252.

  4. #124
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    قلت: إنما كان مراده (الأعداد) أيضا؛ لأنه سيتكلم على الاستثناء فيما سيأتي، والاستثناء يدخل في الأعداد كما في قولك: له عليَّ مائةٌ إلا عشرة، فمن هذه الجهة دخل التخصيص في الأعداد وهي من باب الخاصِّ كما عرفتَ.
    قال: فهل هذا هو الخصوص النسبي ؟
    قلت: لا، بل الأعداد من باب الخاص المطلق، والله أعلم.
    قال: فما هو الخصوص المطلق ؟
    قلت: الخصوص على نوعين :
    أحدهما – خصوص مطلق: وهو الخصوص من جميع الجهات فلا يكون عامًّا من أي جهة من جهاته كما في الخصوص النسبي وذلك كالأعلام مثل: زيد فهذا خاص بمسماه الذي هو زيد وحينئذ فهو يقابل العامّ من كل الوجوه.
    ثانيهما – خصوص نسبي: وهو العامُّ من جهةٍ والخاصٌّ من جهة أخرى فليس هو خاصًّا من جميع جهاته كما في (الخاصّ المطلق) بل هو عامٌّ من وجه خاصٌّ من وجهٍ آخر.
    قال: قد مثَّلْتَ للخاصّ المطلق، فما مثال الخاصّ النسبي
    قلت: مثل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] فـ (ما) في قوله: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} موصولة فتفيد العموم وهذا ظاهره أن الزكاة تجب في كل ما يخرج من الأرض من النباتات، ولكن باستقراء النصوص علمنا أن هذا غير مراد بل هو مخصوص بقوله صلى الله عليه وسلم : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"[1] فكلمة (ما) هنا أيضا موصولة في قوله: (فيما دون) فتفيد العموم؛ فكل ما كان دون خمسة أوسق فليس فيه صدقة فهذا النص عامٌّ في عدم وجوب الزكاة في أي نوع من النباتات خرج من الأرض ولم يبلغ خمسة أوسق فهو عامٌّ من هذه الجهة ولكنك إذا قابلته بالعموم الذي في الآية تبين لك أن هذا خاص بالنسبة له فالعموم في الآية مطلقٌ فيما دون خمسة أوسق وفيما فوقها وخصَّ الحديث ما دون خمسة أوسق بعدم وجوب الزكاة فيه فكان خاصًّا من هذا الوجه وهذا هو الخصوص النسبي[2]، والله أعلم
    قال: أرأيت قوله: " تمييز بعض الجملة " ؟
    قلت: بلى
    قال: أرأيت لو قال: تمييز كل الجملة ؟
    قلت له: أنى لك هذه الفصاحة !
    قال: ما تقول فيه ؟
    قلت: تمييز الجملة بتمامها يسمى (نسخا) وسيأتي، يعني إذا ميزت بعض الجملة فهو (تخصيص العموم) وإذا ميزت كل الجملة فهو نسخ

    ______________________________ __________________
    [1] صحيح متفق عليه: البخاري (1405) ومسلم (979) من حديث أبي سعيد
    [2] شرح الورقات د. سعد الشثري 106- 107 بتصرف وتوضيح كثير، وانظر أيضا غاية المرام في شرح مقدمة الإمام 1/ 503.

  5. #125
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى: مُتَّصِلٍ، وَمُنْفَصِلٍ؛ فَالْمُتَّصِلُ: الِاسْتِثْنَاءُ ، وَالشَّرْطُ، وَالتَّقْيِيدُ بِالصِّفَةِ.

    ______________________________ ________________________

    (وَ): استئنافية
    (هُوَ): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، يعود على (التخصيص) بمعنى المُخَصِّص.
    (يَنْقَسِمُ): فعل مضارع، والفاعل مستتر جوازا يعود على المبتدأ (هو) الذي يعود على التخصيص والجملة من الفعل والفاعل وما تعلق بهما في محل رفع خبر
    (إِلَى): حرف جر مبني على السكون لا محل له من الإعراب
    (مُتَّصِلٍ): اسم مجرور بـ (إلى) وعلامة جره الكسرة، والجار والمجرور متعلق بـ (ينقسم)
    (وَمُنْفَصِلٍ): معطوف على (متصل)
    (فَـ): فاء الفصيحة
    (الْمُتَّصِلُ): مبتدأ
    (الِاسْتِثْنَاء) : خبر
    (وَ): عاطفة
    (الشَّرْطُ): معطوف على (الاستثناء)
    (وَالتَّقْيِيدُ) : معطوف على (الاستثناء)
    (بِالصِّفَةِ): متعلق بـ (التقييد) أو بمحذوف حال منه أي التقييد في حال كونه بالصفة لا بغيرها كالتقييد بالإضافة مثلا.

  6. #126
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    المعنى:

    ذَكَرَ هنا قسمَيِ التخصيص وأنواع كل قسم، فالتخصيص ينقسم إلى متصل ومنفصل:
    فالمتصل: أن يجتمع المخصِّص والعامّ في نص واحد نحو: (حضر الطلابُ إلا زيدا) فقولك: (حضر الطلابُ) عامٌّ، وقولك: (إلا زيدا) مخصِّصٌ وقد اجتمعا في نص واحد فهذا يسمى تخصيصا متصلا.
    ثم ذكر للتخصيص المتصل ثلاثة أنواع هي: الاستثناء والشرط والتقييد بالصفة.
    والمنفصل: أن لا يجتمع المخصِّص والعامّ في نص واحد بل يكون كل واحد منهما في نص مستقل كما تقدم من تخصيص قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] بقوله صلى الله عليه وسلم : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"[1]

    ______________________________ ____________________
    [1] صحيح متفق عليه: البخاري (1405) ومسلم (979) من حديث أبي سعيد

  7. #127
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    قال صاحبي

    قال: ذكرتَ أن الفاء في قوله: "فالمتصل الاستثناء" فاء الفصيحة
    قلت: نعم
    قال: ماذا لو قلنا إنها فاء التفريع؟
    قلت: فاءُ ماذا ؟
    قال: فاء التفريع
    قلت: وما فاء التفريع ؟
    قال متلعثما:هِـ هِـ هِـ هي التي تُفَرِّعُ على ما قبلها
    فضحكت وقلت: تُفَرِّعُ ماذا؟
    قال مُتَتَعْتِعًا: عَ عَ عَ على ما قبلها
    قلت: وكيف ذلك ؟
    فازداد تلعثمه وقال: ككككككك
    قلت له: على رِسْلِكَ
    فسكتَ
    ثم قلت له: دعك من شرحها ولكن من أين أتيت بها ؟
    قال: قرأتُ عنها
    قلت: في أي المراجع قرأتَ عنها ؟
    فسكتَ
    فتركته قليلا ثم قلت له: لعلك هدأت الآن قليلا فأخبرني عن فاء التفريع هذه
    قال: ألم يقل المصنف: "وهو ينقسم إلى متصل ومنفصل فالمتصل الاستثناء ...الخ"
    قلت: بلى
    قال:فهو قد أجمل في قوله: (إلى متصل ومنفصل) ثم فصَّلَ هذا الإجمال بقوله: "فالمتصل الاستثناء ... الخ" فهذا هو التفريع ولهذا يقال لها الفاءُ التفريعية
    قلت: قد أوضحتَ مرادك الآن ولكن اعلم أنه لا يوجد في اللغة شيء يقال له: (الفاء التفريعية)
    قال: فما هذه الفاءُ إذن ؟
    قلت: فاءُ الفصيحة كما سبق
    قال: دع هذا وأخبرني؛ ذكرت أن الضمير (هو) في قوله: "وهو ينقسم إلى متصل ...الخ" يعود على التخصيص بمعنى المُخَصِّص.
    قلت: نعم
    قال: فما هو (المُخَصِّص) ؟
    قلت: (المُخَصِّص) هو: الدليل الذي حصل به الإخراج من (العامّ) فإن (العامَّ) إذا دخله التخصيص سُمِّيَ (العامّ المخصوص، أو المُخَصَّص – بزنة اسم المفعول-) والدليل الذي حصل به التخصيص يسمى (مُخَصِّصًا – بزنة اسم الفاعل-) وهذا هو المراد عند الأصوليين
    وقد يطلق (المُخَصِّص) على فاعل التخصيص وهو الشارع .
    مثال ذلك: قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] فهذا عامٌّ في كل مشرك كما سبق لكنه (عامٌّ مخصوصٌ أو مُخَصَّص) لِخُروجِ المعاهَدون منه فلا يجوز قتلهم بدليل قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] وهذا هو المُخَصِّص
    قال: أرأيت قوله: "التقييد بالصفة" ما المراد بالصفة المقيِّدة ؟
    قلت: الصفة المقيِّدة هي ما أفاد معنى في الموصوف من نعت وحال وعطف بيان وغيرها
    قال: فهل بقي شيء آخر غير ما ذكرتَ ؟!
    قلت: نعم، بقي الصفة الكاشفة
    قال: الصفةُ الكاشفة !!
    قلت: نعم
    قال: وما هي ؟ كأني لم أسمع بها من قبل.

  8. #128
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    قلت: اعلم أن الصفة قد تكون :
    أ*- صفة مقيِّدة مؤسِّسة :

    وهي ما ذكرناها آنفا
    ب*- صفة كاشفة:

    وهي التي تدل على أن الوصف الذي تدل عليه وصفٌ لازم، مطابق للواقع، ولم يؤتَ بها في الكلام للاحتراز، وليست مؤثرة في الحكم بمعنى أنك لو حذفتها لم يتغير الحكم، وليس للصفة الكاشفة مفهوم مخالفة بل هي من موانع اعتبار مفهوم المخالفة
    قال: فاضرب لي بعض الأمثلة على الصفة الكاشفة فإني ما زلت لا أفهمها
    قلت: هذه أمثلة على الصفة الكاشفة :
    1- قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة: 21] فقوله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ} صفة كاشفة؛ إذ ليس المعنى اعبدوا ربكم الذي خلقكم وأما ربكم الذي لم يخلقكم فلا تعبدوه فيكون هناك رَبَّان: رب خالق ورب غير خالق.
    2- قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: 61] فقوله: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} صفة كاشفة لا مفهوم لها؛ إذ ليس هناك قتل للنبيين بحق وقتل لهم بغير حق بل قتل النبيين لا يكون إلا بغير حق.
    3- قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33] فقوله: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} صفة كاشفة لا مفهوم لها؛ إذ لو كانت مؤسِّسَةٌ لكان لها مفهوم فيكون المعنى: لا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا أما إذا لم يردن تحصنا فأكرهوهن على البغاء.
    4- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِيءٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا أَحَدُ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ"[1] فقوله: "يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ" صفة كاشفة؛ إذ لا يكون الإنسان مسلما إلا بهذه الشهادة
    قال: قد حدثتني عن الصفة الكاشفة حتى كدت أنسى الصفة المقيِّدة فحدثني عنها قليلا
    قلت: لا بأس، الصفة المقيِّدة هي التي تفيد معنى في الموصوف ويكون لها مفهوم وتكون مؤثرة في الحكم يعني لو حذفتها تغير الحكم.
    قال: فاضرب لي مثالا عليها
    قلت: أمثلتها كثيرة ويكفي أحدها
    قال: هيه
    قلت: كأن تقول: (أَكْرِمْ بني تميم الفقهاءَ) فقولك (الفقهاء) صفة مقيدة جاءت للاحتراز فخرج بها غير الفقهاء ولو حذفتها لتغير الحكم إذ يكون الحكم: إكرام بني تميم كلهم
    قال: نعم قد فهمت هذا، ولكن هل ثمت فرْق لو قلت: (أكرم فقهاء بني تميم) يعني بتقديم الصفة
    قلت: لا، ليس هناك فرقٌ في الصفة المقيِّدة بين المتأخرة نحو: (أكرم بني تميم الفقهاء) أو المتقدمة نحو: (أكرم فقهاء بني تميم)
    قال: أرأيت المتوسطة بين موصوفين؟
    قلت: المتوسطة مثل: (أكرم بني تميم الفقهاء وبني سليم) وهذه فيها تردد والمختار أنها تتعلق بكل منهما يعني: أكرم بني تميم الفقهاء وبني سليم الفقهاء[2].

    ______________________________ ______________
    [1] صحيح: رواه الستة وأحمد
    [2] الشرح الكبير 259 بتصرف وتوضيح

  9. #129
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    (1) الاستثناء
    قال المصنف رحمه الله تعالى


    وَالِاسْتِثْنَا ءُ: إِخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ فِي الْكَلَامِ.
    - وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْءٌ.
    - وَمِنْ شَرْطِهِ: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ.
    وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْمُسْتَثْنَى عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَيَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْجِنْسِ وَمِنْ غَيْرِهِ.

    ______________________________ ________________________

    (وَ): للاستئناف البياني فإنه لما قال: "فالمتصل: الاستثناء، والشرط، والتقييد بالصفة" فكأن سائلا سأله: (وما الاستثناء؟ والشرط؟ والتقييد بالصفة؟) فقال: (والاستثناء كذا والشرط كذا والمقيد بالصفة كذا)
    (الِاسْتِثْنَاء ): مبتدأ
    (إِخْرَاجُ): خبر، وهو مضاف
    (مَا): مضاف إليه مبني على السكون في محل جر
    (لَوْلَاهُ): (لولا) حرف جر يجر الضمير خاصة، والهاء ضمير متصل نائب عن الضمير المنفصل إذ الأصل (لولا هو) مبني على الضم في محل رفع مبتدأ يعود على (إخراج)، والخبر محذوف وجوبا أي: لولاه موجودٌ
    (لَدَخَلَ): اللام واقعة في جواب (لولا)، و(دخل) فعل ماض والفاعل مستتر جوازا تقديره (هو) يعود على ما يعود عليه الضمير في (لولاه) وهو (إخراج)، والجملة من الفعل والفاعل وما تعلق بهما لا محل لها من الإعراب جواب شرط غير جازم هو (لولا)
    (فِي الْكَلَامِ): متعلق بـ (دخل)

  10. #130
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    (وَ): للاستئناف النحوي
    (إِنَّمَا): أداة حصر
    (يَصِحُّ): فعل مضارع والفاعل مستتر جوازا تقديره هو يعود على الاستثناء
    (بِشَرْطِ): متعلق بـ (يصح)، و(شرط) مضاف
    (أَنْ): حرف مصدري ونصب
    (يَبْقَى): فعل مضارع منصوب بـ (أن) وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، و(أنْ) والفعل (يبقى) في تأويل مصدر تقديره (بقاء)، وهذا المصدر في محل جر مضاف إليه، والمضاف هو كلمة (شرط) من قوله: (بشرط أن يبقى) كما تقدم
    (مِنَ): حرف جر مبني على السكون لا محل له من الإعراب وحُرِّكَ بالفتح لالتقاء الساكنين
    (الْمُسْتَثْنَى) : اسم مجرور بـ (مِنْ) وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر والجار والمجرور متعلق بـ (يبقى).
    (مِنْهُ): متعلق بـ (المستثنى)
    (شَيْءٌ): فاعل للفعل (يبقى) وجملة (يبقى شيء) لا محل لها من الإعراب صلة الحرف الموصول (أن)
    (وَ): استئنافية
    (مِنْ شَرْطِهِ): الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره (كائن أو مستقر) خبر مقدم
    (أَنْ): حرف مصدري ونصب
    (يَكُونَ): فعل مضارع من (كان) الناقصة منصوب بـ (أن) وعلامة نصبه الفتحة، واسم (يكون) ضمير مستتر جوازا تقديره هو يعود على (الاستثناء) من قوله: "والاستثناء إخراج ما لولاه ..." وليس المراد (الاستثناء) بهذا المعنى (أي: إخراج ما لولاه ...الخ) بل المراد الاستثناء بمعنى الصيغة أي مجموع (إلا) مثلا مع ما بعدها ففيه استخدام، كما نَبَّهَ عليه ابن قاسم[1].
    و(أَنْ) والفعل في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر والتقدير: وكون الاستثناء متصلا بالكلام كائن من شروطه
    (مُتَّصِلًا): خبر (يكون)، وجملة (يكون متصلا) لا محل لها من الإعراب صلة (أَنْ)
    (بِالْكَلَامِ): متعلق بـ (الكلام)

    ______________________________ _____________
    [1] الشرح الكبير على الورقات 263.

  11. #131
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د:إبراهيم المحمدى الشناوى مشاهدة المشاركة
    (لَدَخَلَ): اللام واقعة في جواب (لولا)، و(دخل) فعل ماض والفاعل مستتر جوازا تقديره (هو) يعود على ما يعود عليه الضمير في (لولاه) وهو (إخراج)،
    نبهني بعض الإخوة للخطأ الواقع هنا، فالصواب أن:
    - الضمير البارز في (لولاه) يعود على (إخراج)
    - الضمير المستتر في (دخل) يعود على (ما)


    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د:إبراهيم المحمدى الشناوى مشاهدة المشاركة
    (بِالْكَلَامِ): متعلق بـ (الكلام)
    نبهني بعض الإخوة إلى السهو الواقع هنا
    والصواب:
    (بِالْكَلَامِ): متعلق بـ (متصلا)
    والله أعلم

  12. #132
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    (وَ): للاستئناف النحوي
    (يَجُوزُ): فعل مضارع مرفوع
    (تَقْدِيمُ): فاعل، ومضاف
    (الْمُسْتَثْنَى) : مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر
    (عَلَى): حرف جر مبني على السكون لا محل له من الإعراب
    (الْمُسْتَثْنَى) : اسم مجرور بـ (على) وعلامة جره الكسرة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر والجار والمجرور متعلق بـ (تقديم)، أو بمحذوف حال من (تقديم) أي: ويجوز تقديم المستثنى حالة كون التقديم كائنا على المستثنى منه
    (مِنْهُ): متعلق بـ (المستثنى)
    (وَ): استئنافية أيضا أو عاطفة
    (يَجُوزُ): فعل مضارع
    ( الِاسْتِثْنَاءُ ): فاعل
    (مِنَ الْجِنْسِ): متعلق بمحذوف حال من (الاستثناء) أي ويجوز الاستثناء حالة كونه من الجنس
    (وَ): عاطفة
    (مِنْ غَيْرِهِ): الجار والمجرور معطوف على (من الجنس)، و(غير) مضاف والضمير (الهاء) مبني على الكسر في محل جر مضاف إليه

  13. #133
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    المعنى:

    عَرَّف المصنف الاستثناء بأنه: (إخراج ما لولاه لدخل في الكلام)
    يعني إخراج شيء بـ إلا أو إحدى أخواتها
    ولولا هذا الإخراج لدخل هذا الشيء في الكلام
    نحو: (حضر الطلاب إلا زيدا)
    - فقد أخرج (زيدا) من الحكم وهو (حضور الطلاب)
    - وهذا الإخراج بـ (إلا)
    - ولولا هذا الإخراج لدخل زيد في الكلام

    فلو قلت: (حضر الطلاب) لشمل كل الطلاب ومنهم زيد فلما أردت أن تُخرِجَ أحدهم استعملت أداة الاستثناء (إلا).
    ثم ذكر لصحة الاستثناء شرطين :
    أحدهما– أن يبقى من المستثنى منه شيء نحو: (له عليَّ عشرة إلا ثلاثة)
    - فالمستثنى منه (عشرة)
    - بقي منه شيء وهو (سبعة) فتحقق الشرط الأول،

    ولو قلت: (له عليَّ عشرة إلا عشرة) لم يصح الاستثناء لأنه لم يبق من المستثنى منه شيء.
    ثانيهما– أن يكون الاستثناء متصلا بالكلام يعني ليس بينهما فاصل زمني
    فلو قلت: (له عليَّ عشرة)
    ثم بعد يوم قلت: (إلا ثلاثة) لم يصح على رأي المصنف والجمهور
    ثم ذكر من الأشياء التي تجوز في الاستثناء أمران أيضا :
    أحدهما – أنه يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه
    ففي نحو: (ما قام أحدٌ إلا زيدٌ) يجوز أن تقول: (ما قام إلا زيدًا أحدٌ) بتقديم المستثنى (زيد) على المستثنى منه (أحد)
    ثانيهما – يجوز الاستثناء من الجنس ومن غيره
    يعني: يجوز أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه نحو: (جاء القومُ إلا زيدا) فالمستثنى (زيد) من جنس المستثنى منه (القوم)،
    كما يجوز أيضا الاستثناء من غير الجنس بأن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه نحو: (جاء القوم إلا حمارا) فالمستثنى (حمارا) ليس من جنس المستثنى منه (القوم)

  14. #134
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    قال صاحبي


    قال: ذكرت أن الضمير في (لولاه) متصل نائب عن المنفصل
    وأن لولا حرف جر
    فلو وضحتَ أكثر

    قلت: (لولا) حرف امتناع لوجود؛
    فإذا قلت (لولا زيد لأكرمتك)
    فمعناه أنه امتنع إكرامي لك لوجود زيد

    و(لولا) حرف شرط غير جازم كما تعلم
    ويليها جملة اسمية فجملة فعلية كما في المثال السابق.
    أما إذا وليها ضمير فحقُّه أن يكون ضمير رفع كقوله تعالى: "وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ" [سبأ: 31]
    فقال: "لَوْلَا أَنتُمْ" ولم يقل: لولاكم
    قال: فهذا معناه أن المصنف قد لحن في قوله: "لولاه" وكان ينبغي أن يقول: (لولا هو)
    قلت: هكذا زعم المبرد فقال: "والذي أقوله: إن هذا خطأ لا يصلح إلا أن تقول: لولا أنت، قال الله عز وجل: "لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ" [سبأ: 31] ومن خالفَنا فهو لابد يزعم أن الذي قلناه أجود ويدّعي الوجه الآخر فيجيزه على بُعْدٍ"[1].
    قال: فالمصنف لحن هنا
    قلت: لا
    قال: ولِمَ ؟ ألم تنقل ذلك عن المبرد آنفا ؟
    قلت: بلى، ولكن السماع قد ورد بخلاف ما زعمه المبرد وإن كان قليلا
    فقد سُمِعَ (لولاك ولولاه ولولاي)
    ولهذا رد العلماء قول المبرد حتى قال الفارسي: (إنكار المبرد له هذيانٌ)
    قال: وزعمتَ أن (لولا) حرف جر، فلماذا لم تجر (زيد) في قولهم: (لولا زيدٌ لأكرمتك)؟
    قلت: (لولا) حرف جر يجر الضمير خاصة، كما اختصت (حتى) و(الكاف) بجر الظاهر فقط
    قال: ذكرتَ أنَّ (أنْ) والفعل (يبقى) في تأويل مصدر
    قلت: نعم
    قال: فما معنى تأويلهما بمصدر ؟
    قلت: معناه أنهما يؤولان بمصدر تقديره (بقاء)
    قال: أفهم هذا، وما سألت عن هذا
    قلت: فعن أي شيء تسأل ؟
    قال: لعل سؤالي هو: لماذا تُقَدَّرُ (أنْ) وما بعدها بمصدر ؟
    قلت: لأن (أَنْ) حرف مصدري
    قال: ليس هذا مرادي أيضا
    قلت: فما مرادك ؟
    قال: أريد أن أسأل عن شيء ولا أستطيع التعبير عنه
    قلت: فكأن سؤالك هو الأول يعني: ما معنى أن (أَنْ) والفعل في تأويل مصدر؟
    قال: نعم
    قلت: معناه أن (أَنْ) إذا دخلت على الفعل المضارع فإنهما يُجْعَلان فى تأويل مصدر باعتبار الأحكام اللفظية: كصحة دخول حرف الجر عليه وعطف المفرد عليه
    فنظر إليَّ مسرورا وكأنه أراد المزيد
    فقلت له:وأيضا فإنهم ذكروا أن المصدر الصريح لا يجوز أن يقع خبرا عن جثة، بخلاف المؤول به فإنه يجوز
    قال: فما الفرق بينهما ؟

    _________________________ _____________
    [1] مغني اللبيب ت. الخطيب 3/ 450 حاشية (6) حيث نقل كلام المبرد من الكامل ص1278.

  15. #135
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    قلت: المصدر لم يجز أن يقع خبرا عن جثة لعدم دلالته بصيغته على فاعل وزمان
    بخلاف الفعل المقدر به فإنه لكونه دالا على الفاعل والزمان يجوز الإخبار به عن الجثة
    وبهذا يظهر الفرق بين المصدر والفعل المؤول به
    وإن ذَكَرَ بعض أصحاب الحواشي بُعْدَ الفرقِ بينهما حتى قال بعضهم: لولا القائل السيد الشريف لرددته[1]،
    فاحفظ هذه فإنها من الحُور المقصورات.
    قال: فلماذا ذكرت أن جملة (يبقى شيء): لا محل لها من الإعراب صلة الحرف الموصول (أَنْ)
    قلت: لأن (أَنْ) موصول حرفي وهو يحتاج إلى صلة كالموصول الاسمي
    وجملة الصلة لا محل لها من الإعراب كما قال ابن هشام: "الجملة السادسة (أي من الجمل التي لا محل لها من الإعراب): الواقعة صلة لاسم أو حرف فالأول نحو: (جاء الذي قام أبوه) فـ (الذي) في موضع رفع والصلة لا محل لها ... والثاني نحو: (أعجبني أن قمت) أو (ما قمت) إذا قلنا بحرفية (ما) المصدرية وفي هذا النوع يقال: الموصول وصلته في موضع كذا لأن الموصول حرف فلا إعراب له لا لفظا ولا محلا [2].
    قال: إذا كان الموصول الاسمي والحرفي يحتاجان إلى صلة فما الفرق بينهما؟
    قلت: الفرق أن الموصول الاسمي يحتاج إلى عائد بخلاف الموصول الحرفي
    قال: فهل هناك موصول حرفي غير (أَنْ) المصدرية؟
    قلت: نعم، الموصول الحرفي عند الجمهور ثلاثة: (أَنَّ) المفتوحة، و(أَنْ)، و(ما) المصدريتان


    قال: إن موضوع الاستثناء من المواضيع الصعبة وفيه مصطلحات كثيرة فلو ذكرتَ لي أهم مصطلحاته التي تدور فيه.
    قلت: نعم، فالاستثناء من أهم المخصِّصات وله أحكام كثيرة حتى إنه قد أفرد بالتأليف ومن أهم المؤلفات فيه كتاب (الاستغناء في أحكام الاستثناء) للقرافي؛ فلهذا سأحاول تبسيطه بذكر أهم مصطلحاته التي تتردد فيه وتبيينها بالأمثلة.
    فاعلم أن المصطلحات التي ينبغي معرفتها هنا على سبيل الإجمال هي:
    (1) الاستثناء: وهو إخراج شيء بـ (إلا) أو (إحدى أخواتها) مما كان داخلا في الحكم السابق عليها
    مثل: (حضر الطلاب إلا زيدا)
    - فالحكم هنا هو: (حضور الطلاب)
    - ثم أخرجنا (زيدا) من هذا الحكم أي أنه لم يحضر،
    - واستعملنا لهذا الإخراج أداة الاستثناء (إلا)

    (2) المستثنى منه: هو الاسم العام الذي يكون منه الإخراج باعتبار الحكم المنسوب له، وعادة يكون مذكورا قبل (إلا) وشاملا للمستثنى،
    وهو في المثال السابق (الطلاب)
    - فهو اسم عام شمل كل الطلاب
    - وهو الذي أخرجنا منه (زيدا) باعتبار الحكم المنسوب له الذي هو (الحضور)
    - وهو مذكور قبل (إلا) كما هي العادة في مثل هذا التركيب،
    - وهو أيضا شامل للمستثنى الذي هو (زيد) فـ (زيد) أحد الطلاب

    (3) المستثنى: هو الاسم المذكور بعد (إلا) مخالفا في الحكم لما قبلها
    وهو في المثال السابق (زيد)
    - فهو مذكور بعد (إلا)
    - ومخالف لما قبلها (الطلاب) في (الحكم) الذي هو (الحضور)

    (4) أداة الاستثناء: هي (إلا) أو إحدى أخواتها
    (5) الكلام التام: هو الذي ذُكِرَ فيه المستثنى منه
    فالمثال السابق (حضر الطلاب إلا زيدا) كلام تام لأنه ذكر فيه المستثنى منه (الطلاب
    (6) الكلام الموجب: هو الكلام المثبَت الذي لم يتقدم عليه نفي أو شبهه؛ (النهي والاستفهام)
    فالمثال السابق (حضر الطلاب إلا زيدا) استثناء موجب لأنه مثبت.
    (7) الكلام غير الموجب: هو ما سُبِقَتْ جملتُه بنفي أو شبهِهِ، وشبه النفي (النهي والاستفهام)
    أ*- فالنفي: نحو: (ما حضر الطلاب إلا زيدا)
    ب*- والنهي كقوله تعالى: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ} [هود: 81]
    ت*- والاستفهام نحو: هل تأخر أحدٌ إلا زيدا.

    (8) الاستثناء المتصل: ما كان فيه (المستثنى) من نوع (المستثنى منه) مثل:
    - سقيتُ الأشجارَ إلا شجرةً،
    - وقام القوم إلا زيدا.

    (9) الاستثناء المنقطع: ما لم يكن فيه (المستثنى) من نوع (المستثنى منه) مثل:
    - قام القوم إلا حمارا،
    - ومنه قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ} [ص: 73- 74، والحجر: 30، 31]
    فإن إبليس ليس من جنس الملائكة في أصح قولي العلماء.

    (10) الاستثناء المُفَرَّغ أو الناقص: هو ما لم يذكر فيه المستثنى منه ولابد أن يكون الكلام غير موجب
    مثل: (ما حضر إلا زيد)
    فأصل الكلام (ما حضر أحدٌ إلا زيد)
    فحذف المستثنى منه (أحد)

    - فصار الاستثناء ناقصا
    لنقصان أحد أركانه؛ (المستثنى منه)

    - وصار مفرغا لتفرغ ما قبل (إلا) للعمل فيما بعدها.



    قال: تذكرتُ الآن كلمة يكثر ورودها في باب الاستثناء
    قلت: وما هي؟
    قال: قولهم: (الاستثناء معيار العموم).
    قلت: نعم
    قال: فما معناها؟

    ______________________________ ________________________
    [1] معرب الكافية 15.
    [2] مغني اللبيب – ت. الخطيب: 5/ 158.

  16. #136
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    قلت: يريدون أن اللفظ إذا صح أن يستثنى منه فهذا يدل على أنه عامٌّ
    قال: مثل ماذا؟
    قلت: مثل قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ} فقد استثنى (الَّذِينَ آمَنُواْ) من لفظ (الْإِنسَانَ) فدل على أن لفظ الإنسان عامٌّ.
    قال: أرأيت قوله: "ويجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه" ما فائدتها في الأصول؟
    قلت: الظاهر أنها لا فائدة لها وإنما هي من علم النحو
    قال: فلماذا ذكرها هنا؟
    قلت: الكلام يجر بعضه بعضا.
    قال: هل يجوز الاستثناء من أسماء الأعداد نحو: (له عندي عشرة إلا ثلاثة)؟
    قلت: نعم، يجوز ذلك
    قال: كيف ذلك؟
    فضحكت وقلت: بأن تقول: (له عندي عشرة إلا ثلاثة)
    قال: لست أمزح حقا! وسأعيد سؤالي بطريقة ثانية
    قلت: هاتِ
    قال: أليست أسماء الأعداد نصوصا؟
    قلت: ما معنى (نصوصا)؟
    قال: جمع (نص) وهو الذي لا يجوز أن يراد به غير مسماه، ويقابله (الظاهر) وهو الذي يجوز أن يراد به غير مسماه لعلاقة بينهما.
    قلت: نعم، نعم، فهمت مرادك، تريد أن تقول إن أسماء الأعداد (كالعشرة) مثلا (نصوصٌ) وليست (ظواهر) يعني لا يدخلها المجاز.
    قال: نعم، هو ذاك
    قلت: أكْمِلْ
    قال: فلو قلت: (له عندي عشرة إلا سبعة) فقد استعملت لفظ (عشرة) وأردت به (ثلاثة) وهذا مجاز، والمجاز لا يجوز دخوله في أسماء الأعداد لأنها من باب (النص) لا (الظاهر)
    قلت: يالها مِنْ شبهة! إنها حقا شبهة قوية وقد وقعت للأستاذ الشَّلَوْبِين قبلك
    قال: كيف تزعم أنها شبهة وقد ذكرت أنها وقعت لمثل الأستاذ الشلوبين؟
    قلت: هي شبهة وإن وقعت للأستاذ الشلوبين
    قال: فما جوابها؟

  17. #137
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    قلت: قوله تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14] فقد وقع الاستثناء من الألْفِ وهي اسم عدد.
    فسكتَ
    قلت: وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا"[1]. فقد وقع الاستثناء من المائة وهي اسم عدد.
    قال: فكيف يدخل المجاز في النصوص؟
    قلت: لا نُسَلِّمُ أن أسماء الأعداد من النصوص بناءً على ما وجد فيها من المجاز
    قال: بل هي نصوص ولعلك لا تجد جوابا فعدلت إلى ما ذكرتَ من كونها ليست نصوصا
    قلت: سلمنا بأنها نصوص جدلا فالجواب أن معنى قولهم: (النص لا يدخله المجاز) أنه لا يجوز أن نطلق اللفظ بمفرده على غير مسماه كأن تقول: (رأيت عشرة) وأنت تريد ثمانية مثلا، كما تقول في (الظاهر): رأيت أسدا، وأنت تريد رجلا شجاعا، فهذا هو الممتنع في الأعداد وغيرها مما نقول إنه (نص)
    أما مع ألفاظ الاستثناء (إلا وأخواتها) فلا يمتنع ذلك في (نص) ولا غيره
    قال: فقد كنت تقول إن أسماء الأعداد ليست من (النصوص) بناء على ما وجد فيها من المجاز
    قلت: نعم
    قال: مجاز مثل ماذا؟
    قلت: مثل قوله تعالى: {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] فقد قال المفسرون إن المراد بالسبعين العدد الكثير من غير اعتبار بخصوص السبعين
    ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} [الحاقة: 32] فقد قال المفسرون أيضا إن المراد كثرة عدد طولها من غير مراعاة لخصوص السبعين، فإذا قطع النظر عن خصوص السبعين فقد دخلها المجاز
    وقد دخل التأكيد في أسماء العدد أيضا كما في قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] والتأكيد إنما يدخل في الكلام لإبعاد المجاز، ولولا قبول اللفظ للمجاز لما قال {كَامِلَةٌ}
    ومن دخول المجاز في أسماء العدد أيضا قولهم: (جئت إليك مائة مرة ما وجدتك) وقولهم: (سألتك ألف مرة ما وافقتني) والمراد بالمائة والألف العدد الكثير لا خصوصهما وهذا حَسَنٌ عُرْفًا فوجب أن يكون حَسَنٌ لغة؛ لأن الأصل عدم النقل والتغيير
    وقال القرافي رحمه الله: (وإذا جَوَّزْنا دخول المجاز في أسماء العدد اندفعت شبهته – أي الأستاذ الشلوبين- رحمه الله تعالى، وهي شبهة قوية لو لم يكن في هذا الباب إلا معرفتها والجواب عنها، وذلك كان المقصود من وضع هذا الباب فإنها قد تعرض للإنسان في نفسه من غير أن يثبت عنده ما قاله الشلوبين رحمه الله، فاعلم ذلك)[2].


    قال: ذكرت أن من شروط الاستثناء الاتصال بالمستثنى منه لفظا

    ______________________________ __________________
    [1] صحيح: رواه البخاري ومسلم
    [2] الاستغناء في الاستثناء للقرافي 433 ت. محمد عبد القادر عطا ط. دار الكتب العلمية

  18. #138
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    قلت: نعم
    قال: أرأيت لو تأخر المستثنى عن المستثنى منه
    قلت: إن كان تأخره على وجه لا يدل على أن المتكلم قد استوفى غرضه من الكلام كالسكوت لانقطاع النَّفَسِ أو لابتلاع ريق أو سعال ونحو ذلك فهذا لا يُعَدُّ انفصالا عُرْفا بل هذا من الاستثناء الذي تحقق فيه شرط الاتصال
    قال: أرأيت الفصل بينهما (أي المستثنى والمستثنى منه) بالكلام الطويل أو سكتة تعب
    قلت: الشرطُ ألا يُفْصَلَ بينهما بالزمن فصلا تقضي العادة فيه أن يكون الكلام الثاني غير مرتبط بالكلام الأول، فإن كان الفصل بينهما لطول الكلام المستثنى منه فإنه لا يضر بل يُعَدُّ في العادة متصلا، أما إن كان الانقطاع بسبب الأخذ في كلام آخر فإن هذا يُعَدُّ تركًا وإعراضا عُرفا[1].
    قال: كأن هذا الشرط مجمع عليه
    قلت: لا، بل دعوى الإجماع غير صحيحة
    قال: فهل خالف في هذا أحدٌ؟
    قلت: نعم
    قال: مَنْ؟
    قلت: ابن عباس رضي الله عنه فقد نُقِلَ عنه جواز انفصال الاستثناء إلى شهر ونقل عنه إلى سنة ونقل عنه إلى الأبد يعني مدة حياة المتكلم فله أن يستثنى في أي وقت
    ونقل عن مجاهد جواز الاستثناء إلى سنتين
    ونقل عن سعيد بن جبير جوازه إلى يوم أو أسبوع او أربعة أشهر أو سنة
    وعن عطاء والحسن أنه يجوز الاستثناء ما دام في المجلس
    وعن عطاء جوازه بمقدار حلب الناقة الغزيرة[2].
    قال: فما تقول في هذا؟
    قلت: أقول بقول حامل البَقْلِ.
    فنظر إليَّ متعجبا وقال: ماذا؟!
    قلت: هو ما سمعتَ؛ أقول بقول حاملِ البقلِ.
    قال: وما لِحامل البقل والاستثناء؟! يا أخي دعنا من مزاحِكَ
    قلت: إذن أقول فيها بآخر قولَيْ هارون الرشيد
    فقال وهو مستشيطٌ غضبا: يا هذا ألا ترعوي عن مزاحك قليلا حتى ننتهي من هذا الموضوع الصعب
    قلت له: أنا لا أمزح
    فانفجر قائلا: كيف لا تمزح؟! ما لِهارون الرشيدِ والاستثناء؟! بل ما لحامل البقل وقولِ ابن عباس رضي الله عنه في الاستثناء؟! إن كنتَ حقا لا تمزح فلا شك أنك تهزأُ بي، وما هكذا يكون الطلب، فإِنْ كُكْككْككْ
    فوضعتُ يدي على فيه وقلت له: اصمت قليلا حتى أستطيع أن أبين لك الأمر وحتى تعلم أني لا أمزح ولا أَهزأ
    فسكتَ قليلا ثم قال: ها أنا ذا قد سكت، فما قول حامل البقل؟ وما قصته؟ وما قصة الرشيد؟

    ______________________________ ____________________
    [1] نهاية السول في شرح منهاج الأصول للإسنوي/ البيضاوي، ومعه حاشية سلم الوصول لشرح نهاية السول للعلامة محمد بخيت المطيعي 2/ 410 ط. عالم الكتب، وشرح البدخشي مناهج العقول شرح منهاج الأصول ومعه نهاية السول للإسنوي 2/ 95 ط. محمد علي صبيح وأولاده، وأصول الفقه للعلامة الشيخ محمد أبو النور زهير 2/ 224 ط. المكتبة الأزهرية للتراث، والبحر المحيط للزركشي 3/ 284 تحرير د. عمر سليمان الأشقر ط. وزارة الأوقاف بالكويت
    [2] إرشاد الفحول للشوكاني 2/ 651 ت. أبي حفص سامي بن العربي الأثري ط. دار الفضيلة

  19. #139
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    قلت: أما حامل البقل: فقد حكى ابن النجار في (تاريخ بغداد) أن أبا إسحاق الشيرازي أراد مرة الخروج من بغداد فاجتاز في بعض الطرق وإذا برجل على رأسه سلة فيها بَقْلٌ وهو يقول لآخر معه: مذهب ابن عباس في الاستثناء غيرُ صحيح؛ إذ لو كان صحيحا لَمَا قال تعالى لأيوب عليه الصلاة والسلام: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44] بل كان يقول له: استَثْنِ، ولا حاجة إلى هذا التَّحَيُّلِ في البِرِّ. قال: فقال أبو إسحاق: بلدةٌ فيها رجل يحمل البقل وهو يَرُدُّ على ابن عباس لا تستحق أن تَخْرُجَ منها.
    فتهلل وجه صاحبي ثم قال: قد ظلمتك
    قلت: لا تثريب عليك غفر الله لنا ولك
    قال: فما قصة هارون الرشيد؟ وما آخرُ قَوْلَيْه؟
    قلت: حُكِيَ أن الرشيد استدعى أبا يوسف القاضي وقال له: كيف مذهب ابن عباس في الاستثناء؟ فقال له أبو يوسف: إن الاستثناء المنفصل يُلْحَقُ بالخطاب ويُغَيِّرُ حكمه ولو بعد زمان. فقال: عزمتُ عليك أن تفتي به ولا تخالفه. وكان أبو يوسف لطيفا فيما يورده، متأنيا فيما يريده، فقال له: رأيُ ابن عباس يفسد عليك بيعتك؛ لأن من حلف لك وبايعك رجع إلى منزله واستثنى؛ فانتبه الرشيد وقال: إياك أن تُعَرِّفَ الناس مذهب ابن عباس، فاكتمْه[1].
    فضحك صاحبي وسكتَ
    ثم قال: المصنفُ ذكر شرطين للاستثناء وهما: أن يبقى من المستثنى منه شيء، وأن يكون متصلا بالكلام
    قلت: نعم
    قال: ولم يذكر الشرط المشهور عند الأصوليين
    قلت: وما هو ؟
    قال: ألا يكون مستغرِقا
    قلت: أنى لك هذا الفهم ؟
    قال: هو مِنْ ذكاوة العقل
    فضحكت وقلت: ما أعظمها من ذكاوة !
    قال: أأأأ
    فبادرتُه قائلا: انتظرْ انتظرْ
    قال: لماذا أنتظرُ ؟ إني أريد أن أسأل سؤالا
    قلت: وهل انتهينا مما سبق ؟
    قال: نعم، قد انتهينا
    قلت: بل لم ننتهِ بَعْدُ
    قال: فماذا بقي ؟
    قلت: بقي أن تعلم أن جوابك الذي هو من ذكاوة العقل – خطأ
    قال: كيف هذا ؟
    قلت: لا أدري كيف هذا ولكنه خطأ
    قال: فما الصواب ؟
    قلت: الصواب أن قول المصنف: "أن يبقى من المستثنى منه شيء" مُساوٍ لقول الأصوليين: "ألا يكون مستغرِقا"
    فنظر إليَّ متعجبا ثم قال: حقا!
    قلت: نعم، حقا.
    قال: تعني أن الأول تعبير المصنف والثاني تعبير الأصوليين
    قلت: نعم، هو ما تقول
    قال: فما معنى قولهم: "مستغرِقا" ؟
    قلت: معناه أن من شروط الاستثناء ألا يكون المستثنى مستغرِقا كل المستثنى منه
    قال: فهل هذا الشرط متفق عليه ؟
    قلت: نعم، في العدد دون الصفة
    قال: ما معنى في العدد دون الصفة ؟
    قلت: معناه أن المتفق عليه بين العلماء أن من شروط الاستثناء: ألا يكون المستثنى مستغرِقا للمستثنى منه لكن هذا حينما يكون الاستثناء من العدد، أما إذا كان الاستثاء من الصفة فقد قال كثير من العلماء: يمكن أن يكون المستثنى مستغرِقا للمستثنى منه كله
    هل فهمتَ ؟
    قال: فهمتُ بعضًا ولم أفهم بعضا
    قلت:...

    ______________________________ ________
    [1] البحر المحيط 3/ 285- 286.

  20. #140
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    824

    افتراضي

    قلت: سأضرب لك مثالين
    قال: ولِمَ ؟ وهل أنت قوي ؟
    قلت: ما هذا ؟ ماذا تقول ؟
    قال: أقول: (ولِمَ ؟ وهل أنت قوي ؟) أحسب أن كلامي مفهوم جدا
    قلت: أنا لا أفهم شيئا مما تقول؛ فعن أي شيء تسأل بقولك: (ولِمَ؟) ولماذا تقول: (وهل أنت قوي؟)
    قال: سبحان الله ! كلامي واضح جدا، وعلى كل فلا بأس بتوضيحه لك
    قلت: هاتِ
    قال: ألم تقُل: (سأضرب لك مثالين) ؟
    قلت: بلى
    قال:فلماذا تضربهما
    فسكتُّ
    قال: وإذا استطعت أن تضرب رجلين فأنت رجل قوي أليس كذلك؟
    قلت له: هداك الله ؛ أتحسب أن المثالين اللذين أريد أن أضربهما رجلين من الناس فأنا لذلك رجل قوي، وتسأل عن الحكمة في ضربي إياهما؟
    قال: نعم، هو ذاك
    قلت: سأضربهما ليس لأني قوي فحسب، بل لأني مُفْتَرٍ أيضا
    قال: وهل يليق بطالب العلم أن يتصف بهذه الصفات الذميمة
    قلت له: يا أخي قد أتعبتني، أتظن أن هذا ضربٌ حِسِّيٌّ؟ وأن المثالين رجلان من الناس؟! ووو
    فأشار إلي أن اسكت فقد انتبهتُ، وفي الحقيقة لا أدري ماذا كنت أقول فقد أصابني ذهول
    قلت: وهل هذا ذهول ؟
    قال: دعنا من هذا وخبرني لماذا يقولون: ضرب مثالا، وسيضرب مثالا، واضرب مثالا ... الخ؟
    قلت: الضَّرْبُ يقع على جميع الأَعمال إِلا قليلاً؛ يقال: ضَرَبَ الدِّرْهمَ يَضْرِبُه ضَرْباً: طَبَعَه. وضَرَبَتِ العَقْربُ تَضْرِبُ ضَرْباً: لَدَغَتْ. وضَرَبَ العِرْقُ والقَلْبُ يَضْرِبُ ضَرْباً وضَرَباناً نَبَضَ وخَفَقَ. ومنه ما هنا: ضرب مثالا أي ذكَرَهُ
    قال: نعم، أحسنت فاضرب لي مثالا، لا، بل مثالين
    قلت: على ماذا ؟
    قال: على ما ذكرتَ سابقا
    قلت: وما هو ؟ لقد أُنْسِيتُ ما كنا فيه
    قال: قلتَ: "إن المتفق عليه بين العلماء أن من شروط الاستثناء: ألا يكون المستثنى مستغرِقا للمستثنى منه لكن هذا حينما يكون الاستثناء من العدد، أما إذا كان الاستثاء من الصفة فقد قال كثير من العلماء: يمكن أن يكون المستثنى مستغرِقا للمستثنى منه كله" ثم قلتَ: "سأضرب لك مثالين" يعني على هاتين المسألتين
    قلت: نعم، تذكرتُ، سأضرب أأأأ ، أعني: سأذكر لك مثالين على ما سبق
    الأول - الاستثناء المستغرِق من العدد نحو: (له عندي عشرة إلا عشرة) وهذا كما سبق لا يجوز بل هو استثناء باطل
    قال: وما وجه بطلانه ؟
    قلت: وجهه: أنك أبطلتَ عين ما أَثْبَتَّ، فصرتَ كالساكت، ولم يُفِدْ كلامُكَ شيئا، لكن العلماء أيضا قالوا: إن محل هذا في غير الوصية فلو قال: (أوصيت له بمائة إلا مائة) صح الاستثناء وكان رجوعا عن الوصية
    قال:فهذا يجرنا إلى الحديث عن استثناء الأكثر أو الأقل نحو: (عندي عشرة إلا ستة) و(إلا أربعة)
    قلت: نعم يجرنا إلى هذا، لكن لو أخرناه قليلا حتى نذكر مثال الصفة كان أفضل
    قال: نعم، لا بأس، هذا أفضل
    قلت: المثال الثاني - الاستثناء المستغرِق من الصفة نحو: (أعطِ مَنْ في الدار إلا الأغنياء) ثم كان كلُّ من في الدار أغنياء، فهنا أصبح الاسثناء من حيث الواقع مستغرِقا لكن من حيث المعنى العام ليس مستغرِقا؛ لأن القائل ربما لا يدري هل في الدار فقراء أو ليس فيهم فقراء
    قال: ثَمَّتَ أسئلة على ما ذكرتَ من هذين المثالين وما يتعلق بهما
    قلت: هاتِ
    قال:أولا ما سبق السؤال عنه وهو: هل يجوز أن يكون المستثنى أقل من المستثنى منه نحو: (له عندي عشرة إلا أربعة)؟
    قلت: نعم، يجوز، وشذ قوم فقالوا: لا يجوز إلا لضرورة وهذا مردود
    قال: فهل على الجواز دليل
    قلت: نعم، أدلة منها: قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا } [العنكبوت: 14] فاستثنى الخمسين من الأَلْفِ وهو استثناء الأقل من الأكثر
    ومنها قوله تعالى: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُ مْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82، 83] فاستثنى (المخلَصين) وهم الأقل من (الغاوين) وهم الأكثر
    قال: وما أدراك أن (المخلصين) أقل من (الغاوين) ؟
    قلت: أدلة أيضا منها قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]
    قال: نعم، قد علمت الآن أنه يجوز استثناء الأقل من الأكثر، فهل يجوز عكسه؟ أي: استثناء الأكثر من الأقل؟
    قلت: فيه قولان للنحاة:
    أحدهما- لا يجوز، وإليه ذهب الزجاج وابن جني وابن قتيبة وغيرهم، وهو مذهب البصريين
    ثانيهما- يجوز، وإليه ذهب السيرافي وأبو عبيد وأكثر الكوفيين، وأجازه أيضا أكثر الأصوليون
    قال: فما الراجح في ذلك ؟
    قلت: الثاني وهو الجواز
    قال: فهل عليه دليل ؟
    قلت: بلى، أدلة منها قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] وكما سبق فـ (الغاوون) المتبعون لإبليس أكثر من (المخلصين)
    قال: بقيت مسألة
    قلت: وما هي ؟
    قال: استثناء النصف نحو: (له عندي عشرة إلا خمسة)
    قلت: نعم، الراجح جوازها أيضا:
    فأما على مذهب من أجاز استثناء الأكثر نحو: (عندي عشرة إلا تسعة) فظاهر أن استثناء المساوي نحو: (عندي عشرة إلا خمسة) أشد جوازا
    وأما على مذهب مَن منع استثناء الأكثر فقد اختلفوا على قولين فأجازه بعضهم ومنعه بعضهم
    قال: فما الراجح في هذا ؟
    قلت: الراجح الجواز كما تقدم
    قال: فهل عليه دليل ؟
    قلت: بل أدلة منها قوله تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ} [المزمل: 2، 3][1]
    قال: ولكن يمكن أن يجاب عن ذلك بيييييييـــ....
    فأشرت إليه: أن اسكت ثم قلت: لا شك أن كل دليل عليه جوابات وأَخْذٌ ورَدٌّ ويمكنك أن تطلبها في المطولات، ولكن الراجح هو ما ذكرت لك
    قال: ذكرتَ أنه يجوز الاستثناء من غير الجنس بأن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه نحو: (جاء القوم إلا حمارا) فالمستثنى (حمارا) ليس من جنس المستثنى منه (القوم)
    قلت: نعم
    قال: فكيف يصح استثناء الحمار والثعبان والأسد من القوم
    قلت: وهل ذكرتُ لك أنه يجوز استثناء (الثعبان والأسد من القوم)
    قال: لا، ولكن ذكرتَ أنه يجوز استثناء (الحمار) منهم،
    قلت: نعم
    قال: فأي فرق بين الحمار والأسد والثعبان والعقرب والنسر ...الخ؟!
    قلت: بينها فرق ربما لا يظهر لك
    قال: وما هو ؟

    ______________________________ ______________________________ __
    [1] البحر المحيط 3/ 288- 290.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •